العراق يبدأ بحظر المشروبات الكحولية بكافة الأنواع

باسل عباس خضير

بتاريخ 20 شباط 2023 صدر العدد (4708) من جريدة الوقائع العراقية وقد تضمن هذا العدد نشر مجموعة من التشريعات ومنها قانون ( واردات البلديات ) رقم ( 1 ) لسنة 2023 ونصت المادة ( 14 ) منه على :
أولا : يحظر استيراد وتصنيع وبيع المشروبات الكحولية بأنواعها كافة .
ثانيا : يعاقب كل من يخالف البند ( أولا ) من هذه المادة بغرامة لا تقل عن (10,000,000 ) عشرة ملايين دينار ولا تزيد على (25,000,000 ) خمسة وعرون مليون دينار .
ومن الناحية القانونية فقد عد هذا القانون نافذا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ( الوقائع العراقية ) في 20 شباط الجاري ، استنادا لنص لمادة 16 من القانون نفسه ، كما نصت المادة 15 منه ( لا يعمل بأي نص يتعارض مع أحكام هذا القانون ) مما يعني انه بات يمتلك العلوية القانونية في حظر المشروبات الكحولية بأنواعها كافة استيرادا وتصنيعا وبيع .
ورغم إن المهتمين بموضوع المشروبات الكحولية تجارة او تعاطيا لا يشكلون الأغلبية العظمى من العراقيين ( استنادا لتقديرات وليس إحصاءات ) ، فان من سمع بصدور المواد الخاصة بحظر المشروبات الكحولية اخذوا يطرحون مجموعة من التساؤلات ، أبرزها عن كيفية حشر موضوع حظر المشروبات الكحولية بقانون اسمه وعنوانه ومحتواه هو ( واردات البلديات ) فالمواد التي تضمنها القانون اهتمت بكيفية جباية وشمول وتعظيم أجور البلديات ، والحظر ينهي الإيرادات من المشروبات الكحولية من حيث الرسوم والضرائب وغيرها فهو يصيب البلديات ضررا من انقطاع الإيرادات من هذا النوع ، والتساؤل الآخر يتعلق بالمفاجأة التي صدر بها القانون فالمعروف إن مشاريع القوانين تقدم من مجلس الوزراء ويتولى مجلس النواب استلام التشريع وإخضاعه لسياقاته في المرور باللجان ثم القراءة الأولى و تليها الثانية وبعدها يتم التصويت وهذه المراحل والأمور لم يسمع بها الجمهور ، وكل ما يعلمه البعض إن قانون من هذا النوع طرح للتشريع قبل سنوات ولاقى معارضة مسوغاتها تعارضه مع الحريات وعدم مراعاته للمواطنين والوافدين من الأديان التي لا تحرم الكحول وغيرها من الأسباب التي أرجات النظر فيه لأجل غير معلوم ، والتساؤل الآخر فيه كثير من الاستغراب فقبل اقل من أسبوع من نشر القانون وبالتحديد في 14 شباط الجاري اتخذ مجلس الوزراء قرارا بفرض رسم كمركي إضافي بنسبة 200% من وحدة قياس منتج المشروبات الكحولية المستوردة للعراق من الدول والمناشيء كافة لمدة أربع سنوات بدون تخفيض ، والسؤال ما هو الربط بين زيادة الرسوم على المشروبات الكحولية لمدة 4 سنوات ثم حظرها لكل الأنواع بعد أسبوع فهل إن مجلس الوزراء لم يعلم إن هذا القانون قد تمت المصادقة عليه وهو في طور الطباعة والصدور في الجريدة الرسمية ؟؟ ، والتساؤل الأخر يتعلق بعنصر المباغتة في إصدار هذا القانون من دون علم واطلاع مسبق من قبل الشركات والأفراد والمحلات الذين يعنيهم الموضوع ، فالقانون نفذ في 20 شباط الجاري ( أي قبل أربعة أيام ) ولكن محلات المشروبات ( عامرة ) ومفتوحة لحد ساعة كتابة هذه السطور ، وكما هو معروف فان المشروبات الكحولية تنتج وتستورد بكميات كبيرة بمليارات الدولارات سنويا وهي مخزنة في المستودعات والمخازن ومعروضة في المحلات ، والقانون لم يحدد طريقة او يمنح المهلة للتخلص منها بالإتلاف او أعادة تصديرها كما انه لم يوضح الأسلوب الذي سيعوض بها الخسائر التي سيتعرض لها المنتجون والمستوردون لأنهم ( قبل نفاذ القانون ) كانوا يعملون في ظل أنظمة غير مانعة ولكن نشاطهم تعرض للحظر الآن بشكل كامل وبدون سابق انذار ، أما التساؤل الآخر فيتعلق بالمستقبل الذي سيواجه العاملون بالمشروبات المحظورة من العمال في الإنتاج والاستيراد والخزن والبائعون والناقلون وغيرهم وعددهم يتوقع أن يكون بالآلاف فهل سيتم تأهيلهم لأعمال أخرى أم ينضمون لجيوش العاطلين أم إن الدولة ستتكفل بأمور معيشتهم ويشملون بالحماية الاجتماعية من حيث زيادة الحصة التموينية واستحقاقهم الرواتب الشهرية ؟! ، وموضوع البطالة ربما سيمتد للملاهي والبارات ومحلات اللهو لأنها غير قادرة على الاستمرار بالقهوة والشاي وشربت الزبيب باعتبار إن المشروبات الكحولية وسيلتها للاستمرار .
ولا نخفي سرا إذ نقول إن البعض ممن سمعوا بالمواد القانونية أعلاه عبروا عن ارتياحهم من حظر المشروبات لما تسببه من خسائر مادية وصحية واجتماعية ، ولكنهم في الوقت نفسه ابدوا قلقهم من الكيفية التي سيتحول بها المتعاطي لغير ذلك بعد أن تعود بعضهم لعقود او سنين على تلك المشروبات هواية او إدمان ، وأكثر ما يخشاه البعض أن يتحول البعض منهم إلى متعاطين لبدائل أكثر ضررا كالمخدرات والمهدئات التي تنتشر بشكل واسع في البلاد ، فرغم الجهود التي تبذل في التقليل من تلك الأخطار والتي تعرضها وسائل الإعلام حول القبض على التجار او الحيازة على تجارتهم إلا أن نسبة المتورطين من المواطنين قليل لما يروج لكم هائل لهذه الآفات ، والتخوف فحواه أن يتحول البعض من المشروبات للمخدرات سيما الفئات الضعيفة والهشة في المجتمع او ممن لا يحظون بالرعاية والإرشاد الكافيين ، كما إن هناك من يعتقد إن الحظر ( لو طبق ) فانه سيحول المشروبات الكحولية لتجارة الممنوعات وزيادة ما تحتاجه من فساد ، فمن الناحية العملية إنها مخزنة بكميات كبيرة كما إنها تنتج محليا في المعامل والشركات والمنازل وتحولها إلى ممنوعات سيرفع من أسعارها بما يفوق إمكانيات الكثير من المتعاطين بها كما انه ربما سيشجع لترويج الأنواع المغشوشة والمضرة بالصحة مما ينشا مشكلات صحية واجتماعية وجنائية ليست في الحسبان ، وإذا طرحنا المقولة ( إذا أردت أن تطاع فيجب أن تأمر على قدر المستطاع ) فان أغلبية من الذين اطلعوا على القانون ذكروا بان هذا القانون لا يمكن أن يرى النور في التطبيق سيما وانه شرع تحت عنوان ( البلديات ) وعقوباته هي غرامات وليس أحكام جزائية تستند لقانون العقوبات او القوانين الرادعة الأخرى ومن نقاط الضعف فيه انه تطرق للتداول وليس التعاطي ، وان طرحنا للتساؤلات لا يعني مناصرتنا لظاهرة انتشار تجارة المشروبات الكحولية بالشكل السلبي السائد حاليا ، وإذا كان القصد هي المعالجة الأبوية من الدولة لهذا الموضوع فإنها تتطلب أن تقترن بأهداف ومديات ومنهجية ومحتويات تبدأ بالتدرج من الإقناع والإرشاد والتثقيف من قبل جهات معنية ومختصة ابتداءا من العائلة والبيئة المحيطة وفي الطب والعلوم السلوكية والاجتماعية والاقتصاد وغيرها من الجهات وليس من البلديات فحسب ، بما يضمن أن تكون الغايات ووسائلها واضحة ومعروفة ومقبولة وتصب في المصالح الفردية و الوطنية ، فالمشروبات الكحولية رغم تعارضها مع الدين الإسلامي إلا إنها تصطدم بقناعات وانتماءات تستلزم العناية ومراعاة الحساسية الإنسانية في التعامل معها بما يحفظ الحقوق والكرامة بشفافية تمنع العناد و تعقيد الأمور .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here