كان انتظار البرابرة حلاً

حمزة الحسن

ــ لنا الآن أن نلج الأماكن الأبعد، هناك حيث تنتظر الحقائق الأرقى.
* نيتشة.
ماذا لو ذهب الجنود الى الحدود،
في الشتاء الجليدي او في الصيف
ولم يعثروا على العدو؟
ماذا مثلا لو وجدوا جنود الاعداء
يغنون ويشربون الخمور، ويرقصون على السفح الثاني من الجبل
أو يصلّون؟
لماذا لم يفعل قائد الجيش بارسال كبير القضاة للتحقيق،
من أن جنود الأعداء على وشك الغزو ؟
ماذا يفعل كبير القضاة أمام مكتبه العريض غير الصفقات والتسويات بين
الوزراء والنواب والمدراء اللصوص،
في حين الجنود ذهبوا الى الميدان للبحث عن الأعداء؟
ماذا يقول التقرير السري لجهاز الاستخبارات العسكرية والمخابرات؟
يقول ان الرئيس وقائد الجيش هم أصدقاء قادة الأعداء،
بل بدون الأعداء لم يحصلوا على المناصب،
وأن قادة جيش العدو الشرقي والشمالي قد اتفقوا على ألا حرب،
فلماذا الخوف من غزو البرابرة؟
وماذا لو طال الانتظار بلا ظهور جنود الاعداء؟ من ينقذنا من السام والضجر ورتابة الايام؟ بأي شيء نتسلى؟
كيف ندخن حياتنا بلا انتظار العدو؟
لماذا تكرهون البرابرة؟
عندنا رؤوس لا تستعمل و البرابرة يقطعونها،
وعندنا سيقان لا تستعمل سوى للهروب من ساحات الوغى،
وساحات الفكر والمراجعة والعلم والتجربة،
البرابرة يقومون ببترها،
وعندنا ألسن كالمناشير في معارك الحانات والمقاهي والشوارع وعقلية الوشاية والثار وانقلاب المقاييس بحيث تصبح الشطارة دهاءً والبراءة غباءً ويتحول الخِبَل الى تمرد فكري والصفاقة الى جرأة والعاهات الى مواهب والكذب هو الصدق،
لكن الالسن عاطلة عن العمل في القضايا الكبرى.
عندنا ملايين النخيل،
أحرقناها في حروب عبثية،
وملايين الاحلام وخوابي الزيت والمشاريع والاطفال والمغامرات النقية،
وقتلناها،
البرابرة يوفرون الوقت في سحق وقتل وتخريب الباقي.
عندنا ثروة نفطية آخر ما ينضب من نفط العالم،
وبددت على حروب ومغامرات،
أو سرقت من الانابيب،
أو في شاحنات مهربة للخارج،
وعاد العراقي الى زمن الفوانيس وانتظار عربات النفط وزمن السرجين.
كانت قناديل الضوء تضوي في السهول العراقية قبل الاف السنوات،
في حين نغرق اليوم بكل أنواع الظلام الداخلي والخارجي:
البرابرة وفروا لنا المزيد من الدياجير.
يوم كان اباطرة اوروبا لا يعرفون القراءة والكتابة ويختمون على الأوامر باختام،
كان تلاميد أور يذهبون الى المدارس قبل أكثر من ستة آلاف سنة،
ومعهم كتبهم على شكل ألواح طينية،
لكن تلاميذ المدارس اليوم بين يتيم ومشرد أو يرتعش في صريفة أو خرابة أو انقاض مدرسة من البرد أو يحترق من القيظ .
كانت عندنا دساتير غير مكتوبة بل ملزمة،
كأن نسافر في زيارات الى أقارب أو قبور أو اضرحة،
ونترك بيرقا بالحناء فوق باب الدار أو حيطان الطين،
هو القانون الذي يحافظ على المنزل،
وعلى ما فيه من حصران وفانوس وعلب دهن فارغة لبناء تحت الانشاء لقن دجاج،
وحطب لشتاء قادم،
لكن الدستور اليوم قتل من الناس بسبب الاختلاف على التفاسير الملغمة أكثر مما قتلت كل الأوبئة والحروب والاعاصير وكل أنواع الطوفان.
كان الميت، فقيرا أم غنيا، غريبا أم قريبا،
نمشي في جنازته وندفنه بكامل جسده،
بكل المهابة والاحترام، اليوم صار الموت تشظياً.
ما حاجتنا الى قبور اضافية حقيقية أو رمزية،
اذا كان البرابرة وفروا علينا الدفن؟ كان العراقي عبر العصور لا يعرف الجوع والعطش:
كان يعيش على نخلة ودجاجة وساقية وعنزة،
لكن بعد المشاريع الثورية والانقلابات،
صار يبحث في النفايات عن بقايا للبيع كما لو انه يتنزه في حديقة.
كانت الانهار تفيض بالخير والنماء وطقوس الفرح والشموع على الشطآن،
لكنها منذ الستينات صارت تحمل الجثث،
في زمن الاغتيالات والقوى المضادة للثورة والعدو الفكري والخصم المحتمل:
كان العراقي اذا جاع يذهب للشط القريب مع سنارة وخيط،
وبسمكة واحدة تكون العائلة على موعد مع غداء او عشاء سعيد،
لكنه صار يذهب للصيد،
ليصطاد الجثث العائمة .
قبل الحواجز بين المدن والعمارات والشوارع والاحياء،
كانت الحواجز الفكرية والعقائدية والحزبية والنظرية والشخصية،
تغلق الحوار والبناء والتطور المنطقي المتدرج للبلد وتجهض كل المشاريع العادلة،
إلا مشاريع الانقلابات والمقابر والمآتم.
لن يبكي طفل بعد منتصف الليل،
لأن البرابرة على الأبواب،
ولن يتبول سكران على مركز أبحاث ديمقراطي جديد،
لأن البرابرة في الطريق،
ولن تُبنى محطة قطار أو وقود أو حافلات بعد اليوم،
لأن الحرب تستهلك كل الدخل القومي،
واذا تبقى منه القليل،
عليك أن تقف في طابور طويل يوم قبض الراتب،
حتى تصبح دموعك أنهاراً،
اذا قبضته قبل انفجار سيارة مفخخة.
ذهب الجنود الصغار الى الحدود وسيكبرون في الثلوج والجبال،
سيتعلمون أشياء لم يعرفوها من قبل كما تعلم من قبلهم في حروب سابقة،
سيكونون أكثر حكمة وسيعرفون أن الوطن ليس النظام،
والأرض ليست السياسة ،
وكلما نظروا من خلال المراقب والنواظير نحو حدود الأعداء،
لا يرون شيئاً غير الضباب أو السراب،
ربما سيرون جنود الاعداء يلوحون لهم بالمناديل ومن يدري قد يقترحون عليهم
تبادل السجائر والخمور والأطعمة وربما أكثر.
لكنهم سيكتشفون ان الحدود كلمة مخادعة،
لأنها لا تقع على الطرف الأخير من الجمهورية،
وان الخطوط الامامية ليست هنا بل في الخلف،
والحدود تعني الحرية والثروة والعدالة والكرامة،
وهم هنا في المكان الخطأ،
والبرابرة في الخلف في مقر القائد العام للجيش وفي الادارات وفي المصارف وفي كواتم الصوت وفي الخطابات والبرامج والوعود الكاذبة،
وان الغزو الذي طال انتظاره عبر الحدود كان قد وقع
في الحقيقة منذ عشرين سنة،
في سنوات ولادتهم وهم هنا يحاربون الوهم،
ويشيخون مع الأيام والحرب الحقيقية تدور في الداخل والقتلى يتساقطون في البيوت والشوارع من الذل والامراض والتلوث بلا دماء او القتل الابيض.
لن تنفعهم ولادة زهور النرجس في الربيع ولا صيحات طيور الجبال،
حتى الحكمة التي تعلموها من سنوات الانتظار لن تنفع،
ماذا تجدي الحكمة بلا طرق للاختيار؟
كعملة مرمية في صحراء.
لماذا كل هذا الصراخ من الخطباء:
( لأن البرابرة يأتون اليوم،
لماذا تقفر الميادين؟
لماذا يعود الجميع الى منازلهم وقد إستبد بهم الغم؟
لأن الليل قد أقبل ولم يأت البرابرة،
ووصل بعض جنود الحدود وقالوا إنه ما عاد للبرابرة من وجود.
والآن، بدون البرابرة ماذا سيحدث لنا؟
هؤلاء البرابرة كانوا حلاً من الحلول).

* المقاطع الأخيرة بين قوسين من القصيدة الخالدة للشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس ” في إنتظار البرابرة” التي تناص معها الروائي جون ماكسويل في رواية” في انتظار البرابرة” كما ان القصيدة تحولت الى قطعة موسيقية والرواية الى فيلم اخراج سيرو جيرا والقصيدة والرواية والفيلم يكشف زيف الانظمة في اختراع العدو لصرف الانظار ونشر الخوف.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here