الصراع الروسي – الأوكراني يقترب من نقطة تحول

أحمد صلاح، صحفي وكاتب سوري

لا يزال يستمر الصراع الروسي- الأوكراني لأكثر من عام. في الوقت الحالي يشبه الوضع على الجبهات الحرب العالمية الأولى حيث يتبادل الجانبان الضربات المدفعية ويحفران الخنادق. تمسك القوات الروسية بمعظم الجبهة الواسعة وتدفع الخط في منطقتي بهموت وأفدييفكا. في حين أن الهجوم الروسي الذي استمر لأكثر من 10 أشهر دون مكاسب كبيرة لا يزال متوقفًا تسعى القوات الأوكرانية لجمع الموارد لهجوم مضاد في منطقة زابوريتشيا. تشير تصريحات المسؤولين الأوكرانيين والتسريبات لوسائل الإعلام إلى أن كييف يعتزم قطع الطريق البري من روسيا إلى شبه جزيرة القرم واستعادة شبه الجزيرة نفسها. علاوة على ذلك يُشاع أن العملية من المقرر إجراؤها في بداية أبريل. قد تكون هذه نقطة تحول في الصراع ولكن إذا فشل الهجوم الأوكراني فسيكون لذلك عواقب وخيمة وقد يؤدي هذا الفشل حتى إلى هزيمة ساحقة في الحرب.

يمكن تعريف أهم ثلاثة موارد في هذه الحرب على أنها أموال وأسلحة وجنود. هذه الموارد الثلاثة مترابطة: يحتاج المرء إلى أموال لإنتاج أو شراء أسلحة وكذلك إلى جنود لتشغيل هذه الأسلحة.

أموال

قام الغرب بوضع وتنفيذ قائمة واسعة من الأدوات المالية لاستهداف الاقتصاد الروسي وكبح قدرته على تمديد الغزو الأوكراني. بين فبراير 2022 وفبراير 2023 فرضت الدول والمنظمات الدولية في جميع أنحاء العالم 10608 قيودًا على الشركات الروسية والمواطنين الروس. علاوة على ذلك، تم فرض 3431 عقوبة على الكيانات الروسية مما يجعل موسكو صاحبة الرقم القياسي في أكبر عدد من العقوبات في التاريخ.

لقد وجهت هذه العقوبات بلا شك ضربة قوية لروسيا. ومع ذلك تمكنت الحكومة الروسية من الحفاظ على الاقتصاد واقفًا على قدميه وسعت إلى تقليل الضرر من خلال مضاعفة العلاقات التجارية مع الصين والهند وتركيا والدول الأخرى التي اشترت منتجات روسية (معظمها من النفط والغاز) بخصم كبير. حاولت روسيا أيضًا إجراء الدفع بالروبل أو العملات الوطنية لشركائها. كما يشير الخبراء إلى نية موسكو لإعادة توجيه الاقتصاد نحو المجمع الصناعي العسكري. يتوقع الاقتصاديون حاليًا أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الروسي خلال العامين المقبلين مما يعني أن روسيا قادرة على استمرار هذه الحرب وإن كان ذلك على حساب إفقار شعبها.

أما بالنسبة لأوكرانيا فلم يكن اقتصادها في حالة جيدة حتى قبل الغزو. بطبيعة الحال أصيبت الاقتصاد الأوكراني بالشلل بسبب الحرب ولكن كييف وجدت حلفاء أقوياء في الولايات المتحدة وأوروبا. كان الاقتصاد الأوكراني سينهار لولا المساعدات المالية الخارجية. كانت القوات المسلحة الأوكرانية تواجه مشاكل مع الأسلحة والمعدات وتوفير الغذاء وما إلى ذلك. لم يكن أمام الرئيس فولوديمير زيلينسكي خيار سوى التواصل مع الغرب لتمويل المجهود الحربي بشكل صحيح. طالما أن الحلفاء يدعمون أوكرانيا فلن تواجه كييف مشكلات مالية لكن من المستحيل تخمين حالة الاقتصاد الأوكراني بعد نهاية الصراع.

أسلحة

منذ ربيع 2022 تم التكهن بأن روسيا كانت تفتقر للصواريخ وذخائر المدفعية والمركبات المدرعة والأفراد. ومع ذلك فقد أثبت مخازن الأسلحة من زمن الاتحاد السوفيتي أنها تتجاوز توقعات معظم المحللين حتى لو كانت تفتقر للأسلحة الحديثة. تُظهر العديد من مقاطع الفيديو سريع الانتشار أن الروس ينقلون دبابات من زمن الحرب العالمية الثانية والمدافع والمعدات النادرة من المناطق النائية في روسيا بما في ذلك الشرق الأقصى ومنطقة القطب الشمالي. كان الروس قادرين على تعويض الأسلحة القديمة بأعدادها الهائلة وإعادة استخدامها وشراء الأسلحة الحديثة من الدول القليلة المستعدة لتلبية احتياجات موسكو.

خلال أصعب فترات الصراع أطلقت المدفعية الروسية ما يصل إلى 20000 قذيفة يوميًا مقارنة بـ 7000 قذيفة أطلقتها القوات المسلحة الأوكرانية. لا تزال هذه المشكلة قائمة حتى الآن. لم تتمكن مصانع الذخائر في أوروبا وأمريكا كلها من رفع قدرتها على إنتاج القذائف لتتناسب مع المستوى الروسي.

كما استخدم الروس صواريخ الدفاع الجوي S-300 ضد أهداف أرضية. الصواريخ المستخدمة بهذه الطريقة تفتقر إلى الدقة ولكن نظرًا لأنها متوفرة بكميات كبيرة ويمكن للجيش الروسي إطلاقها بدون الحفاظ على عددها. وطريقة أخرى لإعادة استخدام الأسلحة الموجودة من هي تحويل القنابل الجوية إلى ذخائر موجهة مزودة بنظام GPS وكتلة التحكم غير المكلفة. من ناحية أخرى وتم اختبار الأنظمة الحديثة مثل صواريخ زيركون التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، أثناء الصراع.

بالإضافة إلى ذلك، تعتمد روسيا على استخدام طائرات بدون طيار Shahed-131 و Shahed-136 التي تم شراؤها من إيران. تستخدم هذه الطائرات وحدات أمامية لاستهداف المعدات الأوكرانية ومواقعها وحتى البنية التحتية في عمق الخطوط الأمامية.

لم تتمكن أوكرانيا من مضاهاة كمية الأسلحة الروسية. وبدلاً من ذلك سعت كييف إلى الحصول على ميزة في الجودة من خلال الاعتماد على إمدادات الأسلحة المتقدمة من الغرب. كانت قاذفات مضادة للدبابات مثل Javelin و NLAW و مسيرات Bayraktar TB-2 تعمل بشكل جيد في المرحلة الأولى من الصراع ولكن حتى الآن أثبتت أنظمة HIMARS أنها الأكثر كفاءة. كانت الوحدات الروسية غير مستعدة تمامًا لمدى صواريخها وكانت مجبرة على إعادة بناء بنية خدماتها اللوجستية مع وضع إمكانية ضربات HIMARS في الاعتبار.

أحدث إضافة إلى القائمة المختلطة من المعدات الغربية الموعودة إلى كييف هي 400 دبابة تابعة لحلف شمال الأطلسي معظمها من طراز ليوبارد الألمانية الصنع. تصر أوكرانيا وتحديداً الرئيس زيلينسكي على أن ذلك لا يكفي. في خطاباته يطالب الزعيم الأوكراني الغرب بلا توقف بزيادة إمدادات الذخائر والصواريخ بعيدة المدى والطائرات المقاتلة.

جنود

فقد يكبد الجانبان خسائر كبيرة. في البداية نشرت روسيا حوالي 150،000 جندي وكان لدى أوكرانيا حوالي 200،000 جندي. بعد فترة وجيزة من بدء الحرب أمر زيلينسكي بالتعبئة العامة. كان المجندون المتحمسون للقتال من أجل بلدهم ينضمون إلى الجيش للقتال ضد المعتدي وسمح ذلك لأوكرانيا بإبطاء الهجوم الروسي وحتى إجراء الهجمات المضادة في اتجاهات مهمة بما في ذلك استعادة خيرسون بنجاح.

ومع تصاعد التكهنات بالهجوم الأوكراني المضاد الجديد تظهر أدلة على التجنيد القسري للرجال الأوكرانيين. تم استنفاد فئة المجندين المتحمسين بشدة وتعاني الحكومة الأوكرانية من أزمة نقص الموارد البشرية. على عكس المال والأسلحة ولا يمكن للغرب تقديم الجنود إلى أوكرانيا بأعداد كافية دون وجود عسكري واسع النطاق على الأراضي الأوكرانية وهو شيء الذي كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تتجنبه حتى الآن. ترددت شائعات بأن زيلينسكي كان يطلب من الدول الأجنبية بما في ذلك بولندا، مساعدته في كشف وتحديد وترحيل المواطنين الأوكرانيين المؤهلين للخدمة.

من ناحية أخرى لم تأمر الحكومة الروسية بالتعبئة العامة حتى أيلول/سبتمبر. على الرغم من موجة الهجرة إلى البلدان المجاورة، مثل أرمينيا وجورجيا وكازاخستان ويُعتقد أنه تم تعبئة 300،000 شخص للجيش الروسي ونصفهم حاليا موجودين في بيلاروسيا أو على طول الحدود الروسية.

ويبين هذا التحليل المقارن أن أوكرانيا تجد نفسها حاليا في موقف صعب. سهل الرئيس زيلينسكي إمدادات كمية كبيرة من المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا. الآن عليه أن يحقق نتائج أو يخاطر بفقدان الدعم الأجنبي تمامًا. في الوقت نفسه يتعين على الرئيس الأمريكي جو بايدن أن يجعل الهجوم المضاد فوزًا من أجل إثبات فعالية المساعدات المرسلة إلى أوكرانيا لدافعي الضرائب الأمريكيين خاصة مع الانتخابات المقبلة العام المقبل.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here