بيع الأوهام

حمزة الحسن

الأوهام اليوم سلع ينطبق عليها ما ينطبق على السلعة
من مصدر انتاج وجهد مبذول في صناعتها،
ومن عمال ومواصفات ودعاية وطريقة تسويق ووسائل نقل وسعر وأسواق ومنفعة واستهلاك وأرباح… والخ،
والأوهام السياسية تنطبق عليها ما ينطبق على النظام السلعي،
سواء من وسائل اعلام أو نظام أو أفراد،
وهناك جمهور يشتري فلا سلعة بلا مشترين،
والانسان بالفطرة يحب أن يكون الوهم حقيقياً خاصة الانسان الغريق لأن حلم الغريق
هو النجاة فحسب بصرف النظر عن المنقذ سواء كان دولفيناً أم قديساً أم قرصاناً،
ويحب أن يكون المستقبل أفضل من اليوم،
لذلك تعمل النظم القمعية والمستغلِة على وضع نماذج جداريات في الساحات العامة لمشاريع
ومدن وحدائق وجموع ضاحكة فرحة في اجواء رومانسية لبيع الأوهام،
وغالباً لا يطبق منها شيئاً لكنها نجحت في تمرير أزمة طارئة:
الأمل الساذج أكبر منتج للأوهام،
لذلك كانت ولا تزال أرضنا مصدراً للأساطير والخرافات والأوهام المعقلنة اليوم في طقوس وعادات ومصالح وقوى.

في قرار استدعاء المدعوة أم فهد للمحكمة يقول القرار، اذا كان صحيحاً،
إنها تجاوزت على الاعراف والقوانين في لقاءات متلفزة،
ومن يسمع حكاية التجاوز على الاعراف والقوانين غير العراقي،
يتخيل ان العراق بلد فردوسي ومثالي وان امراة واحدة هزت الاعراف والقوانين المتماسكة
وعرضت القيم الاجتماعية للاهتزاز والخطر.

مع بشاعة هذه المرأة في الشكل وفي اللغة والذوق الفج المتخلف والبهرجة الرخيصة
للتغطية على خواء داخلي شاحب ومميت،
لكنها صورة مجسمة للنظام،
وتتحرك ضمن شبكة واسعة من الضباط والمسؤولين والسياسيين ونقاط التفتيش والمؤسسات،
لكنها الأكثر وضوحاً وجرأة في التعبير عن جزء صغير جداً من المخفي والمسكوت عنه
والذي لا يُقال حتى همساً،
ونخجل في الكلام عنه في أسرنا ولقاءات الاًصدقاء بل نُصدم حتى من السماع به،
وما نعرفه الكثير بل حتى قد لا يعرفه بعض من يعيش في العراق
وتفاصيله المهملة سبيلنا الوحيد الى توقعات المستقبل،
لأن الشيطان في التفاصيل التي يهملها كثيرون في التركيز على الشعارات الكبيرة
والعناوين الضخمة في حين يكمن الخراب النفسي والاخلاقي
في الزوايا المعتمة والمهملة وفي الظلال الخفية،
وهذا هو حقل الأدب والفن والفكر والرواية خاصة:
الواقع المخفي خلف المظاهر.

الخطر الأكبر على الأعراف والقوانين إن بقيت،
هو من هذا النظام الذي فتك بكل الاعراف والاعراض والقوانين:
أليس هتك المال العام والحرية والعدالة والأمن والسيادة الوطنية
والقرار السياسي المرتهن والقواعد العسكرية الاجنبية واستباحة الأرض والسماء والثروة
والأمل والمستقبل وغزو الأمراض النادرة والتلوث والفساد العام في كل المؤسسات،
أليس كل ذلك هتكاً وتجاوزاً للأعراف والقوانين والأخلاق؟
أم أن كلام هذه الدمية فقط جعل الاعراف ترتعش وعرضها للخطر،
كما عرضتها من قبل مناحة ساجدة عبيد على قبر صدام؟

هل وصلت الأعراف والقوانين هذا المستوى من الرقة والشفافية والعذرية الروحية والحصانة والحشمة بحيث تتعرض للخطر من هراء إمرأة علناً في الأقل،
في حين ما يجري في السر لا يجري في أكثر الدول ليبرالية وانفتاحاً وحريات فردية،
بل لا يمكن الكلام عنه أمام أجانب لأنه ضد السوية والطبيعة قبل القوانين،
ومن الأفضل والأسلم الكف عن سياسة دفن الرأس في الرمل،
وحكاية مرقتنا على زيجنا؟
من يعتقد أن العراق بلد بعيد ومخفي عن العالم هذا مغفل،
لأن العراق بلد مكشوف بل مفضوح ولا حاجة لتغطية الرأس من المطر وترك الباقي عارياً.
نحن نعيش في فضاء مفتوح ولسنا في أزمنة الكهوف والغابات،
كما أن العراق ليس قضية محلية بل قضية عالمية والانشغال به ليس شأناً عراقياً فحسب
وما تعرفه مراكز الأبحاث والدراسات ومؤسسات توقع المستقبل والمخابرات
والمصارف العالمية والمكاتب الاقتصادية وغيرها لا يعرفه العراقي نفسه.
لماذا لا يتذكر هؤلاء الاخلاق والاعراض إلا عند الحديث عن النساء؟

الاغتصاب الحقيقي للرجال والنساء والاطفال والحاضر والمستقبل
لم يتوقف منذ الاحتلال ولا وقت للذهاب أبعد من ذلك التاريخ،
لأن الأرض والثروة والعدالة والأمن والأمان والصحة العامة ورعاية الطفولة والإمومة والشيخوخة والنظافة وحماية حياة ومستقبل ومزاج وسعادة المواطن والسكن الصحي والضمان الاجتماعي والرعاية التامة لكبار السن والتعليم الحديث ،
وغيرها الكثير
جزء جوهري من الشرف والعرض والاعراف والقوانين،
أم ان كل هذه القيم والمبادئ الوضعية والطبيعية تتلاشى،
ولا نتذكر الشرف إلا في تلك المساحة المعروفة؟
ولا يمكن تفسير كيف يكون العزل بين اغتصاب الجسد واغتصاب الثروة والحرية والأرض ـــ الأرض هي الجسد الثاني وكل عناصر الجسد البشري مكونة من عناصر التراب؟ لا يحدث هذا العزل الأبله إلا في العقل المشرقي.

لنبصق الحصاة ونقول:
هذه البلاد فقدت بتنظيم وتخطيط وتدرج مدروس الكثير من قيم الشرف والاعراف
حتى المتوارثة منذ قرون،
وتم تحطيم حتى الحدود الطبيعية التي تلتزم بها الحيوانات،
وهذه المرأة ومن ستأتي بعدها مرآة لزمن أقل ما يقال عنه اليوم وغداً:
الزمن العراقي الوحيد الذي لم يعد فيه موضوع الشرف بالمعنى الواسع
مطروحاً، ونستثني الشرائح الناجية من العاهات،
واذا كانت هناك عدالة حقيقية،
فيجب إعتبار الطبقة السياسية المنتهك الأول والأخير لكل الأعراف والقوانين،
فكيف لنظام بلا شرف أن يكون حامياً له ؟
الشرف والنظام أمران متناقضان.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close