غوبلز يعود من جديد

الكاتب/سمير داود حنوش

تبدأ الحكاية بمقولة غوبلز “إكذب ثم إكذب حتى يُصدّقك الناس” ولمن لا يعرف غوبلز هو وزير الدعاية الألماني في زمن هتلر.

في عالم النفوذ قد تجد من يجعل الكذب والخداع وسيلة لتبرير غاياته لأنه يعتقد إنها الطريق الأسهل والأقرب للهدف.

شعار غوبلز وجد حيزاً للتطبيق في حياتنا وأمورنا المعيشية حتى تعوّدنا على أكاذيبه وبِتنا لا ننام إلا وجرعات غوبلز من الأكاذيب والأوهام تغزو عقولنا البسيطة وأفكارنا على أمل أن نستيقظ صباحاً ونرجو أن تتحقق كذبة واحدة من أكاذيب غوبلز، إعتدنا التعايش مع خداعه، فلم تعد مقولة “إذا خدعتني مرة فاللوم يقع عليك، أما إذا خدعتني مرتين فاللوم يقع عليَّ” تُجدي نفعاً لأننا أصبحنا نتآلف مع الأكاذيب مرات عديدة دون توقف عندما أدمنت عقولنا نظرية غوبلز التي دخلت حتى البيوت.

في كل مرة نجد غوبلز في هُراء السلطة بأرجاء حياتنا يحيط بنا كالأسوار في المِعصم، يكذب علينا والمصيبة أننا نعلم ونرضى ونستسلم لكذبه، وربما في مرات كثيرة نرجو أن يَصدُق في كِذبه لكن الظنون تخيب، ومن كذبة إلى أخرى تستمر دوامة حياتنا حتى أصبحنا نُدمن كذبهم.

أحفاد غوبلز يعيشون معنا ويكذبون علينا كالمثل العراقي “سَوّالنا الهور مرگ…والزور خواشيگ” وهو المثل الذي يُضرب على الأشخاص الذين يُمارسون لُعبة المراوغة والتضليل وإخفاء الحقائق لغايات يريدون تحقيقها، تماماً كمن يولم وليمة كبيرة بحجم مياه الأهوار تتكون من المرق وفيه من الملاعق بقدر عيدان القصب.

ما يقارب العقدين من الزمن وأحفاد غوبلز لا يتعبون من الكذب وعلينا أن نُصدّقهم أو هكذا نظن، لكن أكاذيبهم تذهب بنا من سيء إلى أسوء ومن أسفل إلى أسفل السافلين، تُرى ماذا كان سيضير هؤلاء لو صَدقونا القول والفعل؟ ألم يقولوا أن الصدق طريق النجاة، لكنهم لا يستطيعون العيش بدون الكذب والخداع والتضليل، يؤمنون بأن نجاحهم يصنعه الإستغفال، يعتقدون أن من يخدعونهم هم عقول ساذجة على قدر كبير من الإستغباء وربما الغباء، يُبدلون جلودهم وألوانهم في كل مرة كالحرباء، يكذبون بها على أمل أن تجد أكاذيبهم الصدى والقبول لدى عقولنا البريئة، لكنهم واهمون ومخطئون.

السلطة تعلمت الدرس جيداً من غوبلز ونظرياته إلى درجة أنها تُعلّمنا أننا لا نستطيع العيش بدون أن تكذب علينا بوعود مستقبلية فارغة وكلام معسول، لا نعيش اليوم إلا في زمن الهُراء والأوهام التي ترسمها لنا السلطة وهي غارقة في الضحك على عقولنا لكنها لا تعلم أننا أيضأ تعلمنا من تجاربنا معهم أننا نضحك ونستهزئ من أكاذيبهم وتُرّهاتهم التي تستهزئ بنا كما يضحكون علينا، ولكن بطريقتنا الخاصة، ليتهم لم يعرفوا غوبلز.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here