قراءة في الطروحات الفكرية والسياسية للفقيد الدكتور لطفي حاتم

د. كاظم المقدادي

مقدماً، أبدي إنطباعاً شخصياً يشاركني فيه العديد من متتبعي عطاء الفقيد الدكتور لطفي حاتم، أستند فيه الى معايشة خاصة، إذ تمتدُ معرفتي بالفقيد لسنوات طويلة.. ومن خلال قربي منه، وكانت تربطني به علاقة رفاقية طويلة، وعملنا سوية في مجال العمل الفكري، تلتها علاقة الزمالة في الأكاديمية العربية في الدنمارك، وإختتمناها بمرحلة التقاعد، وما رافقها من كومة أمراض، والتي رغم شدتها بالنسبة له لم تمنعه من مواصلة العطاء حتى الأسابيع الأخيرة من حياته.

وعدا هذا، فأنا أحد المطلعين والمتابعين لكافة مقالاته، وما أكثرها،المنشورة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، في مجلة ” الثقافة الجديدة” و”طريق الشعب” و” المدى”، و”تموز” و”حوارات”، و”المجلة العلمية” للأكاديمية العربية في الدنمارك، وفي المواقع على شبكة الأنترنيت، كـ “الحوار المتمدن” و”الناس” و”الأخبار.أورغ ” وغيرها.وكذلك لمؤلفاته، وقد أهداني العديد منها، ونشرت عرضاً لعدد منها في الصفحات الثقافية لعدد من الصحف.

مواكبة الأحداث والمتغيرات والإلملم بها

إستناداً لما مر، أوجز إنطباعي الشخصي بان الفقيد كان مواكباً ومتابعاً وملماً جيداً بالأحداث والمتغيرات الحاصلة، وقد تصدى بفكره واراءه وطروحاته لأبرز المستجدات الفكرية والسياسية الساخنة، العالمية منها والوطنية، خاصة العراقية، مدركاً جوهر الأحداث والتطورات، مقدراً للمصاعب والتعقيدات، متناولآ إياها بروح نقدية موضوعية وبنهج علمي، هادفاً لتقديم رؤية فكرية وسياسية تخدم الدراسة والبحث والجدل، وتُغني الحوار والمناقشة البناءة للموضوعات المطروحة، وصولآ لخلاصات وإستنتاجات ومعالجات ..

ولا أغالي إذا وصفت الفقيد الدكتور لطفي حاتم بأنه كان مفكراً ملتزماً وعقلاً تنويرياً ومجدداً.وكوطني ديمقراطي كان هاجسه العراق وشعبه ان يكونَ بمصاف الدول المتحضرة، ينعمُ بالديمقراطية الحقيقية، وبالأمن والإستقرار، وبالعدالة الاجتماعية، والتقدم والرفاهية.

وقد ترك الفقيد للأجيال أرثاً فكرياً وسياسياً مفيداً.

ولابد من الإضافة بان كتابات الفقيد ونقاشاته إتسمت على الدوام بالطرح المدروس بعناية، العميق والجريء، حيث لم تخلو طروحاته من التحدي،غالباً غير المقصود بها أحد، لكنها كانت غير مرحب بها، بل ورفضها وسط أصحاب الجمود العقائدي، المتمسكين بالقديم، والرافضين للتجديد. لكن الفقيد لم يتأثر بالضغوطات،ولم يغير قناعاته، وواصل مسيرته التي إختارها بنفسه وعنوانها الأبرز:التجديد الفكري. وأثبتت المسيرة أنه كان على حق، وأولئك كانوا على خطأ، لا بل وإضطروا للأخذ بالعديد من موضوعاته و مقولاته، وتخلوا عن بعض المفاهيم التي كانوا متمسكين بها وقد فات عليها الزمن.

قيمة معرفية وموضوعية ونظرة ثاقبة

ولعل من بين ما أكسبَ طروحاتهِ الإحترام والتقدير والإهتمام الكبير من قبل متابعيه، هو ما إتسمت به من قيمة معرفية رصينة، ومصداقية عالية، وتحليل موضوعي، ونظرة ثاقبة، مفعمة بالتجديد المواكب للتحولات المتسارعة في عالمنا المعاصر وفي عراقنا الحبيب، خصوصاً عقب غزوه وإحتلاله في عام 2003 من قبل الأمريكان وحلفاؤهم، وما أحدثه الأختلال من تغيرات عميقة، سياسية وإقتصادية وإجتماعية، في المجتمع العراقي ومجمل أوضاعه الداخلية.

بودي ان أدعم ما أوردته، وأُركزُ هنا على عمق إهتمام الفقيد بقضايا وطنه وما يواجه شعبه العراقي من تحديات، من خلال قراءة سريعة، لضيق المجال، لما طرحه الفقيد في كتابين مهمين:الأول عنوانه:

الإحتلال الأمريكي وإنهيار الدولة العراقية

صدر عام 2007، وإشتمل على ثلاثة فصول:

الأول عنوانه:”الغزو الأمريكي للعراق وأزمة العراق الوطنية”،

والثاني عنوانه: “الشرعية الإنتخابية وبناء الدولة الطائفية”،

والثالث، عنوانه:” التشكيلات السياسية للعراق وتعثر بناؤه الديمقراطي”.

في هذا المؤلف تناول الفقيد مجموعة من الموضوعات الهامة، الآنية والحيوية، المفعمة بالتحليل والتشخيص الدقيق.

وإستخلص بان مرحلة الإحتلال الأمريكي للعراق إتصفت بسمات تخريبية إرتكزت على تهديم الدولة العراقية وبنيتها الطبقية إستناداً الى مضامين الليبرالية الجديدة الهادفة الى تفكيك الدولة الوطنية وإعادة بناءها ضمن مسار حركة الشركات الإحتكارية الكبرى ومصالحها الإقتصادية.

وإستنتج: ان الإحتلال الأمريكي للعراق وتوزع التشكيلة العراقية على كتل سكانية أفضى الى خراب الأسس المادية الضامنة لبناء المشروع الوطني/ الديمقراطي القادر على صياغة وحدة البلاد الوطنية.

وان تبعثر التشكيلة العراقية أدى الى تحول القوى الطبقية الى قوى هامشية، الأمر الذي أعاق تطور القوى الإجتماعية الساندة للمشروع الوطني الديمقراطي.

وان عوامل ضعف التيارات الليبرالية/ اليسارية الحاملة للمشروع الوطني الديمقراطي تؤشر الى عدم إمكانية بناء مشروع وطني يجمع بين مصالح البلاد الوطنية وبين الديمقراطية السياسية في الظروف التأريخية الملموسة.

الدولة الوطنية والطائفية السياسية

هذا هو عنوان الكتاب الاَخر، صادر عام 2021، وما أورده الفقيد فيه يدعم صحة إستنتاجاته السالفة، ممثلاً، بمضامينه الفكرية والسياسية، رؤية وطنية حول مسار تطور الدولة العراقية وبناء تشكيلتها الإجتماعية، وهي رؤية إعتبرها الفقيد قابلة للسجال الفكري وللإغناء برؤى جديدة إنطلاقاً من كونها عملية تطورية ليست لها حدود وقوالب نظرية ثابتة.

المؤلف إشتمل على ثلاثة أقسام:

عنوان القسم الأول:”الطائفية السياسية وإعادة بناء الدولة الوطنية”،

وعنوان القسم الثاني: ” الطائفية السياسية والأنتفاضة الشعبية

وعنوان القسم الثالث:”الوطنية الديمقراطية وإعادة بناء الدولة الوطنية”.

إيجازاً لما أورده الفقيد في المؤلف، فأن الطائفية السياسية أصبحت خلال العقود الأخيرة أحد الموضوعات التي يدور حولها نقاش بين المفكرين والسياسيين، خاصة في الدول متعددة المذاهب والإثنيات، بعد ان أصبحت الطائفية السياسية،خلال فترة القطبية الواحدة، أحد وسائل الهيمنة الغربية على البلاد العربية والإسلامية، وجرى إستخدامها كوسيلة لتفتيت المجتمعات والدول وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالحها. وهي مثلها مثل المذهبية،التي إستخدمت أيضاً كوسيلة لتأجيج الصراعات بين الدول في منطقة الشرق الأوسط ذات الموقع الأستراتيجي والثروات الطبيعية المؤثرة في العلاقات الدولية والأقتصاد العالمي.

فمنهم من يعتبرها الحل الأمثل لإلغاء التمييز بين مكونات المجتمع العرقية والمذهبية والطائفية، من خلال توزيع المناصب والوظائف الرئيسية في السلطات الثلاث للدولة حسب النسبة السكانية لكل مكون، وليس على أساس المواطنة المتساوية. ومنهم من ينظر لها بأنها أساس تفتيت المجتمعات الى كيانات منعزلة تقوم على أساس الإنتماء العرقي- الطائفي، وبالتالي حرمان المجتمع من الإستفادة من الكفاءات المهنية والعلمية، نتيجة التمييز بين المواطنين على أساس الإنتماء الطائفي والمذهبي والعرقي.

هاجس العراق وشعبه

شخص الفقيد ما يلي:

* ان الدولة العراقية تمر بمصائب سياسية كبرى تتجسد في هيمنة الطائفية السياسية على إدارة البلاد السياسية وبنيتها الأقتصادية، ونتيجة لذلك تعاني الطبقات الإجتماعية الفاعلة في الإنتاج الوطني من تراجع مساهماتها في الحياة السياسية بسبب عزوف الطبقات الفرعية عن تطوير بنى الأقتصاد الوطني، وإعتمادها الإستيراد والتصدير من جوارها الأقليمي، مع إرهاب سياسي ونهب متواصل لثروات البلاد الوطنية.

* وان هيمنة نهوج الطائفية السياسية على مقدرات البلاد الأساسية أدت الى تحجيم الفاعلية السياسية لأحزاب الوطنية الديمقراطية ومشاريعها الهادفة الى إعادة بناء الدولة الوطنية.

* ومن جهة ثالثة، أفضى تراجع مهام الدولة الأقتصادية- السياسية، وضعف سيطرتها السياسية على التنشكيلات الحزبية المسلحة، الى خراب تشكيلتها الإجتماعية، وضعف منظومتها السياسية وما أفرزه ذلك من نزاعات إجتماعية وإرهاب سياسي.

وكل هذا يطرح على القوى والأحزاب الوطنية- الديمقراطية،برأي الفقيد، مهام تأريخية كبرى، تتجسد في الكفاح المشترك من أجل منع إنهيار الدولة الوطنية وصيانة تشكيلتها الإجتماعية من التفكك والإحتراب الداخلي.

برنامج وطني ديمقراطي

إستناداً للرؤية السالفة، رأى الفقيد أنه يتوجب على القوى الوطنية الديمقراطية صياغة برنامج وطني ديمقراطي يسعى الى تحقيق المهام الأساسية التالية:

أولآ- بناء الدولة الوطنية على أسس الوطنية الديمقراطية والشكل الفدرالي المستند الى صيانة الدولة الوطنية وحقوق قومياتها المتاَخية.

ثانياً-تحريم إستخدام القوة العسكرية بين القوى الوطنية الديمقراطية لغرض السيطرة على السلطة السياسية.

ثالثاً-الإتفاق على برنامج سياسي- إقتصادي يسعى الى تطوير الدولة الوطنية وتنمية طبقات تشكيلتها الإجتماعية.

رابعاً-الكفاح ضد تقسيم الدولة الوطنية على أسس طائفية سياسية أو أثنية.

خامساً-تحجيم قدرة الأحزاب الطائفية على التحكم في صياغة علاقات العراق الوطنية- الدولية.

وكل هذه الرؤى السياسية- الفكرية جرى تناولها بالتفصيل في الكتاب.

الوطنية الديمقراطية ودولة العدالة الإجتماعية

بهذه الموضوعة يختتم الدكتور لطفي مؤلفه، موضحاً في المقدمة بأن وحدانية التطور الرأسمالي أنتجت صعوبات سياسية عملية أمام بناء الدولة الأشتراكية بقيادة الحزب الثوري الواحد.

وإستناداً الى الإجتهادات الفكرية، شكل مشروع الوطنية الديمقراطية أحد المشاريع السياسية الواعدة في بناء الدولة الوطنية وصيانة نهوجها الأقتصادية وتحصين مواقعها المناهضة للتبعية والتهميش.

ويطرح الفقيد أسئلة عديدة ذات علاقة، ولعل أهمها: هل يمكن بناء دولة العدالة الإجتماعية عبر الثورة الإجتماعية، أم من خلال الشرعية الديمقراطية ؟

ويتوقف عند سمات دولة الشرعية الديمقراطية التي تمثل شكلآ تأريخياً ملموساً من دولة العدالة الإجتماعية، والتي يراها الفقيد ترتكز على الأسس التالية:

أ- تنبثق دولة الشرعية الديمقراطية وسلطتها السياسية من الشرعية الإنتخابية التي تشترك فيها كل الأحزاب الوطنية- الديمقراطية دون إبعاد أو إقصاءز

ب- ترتكز دولة الشرعية الديمقراطية في بنائها السياسي على الشرعية الديمقراطية للحكم المعتمدة على التنافس السلمي الموصول الى السلطة السياسية.

ج- تعتمد المنافسة السلمية بين القوى السياسية على البرامج الوطنية- السياسية- الإجتماعية، بهدف الوصول الى السلطة السياسية.

د-تشكل التحالفات الوطنية بين القوى الديمقراطية غطاء سياسياً- وطنياً للتحولات الإجتماعية، بدلآ من قيادة الحزب الواحد للدولة أو للمجتمع.

ه-خضوع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية الى مراقبة السلطة التشريعية بهدف منع وتحجيم الروح الإنقلابية في صفوفها، ومنع استغلالها من قبل أطراف سياسية.

و-يعتمد إسلوب الإنتاج على هيمنة القطاع العام للدولة الوطنية، مع مشاركة القطاع الخاص في التنمية الوطنية.

ز- بناء علاقات وطنية- دولية على أساس إحترام المصالح الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الوطنية.

ح- إعتماد سياسة وطنية- دولية تعتمد على إحترام وتطوير المصالح الوطنية بعيداً عن الهيمنة والتدخل والإلحاق.

ختاماً:

أرى، كم أنَ قوى التغيير الوطنية الديمقراطية العراقية، المناوئة لمنظومة المحاصصة الطائفية والأثنية والفساد والخراب، والساعية لأقامة الدولة الوطنية – الديمقراطية والعدالة الإجتماعية، بحاجة الى دراسة طروحات المفكر الدكتور لطفي حاتم، والإستفادة منها، لتقويم مسارها النضالي الراهن، ففيها الكثير من القضايا التي تصلح لأن تكون أُطراً عامة لتدشين نقاشات وجدل مركب وحوارات اكثر عمقا وملموسية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here