مؤتمر طريق التنمية العراقي: مفهوم التنمية في القرآن الكريم (ح 7)

الدكتور فاضل حسن شريف

تكملة للحلقات السابقة جاء في موقع المبادرة الاسلامية لاعداد التقارير عن أهداف التنمية المستدامة في القرآن والسنة: الهدف السادس عشر: السلام والعدل والمؤسسات القوية: “وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” (الرحمن 7 – 13)، و “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء 70)، و “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا” (النساء 58). الهدف السابع عشر: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2).

تكملة للحلقات السابقة جاء في موقع الألفية عن التنمية البشرية في ضوء مقاصد القرآن الكريم للدكتور أحمد محمود الزبود: الحريات الاقتصادية. عطفاً على ما ذكرناه فيما يتعلق بالحريات السياسية فإن الحريات الاقتصادية تعتبر مكملة للحريات الفردية والسياسية. وترتكز الحرية الاقتصادية على أن المالك الحقيقي لجميع جزئيات الكون هو الله عزّ وجل، قال تعالى “ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ومالكم من دون الله من ولىٍ ولا نصيرٍ” (البقرة 107) وقوله تعالى “ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير” (المائدة 18)، فهذه الآيات توضح حقيقة مهمة في المنهج الإسلامي وهي أن الخالق هو المالك لكل شيء وبالتالي فإن المخلوق الإنسان مستخلف بما سمح له بتملكه واستغلاله، (كل إنسان له الحرية في اختيار النشاط الذي يوافق رغباته وقدراته، بشرط إن ألّا تتعارض مع نصوص الشرع أو تكون ضمن فئة المهن الضارة، وقد دعت الشريعة للاحتراف والتكسب لإقامة مصالح الناس) (هلالي، 2010 ص 183)، قال تعالى [وافعلوا الخير لعلكم تفلحون[ (الحج 77)، كذلك قوله تعالى “لقد خلقنا الإنسان في كبد” (البلد 4) أي خلقنا ابن آدم في شدة وعناء ونصب. وقد وضح القرآن أن هناك حدود للحرية الاقتصادية حمايةً للفرد والمجتمع، قال تعالى “يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين” (الأنفال 1) أي إن حرية الفرد في التملك تقف عند المنافع العامة التي لا يستقيم معها الملك الفردي، مثل الموارد الطبيعية (المعادن والغابات والبحار وغيرها)، هذا المبدأ يحسب للمنهج الإسلامي، الذي حصن المنافع العامة من الاستغلال الفردي الذي لا يراعي متطلبات البيئة او تجدد المصادر الطبيعية بل يضع الربح نصب عينيه بغض النظر عن النتيجة. ونضيف أن التنمية البشرية تسعى لتأمين عيش كريم للأفراد من خلال فرص عمل متنوعة تناسب القدرات البشرية المختلفة، فالكرامة الإنسانية لا تكتمل إلا بالاستقلال الاقتصادي والخروج من عباءة التبعية، والتحرر من الخضوع للغير، وهذا حجز الزاوية لمنهج الاقتصاد الإسلامي المستمد من القرآن الكريم، حيث يعتبر الإنسان في ظل الإسلام خارج نطاق مفهوم القيمة كما هي نظرة الاشتراكية، وليس سلعة كما قيمته الرأسمالية، بل شخصية طبيعية مسؤولة عن تصرفاتها وقادراً على تحمل الأمانة وتنفيذ أوامر الله واجتناب نواهيه بما يحقق له السعادة والنجاح. الحرية الاجتماعية. ساهم القرآن الكريم بتحويل المجتمع العربي من مجتمع جاهلي بكل معنى الكلمة إلى مجتمع متراحم متعاون ومتآخ. ويظهر ذلك جلياً من كلمات جعفر بن أبي طالب حينما وقف أمام النجاشي حينما سألهم عن سبب اضطهاد الوثنية القرشية للمسلمين فقال رضي الله عنه: (أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميته، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، هذه هي معاني العبودية الحقيقية، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام) (البخاري، 1993)، فأي قانون أو تشريع او سياسة قادرة على رسم هذا الإطار القيمي والأخلاقي الذي منح الإنسان حريته وأطلق فكره وحفظ حياته وصان شرفه وماله؟ لقد وضع القرآن الكريم أسس المجتمع الذي يضمن الحرية الاجتماعية لكافة أفراده دون تمييز، قال تعالى “يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير” (الحجرات 13) توضح هذه الآيات وبشكل لا يقبل التأويل أن المنهج الإسلامي حدد معيار التفاضل بين الناس وهي التقوى، فالإنسان بطبيعته “كائن اجتماعي” (العاني، 2002 ص 30)، يفضل العيش مع اقرانه، ضمن أسر وقبائل وغيرها، ولكن لا تمييز او تفريق بناء على جنس أو لون أو نسب، بل إن التقوى هي معيار التفاضل بينهم. فالإنسان وفق المنهج الإسلامي لا يخضع لتعاليم طائفة او طريقة معينة، بل أمره وحياته بيد خالقه عزّ وجل. والحرية الاجتماعية تتضمن قدرة الإنسان على العيش حسب الطريقة التي يرتاح لها، بدون أن يتعارض ذلك مع الضوابط الشرعية، وبعيداً عن تدخل أي سلطة سياسية أو دينية. حقوق الإنسان. تتميز حقوق الإنسان في الإسلام عما هو موجود في القوانين الوضعية من حيث المصدر، فمصدرها في الإسلام هو القرآن الكريم والسنة النبوية ومصادر التشريع الأخرى (القياس والاجتهاد). قال تعالى “الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ الذي يجدونهُ مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معهُ أولئك هم المفلحون” (الأعراف 157). تلخص هذه الآية مبدأ حقوق الإنسان في الإسلام، حيث تشير إلى تحرير الإنسان من أغلال العبودية والخضوع للقوى العقلية والمادية، والانطلاق به نحو الحرية في الفكر والحياة والمعاش وذلك باتباع المنهج الرباني القويم والسير على منهج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما تتضمن من تأكيد على حقوق الإنسان وضرورة احترامها، بل واعتبر بعض المفكرين أن (حقوق وحريات الإنسان ترقى للضرورات وليس مجرد حق) (حسين، 2015 ص103).

جاء في موقع بي بي سي: مكاسب دولية: لاشك في أن الفائدة الأولى لطريق التنمية ستعود على العراق، الذي سيحصل على عوائد “الترانزيت” وعوائد تصدير بعض السلع المحلية التي يعتزم العراق تنشيطها. لكن الدكتور صادق ركابي، مدير المركز العالمي للدراسات التنموية، يرى أهمية دولية كبيرة للطريق الذي سيربط جنوب العراق بالجانب الأوروبي؛ من حيث تقليل تكلفة نقل البضائع بين أوروبا وآسيا وصولا إلى الهند والصين. “تعول الصين والهند على هذا المشروع في زيادة صادراتها إلى أوروبا عبر الموانئ في العراق وتركيا، كما تعول عليه تركيا أيضا التي تريد أن تزيد من ميزانها التجاري مع العراق”. وقد شهد المؤتمر نقاشا حول ضم السكة الحديد الخاصة بمشروع العراق، مع سكك الحديد الخليجية، وهو ما سيربط بين الخليج وتركيا، و”سيساهم في تنشيط التجارة من موانئ عُمان وصولا إلى أوروبا” وفق ركابي. وبشكل عام، سيلعب المشروع دورا محوريا في تنشيط الحركة التجارية، وزيادة العلاقات بين أوروبا والشرق، إلى جانب تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة؛ في ظل احتياج الطرق الجديدة إلى التأمين. مخاطر الهجرة غير الشرعية: مع وجود طريق بري ينقل المسافرين بين العراق وتركيا، قد تلوح مخاوف من أن يزيد المشروع من الهجرة غير الشرعية، لاسيما وأن المهاجرين لطالما اعتبروا أنقرة محطة انتقالية في محاولتهم الوصول إلى القارة الأوروبية. لكن الدكتور صادق ركابي يعتقد أن تلك المخاوف رغم وجودها إلا أنها ليست بالشكل الكبير الذي قد يعرقل طريق التنمية، معولا على التشديد الأمني عبر العديد من النقاط، الذي يعتقد أنه سيحد من تلك المخاوف. “الفوائد الاقتصادية والتبادل الثقافي والتجاري ستؤدي إلى تخفيف أي مخاوف أخرى”. هل ينافس المشروع قناة السويس؟: إن تحويل العراق إلى مركز عبور يختصر زمن السفر بين آسيا وأوروبا، قد ينظر إليه البعض على أنه محاولة لمنافسة قناة السويس، وهو ما تحدثت عنه بالفعل بعض التقارير الإعلامية. ومع ذلك، فإن مدير المركز العالمي للدراسات التنموية، قلل من تأثير الطريق الجديدة على قناة السويس المصرية. وأوضح ركابي أن عدة عوامل تلعب دورا في ذلك، من أهمها زيادة التجارة الدولية بشكل سنوي، ما سيجعل نشاط طريق التنمية “رديفا داعما للنشاط التجاري لقناة السويس”. وبعقد مقارنة بين الحمولات عن طريق البحر والبر، فإن كفة النقل البحري هي الراجحة نظرا لمرونة النقل، “فعربات القطارات لديها سعة محدودة وحجم محدود”، أما الحاويات البحرية فتستوعب أحجاما متفاوتة وفق حجم كل سفينة. “الحمولات الكبيرة جدا يُفضل نقلها بحريا وهو ما يعود بالمنفعة على قناة السويس، أما الحمولات الأقل حجما ووزنا فقد تُنقل عبر السكك الحديدية، لذا فلكل طريق فوائده، لكن بالنسبة للمعدات الأكبر والأثقل فإن الخيار البحري هو الأفضل”. وأضاف ركابي أن الضمانات وعنصر الأمان الموجود في قناة السويس أكبر من ذلك الموجود في طريق التنمية، الذي قد يكون عرضة لبعض المخاطر مثل تلك التي قد يمثلها حزب العمال شمال العراق، أو مخاطر الحدود بين تركيا وأوروبا. “تتمتع قناة السويس بحالة أفضل من الاستقرار، وإدارة ذات خبرة تتمكن من تسيير هذه العمليات البحرية التجارية”. وأكد ركابي أن مشروع العراق لن يكون ذا تأثير سلبي أو كبير في الوقت الحالي أو في المستقبل، فالنشاط التجاري الجديد سيكون داعما للقناة المصرية. وأضاف: “لن يكون طريق التنمية بديلا عن قناة السويس”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here