ديماغوغية الحكم الشمولي في يوميات حمار ( للحمار ذيل واحد لا ذيلان ) للأديب قصي الشيخ عسكر

السخرية الانتقادية اللاذعة , هي حافز للحياة العابسة والمتوحشة تجاه المواطن , فيجد المتنفس الوحيد بعدما سدت كل الطرق في وجهه ان ينتهج هذا الأسلوب من الاستهجان والسخرية والادانة ايضاً , بالمعنى التعبيري في السرد الروائي على لسان الحمار ( الضمير المتكلم ) يضعنا امام فداحة الاحداث العاصفة التي تدور خلف الكواليس , بالمعنى و الإيحاء والرمز البليغ الدال , حين تشذ السلطة الشمولية عن المنطق والمعقول , تضع نفسها في مهزلة الكوميديا السوداء , لأنها تضع المواطن مجرد رقم لا يشكل شيئاً , ليس له إلا الولاء المطلق للسلطان العظيم , الذي يعتبر فريد زمانه وهبة الهية من السماء الى الأرض , وما على اصحاب الارض سواء الخضوع والسجود وترتيل اناشيد المجد للقائد الأوحد المعظم , وإذا كان المواطن خارج أوامر
الطاعة للسلطان , فالواجب أن تجري له عملية غسل الدماغ , ليكون في هيئة إنسان غارق في المهانة والإذلال , أو انه يستحق الفناء والموت . على المواطن أن يلتزم حرفياً بثقافة وإعلام النظام المهرج بالغثيان والمهازل , أن يتعلم ثقافة تمجيد القائد أو السلطان العظيم , تلك هي يوميات الحمار الذي ولد في ذيلين لا ذيل واحد , يسرد احداثها بلهفة مرهفة , في الاسلوب التراجيدية السوداء أو الكوميديا السوداء , وفق المعطيات للأحداث الواقعية , بما يدور داخل قصر السلطان وخارجه . نجد الفرق الشاسع بين السلطان ورعيته , فهو في وادٍ ورعيته في وادٍ آخر تماما , لا يلتقي مع وادي السلطان والسلطانة والحاشية والاعوان . في ممارسة نهج الترغيب والترهيب , إذا لم يأتِ باللسان فالسيف جاهز للقطف والحصاد ( ارى رؤوساً حان قطفها ) بالنسبة لصنف البشر , ولكن تعدى هذا النهج ليشمل صنفان البشر والحمير معاً , رغم ان الحمير مسالمة لا تدخل في المناكفات السياسية والحزبية ( نحن الحمير نؤمن بالمدرسة الواقعية, أقسم أن البشر جميعاً لا يفهمونني حين أسبهم , لأنهم لا ينتمون للمدرسة الواقعية , وإن إدعوا فمن باب الدجل والتمثيل ) ص11.
يوميات الحمار بطل السرد الروائي تنقسم الى قسمين . لنتحرى محتويات هذين القسمين :
×× القسم الاول :
يتحدث السارد بصوت الحمار الذي ولد في ذيلين وليس بذيل واحد , وهي نتيجة منطقية في مجتمع يعاني من الازدواجية والفهم والمعايير , في سلطة تمارس القبضة الحديدية مع صنف البشر , هذا الحمار ذو ذيلين يتعرض الى كمين الاختطاف ويجلب الى قصر السلطان , كالمعارض السياسي الذي يتعرض الى كمين الاعتقال من قبل رجال الأمن , ووضعه في قفص ذهبي و أجلسوه على صفيح ساخن ويمارس ضده أبشع وسائل التعذيب النفسي والجسدي , ومواصلة التحقيق معه حتى يعترف بما يريدون .
( اعترف … ! ! ماذا اقول ؟
– أنتميت الى حزب سياسي ؟
– كلا
أعقب : نحن الحمير لا نؤمن بتعدد الاحزاب . وننتمي الى حزب واحد يحكم كل جنسنا .
– ماذا تذكر ؟ ) ص25 . ومن اجل التخلص من أي مأزق وورطة يقع فيهما , قد يدفعه الى مخاطر جمة تضيع حياته , يتخذ امام المحققين أسلوب الغباء والذكاء , الأول لا يفهم ما يدور , ولا يفهم شيئاً حوله سوى النهيق . والثاني يفكر بالخروج الآمن من المأزق أو الورطة العويصة . ومن وحشية المعاملة ضده , فكر ان يتناول السم افضل من هذا الجحيم , وتجري عليه عمليات غسل الدماغ , ليكون مؤهلاً في جوقة المطبلين والزاعقين في مهرجانات التهريج المنافق : عاش السلطان ….. عاش الحمار . ويجلب الى قصر السلطان ويطلع على الاسرار الخفية , كيف تدار شؤون البلاد , من قبل سلطان دموي لم يتوانى ان يقترف اعتى الجرائم والحروب بدم بارد . ينتهج أسلوب الترغيب والترهيب , ويعرف كيف السلطان العظيم , يدير شؤونه بالغيبيات وقراءة النجوم والكف و يسترشد بما يتفوه به العرافين , وله عراف يطلعه على الاسرار في كل صغيرة وكبيرة . ذات يوم دق العراف ناقوس الخطر الوشيك على سلطانه المجيد وعلى السلطانة زوجته . بقوله ( الحمار ذو الذيلين شؤم …. الحمار ذو ذيلين شؤم … إن لم تتخلص منه خلال عشرة أيام , ماتت زوجتك وفقدت سلطانك … الحمد لله الذي بعثني لإنقاذ عرشك واشفي زوجتك ) ص43 . تلبس الخطر والرعب الشديد روح وملامح السلطان من هذا الحمار المشؤوم والنحس , لابد من إصدار قرار يحدد مصيره , ودعى بقرار مستعجل الى عقد جلسة طارئة للبرلمان للقادة والأمراء البلاد , لمواجهة هذا الخطر الوشيك على عرشه المقدس , وفي اليوم التالي جاءوا قادة البلاد ووجوههم يتطاير منها شرر الرعب والخوف الشديدين , بهذا دعوة الطارئة , تيقنوا بأن السلطان يعتزم شن حروب جديدة , او قد تكون هناك كارثة قد تقع , أو ربما اقامة حفلات الاعدام التي تعود على اقامتها , وكل منهم يتحسس رقبته قد يكون الضحية القادمة ( في اليوم التالي عقد البرلمان جلسته الطارئة بدعوة من السلطان !! رجال مختلفوا الأشكال والألوان والهيئات يدخلون القصر . يجلسون على المقاعد المخصصة لهم سلفاً ,يبدو على وجوههم آثار الجد والاهتمام .. كانوا متلهفين الى سماع الخبر الجديد الذي دعاهم السلطان من اجله على حين غرة ….. قرأت عيون المجتمعين رأيت الدهشة مرتسمة على الوجوه ) ص44 . تطلع السلطان بهم وشرر والغضب يتطاير من ملامحه المفترسة بهم , تيقن كل واحد منهم , سيكون حتما من ضمن حملة الإعدامات , وكان الخوف والرعب في القاعة يرجف قلوب الجالسين , مما دفع احد الحاضرين ان يزيح الرعب والخوف عن كاهله , ووقف بين الحاضرين وطلب من السلطان أن يسمح له بالكلام ( يا سيدي السلطان اطلب الرحمة , وإذا أردت أن أعلن أسماء المتأمرين … فأنا على استعداد ….. ) ص44 . قمة الكوميديا السوداء بسخرية الزمن الاحمق , بأن السلطان كان هدفه من الاجتماع , بهدف مناقشة مصير الحمار ذو ذيلين , وإذا به يكتشف خيوط مؤامرة تحاك ضده بالمصادفة , ويعود الفضل الكبير الى الحمار ذو ذيلين , مؤامرة لم يكتشفها اجهزة مخابراته ولا الاجهزة الارهابية والقمعية , وعيونها دائماً مفتوحة , وترصد اية شبهة . أمام هذا الذهول والدهشة في ملامح السلطان , لكنه تقمص بالصرامة والجد بأنه ليس غافلاً بما يجري , بل يعرف تحركات كل واحد في القاعة . وواصل هذا المتآمر كلامه وهو في خوف وحزن وأسى ( قالوا السلطان أخفق في كل شيء ….. أزمات تزداد يوماً بعد آخر …. المواد مفقودة في الأسواق … السرقات تنتشر في البلاد ليل نهار …. واتهموا السلطان المعظم , بأنه استورد حماراً عجيباً لغرض إلهاء الناس ) ص45 . هنا المقصود في رمزية الحدث , هو اشارة صريحة الى مجزرة ( قاعة الخلد ) المشؤومة حيث أعدم نصف قيادة حزب البعث , ومئات الكوادر المتقدمة في الحزب والدولة, بحجة المؤامرة المزعومة لقلب نظام الحكم , وانبرى احد الحاضرين في القاعة برفع يده بالكلام , واقترح اعدم لكل الخونة والمتآمرين , وقوبل الاقتراح بالاصوات المؤيدة المدوية في القاعة . الموت للخونة والمتآمرين . الموت للمجرمين . عاش السلطان … عاش الحمار , انفتحت اسارير السلطان بالفرح والابتهاج وانه سينفذ الإعدام حالاً بالموت والزقوم لكل الخونة والمتآمرين .
اما بالنسبة الى الحمار ذو ذيلين اقترح عليه العراف ان يرسله الى الدولة المجاورة , الى السلطان الدولة المجاورة , بذريعة الهدية , بعد أن أنهكتهم الحروب بينهما ,ومن أجل وفتح صفحة جديدة من العلاقات والصداقة الجديدة , وان يكون الهدية الحمار النحس , ربما يجلب الشؤوم للسلطان المجاور بالهلاك .
×× القسم الثاني :
وجد الحمار ذو ذيلين نفسه في حضرة السلطان الجديد , وشعر بحزن نفس النهج والأسلوب والتعامل السابق , كأنه نسخة طبق الاصل حرفياً , وكذلك في ممارسة نهج الترغيب والترهيب والبطش والتنكيل . وممارسات الاجهزة الامنية في انتهاك القيمة الانسانية بالظلم والحرمان , ولكن سخرية القدرة ومهزلته السوداء , بأن عقلية السلطان الجديد لاتختلف عن عقلية السلطان القديم . في الاعتماد على قراءة الكف والنجوم , والاسترشاد بالعرافين في إدارة شؤون السلطان والسلطنة . والحمار يشاهد ما يجري من مهازل ومهاترات . وسط دهشة وذهول واستغراب . فمرة وجد السلطان والعراف في نقاش , بأن جلالة السلطان قرر ان يتزوج من فتاة جميلة وكذلك يتزوج العراف في نفس اللحظة , ويكون ابن العراف ولي العهد ( – سيكون ابنك ولي العهد
أصطنع العراف الدهشة وسأل بغباء .
– ماذا يعني يا جلالة السلطان ؟
– أعني يكون منك ولد يحمل أسمي .
العراف يكاد يتهاوى أو يغمى عليه من المفاجاة ……… أنا فاغر فمي اكاد لا اصدق . الملك رابط الجأش بعيداً عن الانفعال ….. أخيراً يستعيد العراف وعيه ويسأل :
– الطبيب يعرفك عقيماً .
قال السلطان ببرود :
– دع الامر لي ) ص74 .
وتم أمر الزوج للسلطان العينين والعقيم , واتفق مع العراف بأن ابنه هو ابن السلطان ومن زوجته الفتاة الجميلة وليس من زوجة العراف , ولكن مهزلة الكوميديا السوداء , بأن زوجة السلطان اصبحت حاملاً بجنين , ومن اجل اخفاء الجريمة قتل العراف وزوجتة والطبيب , أصاب الرعب الحمار بأنه سيكون الجثة الرابعة من هذا القتل , وبعد ذلك اعلن السلطان , بأنه اكتشف مؤامرة لقلب نظام حكمه وسلطانه , عناصرها : العراف وزوجته والطبيب , وإن عيون السلطان ساهرة , تتربص المتآمرين والخونة , أعلنت الاعياد والافراح والابتهاج في كل انحاء البلاد , بأن الله تعالى حفظ السلطان من كيد المتأمرين الخونة . وأودع الحمار السجن . ولكن بعدما هدأت الاعياد والافراح بانتصار السلطان العظيم على اعدائه , توسل الحمار بالسلطان ان يطلقه من السجن لانه سئم معاشرة صنف البشر , وان يعيده الى صنف جنسه ليستنشق الحرية , بعد العبودية والاذلال , وان يعيد الثقة الى نفسه بأنه من صنف الحمير وليس من صنف البشر , وحال أطلق سراحه اختفى الذيل الثاني , وصبح بذيلٍ واحد ( كنت اركض على الرغم من ألمي كأي حيوان عادي . وأنا أتحسس الارض واشم الآثار لاصل الى اقرب مزرعة أو غابة اعيش فيها بقية عمري بعيداً عن مشاكسات بني آدم ) ص103 .

جمعة عبدالله

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close