المواطن أسير والثروة غنيمة حرب

حمزة الحسن

ــ نحو ذاكرة مضادة.

أين هو الفرد العراقي وفاعليته ومبادراته
وكشوفاته الفكرية والعملية،
ولماذا اختفى منذ منتصف القرن الماضي،
وحلتّ مكانه الكتل والجماعات والأحزاب والأجهزة الأمنية
والانقلابات والجيوش ومؤسسات ومنظمات السلطة؟
اذ كان المواطن العراقي قد اختفى في تلك الحقب وصار أداة في يد السلط
وأحزابها وتم تغييب وتذويب شخصيته لصالح النظام،
ففي الزمن الحالي تم الغاء وجوده كلياً كمواطن في وطن،
ولم يعد حتى أداة في يد النظام،
بل أداة في يد جماعات تدعي انتسابها للنظام لكنها في الواقع خارجه وخارج أي” نظام”
بالمعنى الواسع للنظام؟
ظلت الحركات الادبية والفنية والشعرية خاصة خارج هيمنة نظم الحكم،
وشهد منتصف القرن الماضي ولادة القصيدة الحديثة والرسم الحديث،
وحتى في المسرح ظهرت بوادر حركة تجديدية صاعدة والرواية.
في فترة الستينات وهي الفترة الأخصب في الانتاج الثقافي الأدبي والشعري،
وظهور” البيان الشعري” الذي أعلن التأسيس لحداثة شعرية،
لم يتم في هذه الحقبة تذويب المثقف والكاتب والأديب الى حد ما رغم التضييق،
لكن تشكل أوائل السبعينات الفترة الأكثر قسوة وظهور الجماعات المتحزبة والكتل الثقافية،
حتى تم الغاء الفردية لصاح نظام شمولي متوحش
وظف كل شيء لصالحه ،
وشهدت تلك الفترة هجرات كبرى نحو المنافي بالتدريج،
ثم وصلت في التسعينات مرحلة النزوح الكبير.
أما مرحلة ما بعد الإحتلال فقد اختفت الفاعلية الفردية تماماً،
بل إختفى الفرد نفسه
وصار النشاط الفردي وهو جوهر الابداع الفكري والثقافي يعمل في خدمة الجماعات ،
رغم القشرة الوطنية الباهتة كغطاء ،
ولم يعد المواطن منفصلاً عن النظام فحسب بل عن ذاته،
وتاريخه وهويته وذاكرته،
في سلسلة انفصالات حتى لم يعد يعثر على هويته الفردية إلا من خلال
الذوبان في كتل وجماعات : قبائل، أحزاب، منظمات، مؤسسات،
واذا كان سؤال العودة الى وطن حقيقي من هذا المواطن يطرح بين وقت وآخر
تحت ضغط الأحداث،
لكن سؤال العودة الى الذات لم يعد مطروحاً،
وكما تفتت المكان وصار ملكية جماعات وطوبته عقارات خاصة،
تم تفتيت ذات الفرد في دوامات لا تنتهي،
وصار السؤال : نريد وطناً،
لكن كيف تبني وطناً بمواطن تم سحقه على مراحل منظمة؟
حتى قضية الانتماء الى وطن اختفت تقريباً،
صار الانتماء الحقيقي الى أفكار وأساطير وعقائد وكيانات وكتل واشخاص… والخ وهلم جرا،
اذا لم يكن بدافع الايمان فبدافع الحماية
لغياب الدولة الوطنية وظهر” الوعي المحارب” أو الوعي” الشقي” في حرب الدفاع عن أحداث التاريخ بدل السؤال عن رهانات وتحديات ومخاطر الحاضر والمستقبل.
لم يعد سؤال الحداثة السياسية والثقافية والعلمية مطروحاً،
صارت الأسئلة تُطرح من مشعوذين ودجالين من طبقة فراغية تنتج العطب فحسب
تتعلق بالاثم وأفضل طريقة للسيطرة على مواطن جعله يشعر دائما بالاثم
عن أحداث التاريخ لا ناقة له فيها ولا جمل،
لأن الآثم لا يريد الحرية بل الغفران.
بل الأسئلة اليوم عن الحاجات اليومية الملحة كالكهرباء والراتب في الأقل والنظافة العامة
والمجاري والصرف الصحي في خنق منهجي مدبر وفي ” حصار” اقتصادي
مدروس ومستهدف بطرق مبتكرة وأكثر دهاء في تلاعبات مصرفية خارجية،
وخلق أزمات مفتعلة ومتاهات تتجدد كل يوم.
هذه العملية تمت عبر مراحل منذ منتصف القرن الماضي لكن الثقافة السياسية التبسيطية تختزل وتسطح الأحداث،
وتعتبر الحدث الأخير هو الحدث الأول مع عجز معرفي في الربط بين الظواهر والتعامل مع الاحداث كجزر منعزلة وقطائع
وهي خاصية العقل الاختزالي ـــ المتخلف.
نحن في أزمنة الصيد والشعب طرائد وكل التاريخ هو حكاية صياد.

الأسباب القديمة هل ذات الأسباب اليوم وغداً:
النفط ـــ إسرائيل ـــ الايديولوجيات المحلية ـــ دول الجوار، الاطماع الخارجية،
وما يحدث اليوم تراكم تلك التجارب في المحو والحذف والالغاء وصناعة الكتل والجماعات المتحزبة:
نحن لسنا أبناء اليوم إلا لمبتوري الذاكرة،
وما يظهر على السطح من عاهات وفقاعات ليس قاع البحيرة الأعمق،
ليس المرض الحقيقي بل أعراضه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close