سعدون فياض .. إيقونة التصميم في صحافة العراق

باسل عباس خضير

جرت العادة على ذكر سير وعطاء مبدعي العراق بعد رحيلهم من باب الوفاء ، ولكنا نريد اليوم كسر هذه القاعدة للإيفاء بحق شخصية مهنية لا تزال تعايشنا وتزخر بالعطاء ولها إسهامات كبيرة و بارزة في صحافتنا الوطنية وهي تحتفل هذه الأيام بعيدها الذي يتزامن بالذكرى 154 لصدور العدد الأول من صحيفة ( الزوراء ) ، ونخص بالذكر المبدع ( سعدون فياض ) والبعض يطيب لهم أن يطلقوا عليه ( شيخ المصممين ) لا بسبب سنوات عمره بل لكونه يستحق هذه التسمية بامتياز ، فهو من رواد ومبتكري التصميم الصحفي منذ الثلث الأخير من القرن الماضي ولم ينقطع عطائه حتى اليوم ، وقد يستغرب هو او من سيقرأ المقال ممن عملوا معنا إخوة و زملاء إننا نقوم بهذه المهمة رغم إن المقصود لم نعمل بمعيته وإنما كان يعمل في فريقنا لعدة حالات او مرات وبالذات في صحيفة ( البرلمان ) ، فالبرلمان أرادها مؤسسها ( السيد مكي الكليدار ) أن تكون مدرسة في جودة الأعداد والتنظيم والإصدار وفي الاعتماد على إمكانياتها الذاتية في التمويل ، وقد ولدت في وقت أطلقت فيه الحريات للصحافة والإعلام بعد احتلال البلاد عام 2003 ، وقد حرص المؤسس على اختيار الأكفاء من بين العاملين في الصحافة ليزجهم مع مجموعة من الشباب والأكاديميين ليكونوا نواة لصحافة ترقى لموازاة لما هو سائد في بقية البلدان ، وكان سعدون فياض في رأس قائمة الاختيار لما للتصميم من دور في تطوير وقبول المطبوع ولعلو باع ( أبو رسلي ) الذي ترك بصمات في صحافتنا المحلية ، وقد مضينا في هذا الاختيار رغم وجود البعض من ألأصوات المعارضة ممن يعتقدون انه مصمم ممتاز ولكنه من جيل الصحافة الكلاسيكية التي تعتمد ( الماكيت ) ، في حين دخلت برامج الحاسوب في التصميم ( Corel draw , photo shop , in design و غيرها ) ، وبغض النظر عن ما قيل فقد استقر الرأي على اختياره رئيسا لقسم التصميم ليتولى مهامه بهامش عال من المرونة والصلاحيات بما يتيح له إطلاق مكنونه من الإبداع ، وأصبح بارزا في هيئة التحرير التي استخدمت أسلوب ( الديسك ) في التحرير للخروج عن الصيغ التقليدية والتأسيس للريادة في صحافة العراق التي تركها الاحتلال لكي تسير أمورها بنفسها دون أية قيود رغم ما سجل على ذلك التحول المفاجئ من آراء ملاحظات .
وقد اثبت سعدون فياض بعد توليه المسؤولية والمباشرة بتصميم الأعداد التمهيدية بهيئة ( بروفات ) انه أهل للمسؤولية بحق ، فلم يكن مصمما مبدعا يجمع بين الأصالة والتجديد فحسب ويطاوع التقنيات لخدمة المطبوع وإنما طاقة صحفية تمتلك الكثير من القدرات في فنون الصحافة ربما لم تتاح الفرصة للكشف عنها من قبل ، فقد كان فاعلا في صياغة المواد بأنواعها وبارعا في اختيار الأفضل وقادرا على النقد وتصويب الأخطاء بروح تفاعلية خالية من التسلط والاستعلاء ويمتلك استطاعة في توظيف التصميم لإحداث إضافة للمحتوى والمضمون و الشكل والجمال ، والاهم في كل ذلك انه لم يكون ينظر للعمل على أساس ما ينجز في الحين ولكن ما سيترتب عن ما سيصدر للجمهور من اثر وردود أفعال فهو الباحث عن المستقبل في كل الأوقات ، وقد نجح في ترجمة ما كان يعنيه ( الديسك ) في العمل الصحافي رغم انه أسلوب جديد لم تألفه الصحافة في زمن النظام السابق ، وهو أسلوب حاول معارضته بعض الشباب والمحترفين خوفا من عدم قدرته على المنافسة كونه ولد في زحمة انتشار مئات الصحف والمجلات في ضوء الفوضى العارمة التي تركها الحاكم المدني ( بريمر ) في ولوج الصحافة لكل من هب ودب تحت مختلف الشعارات والأعذار، وتلك السنوات كانت كافية لإجهاض الصحافة العراقية ووضعها تحت الاحتضار لولا يقظة والضمير الوطني والمهني الذي أبداه البعض لاحتواء الأزمة وعبورها وتقبل ما يترتب على ذلك من مخاطر وتضحيات ، وسعدون فياض كان من يدافع على إدخال كل ما هو جديد ومضاف لصحافة العراق لكي ينال الشعب حقه الصحيح من حرية النشر والإعلام ، و( البرلمان ) وما فيها من إدارة وعاملين تحملوا وزرا كبيرا لتبقى الصحافة العراقية حافظة للمبادئ والمهنية وبخطوطها المستقيمة التي لا تنحني لكل تهديد وإغراء بالمال او سواه ، وكان صديقنا ( فياض ) واقفا مع الجميع متصديا لأي انكسار وجسد بالفعل أصله الطيب وجذوره العراقية فاثبت انه نخلة عراقية لم تنحني ، فلم يتركنا براتبه المتواضع رغم ما قدمت له من عروض ولم ينكسر رغم ما مرت به من ظروف مادية واجتماعية وأمنية أدت في واحدة منها لاختطافه في إحدى الحوادث التي تعرضت لها بغداد وتلك الأمور لم نخوض في تفاصيلها لأننا لم نستأذنه في كتابة أي من هذه الكلمات .
ليس الهدف هنا أن نمتدح شيخ المصممين فصورته ناصعة للملأ وعطاءه المستمر لعقود لم ينقطع يوم ، وهو بحق ليس بحاجة لثناء او مديح لان مكانته ومحبته مكنونة في نفوس وضمائر من عاصره وعمل معه او خرج من تحت عباءته من المصممين والمحررين والمدراء والرؤساء ، فهو المبتكر القادر على التجدد في كل الظروف وينفذ ما يخرج من عقله دون أن يكترث لأي ضغوط و تأثير ، وهو البعيد والمتباعد عن كل ما يزيف الإبداع فلم تلهيه الموائد ولا الرواتب في التقرب لما يخالف الوطنية والضمير ، لهذا كان ولا يزال ذلك الإنسان المتواضع وطيب القلب ومنسجما مع الجميع ويدير خلافاته وصراعاته مع الآخرين والذات في العمل وخارجه بمنطقية هي الأقرب للعقل والقبول ، وعطاءه مستمر فلا يزال يعمل ويترك بصماته في مجال التصميم بما يجعله بموقع فخر لصحافة البلاد ، وتلك حقيقة ليست محل خلاف ويقرها الكثير ممن عمل معهم فقد عمل في عشرات الصحف والمجلات وعذرا لأبي رسلي إن لم نعطه ما يستحق من الوفاء والاستحقاق ، ولأننا نتكلم في يوم مميز هو العيد الوطني للصحافة العراقية يحق لنا الفخر برواد وملاكات الصحافة في العراق جميعا في التصميم وفي مختلف الفنون والمواقع والمسؤوليات ، ونتمنى أن تسلط الأضواء المنصفة على رواد ومبدعي ومجاهدي الصحافة العراقية التي اشتهرت بعطائها والتي قدمت العديد من التضحيات التي استلزمت الروح والجسد ولقمة العيش ، وتحية إجلال وإكرام للأعزاء شهداء الصحافة والكلمة الأبرار والشفاء التام للجرحى إن شاء الله ، وسلاما لأمناء الكلمة الحرة ممن يدافعون عن الوطنية والمواطنة في ظل الإبداع العراقي في الصحافة الذي لم ينقطع يوم ، وتحت خيمة نقابة الصحفيين العراقيين التي لم تنقطع جهودها لتحقيق كل ما يمكن بلوغه من أهداف وأمنيات .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here