بعدما تحررت من الهوس الديني و الطائفي الهستيري

بعدما تحررت من الهوس الديني و الطائفي الهستيري *

بقلم مهدي قاسم

بعدما تحررت المجتمعات الأوروبية من الهوس الديني والمذهبي ، و اعتبرت الدين أو التدّين مسألة شخصية بحتة ، و أن الله وحده ــ فقط وحصريا ــ سيحكم على سلوكيات و أعمال الناس ــ إيجابا أو سلبا ــ وفق رؤيته وتقييمه لأمور صالحة أو طالحة ، فاتجهت هذه المجتمعات نحو التنمية الاقتصادية المتواصلة بهدف خلق فرص عمل ووظائف من خلال عملية استثمار ناجح وتنمية مستدامة، و كذلك اتجهت نحو الاكتشافات والاختراعات التقنية والصحية والفضائية ، ثم وضعت ثمرة كل ذلك تحت خدمة المواطن لتسهيل أمور حياته اليومية على صعيد تقديم الخدمات النوعية بمرونة وانسيابية دائمة و توفير شروط وملتزمات العيش الرغيد ، إضافة إلى الاهتمام بحقول الثقافة و الفنون الجميلة المختلفة ، و التقرب كثيرا و بعلاقة حميمة ــ انسجاما و اندماجا ــ في أحضان الطبيعة الخلاقة وكشف جمالها الساحر الخلاب ، و تثقيف مواطنيها بأهمية و ضرورة وجود البيئة النظيفة و الصديقة و التشجيع على تنمية و تعميم فكرتها ــ كمسألة مركزية ومحورية ومهمة للأجيال القادمة ــ و على نطاق واسع ، طبعا ، فضلا عن احترام كرامة الإنسان و الحيوان ، مما تمخض عن ذلك إرساء أسس راسخة لمجتمع مرّفه ومطمئن لا تمزق نسيجه الاجتماعي صراعات دينية أو طائفية متطرفة ، متعصبة ، متهسترة ..
فها هي الآن تعيش بسلام و وئام ضمن تعايش سلمي وشامل مطلق ، بل بين عشرات أوطان وبلدان بلا حدود **!..
وهو الأمر الذي ربما لن يحدث بين العرب و المسلمين على مدى بعيد جدا ، أو إطلاقا ..
و ذلك بسبب هيمنة عقائد متعصبة و متطرفة بكل أصنافها و أنواعها ، وما يرافق ذلك بضراوة من نزعة إقصائية و إلغائية متحكمة بشكل مرضي مزمن و فادح ، و التي ترسخت في الأذهان ، واستوطنت هناك متكلسة كصخرة متحجرة ، عبر أجيال متعاقبة ومتلاحقة ، من حيث يعتقد كل منها أن عقيدتها هي أفضل و أحسن من عقيدة غيرها ، ولهذا فيجب فرضها على أصحاب عقائد مختلفة أخرى ، أما بقوة عنف باطشة ساحقة ، أو بأساليب ضغط و تضييق شديدين ، بل من خلال ممارسة شتى أنواع تنكيل معنوي و نفسي مزعج ضدهم ، بهدف الإخضاع و الاستسلام للأمر الواقع المفروض بأساليب إكراه و إجبار ..

مجرد تنويه : نحن عندما نتكلم هنا عن عقائد ، نقصد منها عقائد فئوية أيضا و ذات مضامين سياسية بحتة ، تلك التي يمارسها معتنقيها بنفس السلوك الديني أو الطائفي المتعصب و الصارم المتشنج ،ذات منحى إقصائي رافض بحق الآخر المختلف ..
ليلتقي الديني و العلماني في آن ، على نفس الأرضية الراسخة من تطرف وتعصب لعقيدته التي يراها هي الوحيدة الجيدة الصالحة الممتازة العظيمة التي يجب أن يؤمن بها جميع البشرية، وألا فالويل لهم !..

** يلاحظ المتابع للتاريخ العربي المعاصر أن رؤساء عرب قوميين راحلين من أمثال جمال عبد الناصر ، صدام حسين ، حافظ الأسد ، القذافي ، حاولوا منذ الستينات من القرن الماضي” توحيد” العرب في وحدة شاملة ، عبر انقلابات دموية ، وحروب أشقاء ، ومؤامرات فئوية ، ولكنهم لم يفلحوا حتى في التوحيد بين بلدين عربيين ، ما عدا تجربة الوحدة بين مصر و سوريا والتي لم تدم إلا فترة قصيرة جدا لتنتهي وتتلاشى مع زوال أحلامهم الوردية ، لتصبح مسألة حصول العربي على فيزا لزيارة دولة عربية أخرى من سابع مستحيلات ! ـــــ ..

* ” في كتابه “حرب الثلاثين سنة، المأساة الأوروبية”، يُقدّر المؤرخ البريطاني، بيتر ويلسون، عدد ضحايا هذه الحرب ــ يقصد الحرب الطائفية ــ بـ1.8 مليون جنديّ وما لا يقل عن 3.2 مليون مدنيّ ” .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here