صدمة سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي بعد عام 2019 (التشخيص، التأثير، المتوقع)

د. عامر شبل زيا
– باحث مهتم بالشأن الاقتصادي.
– معاون مدير سابق في وزارة الثقافة العراقية.

بعد عام 2004 فإن سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي استخدم كأداة من قبل البنك المركزي العراقي في سياسته النقدية الهادفة لتحقيق الاستقرار النقدي والاقتصادي، من خلال التأثير في استقرار المستوى العام للأسعار (استهداف معدلات التضخم)، وإيجاد البيئة النقدية اللازمة لعمل القطاعات الانتاجية المختلفة، وقد نجحت بشكل نسبي سياسة البنك المركزي العراقي في سنوات عديدة في تحقيق الاستقرار السعري لسعر صرف الدينار العراقي ولمستوى الأسعار في الاقتصاد العراقي، ويعود السبب الرئيسي في ذلك هو الموارد المالية الداخلة للاقتصاد نتيجة بيع النفط الخام، والتي أدت في سنوات تجاوز أسعار النفط لعتبة الـ 100 دولار لبيع برميل النفط إلى زيادة قدرة البنك المركزي في استخدامها في سوق الصرف الأجنبي عبر بيع الموارد المالية من الدولار في نافذة بيع العملة الأجنبية (بيع الدولار الأمريكي)، وبسعر صرف رسمي يحدده البنك المركزي العراقي ليؤثر في سعر الصرف الموازي (السوقي)، لكن سعري الصرف الرسمي والموازي تعرضا لعدد من الصدمات الاقتصادية الداخلية والخارجية، مما أدى إلى حدوث تقلبات في مستوياتها منها صدمة انخفاض أسعار النفط في عام 2019 الذي انخفض لمستوى الـ 60 دولار للبرميل، وجاء نتيجة جائحة كورونا وما رافقها من اجراءات عالمية ومحلية للتصدي لهذه الجائحة، لتنعكس ذلك على انخفاض السيولة النقدية من الدولار الأمريكي الداخل للعراق، ليتفق البنك المركزي العراقي مع وزارة المالية العراقية في 17 / 12 / 2020 على رفع سعر الصرف الرسمي من 1190 الى 1450 دينار مقابل كل دولار، وبنسبة زيادة بلغت 21.8%، وعلى ارتفاع المتوسط السنوي لسعر الصرف السوقي من 1196 الى 1234 دينار مقابل كل دولار (عامي 2019 و2020).
بعد ذلك من الممكن القول أن البنك المركزي العراقي قد بدء يفقد السيطرة على سوق الصرف الأجنبي نتيجة تدخلات بعض الاطراف غير المتخصصة في التصريح برغبتها بإعادة سعر الصرف الرسمي الى ما كان عليه ليتعرض سعر الصرف السوقي الى صدمات وقتية خفضت من سعره الى 1193.8 دينار مقابل كل دولار ذلك في شهر شباط من عام 2020، ثم ليرتفع الى 1351 دينار مقابل كل دولار في شهر كانون الثاني من عام 2020، ويواصل الارتفاع ليبلغ في شهر كانون الثاني من عام 2021 الى 1477 دينار مقابل كل دولار، ثم ليتذبذب ما بين (1473.8 – 1487.6) دينار مقابل كل دولار خلال أحد عشر شهراً من عام 2022، وبعد الاتفاق الاخير بين البنك المركزي العراقي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تشديد اجراءات التحويلات المصرفية من الدولار الأمريكي، ليؤسس البنك المركزي العراقي منصة إلكترونية جديدة لبيع دولار الحوالات الخارجية، التي يتطلب التعامل مع نظام التحويل العالمي Swift الذي يقوم على تزويده بتفاصيل دقيقة عن الحوالات من الدولار الخارجية، لتتراجع معدلات الطلب على هذا النوع من الحوالات، حيث إن بعض المصارف العراقية قد خفضت من الطلب على الدولار الأمريكي نتيجة عدم امتلاكها للمرونة الكافية في مواكبة التحول نحو هذه المنصة، ولجوء بعض التجار للسوق المحلية للحصول على الدولار الأمريكي بشكل نقدي، ليتراجع بيع الدولار في النافذة بنسب تراوحت ما بين 40% الى 50%.
وقد سبق اجراء تأسيس المنصة ها استبعاد اربع مصارف عراقية أهلية من شراء الدولار الأمريكي عبر نافذة العملة الأجنبية (وهذه المصارف هي المصرف الأنصاري، مصرف الشرق الأوسط، ومصرف القابض، ومصرف آسيا)، والتي كانت تستحوذ على ما يقرب من 40% من مبيعات البنك المركزي للدولار، جاء استبعادها نتيجة اتهام هذه المصارف من قبل وزارة الخزانة الأمريكية بتهريب الدولار الأمريكي الى خارج العراق.
لينعكس كل ما سبق على حدوث صدمات في سعر الصرف السوقي خلال شهر كانون الثاني من عام 2022 وخلال الأيام الأولى من عام 2023، فتذبذب السعر ما بين 1500 الى 1600 دينار مقابل كل دولار، في وقت بقى البنك المركزي العراقي يبيعه بسعر رسمي بلغ 1460 دينار مقابل كل دولار، ليبلغ الفارق النسبي بين السعرين ما بين 2.7% الى 8.8%.
وأدى رفع سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي منذ عام 2019 الى خفض قيمة الدينار العراقي نتيجة تأثر السوق العراقي بارتفاع المستوى العام للأسعار (الرقم القياسي لأسعار المستهلك) من 104.5 في عامي 2019 الى 111.5 في عام 2021، أي ارتفاع معدل التضخم بنسبة 6.7%، ثم ليواصل المستوى العام للأسعار في الارتفاع نهاية شهر تشرين الثاني من عام 2022 ليبلغ 116.9، ليرتفع التضخم بنسبة 4.8%. وكما صدمة سعر الصرف قد تؤدي الى حدوث اضطرابات اجتماعية نتيجة زيادة معدلات الفقر التي قاربت الـ 25%، والى أن حركة التجارة مع العالم الخارجي قد تأثرت بهذه الصدمة مما رفع بشكل نسبي اسعار المواد المستوردة خاصة الضرورية منها.
وقد حاول البنك المركزي العراقي التدخل في سوق صرف الدينار مقابل الدولار لتعزيز استقرار السوق، فسمح ببيع الدولار الأمريكي للمسافرين العراقيين لأغراض التجارة والعلاج عبر عدد من المصارف العراقية ووفق تعليمات وضوابط تنظم عملية البيع للدولار، والسماح بتوفير الاعتمادات المستندية أو الحوالات الخارجية لتغطية متطلبات التجارة الخارجية بسعر صرف رسمي يبلغ 1465 دينار مقابل كل دولار للاعتمادات المستندية، وبسعر 1470 دينار مقابل كل دولار للحوالات الخارجية. وقد كان تأثير هذه الاجراءات ضعيف نسبياً بسبب بقاء الطلب على الدولار على حاله، كما إن سنوات الاهمال للقطاعات الانتاجية للصناعة والزراعة قد انعكس على ضعف الواقع الاقتصادي لهذه القطاعات، ليؤدي الى تدهور مؤشراتها الانتاجية ومنافستها من قبل المنتجات الصناعية والزراعية المستوردة ذات النوعية الجيدة والاسعار التنافسية التي لا تستطيع الوحدات الاقتصادية المحلية منافستها. كما قامت الحكومة بمحاولة لمعالجة صدمة سعر الصرف السوقي ذلك بإعفاء محافظ البنك المركزي العراقي وتعيين محافظ جديد، كما قامت بضخ بعض السلع الضرورية المستوردة للسوق العراقية، لكن تأثير هذه الاجراءات قد يكون وقتي وآني فهي ليست معالجة حقيقية لمستوى الصدمة ومدياتها الاقتصادية.
إن الوضع الجديد لسعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي قد يؤدي الى ثلاث احتمالات متوقعة:
الأول: عودة السعر السوقي لصرف الدينار مقابل الدولار الى ما كان عليه، وهذا الأمر قد يكون من الصعوبة تحقيقه وفق معطيات المرحلة الحالية وما هو متوقع من الاطراف المؤثر في السعر أن تتخذ من اجراءات أو التحولات التي ستؤثر في الطلب والعرض للدولار الأمريكي.
الثاني: ارتفاع السعر السوقي لصرف الدينار مقابل الدولار الى مستوى اعلى من 1500 لحد 2000 دينار مقابل كل دولار، وهو ممكن حدوثه بسبب الضغوطات الداخلية والخارجية على الاقتصاد العراقي، وبقاء الواقع الانتاجي الحقيقي على حاله المتردي والضعيف، واستمرار نسب الفساد الإداري والمالي مرتفعة، واستمرارية عمليات تهريب الدولار الأمريكي.
الثالث: تصاعد السعر السوقي لصرف الدينار مقابل الدولار الى مستويات غير مسبوقة، مما يعيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في العراق الى فترة التسعينيات من القرن الماضي، إن هذا التوقع أمر وارد الحدوث أيضاً ولكن ليس في المرحلة الآنية أو المستقبل القريب، حيث سينخفض قيمة الدينار العراقي نتيجة الاستمرار بالاعتماد على منهج اقتصادي غير واضح، وعبارة عن ردود فعل لصدمات اقتصادية وقتية، ومعالجات لا ترتقي الى مستوى تحقيق نمو اقتصادي حقيقي في العراق.
المراجع
1- البنك المركزي العراقي. (2020). السياسة النقدية للبنك المركزي العراقي وفق ضرورات المستقبل للمدة (2016 – 2020)، دائرة الإحصاء والابحاث، قسم الاقتصاد الكلي.
2- البنك المركزي العراقي. (2020). تقرير السياسة النقدية للبنك المركزي العراقي لعام 2020، دائرة الإحصاء والابحاث.
3- البنك المركزي العراقي. (2022). اعلان حول الاعمام بإيقاف التعامل مع المصارف الأربعة ذي الرقم 9 / 2 / 446 بتاريخ 6 / 11 / 2022.
4- البنك المركزي العراقي. التقارير الاقتصادية السنوية للأعوام 2019 و2020 و2021.
5- الموقع الإحصائي للبنك المركزي العراقي:
https://cbiraq.org/SubCategoriesTable.aspx?SubCatID=92
6- الموقع الرسمي للبنك المركزي العراقي: https://cbi.iq/
7- International Monetary Fund, World Economic Outlook (2019 – 2025).
8- The World Bank, World Development Indicators (2019 – 2022).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close