حول لغز الحياة وسر الوجود، ح2

حول لغز الحياة وسر الوجود، ح2 * د. رضا العطار

صحيح اننا نعيش بجسمنا ونخترع بعقلنا, ولكن في كل منا بذرة الغريزة. لأننا استقينا من معين الحياة نفسه الذي استقت منه الحشرات. فإذا اردنا ان نقف على كنه الحياة, وجب ان نستخلص من غريزتنا ( بصيرة ) نتصل بها بالأحياء, ونقف منها موقف الزنبور من اليرقة او موقف النملة من المن ( مثلما ورد تفصيله في الحلقة السابقة ) , كما استخلصنا من العقل – فكرا – نخترع به.

فأداة الاختراع هي الذهن, ولكن أداة الفلسفة هي البصيرة, لأن الذهن هو العقل المنزه, وغايته الاصلية معالجة المادة. واكتساب المعرفة. ولكن البصيرة هي الغريزة المنزة, غايتها الاصلية الادراك اللدن للأحياء. بحيث يعرف الزنبور اعصاب اليرقة نفسها كأنها قطعة من جسمه هو نفسه وليست فردا منفصلا بعيدا عنه. ولكن كيف نستحدث هذه البصيرة في انفسنا ؟

يقول الفيلسوف الفرنسي برجسون ان ذلك ممكن كما استحدثنا السباحة بعد ان نسيناها اي عن طريق المران . ويقول ان الصوفية ليست في الواقع سوى النظر الى الكون بالبصيرة دون العقل . … و الى هنا اظن اني اوضحت رأي الباحث . امَا نجاح كل منا في ان يستخلص لنفسه هذه البصيرة النافذة لاسرار الكون , فهذا ما يجب ان يفحص كل قارئ نفسه فيه . و ان سر الحياة عند برجسون هو الله نفسه وهو سر الكون عينه

ولا باس هنا ان نبسط اراء هذا الفيلسوف قليلا بخصوص الذهن البشري الذي لا يستطيع وحده ان يدرك كنه الحياة . فهو يذكر في كتابه – التطور الخالق – ان الحياة كما نستقريها تتكون من ثلاثة فروع كبرى وهي :

1 – فرع النبات وطبيعته السباتية وهو خلو من الوعي , اي الدراية لأنه لا يتحرك . وما دام لا يتحرك فهو لا يتردد , والتردد اصل الوعي.

2 – فرع الحيوانات الدنيا التي تنتهي بالحشرات وطبيعتها غريزية وبها وعي. لأنها تتردد احيانا في حركاتها, وهذا التردد يجعلها تعي ان تدري بما تفعل.

3 – فرع الحيوانات العليا التي تنتهي بالانسان . طبيعتها العقل الذي يتردد ويعي.

ان الحياة تتضمن هذه الفروع الثلاثة. فاذا اردنا ان نفهم لغز الحياة على الوجه الاحسن وجب ان يكون فينا عقل الانسان وغريزة الحشرة وسبات الشجرة. لاننا نحن فرع من الحياة ولذلك فاننا اذا حاولنا ان نفهم الحياة بأذهاننا وحدها كان موقفنا بمثابة الجزء يحاول ان يفهم الكل.

وبما اننا والحشرات والنباتات من اصل واحد، وهذا الاصل هو الحياة الشاملة لنا جميعا لذلك نجد في الحشرات جرثومة العقل , وفي الانسان جرثومة الغريزة.

وفينا نحن والحشرات طبيعة النبات. اي هذا السبات الذي يشملنا كذلك يجعلنا احيانا نحب ان نركد و لا نتحرك. هذا مايقوله الفيلسوف.

يمكننا ان نستغني عن النبات من حيث ادراك طبيعته لانه لما كان لا يعي اي لا يدري , فان اهميته بالنسبة لنا في صدد موضوعنا هذا لا يساعدنا في فهم الحياة.

يبقى بعد ذلك حيوان الغريزة والارقى فيه هو النمل او النحل, وحيوان العقل وارقاه الانسان. والعقل والغريزة كلاهما نشأ لقضاء حاجات الكائن الحي من تحصيل الطعام والتناسل ونحوهما. ولكن ثم فرقا بينهما فالغريزة لا تحتاج الى تعليم او تجربة. فأن الحشرة تقف من سائر الاشياء والحيوان موقف البصيرة الكاشفة التي تتجلى لها الحقيقة فيما يخص طعامها او اولادها دون ادنى اختبار سابق او معرفة مكتسبة. ولكن العقل يختبر ويتعلم ويجرب وهو يجهل مالم يكتسب معرفته بهذه الطرق.

فكأن الحياة أداتين للمعرفة. اداة الغريزة وهي تعرف كنه الاشياء ببصيرة ثاقبة لا تحتاج الى تعليم او اختبار ولكن معرفة الغريزة محدودة لأنها مقصورة على ما ينفع الحشرة من طعام وشراب وسائر ما تسلكه لمصلحتها المعيشية وتجهل غير ذلك . ولكن الحيوان الراقي الذي يعتمد على العقل يتوسع في تحصيل معاشه ويكتسب المعارف, فمداه في المعرفة اوسع من مدى الغريزة.

لكن للغريزة ميزة على العقل وهي انها الصق بالحياة منه. فالنملة التي تحلب المنة بدون ان تعلم ذلك تقف من المنة موقف الكشف و تعرف طبيعتها. وبين الاثنين على انفصالهما علاقة تشبه ما بين راس الانسان ويده من العلاقة. ولكن الغريزة كما قلنا ضيقة المدى محصورة المعرفة لانها مقصورة على مصالح الحشرة . ونحن لا نزال نحمل في نفوسنا مكامن هذه الغرائز لاننا نحن والحشرات قد استقينا من معين واحد هو الحياة.

وقد استنبطنا من العقل ( الذي لم ينشأ في الاصل الا لتحصيل الطعام ) ذهنا يفلسف ويدرس النجوم والكواكب . فاذا اردنا ان ندرك كنه الحياة وجب ان نستنبط من نفوسنا تلك الغريزة ونستلخص منها البصيرة المرجوة . فالعقل اذا نزه عن غرض العيش استحال ذهنا والغريزة اذا نزهت عن غرض العيش استحالت بصيرة.

والبصيرة الصق بالحياة واكثر ادراكا لها من الذهن لان الذهن يتعلم ويختبر ويزيد معارفه . لكن البصيرة تكشف لنا وتقفنا من سر الحياة والجماد موقف التجلّي والمعرفة اللدنية . فكما ان عند النملة معرفة فطرية بفائدة المنة حتى انها تقوم ترعاها وتربي صغارها لكن تحلبها, كأنها هي والمنة جسم واحد منفصل المادة متصل الروح.

كذلك نتصل نحن ببصائرنا بالاحياء والاشياء في سبيل المعرفة اللدنية التي هي من جنس معرفة النملة بالمنة وان كان مداها اوسع كما ان مدى الذهن اوسع من مدى العقل.

وخلاصة القول ان الاحياء من النبات والحيوان والانسان منحدرة من معينها الاصلي للحياة والوعي المقصور على الحشرة والانسان . هو سبيل الغريزة اولا والعقل ثانيا . والانسان جزء غير متجانس مع هذه الكيانات الرثة فلا يمكنه درك كنه الحياة وحده ولكن به مع ذلك جرثومة الغريزة التي هي الصق بالحياة من قوة العقل . فسبيله هي البصيرة ليس الا . التي هي من الغريزة بمقام الذهن من العقل . لأن علم البصيرة ظرفي اما علم الذهن فمكتسب.

* مقتبس من كتاب فن الحب والحياة لسلامه موسى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close