الواقع الراهن للاجئين الفلسطينيين في سوريا ودلالاته

أسامة خليفة
باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»

في كتابين من إصدار المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»، أولهما: الكتاب الذي يحمل الرقم «31» من «سلسلة الطريق إلى الاستقلال»، بعنوان «انتفاضة الشباب»، وثانيهما: الكتاب الذي يحمل الرقم «39» من ذات السلسلة، بعنوان «صفقة القرن في الميدان»، قراءة تبحث في مأساة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا في ضوء الأزمة المتواصلة التي يعيشها البلد منذ أكثر من عقد من الزمان، مع لفتة خاصة إلى مخيم اليرموك، لموقعيته التي تكاد تكون كيانية بالنسبة للحالة الفلسطينية ودورها الوطني، وتتناول الاحتياجات والمهام و المخارج التي من شأنها أن تساعد الفلسطينيين في سوريا على تجاوز هذه النكبة الجديدة.

بدا المجتمع الفلسطيني في سوريا مندمجاً اجتماعياً واقتصادياً في المجتمع السوري، لكنه يتمايز في مجال أهدافه الوطنية بالتمسك بحق العودة إلى فلسطين في إطار التزامه بأهداف البرنامج الوطني، فعلى صعيد الحقوق المدنية والاقتصادية يحق للفلسطينيين ولوج مختلف مجالات العمل والتعلم والمعالجة الصحية مثل المواطنين السوريين، فالقانون 450 بتاريخ 25/1/1949 أقر إنشاء مؤسسة اللاجئين الفلسطينيين العرب التي ترتبط بدورها بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية السورية، ومن مهماتها تقييد السجلات العائلية للاجئين، وأحوالهم الشخصية، والأعمال التي يمارسونها.

ونص القانون 260 بتاريخ 10/7/1956 يعد الفلسطينيون المقيمون في الأراضي السورية كالسوريين في جميع ما نصت عليه القوانين الناظمة المتعلقة بحق التوظيف والعمل والتجارة وخدمة العلم، وذلك مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية.

ويقضي القانون 89 لسنة 1966 بمنح اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وثائق سفر بناء على طلبهم.

تركت الأزمة الداخلية في سوريا تداعياتها على الحالة الفلسطينية، ولم يشفع الموقف الفلسطيني المتخذ على المستويين الوطني والمحلي، ولا الموقف الرسمي للدولة السورية بتحييد المخيمات والفلسطينيين عن هذه الأزمة.

كانت دمشق تضم 67% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم حسب الأونروا 711 528 حتى 1/1/2013 تقطن كتلة رئيسية منهم في مخيم اليرموك، نكبة اليرموك في 17/12/2012 شكلت مفصلاً في مسار الحالة الفلسطينية ، فاليرموك ليس مجرد مخيم بل هو القلب النابض للوجود الفلسطيني في سوريا، فيه كانت تتجمع مراكز النشاط والفعل السياسي والاجتماعي والثقافي الفلسطيني، وفيه تتمركز النخب من الفئات الوسطى بشرائحها العليا من أطباء ومهندسين وصيادلة ومقاولين ورجال أعمال وصاغة ومثقفين وأكاديميين، كما كان اليرموك يشكل نقطة مركزية لامتداده الجغرافي المجاور لسكن فلسطينيين في الحجر الأسود وحي التضامن وبلدات ببيلا ويلدا ودف الشوك والزاهرة وحي الميدان، وبالتالي كان اليرموك يتجاوز حدوده كمخيم للاجئين ليشكل محوراً مركزياً في حياة الوجود الفلسطيني في سوريا.

لذلك لا غرابة أن يؤرخ للوجود الفلسطيني في سوريا لفترة ما بعد 17/12/2012 بأنها مرحلة جديدة في حياة الفلسطينيين تختلف عما سبقها من مراحل، فيها أصاب التشرد والنزوح حوالي 60% من اللاجئين (حوالي 300ألف لاجئ)، فقدوا منازلهم، ومصادر رزقهم وأملاكهم ومأواهم، وكثيرون فقدوا رأسمالهم، ومدخراتهم كاملة، ويقلقهم سؤال المستقبل إلى جانب سؤل الحاضر، وخاصة في ظل أجواء ترخي بظلالها على الوضع ولا تؤشر لحلول قريبة، بل لا تؤشر حتى لحلول آنية للقضايا اليومية المباشرة، فيما يخص الاحتياجات المعيشية للاجئين النازحين المشردين من مخيماتهم وأماكن سكنهم.

لقد كشفت نكبة اليرموك هشاشة المجتمع المدني الفلسطيني، وتبين أنه مجتمع يفتقد إلى البنية المؤسسية القادرة على تأمين الدرجة المطلوبة من الصمود والثبات الاجتماعي، فالاتحادات الشعبية الفلسطينية، كاتحاد العمال، والمرأة، والمعلمين، والأطباء، والصيادلة، والمحامين، وغيرهم، تبين أنها مجرد واجهات سياسية، لا تملك أطراً أو هيئات منظمة، غابت عن الوجود، وعن أي فعل للحد من تأثير النكبة على الحالة الفلسطينية، ولم تتميز هذه الهيئات والأطر عن الحالة الشعبية العامة، لا في تماسكها ولا في قدرتها على الفعل للحد من المأساة.

كذلك تبين أن الحالة الفلسطينية في سوريا تفتقر إلى المؤسسات الأهلية، في ميادين العمل الاجتماعي المختلفة، الإغاثي والطبي، والتربوي والاجتماعي، وغيرها، ولهذا أسبابه، تتمثل: في طبيعة القوانين السائدة في البلد، فما ينطبق على السوري ينطبق على الفلسطيني، وقد أدت الدولة السورية بمؤسساتها دوراً في تغييب الحاجة إلى هذه المؤسسات، من خلال الخدمات التي وفرتها للحالة الشعبية، السورية والفلسطينية على حد سواء.

لذلك يمكن القول إن انتفاء المنظمات الأهلية الفلسطينية في سوريا، يتعدى الجانب القانوني، في ظل عدم الإحساس بالحاجة إلى مثل هذه المؤسسات، فالتعليم للفلسطينيين مجاني، منذ سنوات النكبة الأولى، وحتى المرحلة الحالية، وهذا ينطبق على العلاج والاستشفاء، إذ يتمتع اللاجئ الفلسطيني بذات الحقوق الاجتماعية والمدنية التي يتمتع بها المواطن السوري، بما في ذلك حق الوظيفة في المؤسسات الرسمية الحكومية، وحق العمل، والتملك، ما عدا الجانب السياسي، كالترشح والانتخابات.

كشفت نكبة المخيم، وانهيار المؤسسات الخدمية، هشاشة المجتمع المدني، وهشاشة قدرته على النهوض بالاعتماد على الذات، وكشفت حادثة اجتياح مخيم اليرموك من قبل داعش، هشاشة الحالة السياسية الفلسطينية، وافتقار الفلسطينيين في سوريا إلى المرجعية السياسية التي تدير شؤونهم وتتخذ القرارات الصائبة، ففي 1 نيسان 2015 اجتاح مسلحو داعش مخيم اليرموك بالتواطؤ مع مقاتلي جبهة النصرة، ودارت اشتباكات بينهم وبين «أكناف بيت المقدس»، قبل أيام قليلة من لقاء كان سيعقد بين «الأكناف» وممثلي الدولة السورية، وممثلين عن «م.ت.ف.» للوصول إلى اتفاق هدنة، يمكن من خلاله إحداث انفراج في أوضاع المخيم الذي ما يزال يسكنه حوالي 18ألف لاجئ، وقد اعتبرت هجمة داعش محاولة لإحباط الاتفاق، حتى لا تُحاصر داعش في معقلها الرئيسي في الحجر الأسود، وانهارت بنايات كاملة بفعل الأعمال الحربية، حتى أن أحياء كاملة كحي الفدائيين في المخيم قد دمر كاملاً، وكانت منازله ومؤسساته ومحاله التجارية قد تعرضت على مدار الأشهر الماضية إلى نهب شامل لمحتوياتها على أيدي المسلحين.

سادت الموقف الفلسطيني حالة ارباك وفوضى نتيجة التناقضات الحادة بين بيان القيادة الفلسطينية في 9/4/2015 وبين مندوب اللجنة التنفيذية لمتابعة أوضاع مخيم اليرموك، والذي تجاوزت تصريحاته حدود الموقف الفلسطيني الموحد، حول الإعلان عن وقف الحوار مع المسلحين، ووقف إجراءات المصالحة، وإخراج ما تبقى من سكان المخيم، وتحضير القوى العسكرية، تمهيداً لاستعادة المخيم من داعش، وخالف هذا أيضاً بياناً لأهلنا المعتصمين في مخيم اليرموك 14/4/2015 دعوا فيه إلى وقف فوري لإطلاق النار، وعودة الذين نزحوا عن المخيم، واستئناف عمليات الإغاثة الغذائية والطبية للصامدين في المخيم، وانقسم موقف الفصائل الفلسطينية بين من أيّد الانخراط في القتال وأن الحل العسكري هو السبيل الوحيد لاستعادة المخيم وتطهيره من المسلحين، وبين أطراف ترفض السياسة القائمة على الخيار العسكري على خلفية أن القرار بيد الدولة السورية، فضلاً على أن الفصائل الفلسطينية لا تملك بنية قتالية مناسبة في سوريا، علاوة على ذلك أن هذه الخطوة تفتح الباب للزج بالحالة الفلسطينية في أتون الأزمة السورية، ليس في اليرموك وحده، بل على جبهات القتال كافة.

وإزاء هذا الإرباك دعا الناطق الرسمي باسم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى وقف السجالات المجانية والعودة إلى اللجنة التنفيذية وإلى هيئة فصائل «م.ت.ف.» في دمشق، لبلورة موقف وطني موحد يخدم مصلحة أهلنا من أبناء المخيم، وتعزيز صمودهم، وإخراج المسلحين، وإعادة الأمان مرة أخرى لربوعه، واعتماد خلية أزمة من أعضاء اللجنة التنفيذية يضاف لها ممثلون عن فصائل العمل الوطني في سوريا، تتولى الشأن العام للاجئين الفلسطينيين في سوريا بالتعاون مع القيادات والمرجعيات المحلية الفلسطينية في كافة الجوانب السياسية والإغاثية والإعلامية، وفق برنامج عمل يراعي المصالح المباشرة لجمهور الفلسطينيين وينظم الحالة المجتمعية في الدفاع عن مصالحها.

بقي الجدل محتدماً في صفوف الفصائل الفلسطينية إلى أن صدر بيان اللجنة التنفيذية لـِ «م.ت.ف.»، في 9/4/2015 الذي أعاد التأكيد على التحييد العسكري للحالة الفلسطينية في سوريا، وعدم الزج بها في الأزمة، ودعوة المسلحين للانسحاب من المخيمات، وعودة سكانها إليها.

لم تتوقف آثار النكبة الفلسطينية في سوريا عند حدود ما وقع حتى تلك اللحظة، فهناك نتائج وتداعيات لم تظهر بسبب الانشغال بقضايا أكثر أهمية مثل توفير الايواء والمساعدات الإغاثية للنازحين والبحث عن المفقودين وتوفير الخدمات الضرورية للتجمعات الجديدة من اللاجئين الفلسطينيين الذين انتشروا في القرى والبلدات السورية، وحدها وكالة الغوث (الأونروا) لعبت دوراً ملموساً ومهماً في إغاثة النازحين من اللاجئين الفلسطينيين دون أن يعفينا ذلك من القول إن هذه المساعدات الإغاثية، على أهميتها، لم تشكل حلاً كافياً لمسألة النزوح وافتقاد المأوى ومصدر الرزق والأملاك، فالأونروا، وتحت سقف المانحين، تقدم للاجئين في سوريا (دون استثناء ودون تمييز بين نازح ومستقر) مساعدات دورية، غذائية ومالية، تشكل القسم الأهم مما يتلقاه اللاجئون من إغاثة، لكن في ظروف البطالة المنتشرة وحالة النزوح القائمة لم تفِ بالحدود المقبولة والكافية من المساعدات.

وأيضاً على امتداد الأربع سنوات الأولى من الأزمة، لم تقدم «م.ت.ف.» سوى مساعدات هزيلة، ومثيرة للخيبة، وأثارت سخط اللاجئين، وحفرت هوة بينهم وبين المنظمة وفصائلها، فقد قامت بتوزيع حصص غذائية من تبرعات وردت من الضفة الغربية، ، وسلة غذائية أخرى لم تطل أكثر من 50% من العائلات، ومبلغ ألف وخمسمئة ليرة للفرد الواحد طالت ما لا يزيد عن 75% من اللاجئين، ووزعت 10آلاف ليرة سورية لكل أسرة لكنها لم تشمل أغلب الأسر، وفيما بعد تم التشكيك بمنحة الألف دولار التي أقرتها السلطة الفلسطينية لكل عائلة تريد العودة إلى المخيمات المدمرة، وهذا بكل المقاييس مساعدات ضئيلة لا تفي بالدور المطلوب الذي يجب أن تتولاه «م.ت.ف.»، في هذا المجال، ويلاحظ تراجع هذه المساعدات في المراحل اللاحقة، رغم ازدياد الحالة الاجتماعية الاقتصادية سوءاً، مما يتوجب على القيادة السياسية الفلسطينية أن تتعامل مع قضية اللاجئين في سوريا باعتبارها واحدة من القضايا الوطنية الكبرى، توضع على نفس السوية مع إعادة إعمار قطاع غزة، وغيرها من القضايا المهمة واليومية التي يفترض ألا تغيب عن جدول أعمال الهيئات المعنية في «م.ت.ف.».

لقد انعكست الأزمة السورية على الحالة الفلسطينية بتجليات مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية وثقافية، ومازالت تداعيات الأزمة تفعل فعلها في الجسم الفلسطيني، هذا المجتمع تزعزع استقراره ودمرت بعض مخيماته، وطغت على نمط حياته، عمليات النزوح الداخلي حفاظاً على الذات، والتهجير إلى الخارج بحثاً عن حلول مباشرة للمعضلات الحياتية اليومية، لقد خلق التهجير مأساة نجمت عن اجتياح المجموعات المسلحة المخيمات والتجمعات السكنية الفلسطينية في اليرموك ودرعا وحندرات وسبينة والحسينية وحجيرة، بالإضافة لبلدات سورية كان يقطنها عشرات الآلاف من الفلسطينيين في دوما والقابون وبرزة وشبعا وبلدات أخرى في الغوطة الشرقية، الأمر الذي أدى إلى نزوحهم الواسع وانتشارهم في مناطق أخرى داخل الأراضي السورية، وفي لبنان ومصر والجزائر وتركيا، وهجرة الآلف منهم إلى الدول الأوروبية بصورة خاصة، ولذلك تحول النزوح خارج سوريا، إلى حل معتمد لمواجهة النكبة الثانية، ففي الجنوب جرت الهجرة إلى الأردن، وفي الشمال إلى تركيا، وفي الوسط والغرب إلى لبنان، كمحطة انتقالية للهجرة إلى أوروبا وإلى الخارج عموماً، لذلك يمكن الحديث عن حوال 100 ألف نازح فلسطيني من سوريا خارج البلاد، منهم ما لا يقل عن 40 ألفاً في لبنان، وحوالي 60ألفاً في الخارج (أوروبا بشكل خاص)، وقد طالت الهجرة بشكل بارز الفئات الوسطى، وهي الفئات الناشطة اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً في المجتمع الفلسطيني، وهجرة هذه الفئات إلى الخارج، والبحث عن أسباب الاستقرار في المطارح الجديدة من شأنه أن يمزق النسيج الاجتماعي الفلسطيني في سوريا، ويضعفه، ويشوهه، ويفقده العديد من عناصر قوته وحيويته السياسية والاجتماعية والثقافية، ويسود الاعتقاد ان عودة هؤلاء إلى سوريا ستبقى رهناً ليس فقط بعودة السلام إلى هذا البلد الجريح، بل باستعادته عافيته أيضاً، وهذه المسألة معقدة وشديدة الصعوبة، مما يدعو للاعتقاد أن الهجرة سوف تطول، وربما شهدت نمو جيل أو أكثر في بلدان المهجر، بما يحمله ذلك من انعكاسات سلبية على بناء الشخصية الوطنية الفلسطينية وتطورها، فضلاً عن تعرض المكانة السياسية الاعتبارية للمخيمات للاهتزاز، لذا باتت مشكلة العودة إلى المخيمات كاليرموك وإعادة إعمارها، واستعادة النسيج المجتمعي الفلسطيني كجزء فاعل في حركة اللاجئين وعموم الحركة الوطنية ذات أولوية كبرى.

كما طالت الهجرة بشكل واسع عنصر الشباب، لقد باتت ظاهرة عادية أن تنقسم العائلات الفلسطينية في سوريا، بين كهول مازالوا حتى الآن يكابدون صعوبة العيش في ظل الأزمة القائمة، وبين الشباب الذين هاجروا لأسباب أمنية واقتصادية واجتماعية، الأمر الذي ينبئ بأن هجرة هؤلاء الشباب سوف تدوم طويلاً، ما يعني خللاً في البنيان العمري والسكاني للاجئين الفلسطينيين في سوريا، ولهذا انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية، بما في ذلك انعكاسه على ظاهرة الزواج، في ظل اختلال واسع لجهة النسبة الأكبر في عدد الفتيات مقارنة مع عدد الشبان في العائلات الفلسطينية، مما يشير إلى توقعات ارتفاع معدلات العنوسة، التي تعزز الانزياحات الفكرية لصالح الفكر الغيبي والتيارات الدينية تعويضاً عن حالة الحرمان الاجتماعي التي تمثلها العنوسة.

لقد تأثرت العلاقات الاجتماعية وشاعت حالات القلق النفسي الذي تعاني منه على الأخص الأسر التي فقدت معيلها بين موقوف أو مفقود، وظهرت أزمات اجتماعية و نفسية لدى مختلف القطاعات شملت الأطفال والأمهات والآباء، نتيجة طول مدة حالة النزوح، وعدم الشعور بالاستقرار، والحاجة لتغطية تكاليف الحياة اليومية في ظل بطالة واسعة منتشرة، والخوف من مستقبل مجهول، هذه مشكلات لم تلقَ الحد الأدنى من الاهتمام لمعالجتها رغم كثرة الحديث والندوات عن الدعم النفسي والاجتماعي، الذي بقي في حيز الدعوات الكلامية، وبقيت مشكلة المفقودين والمعتقلين تحتاج لبذل مزيد من الجهود.

إن الواجبات الاجتماعية الملقاة على عاتق السلطة الفلسطينية و«م.ت.ف.» لا يقل أهمية عن الحراك السياسي، في تفعيل المجتمع المدني الفلسطيني والعمل على ترميم انهياراته، وتعزيز مفاصل هياكله وتقويتها، فصحيح أن الدفاع عن حق العودة والتصدي للمشاريع البديلة على رأس جدول أعمال حركة اللاجئين، لكن يجب الانتباه إلى انهماك حركة اللاجئين بالشأن الاجتماعي الناتج عن الأوضاع المستجدة في الدول العربية بآثارها السلبية على الوجود الشعبي الفلسطيني، ذلك يجب ألا يلهينا عن التنبه لخطورة التحركات السياسية الهادفة إلى استغلال النكبة الاجتماعية الحالية للاجئين الفلسطينيين لتمرير مشاريع التسوية على حساب حق العودة وفق المخططات الأمريكية الإسرائيلية تحت سقف «الحل المتفق عليه» وتحت سقف «مبادرة السلام العربية» المتبناة من قبل جامعة الدول العربية في قمة بيروت 2002.

التداعيات المعقدة الناجمة عن تدهور الأوضاع في أكثر من تجمع فلسطيني قائم في عدة بلدان عربية (ليس في سوريا وحدها فقط)، فرض إعطاء المزيد من الاهتمام للقضايا المعيشية اليومية، وأصبح توفير الإقامة للعائلات ومقومات العيش يفرض نفسه على جدول حياة اللاجئين الفلسطينيين أكثر من أي هم وطني آخر، إذا لم يعد كافياً الوقوف أمام القضايا الأساسية كالتمسك بحق العودة، بل بتنا أمام واقع يتطلب سياسات جديدة تعتمد إغاثة المنكوبين، بشكل رئيسي وتوفير أدوات حراك سياسي اجتماعي، لاسيما في صفوف اللاجئين إلى دول المهجر في أوروبا، فالتطورات أعادت خارطة انتشار اللاجئين الفلسطينيين بطريقة أخرى، فقد زادت أعدادهم في لبنان، وفي أوروبا، وهذا أمر يملي على حركة اللاجئين وخاصة النخب الناشطة في ميدان الدفاع عن حق العودة واجبات جديدة تفترض تعديلاً في الاهتمامات.

حسب الأونروا مازال حتى الآن نحو 100 ألف في حالة نزوح نتيجة للحرب والدمار، تأمين المسكن المناسب هي المشكلة الأكبر والأولى التي يعاني منها الأغلبية الساحقة من نازحي المخيمات والتجمعات الفلسطينية، يقيم أغلبهم في بيوت مستأجرة ارتفعت بدل إيجارها بشكل لم تعد الأسر قادرة على تلبيته، مما يتطلب تسريع عودتهم إلى مخيماتهم وأماكن سكنهم، كي يخفف من معاناتهم التي تضاعفت بسبب التضخم وتراجع مستوى المعيشة، وعودتهم هذه تتطلب توفير الاحتياجات المباشرة في مجال الخدمات بكافة أشكالها التعليمية والصحية والحياتية، وتأمين البنية التحتية الضرورية ، وخاصة في اليرموك و درعا وحندرات، حيث شهدت هذه المناطق عودة محدودة لسكانها، بلغت في مخيم اليرموك ما بين 1000إلى 1500 عائلة والحاصلين على موافقات عودة 8000 طلب وأذونات الترميم 4500 طلب.

لقد بقي ثلثي تجمع فلسطينيي سوريا فيها، وهذا يعكس روح التحدي لديهم وسعيهم للمساهمة الفاعلة في إعادة إعمار مجتمع الشتات الذي أصيب بشكل خطر في الحرب الأخيرة، فالمدخل الحقيقي إلى حل قضية اللاجئين هو ضمان حقوقهم الإنسانية كي يتفرغوا بالتعاون مع مضيفهم، ووفقاً للإمكانات المتوفرة للمشاركة في النضال الهادف للحفاظ على هويتهم وضمان الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في العودة والدولة المستقلة وتقرير المصير، ورفض التهجير من أجل البقاء في أقرب النقاط تماساً مع أرض فلسطين، تمكنهم من التفاعل مع تطورات القضية الفلسطينية، والعمل على تنمية مجتمع اللاجئين ورفض تصفية حق العودة وفرض التوطين، وتعزيز تمسك اللاجئين بحقهم في العودة في ظروف جعلت تحقيقه يزداد صعوبة بفعل طغيان هموم الحياة وترتيب الأمور الشخصية، وفي ظروف سياسية فلسطينية تتمثل في تحجيم السلطة الفلسطينية لدور دوائر «م.ت.ف.» وتركيزها على أبناء الداخل، مما ألقى بظلال من التشكيك في مدى تمثيل المنظمة جميع فئات الشعب الفلسطيني، وترك أثراً سلبياً في أوضاع اللاجئين للغياب الطويل لأي دور فاعل لدوائر المنظمة وهيئاتها في أوساطهم، وينبغي على القيادة الفلسطينية ابداء المزيد من الاهتمام حرصاً على طاقات الفلسطينيين في سوريا باعتباره جزءاً مهماً في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي على «م.ت.ف.» أن تضطلع بما يلي:

– ضرورة تشكيل هيئة وطنية عليا من أعضاء في اللجنة التنفيذية، تكون لها امتداداتها في سورية من ممثلي الفصائل، والناشطين في المجتمع المحلي لبحث الملفات الناشئة عن النكبة، ووضع خطط عمل لها، ومتابعة كل ملف بالاتجاهات المطلوبة.

– تأسيس صندوق وطني خاص بالحالة الفلسطينية في سوريا، تموله الدول العربية والجهات المانحة، تديره هيئة وطنية ولجان اختصاص، من أصحاب الكفاءات والشخصيات المعروفة بنزاهتها ونظافة كفها، بعيداً عن أي محاباة أو زبائنية، وبعيداً عن أي عصبوية فئوية أو جهوية أو حزبية أو تنظيمية.

– الضغط على وكالة الغوث لتحويل مساعداتها المتقطعة إلى مساعدات شهرية وثابتة بحيث تؤمن دخلاً شهرياً للحالات المعوزة ولمن فقدوا مصادر رزقهم.

– إعادة رسم خارطة توزيع مراكز الوكالة بحيث ينسجم مع إعادة انتشار اللاجئين النازحين عن مخيماتهم وأماكن سكنهم.

– توفير آلية قانونية لبحث قضايا الموقوفين لدى الدولة، وإحالتهم إلى القضاء، والبت بأوضاعهم بالسرعة الممكنة وإطلاق سراح الأبرياء منهم.

– توفير آلية مناسبة تتيح للنازحين العودة إلى المخيمات التي باتت تحت سيطرة الدولة وإدارتها، كمخيم اليرموك، وفتح ملفات إعادة الإعمار والتعويض على المتضررين.

– اعتماد ضحايا الحرب شهداء في الدوائر المعنية في «م.ت.ف.» واعتماد الجرحى والمعوقين والبحث في حلول بعيدة الأجل لقضية هؤلاء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here