نكهة قهوة صباحية فواحة و براعم حب واعد

نكهة قهوة صباحية فواحة و براعم حب واعد

بقلم مهدي قاسم

أحيانا اخلق لحظات متعتي وقوت روحي و تجديدها من ما وهبتني و تهبني باستمرار امي الطبيعة السخية الكريمة من عطاياها المذهلة وهي كنوز من خزائنها العامرة التي لا تُنفد أبدا ..
ما أن أصحو وبعدما أكون قد صنعتُ قهوتي بنفسي حيث ترافقني نكهتها أينما أخطو مع بقايا أحلامي الأخيرة التي لا زالت طرية تمر في ذاكرتي وامضة ..
اقترب من النافذة وفي يدي فنجان قهوتي ، لألقي نظرة ناعسة ، متثائبة ، على وجه العالم الشتائي العبوس المتجهم دوما ، بشكل غير ودي إطلاقا ، كما العادة في مثل هذا الموسم المزاجي المتقلب للشتاء بين ساعة وأخرى بين عتمة مباغتة و أضواء باهتة وهزيلة ولكن مسرة رغم ذلك ..
المح شمسا خجولة ، شبه شاحبة ، ترمش من وراء أكتاف غيوم داكنة ، فأشرع لها وجهي لتبوسني وتستحمتني بأنفاسها الذهبية الشقراء الدافئة بالكاد ..
يلفت أنظاري مشهد سيدة أنيقة تمضي برفقة كلبها الصغير المدلل الذي يصّر على التوقف بين لحظة وأخرى مندفعا بهاجس وهوس تشمّم بأنفه الرطب المخضب بين زوايا جدران و أعمدة كهرباء و جذور أشجار ، بمحاذاة الرصيف ، غير قادر على مقاومة ما تستهويه من شم روائح براز وبول نفادة لكلاب أخرى ، كانت قد سابقتها مرورا من هناك قبل ساعات أو أيام ، تاركة رائحة بصمتها الأنثوية أو الذكورية ” الجذابة ” المثيرة للفضول وحب التعارف ..
ثم يلي مشهد آخر تعبر من خلاله السيدة الأنيقة وكلبها الصغير الشارع بحذر وترو ، نحو الحديقة العامة الواقعة في الجهة المقابلة و المحاذية للنهر ، وهي تحاول بين وقت وآخر أن تكبح جماح الكلب الذي يريد الاندفاع و الانطلاق للانضمام إلى أقرانها من كلاب أخرى تلعب بعضها مع بعض بمرح و روح سلمية و تسلية لطيفة ، مطلقة بين وقت و آخر عواء خافتا تعبيرا عن مسرة و فرحة لمثل هذه اللقاءات الجماعية الحرة الجارية في الهواء الطلق ..
وعلى بعد أمتار ليس إلا ، ثمة سرب حمائم تسرح بهمة و مثابرة بين أعشاب وأوراق خريف مبعثرة ، يتبعها عن قرب قريب غراب طفيلي مشاغب ، يحاول السطو على رزق الحمائم بهدف فوز بفتات خبز او دودة سمينة ينتزعها من منقار إحدى الحمامات ، و فجأة ينفلت كلب السيدة جريا ، فتفزع الحمائم وتندفع طائرة نحو أغصان الأشجار القريبة ، بينما يقف الغراب متحديا و مستخفا بالكلب الصغير الذي يتراجع جبنا وكذلك استجابة لنداء صاحبته التي تصيح عليه بنبرة حزم و تأنيب..
يليه مشهد آخر لشاب وشابة منزويين على مقعد خشبي عتيق ، متحاضنين لحد تشابك ملتحم ، مستغرقين في سكرة قبلة طويلة و عميقة ساخنة ، وهما يديران ظهرهما للعالم وكأنه ليس موجودا قط ! ، رغم ظهور جنبهما متشرد متضور نحيف ينبش في حاوية نفايات بانهماك شديد ، وهو بدوره أيضا مشغول عنهما تماما ، بحثا وتنقيبا ، على أمل حصول على أشياء ثمينة من خردوات مرمية و ربما ذات قيمة ، قد تكون صالحة للبيع إذا حالفه الحظ فجأة ..
مع ازدياد ضربات سياط قوية لرياح مندفعة وساخطة تهب بغتة ، تتفرق الغيوم متضائلة ، متلاشية ببطء غير ملحوظ ، فعندها تبتسم الشمس طليقة صعداء بطلعتها المشعة ، أكثر فأكثر، بعدما تكون قد تحررت من أسر غيوم كالحة و ثقيلة ، منعكسة على وجه الأرض كسجادة أباطرة متلألئة بتماوج ذهبي مشع ، وهي تتكئ على كتف الأفق الرمادي المتثائب ، الذي جعلته الشمس أن يستعيد صحوته أخيرا ليبدو أقل تجهما و سحنة عكرة وهو يتألق ببصيص من وميض ..
آنذاك تزداد نافذتي شروقا بفيض أنوار ساطعة تهبها أنفاس الشمس الذهبية ..
بينما وجهي يستغرق بضياء ، وروحي تجليا دافئا شيئا فشيئا ..
ــ إذن أن مواكب الحياة تمضي إلى شأنها ، سواء بنشاطنا وطاقتنا الإيجابية أو بكسلنا ويأسنا المحبط ..
أتمتم مع نفسي و أضيف حسنا على هذا النحو يجب أن تجري الأمور وإلا سيتحول كل شيء إلى جحيم لا يطاق ، أي : الانغماس العظيم في صناعة الجمال من مشاهد وهبات الحياة اليومية العابرة والبسيطة بروعة جمالها و سحرها المدهش ..
عندها سنحس في مجرى قلوبنا بتدفق تيار نهر الحياة القوي المندفع دوما ، وهو يخفق عميقا بنبضات الأبدية ..
ونحن موجه المسافر من محيط إلى آخر ..
ربما مع احتمال حدوث أفراح و معجزات صغيرة
من قبيل ازدهار براعم حب مفاجئ وواعد ..
أو سفرة اكتشافات مذهلة ! ..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close