أزمة الدولار / العراق تحت رحمة أمريكا!

علاء كرم الله

من المعروف وعلى مدى 23 سنة التي مضت أن هناك صراع قوى ونفوذ وأرادات بين أمريكا وأيران على صورة المشهد العراقي بكل تفاصيله وخاصة المشهد السياسي والأقتصادي ، والأعتقاد السائد لدى غالبية المتابعين ليس على المستوى العراقي الداخلي ولا العربي والأقليمي بل وحتى الدولي ، بأن النفوذ الأيراني هو أقوى وأكثر عمقا وتغلغلا بالشأن العراقي من النفوذ الأمريكي رغم أن الأمريكان هم من أحتلوا العراق! ، وقد ترسخ ذلك الأعتقاد وحسب رأي كل المتابعين للشأن العراقي من خلال الحكومات التي قادت البلاد بدأ من حكومة الجعفري وأنتهاء بحكومة السوداني الحالية حيث كانت البصمة الأيرانية واضحة عليها!0 ولكن أزمة الدولار الأخيرة التي عصفت بالدينار العراقي وهزته هزة قوية والتي بدأت منذ نهاية العام الماضي ، قلبت ذلك الأعتقاد وكل تلك التصورات رأسا على عقب! ، حيث كشفت الأزمة بأن ليس رقبة العراق بيد أمريكا فحسب بل رقبة كل الدول المجاورة والمحيطة به أيضا! ، فأنخفاض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار سرعان ما أمتد عصفه الى قيمة العملات في كل من ( أيران وتركيا وسورية ولبنان) التي شهدت عملاتها أنخفاضا حادا! أمام سعر الصرف أمام الدولار لاسيما أذا علمنا ، أن عملات هذه الدول هي كانت تعاني أصلا أنخفاضا حادا أمام قيمة الدولار منذ سنوات ! ثم جاءت أزمة الدولار بالعراق لتزيدها تراجعا وأنخفاضا أكثر! مما سبب أرباكا واضحا وكبيرا في أقتصادياتها وتعاملاتها اليومية بما فيها العراق فشهدت أسواقها أرتفاعا واضحا في أسعار السلع الأستهلاكية والغذائية 0 وبعد قرصة الأذن الأمريكية! القوية هذه ، كان لابد من تدارك الموقف وتهدأة الخواطر! وأعادة شيء من الثقة الى الدينار العراقي ، وقد تم ذلك بالأتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأمريكي ( جو بايدن) مع الرئيس العراقي ( السوداني) وبحث معه الوضع السياسي والأقتصادي العراقي ، ثم جاءت الخطوة الثانية باللقاء المهم في أسطنبول بين السيد ( علي العلاق) محافظ البنك المركزي وبين (بريان نلسون) نائب وزير الخزانة الأمريكية المتخصص بشؤون مكافحة الأرهاب وتهريب وتبييض الأموال ، والذي نتج عنه موافقة الجانب الأمريكي على الطلب العراقي! ، بأعطاء مهلة للبنك المركزي العراقي لغرض الأخذ بآلية العمل الجديدة التي لم يعمل بها سابقا والمتضمنة المعايير البنكية الجديدة التي فرضها البنك المركزي الأمريكي وأوجب العمل بها 0 أن الموافقة على الطلب العراقي بأعطاءه المهلة هو كان أشبه بهدنة مؤقتة! من قبل الأمريكان للبنك المركزي العراقي ولبيان مدى ألتزامه بالضوابط والمعايير البنكية الجديدة ، ولا أحد يعلم كم ستطول هذه الهدنة والمهلة ، ولكنها سرعان ما أنعكست على سوق الصرف في البورصة العراقية حيث أسترد الدينار العراقي شيئا من عافيته وثقته وبالتالي سينعكس شيئا فشيئا على أستقرار السوق العراقية وعلى نفسية المواطن العراقي الذي يعيش هلعا وخوفا وأرتباكا منذ قرابة الأربع عقود ولحد الآن! 0 ومن المفيد أن نذكر هنا ( أن مجلس الوزراء صادق على قرار مجلس أدارة البنك المركزي العراقي بتعديل سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي بما يعادل 1300 دينار للدولار الواحد وأعتبارا من يوم الأربعاء الموافق 8/2/2023)! 0 أن ملامح صورة الأتفاق بين الجانب الأمريكي والعراقي في أسطنبول ومدة المهلة التي سيعطيها البنك المركزي الأمريكي ستتبين بشكل أوضح وأكثر عند الزيارة القريبة التي سيقوم بها وزير الخارجية العراقي ومحافظ البنك المركزي الى واشنطن0 الملفت للأنتباه في كل هذه الأزمة التي قاربت ال 3 أشهر وما أحدثته من فوضى وأرتباك ليس في العراق فحسب بل في الدول الآنفة الذكر، والتي كانت بسبب أتهام أمريكا للعراق بأنه يقوم بتهريب العملة ( الدولار) الى الدول المجاورة والمحيطة بالعراق بطرق غير مشروعة وغير قانونية! ، هو أن الكثير من المتابعين والمحلليين السياسيين والأعلامين ومنهم الأعلامي المقيم في أمريكا ( رافد جبوري) يؤكدون بأن كل ذلك يحدث بعلم الأمريكان وبمزاجهم! ، حيث كان الأمريكان يعلمون بكل عمليات التهريب عبر ( مزاد بيع العملة) لكل تلك السنوات التي مضت!!0 ومن وجهة نظري كمتابع للشأن العراقي أقول بأن أزمة الدولار هذه تاتي كوجه من أوجه الصراع بين أمريكا وأيران وأن الكثير من حقيقة أفتعالها وماذا كان يريدون الأمريكان من ورائها ستبقى غائبة ! ، وما ينشره الأعلام بما فيه الأعلام الدولي من مواضيع وتصريحات وتحليلات وتوقعات وما تنشره كبريات الصحف الأمريكية والغربية عن الأزمة هو جزء من الحقيقة بل وأقل من ذلك! ، كما وأرى أن كل ماحدث خلال فترة هذه الهزة الأقتصادية في العراق وفي بعض الدول المجاورة والمحيطة به ما هو ألا قرصة أذن قوية من قبل الأمريكان للعراق! لا سيما أذا علمنا بأن الأموال العراقية الواردة من مبيعات النفط هي تحت تصرف البنك الفدرالي الأمريكي الذي يحميها بحساب خاص منذ أنتهاء حرب الخليج الثانية (1991) ! ، وفرض العقوبات الدولية ( الحصار) على العراق ولحد الآن وبالتالي فالامريكان هم من يتحكمون بلقمة العيش ورغيف الخبز العراقي! ، كما وأراد الأمريكان أن يبعثوا برسالة قوية لكل من يتابع الشان العراقي محليا وعربيا وأقليميا ودوليا ، بأن أمريكا هي اللاعب الأول والأخير واللاعب القوي ليس في العراق فحسب بل في المنطقة كلها، وعلى العراق أن يحذر من ذلك ، ويلتزم بما سيقرره البنك المركزي الأمريكي من ضوابط وتعليمات ومعايير بنكية ، وألا ستكون القرصة القادمة مميتة!0 أخيرا أقول أن أمريكا دولة متجبرة وقوية ولا يوجد في قاموسها السياسي شيء أسمه الرحمة والأنسانية ، وعلينا أن لا ننسى حصارها الظالم على العراق في تسعينات القرن الماضي ، ناهيك عن غزوها وأحتلالها العراق بالقوة والذي كان خارجا لكل الأعراف والقوانين الدولية ، فأتمنى من حكومة السوداني والطبقة السياسية الحاكمة وكل الأحزاب ، أن تتقي شر أمريكا ومن معها ، وأن تعيد الحكومة وكل الأحزاب السياسية شيئا من جسور الثقة والتعاون مع الشعب، ولله الأمر من قبل ومن بعد0

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here