الثورة الكوردية وغصن الزيتون

قد تنجرف الكثير من الثورات الى ممارسة العنف في عملها الثوري كرد فعل على ظروف معينة احاطت بها في حقبة من حقب نضالها المسلح , وهناك الكثير من الامثلة حول ذلك في المنطقة والعالم .. وقد لا نبالغ اذا قلنا انه لم تتعرض اية ثورة في العالم الى ما تعرضت اليه الثورة الكوردية من مؤامرات سواء من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة او من قبل اطراف اقليمية ودولية , كذلك لم يتعرض شعب الى ما تعرض اليه الشعب الكوردي الاعزل من ابادة واضطهاد على يد الحكومات العراقية المتعاقبة التي لم تدخر وسيلة من وسائل ارهاب الدولة الا ومارستها ضد الشعب الكوردي , بدا باعدام المدنيين الكورد و ترحيلهم وحرق قراهم الى قصف مدنهم وقراهم بالاسلحة الثقيلة وانتهاءا بالتصفيات العرقية واستخدام الاسلحة المحرمة دوليا ضده.

هذه الممارسات كانت كفيلة بان تفقد الثورة الكوردية توازنها وتجرفها لتمارس العنف في نضالها الثوري حالها حال الكثير من الثورات التي وقعت في هذا المستنقع في العالم , خاصة وان الثورة الكوردية كانت محاصرة من جهاتها الاربعة بدول تعمل جميعا على اجهاضها وافشالها . غير ان الثورة الكوردية بقيت تقاتل الانظمة العراقية المتعاقبة باخلاق الفرسان , حاملة غصن الزيتون ازاء المدنيين لاخر يوم في روزنامة نضالها المسلح , واستمرت تحمله في نضالها السياسي بعد الانتفاضة لغاية يومنا هذا.

قد يعتقد البعض ان الممارسات القمعية مورست ضد الكورد من قبل نظام صدام حسين فقط , لكن الحقيقة ان الحكومات العراقية التي سبقت نظام صدام لم تختلف عنه كثيرا ماعدا عدم استخدامها للسلاح الكيمياوي ضد الشعب الكوردي فقط ..

فقد استعانت بعض الحكومات العراقية بدول عظمى لقصف المدنيين الكورد كما حصل في العهد الملكي .

ولجأت حكومات اخرى للاستعانة بجيوش دول مجاورة لمواجهة الثورة الكوردية كما حصل في عهد عبد السلام عارف عندما استعان بلواء اليرموك التابع للجيش السوري لضرب المدنيين الكورد.

قيام اعضاء في حلف “السنتو” ” تركيا وايران” بمساعدة الجيش العراقي في مده بمعلومات الاستطلاع الجوي والارضي حول مواقع البيشمركة لضربها في عهد حكومة عبد السلام عارف .

بعبارة اخرى ان الثورة الكوردية كانت محاصرة تماما من قبل دول المنطقة بما يصب في صالح الحكومات العراقية المتعاقبة .

وقد مارست الحكومات العراقية المتعاقبة الكثير من الممارسات القمعية التي تصل مستواها لمستوى “جرائم حرب” توجب عقابا دوليا الا انها لم تلق الاهتمام اللازم من قبل المجتمع الدولي , ومن بين هذه الجرائم :-

قيام آمر اللواء العشرين في الجيش العراقي بدفن 86 مواطنا مدنيا من اهالي السليمانية وهم احياء عام 1963

قيام آمر فوج يدعى طه الشكرجي بشنق 39 شاب كوردي على اعمدة الكهرباء

قيام آمر اللواء العشرين بتمزيق اجساد 72 مواطن تحت الدبابات في منطقة سروجاوه عام 1969

احراق 67 امرأة وطفل من قرية دَكان عام 1969

قتل اربعون مصابا ومعهم 39 طفل وامرأة في قرية صوريا المسيحية

التهجير القسري لآلاف المواطنين الكورد من مناطق كاملة واسكان مواطنين عرب فيها.

طرد 20 الفا من الكورد الفيلية من العراق عام 1971 , ومصادرة ممتلكاتهم والقاء شبابهم في السجون.

قتل 8000 بارزاني عام 1983

قصف حلبجة بالكيمياوي وقتل 5000 مواطن كوردي في دقائق معدودات عام 1988

اختفاء 17 الف شاب فيلي .

جريمة الانفال السيئة الصيت وتغييب آثار اكثر من 100 الف مواطن كوردي لم يسمع عنهم شيئا لغاية اليوم .

لم تدفع جرائم الحكومات العراقية هذه ضد المدنيين الكورد الى ان تتبني الثورة الكوردية العنف ضد المدنيين العرب في العراق , حتى اولئك المنتمين للمؤسسات الحكومية المتعاقبة طالما كانوا مدنيين , واستمرت في التمييز بين المواطن الاعزل وبين المنظومة العسكرية والامنية لتلك الأنظمة .

فلم تقدم الثورة “رغم قدرتها” على اية عملية مسلحة خارج حدود محافظات كوردستان.

لم تقم الثورة الكوردية بعملية تفجير واحدة في المحافظات العراقية خارج كوردستان ولم تعكر صفو أمن المواطن العربي هناك رغم قدرتها على ذلك .

لم تهدد الثورة الكوردية حياة المواطنين العرب المقيمين في كوردستان حتى اؤلئك الذين سكنوا محافظاتها ضمن خطة عمليات التعريب .

لم تقم الثورة الكوردية بقتل اي اسير من الجيش العراقي بل كانوا يتعاملوا معهم بالتسامح المعروف عن المجتمع الكوردي.

لم تقتل الثورة الكوردية اي جندي عراقي خارج حدود محافظات كوردستان .

لم تستهدف الثورة المواطنين العرب الذين كانوا يرتادون مدن كوردستان للاصطياف رغم تداخل اغلب المصايف مع مناطق العمليات العسكرية للبيشمركة.

لم تستهدف الثورة طوال عمرها الموظفين المدنيين العرب العاملين في المؤسسات الحكومية في كوردستان

هذه المباديء التي تبنتها الثورة لم تات من فراغ وانما كانت نابعة من صميم اخلاقيات الثورة والتي كان الخالد مصطفى البارزاني حريصا على ترسيخها في صفوفها ..

ويجدر ان نشير هنا الى ردة فعل الخالد مصطفى البارزاني حينما ابدى له جهاز امن الثورة قدرته على تنفيذ عمليات اغتيال تستهدف ازلام النظام كرد فعل على محاولات النظام المتكررة لاغتيال الخالد مصطفى البارزاني وبقية قادات الثورة , حيث يذكر الرئيس مسعود بارزاني في الجزء الثالث من كتابه ” البارزاني والحركة التحررية الكوردية” ما نصه : –

” يتحتم علي هنا ان انقل وجهة نظر البارزاني اثر هذه المؤامرات والاعمال التخريبية . ذات يوم قصدني مسؤولو جهاز الامن الثوري قائلين : وجدنا سبيلنا الى وضع قنبلة في منزل ” خير الله طلفاح” وهي عملية مضمونة النجاح مائه بالمائة . ومن جانبي تصورت انها قد تكون دليلا على كفاءة جهازنا الامني وارتفع قدر نفسي في نظري واقبلت على البارزاني احمل اليه الاقتراح . فبدا عليه الغضب مني وقال :

– هل هناك ضمان بان لا يصاب النساء والاطفال؟

قلت : كلا لا ضمان لذلك.

قال : اذا ما الفرق بينكم وبين ناظم كزار ؟ ثم نظر الي وقال :

– اصغ الي جيدا , حذار من ان تقدموا على قتل الابرياء وقتل النساء والاطفال فهذا من عمل الجبناء الذين لا يخافون الله .

ان لم اكن موجودا بينكم لاحول دون هذا فانا احظر عليك في اي وقت من الاوقات او اي ظرف ان تجيز القيام بمثل هذه الاعمال المشينة.” .

واستطرد بالقول :

” – ان آنستم بانفسكم الشجاعة والكفاءة فتولوا القضاء على المجرمين المسؤولين والقائمين بعمليات الاغتيال انفسهم لا ان تنتقموا منهم بنسائهم واولادهم.”

هذه هي المباديء التي اعتمدتها الثورة الكوردية منذ انطلاقها , وكان مسك ختامها ما حصل في انتفاضة اذار المباركة عام 1991 , حينما اسرت قوات البيشمركة الالوف من الجنود العراقيين في عموم محافظات كوردستان , حيث لم يصب احد منهم باي اذى , بل خيروا بين البقاء آمنين في كوردستان او الرجوع بسلام الى محافظاتهم خارج كوردستان على مبدا “اذهبوا فانتم الطلقاء ” رغم انهم كانوا ادوات النظام العراقي في احكام سيطرته على كوردستان , غير ان الاسير لا يقتل في اخلاقيات الثورة الكوردية.

وكانت قيادة الثورة الكوردية متمثلة بالخالد مصطفى البارزاني تؤكد دائما على ضرورة التمييز بين موقف الثورة من الحكومات العراقية وبين موقفها من الشعب العربي في العراق , وترسيخ مفهوم ان الثورة الكوردية هي ضد الحكومات العراقية وليست ضد الشعب العربي العراقي , ولا ادل على ذلك مما قاله الخالد مصطفى البارزاني في الخامس عشر من نيسان عام 1967 حينما القى خطابا ارتجاليا في مؤتمر كاني سماق العسكري امام حشد من البيشمركة وكوادر الحزب نذكر منه هذه المقتطفات : –

اخوتي الاعزاء .. لقد قلت في سنة 1945 وفي سنة 1960 واكرر الان : ان صراعنا ليس صراعا بين الكورد والعرب , انني لن اقاتل العرب كما لن اقاتل ابناء اية امة اخرى , ولن نقاتل اي شعب لكون هذا اصفر وهذا احمر وذاك ازرق او ابيض , ان الكورد والعرب اخوة يمكن ان يعيشوا بسلام وتآخي , ان العرب اخواننا الكبار ونحن اخوانهم الصغار , لكن ليس من الانصاف في شيء ان يجوع الاخ الاصغر ويعرى ويحرم من التعليم والتعبير عن رايه والمشاركة في ادارة البيت المشترك , بينما يستحوذ الاخ الاكبر على كل ما في البيت , ينبغي ان تكن هناك عدالة ولا يشعر الاخ الاصغر بالظلم ولا يتعرض للغبن. اننا لن نخالف الحكومة ان لم يكن يسيطر على شؤونها المنحرفون الذين يخدمون مصالح اعداء الكورد والعرب . اننا من خلال ثورتنا نريد تحقيق ما هو في صالح ابناء العراق العرب اولا والكورد ثانيا ولجميع ابناء العراق من تركمان واشوريين وارمن واخرين.. اننا نريد حكومة عادلة ديمقراطية في العراق تاتي عن طريق انتخابات حرة دون ضغط او اكراه , اننا نريد قوانين عادلة يساهم الشعب العراقي في وضعها , لا ان ياتي في كل يوم عسكري ليقول ( قررنا ما يلي) ثم يحكم الشعب العراقي حسب ما تمليه اهواؤه وانانيته دون ان يستطيع الشعب محاسبته ”

واستطرد القائد الخالد مصطفى بارزاني في كلمته قائلا :

نحن لم نهاجم احدا ولن نقدم على ذلك ضد احد ونحن ندافع عن حقوقنا المشروعة وعن اموال واعراض وحياة الشعب الكوردي , اننا لا نريد ابدا اراقة الدماء , ولا نريد ان يقتتل الاخوان العربي والكوردي لان الاقتتال بيننا نحن الكورد والعرب يخدم اعداء العراق , لذا ادعو الله ان يهب من لدنه العقل والحكمه لاولئك الذين يريدون محاربتنا , ليرحموا شعب العراق ويكفوا عن ظلم الشعب الكوردي والاعتداء عليه , لينعم شعب العراق باجمعه بالسعادة والاخاء والسلام والعدل”

تجدر الاشارة هنا الى ان الخطاب لم يكن موجها للراي العام العراقي ولا للاعلام , اي ان موقف البارزاني الخالد هذا لم يكن للاستهلاك الاعلامي وانما كان ذلك خطاب الحزب الحقيقي والمعهود لكوادره ومسلحيه , فقد كانت الكلمة موجهة لبيشمركة وكوادر الثورة.

لم تكن هذه الرؤية الوطنية للثورة منحصرة فقط في موقفها من المدنيين العرب في العراق , بل كان ذلك موقفها حتى من الاحزاب العراقية بغض النضر عن المواقف السابقة لتلك الاحزاب . فبعد الانقلاب على حكم عبد الكريم قاسم , قرر الانقلابيون ابادة الشيوعيين بسبب مواقفهم المؤيدة لعبد الكريم قاسم ,والقي القبض على سكرتير الحزب الشيوعي وتمت تصفيته تحت التعذيب , وسجن عدد اخر من اعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي , فلم يبق امام اعضاء الحزب وكوادره الا التوجه الى كوردستان هربا من بطش الانقلابيين الجدد . ورغم المواقف السلبية للحزب الشيوعي تجاه الثورة في بداية انطلاقها , الا ان الخالد مصطفى البارزاني استقبل قادة الحزب الشيوعي وكوادره بالكثير من الحفاوة والتقدير على مبدا عفا الله عما سلف .. ليس هذا فحسب بل انه وقف ضد محاولات الانشقاق داخل الحزب الشيوعي العراقي من قبل بعض قاداته .

حاولت الانظمة العراقية المتعاقبة تشويه الثورة الكوردية لدى الشارع العربي في العراق وخارجه الا ان اصرار الثورة على منهج السلمية في نشاطها المسلح كشفت حقائق كثيرة لهذا الشارع .

فكيف لثورة تدعو الى الديمقراطية للعراقيين جميعا وتتعامل بهذه الفروسية مع من تقاتله ان تكون عميلة؟ ثورة اذن لها ان تقاتل من اجل اناس اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله وليست الانظمة القمعية في بغداد ؟

في المقابل .. كيف لانظمة انقلابية تنقلب احداها على الاخرى وتستولي على الحكم بقرار خارجي من خلال عسكريين دون اخذ راي الشعب وترتكب افضع الجرائم ضد شريحة من شعبها , كيف لهذه الانظمة ان تكون وطنية ؟

موقف الثورة من حرب الايام الستة بين العرب واسرائيل عام 1967

بعد وفاة عبد السلام عارف اثر سقوط طائرته , جنح البعثيون الى تهدئة الوضع العسكري مع الثورة الكوردية ليتفرغوا هم لمخطط الاستيلاء على الحكم , ففتحوا قنوات الاتصال مع الثورة من جديد , وفي الوقت نفسه مارسوا مبدا المماطلة المعروف عن كل الحكومات العراقية لغاية ترسيخ سيطرتهم على الحكم ….

في هذه الاثناء لاحت في الافق بوادر حرب جديدة بين العرب واسرائيل فيما اطلق عليها بعد ذلك بحرب الايام الستة عام 1967 …

فارسلت الحكومة العراقية وفدا رسميا كبيرا الى مقر الثورة في جلولاء ” كلالة” مؤلفا من قادة كبار في الجيش العراقي , طالبين من الخالد مصطفى البارزاني عدم قيام الثورة بنشاطات عسكرية ضد الجيش العراقي اثناء الحرب مع اسرائيل , كذلك طلبوا النصح منه ازاء تلك الحرب , وقدموا له طلبا ثالثا بارسال 5000 من قوات البيشمركة بقيادة الشهيد ادريس بارزاني لمشاركة الجيش العراقي حربه ضد اسرائيل .

فاما بالنسبة للطلب الاول فقد ابلغهم البارزاني الخالد بما يلي :

“الا فلتطمان قلوبكم بأن البيشمركة لن يقدموا على اي عمل ضد الجيش العراقي”

من الجزء الثالث من كتاب الرئيس مسعود بارزاني ” البارزاني والحركة التحررية الكوردية”

وقد اوفت الثورة الكوردية بوعدها الشفوي ذاك الى الحكومة العراقية , فلم تقدم طوال ايام الحرب باي تحرك عسكري ضد قطعات الجيش العراقي واوقفت كل نشاطاتها المسلحة .

هذه الحالة تفردت بها الثورة الكوردية في انها لم تستغل ظروف انشغال الجيش الذي تقاتله بحرب خارج البلاد ولم تشن ضده اية عملية عسكرية , في الوقت الذي كان بالامكان تحقيق الكثير من الانجازات العسكرية في تلك الاثناء لو ارادت الثورة ذلك .

اما بالنسبة للطلب الثاني المتعلق بارسال 5000 من قوات البيشمركة بقيادة الشهيد ادريس بارزاني للمشاركة مع الجيش العراقي في حربه ضد اسرائيل , فقد كانت هذه هي المرة الثانية التي يتم فيها طرح هذا الطلب , حيث قام وفد اخر قبل ذلك بزيارة البارزاني وقدم اليه نفس الطلب.

حول ذلك يذكر الرئيس مسعود بارزاني في الجزء الثالث من كتابه ” البارزاني والحركة التحررية الكوردية” ما نصه : –

” كان من اصدقاء الوالد العرب الحاج شاكر الدوري وشيخ عشيرة العبيد ناظم العاصي كما ذكرت , وفد هذان على الوالد وطلبا منه ان لا ياتي البيشمركة باي نشاط عدائي عند قيام الحكومة العراقية بارسال القطعات الى الاردن فاعطاهم كلمته , ثم طلبوا منه قوة بحدود خمسة الاف من البيشمركة تضم الى الجيش العراقي بقيادة اخي ادريس لتكون بمثابة رمز للتعاون..

ممن اسندت اليه قيادة القطعات المرسلة لمساندة الجيش السوري العميد الركن محمود عريم , القى خطابا في دمشق قبل نشوب الحرب بيومين قال فيه : – انتم ” يقصد السوريين” جئتمونا لاجل القضاء على اسرائيل الثانية ” يقصد كوردستان ومجيء لواء اليرموك بقيادة “فهد الشاعر” وها نحن الان ناتي لرد الدين والقضاء على اسرائيل الاولى .

فعلق البارزاني على هذا متوجها الى الشيخ ناظم بقوله ” يا شيخ كيف يمكن ان يرسل احدهم ابنه مع مقاتليه الى جبهة يكون فيها مثل هذا الرجل المغفل الحاقد على الشعب الكوردي وكيف يمكن الثقة به قائدا”

كان هذا هو موقف الثورة الكوردية الوطني والنبيل تجاه الجيش العراقي , بينما كان ذلك موقف الحكومة العراقية تجاه الثورة الكوردية متمثلا بخطاب ذلك العميد وايضا بتهديدات بعض قادة بغداد الذين هددوا في اجتماعاتهم الخاصة بانهم بعد احتلالهم لتل ابيب سيتوجهون الى البارزاني ويلقنوه الدرس البليغ.

ثورة مسلحة تعلق كل عملياتها العسكرية ضد الجيش الذي تقاتله , وحكومة تنظر بشوفينية مقيتة الى تلك الثورة .

المواقف الانسانية للثورة الكوردية

لم تقتصر التوجهات الانسانية للثورة الكوردية في مجال واحد بل وصلت لحد انها كانت تهتم بكل فرد عراقي مظلوم سواء كان كورديا او عربيا .

فبينما كانت الثورة الكوردية تتفاوض مع الحكومة العراقية اواخر عام 1969 حول تفاصيل اتفاقية الحكم الذاتي طلب الوفد الذي زار الخالد مصطفى البارزاني رؤية نقيب طيار كانت قوات البيشمركة قد اسرته بعد ان اسقطوا طائرته الحربية وهي تقصف كوردستان . ومع كل المواقف العنصرية المعروفة عن ذلك الطيار ازاء الثورة الكوردية وافق الخالد البارزاني على اطلاق سراحه , ولم يطلب مقابل ذلك اي مطلب له خصوصية كوردية بل لمح الى ضرورة الافراج عن طبيب عربي اعتقلته اجهزة النظام العراقي لمجرد انه كان على علاقة طيبة مع البارزاني .

وبهذا الصدد يذكر الرئيس مسعود بارزاني في الجزء الثالث من كتابه ” البارزاني والحركة التحررية الكوردية”ما يلي : –

“عاد الوفد الحكومي الحزبي في الثاني من كانون الثاني “عام 1969” وكان البارزاني واعضاء واعضاء قيادة الثورة في وداعهم بنقطة “برزيوه” وفي اثناء وجودهم طلبوا رؤية النقيب الطيار “حميد شعبان” الذي اسقطت طائرته الميك 17 في 12 كانون الاول عام 1969 في “دولي هيران” بنيران الدوشكا وتم اسره , ومثل امام محكمة الثورة الخاصة كمجرم حرب بسبب ضربه اهدافا غير عسكرية وتسببه في مقتل عدد كبير من الابرياء , فحكمت المحكمة عليه بالاعدام , الا ان القيادة قررت تاجيل التنفيذ . فامر البارزاني باحضاره لهم , وعندما جاؤوا لاخذه استبد به الخوف وخيل له انهم قادمون لتنفيذ حكم الموت به , لكن ما ان مثل امام الوفد حتى كاد يغشى عليه ولم يصدق عينيه وبقي مع الوفد زهاء ساعتين . ثم عندما هممنا باعادته ناداني البارزاني وقال دعوه يبقى عندهم هذه الليله وفي الصباح الباكر فلياخذوه معهم . كان ذلك التفاتة احترام وتقدير للوفد كما نواها البارزاني . فحمدوا له المنة وشكروا عطفه , وعندها عقب البارزاني بقوله : لي سؤال صغير واحد بهذه المناسبة … كيف سولت لكم انفسكم اعتقال الطبيب “كاظم شبر” وسجنه وانزال اشد التعذيب به لمجرد علاقة مهنية عابرة جرت بيني وبينه !.. كانت تلك اشارة مهذبة لطلب اطلاق سراح الدكتور ومناسبة تتفق مع امره باطلاق سراح الاسير الطيار . وقد تم ذلك فعلا فور عودة الوفد الا انه خرج منهوك القوى محطم الاعصاب واقتضى له اكثر من شهر ليبرا من الاثار التي تركها التعذيب في جسده”

المواقف الوطنية للثورة الكوردية

طالما كان الاعلام الرسمي للحكومات العراقية المتعاقبة يتهم الثورة الكوردية بانها تتحرك وفق مصالح اطراف اقليمية ودولية لضرب الاستقرار في العراق , رغم ان الحقائق والاحداث التي واكبت تلك الثورة تشير الى ان الثورة اعتمدت في كل مسيرتها على المعيار الوطني , ولم تنجر يوما الى ضرب المصلحة العراقية والكوردية خدمة لاجندات خارجية ,اقليمية كانت ام دولية . حيث انها لم تدخر اية فرصة للسلام الا واستغلته مع كل الحكومات العراقية بمختلف توجهاتها , كل ذلك في سبيل انهاء هذا الصراع الدموي بين الطرفين . ودائما ما كانت الانظمة العراقية هي التي تتنصل من التزاماتها وليست الثورة .

فعندما حاولت قوى اقليمية ودولية اجهاض المفاوضات بين الثورة الكوردية والنظام العراقي كان رد الثورة واضحا وصريحا رغم المغريات التي عرضت عليها والتهديدات التي تعرضت اليها .

حول ذلك يذكر الرئيس مسعود بارزاني في الجزء الثالث من كتابه ” البارزاني والحركة التحررية الكوردية” ما نصه:-

“وفي يوم 15 كانون الثاني عام 1970 توجه البارزاني والشيخ بابا علي ” ابن الشيخ محمود الحفيد” الى طهران . وفي اليوم التالي استقبله الشاه بكثير من الحفاوة وبذل له الوعود الكثيرة باسمه وباسم حكومة الولايات المتحدة شريطة ان لا يعقد مثل هذا الاتفاق ” اتفاقية الحكم الذاتي” لان فيه مصلحة السوفيت , وسيكون عاملا لتقوية مركز حزب البعث . واكد نيته الصادقة في تامين كل ما تحتاجه الثورة واسداء اي شكل من المعونة حتى ولو اقتضى المشاركة الفعلية في الدفاع .

اجاب البارزاني :-

” ان هدف الحزب الديمقراطي الكوردستاني الاول هو الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان . فاذا سلم البعث الحاكم في العراق بالحكم الذاتي لكوردستان وقمت انا برفضه فماذا سيكون موقفي ازاء الحزب وازاء الشعب الكوردي في العراق وازاء الامة الكوردية جمعاء؟ اني لا استطيع الامتناع عن الاتفاق وان فعلت فسوف يفيد حزب البعث الحاكم اكبر افادة ويبدو امام الراي العام مدافعا عن الحقوق الكوردية , في حين نبدو نحن خونة مستهينين بها .

ووافق الشيخ بابا علي على وجهة نظر البارزاني وقال له مشجعا : –

” كل ما وجدت فيه خيرا للشعب الكوردي افعله ولا تلق بالا الى الاخرين . لكن البعث ليس موضع ثقة وعليك ان لا تضع كل ثقتك بهم ”

وفي اليوم التالي عاد البارزاني الى كوردستان.

وتوالت رسائل من الشاه الى البارزاني بعين الطلب وكانت اخر رسالة منه مشوبة ببعض التهديد”

رفض البارزاني الطلب الايراني الامريكي رغم كل محاولاتهم , واستمرت الثورة في التفاوض مع الحكومة العراقية انذاك بغية التوصل الى اتفاق وحقن دماء الكورد والعرب في العراق , الا ان النظام العراقي لم يكن جادا في التوصل الى وضع ينهي حقبة الحرب هذه , فتحرك باتجاهين ..

الاتجاه الاول… محاولاته الفاشلة باستهداف القادة الكورد ظنا منه ان قتلهم سينهي الثورة الكوردية .

الاتجاه الثاني.. محاولاته ربط الدول الاقليمية والدولية بمعاهدات مع بغداد لمحاصرة الثورة عن اي تاييد دولي واقليمي.

وعن اخر لقاء بين صدام حسين والشهيد ادريس بارزاني يذكر الرئيس مسعود بارزاني في كتابه ” البارزاني والحركة التحررية الكوردية” ما يلي:-

واصلت قيادة البارتي يومي 16 و 16 من شباط اجتماعاتها بمقر البارزاني في ( قسري) لمناقشة التطورات الاخيرة.. وتقرر عدم التنازل باي شكل من الاشكال عن كركوك ومناطق ا خرى ورفض المساومة على اخراجها من حدود الحكم الذاتي”

سافرالوفد الكوردستاني الى بغداد واجتمعوا بصدام حسين مساءا , وحول هذا الاجتماع يذكر الرئيس مسعود بارزاني في كتابه ما يلي :-

“توجه صدام الى ادريس بهذا القول : اتفقنا مع والدك على ان يصدر قانون الحكم الذاتي بعد مرور اربع سنوات على اعلان اتفاقية اذار . وان يتم وضعه موضع التنفيذ . ان مشروع القانون الذي ارسلناه اليكم اخر مرة هو راينا الاخير فيه , واننا نود ان توافقوا عليه .

ان الذي اريد ان تنقله للوالد هو هذا : لا ترغمونا على التنازل لشاه ايران , ان داهم العراق خطر على كيانه فاذ ذاك سنتنازل عن شط العرب درءا للخطر , وهذا سيصيب قلوبنا بجرح عميق , وانتم الذين ستتحملون العواقب وعليكم ستقع المسؤولية , واذا ارغمنا على التنازل للشاه فانكم ستدفعون ثمنا باهظا ”

كان لدى ادريس تعليمات ومقترحات من القياده فاجابه :

الاجدر بكم ان تتنازلوا لشعبكم لا لشاه ايران , والافضل ان تراجعوا ضميركم قبل الشروع في القتال والا خسرتم ثقة الشعب العراقي باسره .

ثم تطرق الى مشكلة كركوك فقال:

ان التنازل عن كركوك وسنجار وخانقين امر غير ممكن ولا يسعنا القبول به , لكن ولاجل تفادي القتال نرجو ان تفكروا بحل يفضي الى حل المشكلة.”

وهكذا فقد تصور النظام العراقي بنظرته القاصرة الخالية من الوطنية ان التخلي عن السيادة العراقية بمنح دولة اجنبية اراضي عراقية شاسعة اهون عليه من انصاف شريحة من ابناء شعبه باعطاءهم حقوقهم المشروعة وانهاء حقبة طويلة من صراع دموي مسلح , لينعم العراق كله بالاستقرار والهدوء… وهكذا ذهب متبخترا ليوقع على اتفاقية الجزائر المخزية التي كانت السبب في كل ما اجتره العراق بعد ذلك من مآسي وويلات الى يومنا هذا.

وهنا نستطيع ان نميز من كان وطنيا من الطرفين ومن كان عميلا يعمل من اجل تغليب مصالح واجندات خارجية على المصلحة العراقية الخالصة .

انس الشيخ مظهر

15-3-2023

كوردستان العراق – اربيل

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here