قراءة في طريقة الشعراء التسعينيين

الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

بعد فتحي اللغوي الفخم، أو كشفي المؤلم في اللغة العربية الخامسة؛ اذ وجدتُ وجلَّيت لذي عينين أن اللغة العربية التي نكتب بها ونسميها الفصحى تمييزا عن العامية، ليست عربية وليست فصحى في كثير منها، بل هي ترجمات عن الانجليزية. وهذه اللغة التي غادرت العرب والعربية، غادرت الذوق والاصل العربي وجماليات وفخامة تعبير العربية. وصارت كيد بترت اصابعها فنمت فيها لحيمات ناتئة قامت مقام الاصابع وحتما لن تعمل عمل الاصابع.
بعد فتحي أو كشفي اللغوي عليَّ أن أعاني وأعالج فتحا وكشفا أدبيا مماثلا؛ فالشعراء الذين نشأوا في وعلى اللغة الخامسة حتما سيكتبون وفقها وعليها، ولا ننتظر منهم أن يجيدوا العزف على لغة الفصاحة المبهرة التي لن يجيدوها مطلقا، بل سيجدونها معرقلة وغير مسعفة وعاجزة وغير ذلك من النعوت التي نعتوها بها.
ألم يروا أن كتابة شعر عربي يجب أن يكون باللغة الفصحى وأنهم غادروا اللغة الفصحى الا الاقل. ألم يروا أن كتابة شعر عربي يجب أن يمنح القصيدة اشتغالا متقنا للألفاظ، اذ لا شعر عربيا بدون المهارة اللفظية. وألم يروا ان الجمهور لمعاصرته يصفق لهم ويمنحهم شهرة ولا يمنحهم مطلقا خلودا، ذلك الخلود الذي منحه جمهور الاجيال لأمرئ القيس والمتنبي والسياب، وهؤلاء ابدعوا بتفاوت وكان أعلاهم مهارة لفظ أعلاهم شعرا ومجد خلود. هم الان مشهورون ويعلمون انهم بعد نصف قرن منسيون تماما، أو مجرد اسماء.
لقد وعى الشعراء قبلهم تلك الحقيقة وما فاتتهم. صفي الدين الحلي والشاب الظريف، مثلا، عاشا في عصور مظلمة للغة العربية والشعر العربي، وتلك العصور أنجبت شعراء كثيرين من المشهورين وقتها غير المخلدين لازمان قادمة لانهم كتبوا بغير العربية الفصحى أو بعربية متهافتة تعاطى معها الجمهور المعاصر غير الفصيح، ومن هؤلاء الارّجاني وابن سناء الملك وقائمة من اسماء منسية. ولكن الخالدين كالحلي والظريف كتبوا باللغة التي كتب بها العظماء من الشعراء الفصحاء فكانوا امتدادا شعريا للمتنبي والبحتري وبشار وخلدوا مثلهم. وتلك الحقيقة غابت عن شعرائنا المشهورين اليوم جدا غير الخالدين جدا.
لغة فقدت الكثير من الجماليات واساليب التعبير، ثم صارت تنقل من لغات اجنبية الفاظا وعبارات واقيسة وقواعد واساليب… كيف سيكتب بها شعراؤها شعرا عربيا راقيا؟ ان الكثير من قصائدهم تشبه قصائد مترجمةّ! انهم يتكئون على جمهور غير فصيح، ونقد مجامل، ووسائل اعلام تروج هذا الشعر للقضاء على آخر ما تبقى من ذوق عربي فصيح وتسويد الذوق الاجنبي.
ولنا أمثلة حاسمة في ذلك لا جدل فيها، فبحر الرجز لم ينجح أبو تمام والبحتري والمتنبي وهم لات ومناة وعزى الشعر في كتابة قصيدة معتبرة عليه، واستطاع السياب وصلاح عبد الصبور ونزار قباني كتابة آيات ابداعهم عليه، وحتما أولئك خير من هؤلاء، ولكن الذي سوغ ذلك ومكن شعراءنا وبحر الرجز، هو أن نغمته كانت عامية في العربية الفصحى غير قادرة على التحليق الشعري الراقي، فعدَّ بحر الرجز (حمار الشعراء)، أما عربيتنا المعاصرة القريبة من العامية القريبة من نغمة بحر الرجز فقد جعلت بحر الرجز قادرا على التحليق الشعري، فعدَّ (حصانا أصيلا). وكذلك بحرا المتدارك والخبب نظّر لهما الفراهيدي في القرن الثاني ولكنهما لم يشتهرا ولاسيما الخبب الا في زماننا، عدا القليل من الشعر المشتهر كقصيدة الحصري القيرواني في نهاية القرن الخامس.
ان انحراف الفصحى الى فصحى دعية حرم الشعراء المعاصرين أو الحداثيين فرصة الكتابة على خط شعراء العربية مع التجديد الصائب بما تقتضيه المعاصرة. مثلما جارى ابن زيدون الموشحات ففي ديوانه موشحة او موشحتان، وكما جارى صفي الدين الحلي البديعيات والعاميات التي اشتهرت في زمانه، وكما جارى الجواهري شعر التفعيلة، وكل هؤلاء جاروا الحاضر المعاصر ولكن جعلوا جياد قصائدهم على الخط العام العربي الفصيح، وبه اشتهروا وخلدوا.
لقد كتب شعراؤنا المعاصرون أغلب اشعارهم على طريقتهم البعيدة عن الخط العربي الفصيح وكان لهم ابهار في البداية، ولكل جديد لذة، الا انهم نفدوا ولم يعد لهم جديد مبهر، وبدلا من مراجعة أنفسهم أوغلوا في البحث عن موارد اجنبية لا تجود شعراً في لغتنا لانها تناسب لغاتهم، وليس منطقيا ارغام لغة على انتهاج القوانين الادبية للغة اخرى لتجود كما جادت تلك اللغة، كما لا يمكن ارغام أرنب على أن ينجب غزالا.
كان الشاعر العربي الفصيح – كما توضح كتب النقد – يستعمل لغتين: لغة ابداع ولغة كلام يومي، لغة الابداع تمتلك جماليات وتعابير لا تمتلكها اللغة اليومية. وشعراؤنا اليوم يكتبون بأقل من اللغة اليومية غير الابداعية التي كان يتحدث بها الشاعر الفصيح القديم. ولك أن تتصور مقدار الجمال والابداع في هذه اللغة، ومن ثم في هذه الاشعار. لقد اطلعوا على تجارب الشعراء السابقين الذين استعملوا هذا المستوى فلم يجدوا غير ملل وسأم وجثث شعرية هامدة. وزاد الطين بلة سيادة الشعر التعبوي وشعراء المكافأة الذي دعمه النظام البائد. وقد غرق العراق بسيول قصائد لا شعر فيها، اما لطبيعة القصائد التي لا تنهض شعرا، واما لضعف الشعراء وتقليديتهم. وقد أوضح ذلك الشاعر حسين القاصد في معرض حديثه عن تجربته الشعرية أو التجربة الشعرية الجمعية له ولزملائه:
(نعم لي اضافات على القصيدة العمودية ، لكن لا تجديد ولا مفهوم للتجديد ولن يكون في هذا المضمار ، فبإمكان قصيدة لابي تمام او المتنبي ان تنسف كل دعوى للتجديد ، لذا اعيد واكرر قولي نحن منحنا القصيدة العمودية فرصة المواكبة بعد ان جمدت وماتت ملامحها واصبحت اشبه بالأثار على ايدي شعراء القصيدة العمودية الذين سبقونا ولا اظن ان متلقيا يستطيع ان يجلس منصتا الى نهاية قصيدة يلقيها محمد حسين ال ياسين ، وهو يمثل اخر الذين اعتاشوا على الموروث دون المواكبة على الرغم من ثقافته الواسعة لكن موهبته لا تتجاوز ما قاله).

ولكن ليس بعيدا عن هؤلاء الشعراء الحداثيين شعراء معاصرون التزموا الخط العام الفصيح فكانوا ظاهرة شعرية في زماننا كأحمد شوقي وبدوي الجبل والجواهري والسياب. وهؤلاء مشهورون في زماننا وخالدون في الازمنة القادمة، فهل ينكرون ذلك، وهل يستطيعون أن يكونوهم؟
هؤلاء الشعراء (الحداثويون) وضعوا أنفسهم أمام خيارين: اما الكتابة باللغة العربية المعاصرة غير الشعرية فيفشلوا كالسابقين، واما أن يستعملوا هذه اللغة نفسها بأسلوب آخر باستعمال اساليب لفظية جديدة تقوم على الازاحة والمفارقة والمشاكسة والتغريب والايهام والعامية والسيميائية وغير ذلك مما يظن انه يمحو الرتابة وفي الوقت نفسه يوهم ان تحته طائلا من شعر عبقري. فكان بدلا من ان يصنع الشاعر المثقف جمهورا مثقفا يستعيد الفصاحة، زاد هؤلاء الشعراء الجمهور عامية وبعدا عن الفصحى بأشعار لا ترتفع عن العامية كثيرا باستعمال الفاظ واقيسة عامية وعبارات مألوفة جدا.
ولما تأكدوا من أن القصيدة العربية ذات الشطرين، بعد التجارب العقيمة التي قاموا بها، أفضل اسلوب للشعر العربي، قاموا بصنع قصيدة تشبهها شكلا وافرغوها من مضامينها الاشتغالية كافة واسموها (قصيدة عمودية). ومنهم من لا يزال يستهجنها، قال الناقد فاضل ثامر (أنظر بريبة إلى طاقة القصيدة العمودية الشعرية بسبب انطوائها على الكثير من القيم والمكونات والأصول التقليدية، فضلا عن بنيتها السيمترية واتكائها على القافية والموسيقى الخارجية والتطريب)، واذا كان حفظ الناس لشعر الشاعر معياراً لنجاح الشاعر واهمية الشعر، فالناس تحفظ (دجلة الخير) للجواهري و(انشودة المطر للسياب) وتختفي بقية الاسماء التي لها رنة في الاعلام فقط.
الشعر العربي واقعا انتهى مع المتنبي الذي أبلغ بذلك في قوله:
فلا تبالِ بشعر بعد شاعره

قد أفسِد القول حتى أحمِد الصممُ

فالشعر العربي يشتغل على (اللفظ الفصيح)، ولما فقد العصر العباسي نصف فصاحة اللغة العربية، فقد اشتغل الشعر على نصف المساحة اللغوية والشعرية التي اشتغل عليها شعراء الجاهلية والعصر الاموي. وطبعا مستوى الشاعر له تأثير في مستوى الشعر. في هذا العصر برز مصطلح أو مشكلة (الغريب)، وهو (اللفظ الفصيح الشعري المنسي) فالشعراء يجدون ضرورة استعماله وفي الوقت نفسه لا يملكون مهارة القدماء في استعماله فصار من المآخذ عليهم، فاخذ على ابي تمام مثل (أهيس، أليس، الاجفيل)، واخذ على المتنبي مثل (جفخت). واقترح الجرجاني الموازنة بين التراث الفصيح والواقع الحضري وأسماه (النمط الاوسط). ورأى ابن وكيع التنيسي ان المتنبي (لا يستحق التقديم على من هو أقدم منه عصراً وأحسن شعراً). كما اشار الى اثر الجمهور في توجيه الشعر والشاعر؛ فقد صار على الشاعر استعمال لغة يفهمها الجمهور، فهو (بمنزلة صاحب الصوت المطرب يستميل امة من الناس لاستماعه، وقائل الشعر الحوشي بمنزلة المغني الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت، يعرض عنه الا من عرف فضله).
وظهر ايضا في العصر العباسي مصطلح (اللفظ والمعنى) فكثير من الشعراء أو أكثرهم تركوا الاهتمام باللفظ الى المعنى فاشتغلوا عليه في مجاراتهم للذوق الادبي غير العربي، فاشعار كل امم العالم تركز على المعنى وليس اللفظ بعكس الشعر العربي، ونجد بعضهم مثل أبي العتاهية يجعل اشعاره معنوية تماما لبساطة الفاظه وعاميتها.
واشتهر ايضا في العصر العباسي، عجزا عن استعمال اللفظ الفصيح الموسيقي، ما عرف بـ(البديع) وهو تجميل لفظي يعوض ذلك العجز، بإضافة موسيقى للألفاظ، وجمال ديباجة، وعمق معنى. وقد استشرى البديع كلما اوغلنا في العصر لبعدهم الاكثر عن اللفظ الفصيح وزيادة عجزهم عن استعماله، حتى صار بديلا من الابداع أو هو الابداع نفسه. وبتراجع اللغة الفصحى المطرد صار الشعر العربي يتراجع الى لغة العامة واستمر نزوله الى فقر اللغة وضعف الشعر حتى وصلنا الى اعتاب العصر الحديث.
في العصر الحديث وبالاستفادة من الطباعة، أعيدت اللغة الفصحى بمستوى معين سمح بولادة شعر عربي فصيح جيد، فكان البارودي واحمد شوقي وبدوي الجبل والرصافي والجواهري. وحتما هذا الشعر دون مستوى العصر العباسي وارفع من مستوى العصور الوسطى. وساعدت الصحف والافكار النيرة القادمة من الغرب على صنع جمهور مثقف كان حاضنة جيدة لهذا الشعر وتقبله. ولكن العصر الحديث شهد مسخ غريب للغة العربية انتج (نسخة خامسة للغة) جعل اغلب العبارات ترجمات عن الانجليزية، وكثير من الالفاظ ذات معان انجليزية بديلة من معانيها العربية. وهذا حسم مستوى الشعر. وقد وصف احسان عباس شعر الجواهري بانه (رحى تطحن قرونا) واحس الرصافي بان الشاعر الفصيح يستعمل غير لغة الشعب، فخاطب الشاعر الشعبي عبود الكرخي بقوله:
دع هذه اللغة الفصحى فنحن بها

ظلنا نخاطبُ جيلا غير موجودِ

فالناسُ غيَّرتِ الايامُ لهجتهم

بكل لحن على الافواه معقودِ

وانَّ قرعك بالفصحى مسامعهم

امسى كقرعك جلمودا بجلمودِ

ويذكر بروكلمان ان الشعر العربي ابتداء من عام 1900 اتجه كلية الى الغرب، فجاروا مذاهبه وقلدوا طرقه، وصار مفهوم (التجديد) سائدا. ولاستشعارهم اهمية اللفظ انقسم الشعراء الى اصناف منهم من أورد اللفظ كما أورده القدماء، ونجح في ذلك صاحب الموهبة العظيمة كالجواهري وبدوي الجبل، واطنان من الشعراء ذهبوا مع اطنان قصائدهم جفاءً. ومن الشعر الجيد قول بدوي الجبل:
المذهبات كما تموّج في الضّياء الزعفرانُ

عهدي بها أخت الرّبيع وللمهور بها إرانُ

تلك المروج شذا وافياء وساجعة وبانُ

الخالدان، ولا أعدّ الشمس، شعري الزمانُ

وقراءة شاملة لشعر هذه المرحلة تظهر ان شعراء هذا الجيل جعل الشعر العباسي قبلته ونموذجه المستعاد، وكثيرا ما يستوقفنا شعر يقلد العباسيين في طرائقهم والفاظهم ومعانيهم مثل عبد الحليم المصري في قصيدة:
بالأعينِ اقتلنَ لا بالمشرفياتِ

السودِ لا البيض في شنِّ الإِغاراتِ

قرَّت منيات قوم فوقَ زئبقها

يا لهفَ نفسي على تلك المنيَّاتِ

سَقياً ورَعياً ظباءَ السرحتين هنا

ماءُ المحاجرِ في مرعَى الحُشاشاتِ

وصار الشعراء يبحثون عن اساليب جديدة في ايراد الالفاظ، فاقترح أحمد زكي ابو شادي استعمال (الحرف المنغّم) بدل البديع الذي صار لا يواكب الحداثة، ولم يأت بطائل. واستعمل علي محمود طه الفاظا هلامية كما ذكر شوقي ضيف مثل (المجالي، عروس البحر، حلم الخيال) وهي الفاظ مفتوحة تحمل المتلقي بعيدا عن الرتابة والملل ولكنها محدودة ولا تصنع شعرا عربيا حقيقيا كثيرا.
وشعر المهجر الى شعر الشرق العربي يشبه الشعر الاندلسي الى الشعر العباسي، فهو أرق وأرشق، وفيه تأمل ونظرات عميقة، ولكن الفاظه بسيطة ليس فيها اشتغال واكثرها معنوي، وقد كتب ايليا ابو ماضي قصائد كاملة في حكمة واحدة مثل: فلسفة الحياة، ابتسم،  كن بلسما، الحجر الصغير، التينة الحمقاء ·
واستعمل نزار قباني الفاظا تميل الى البساطة، ولولا الغنائية في شعره لما نجح كثيرا، فنحن نتذكر شعره المغنى فقط. واستعمل السياب الميثولوجيا والرمز لصنع الادهاش لدى القارئ، كما توسع في الاستعارة الى نوع من الازاحة:
في قلعة جبلت حجارتها

بدم القلوب وبارد العـــــــــــرقِ
ظلماء يلهث في مغاورها

داجي الهواء لهاث مختنقِ

وتعفَّنَ الزمنُ الحبيسُ على

جدرانها طبقا على طبقِ

وعلى الرغم من ثقافته العربية، وقدرته على كتابة شعر بمواصفات الشعر العربي الخالد، الا انه اختار الارتماء في احضان الشعر الغربي، وترك ابا تمام الى مدام دي ستايل.
واستمر الشعراء يجربون اساليب لفظية لكتابة شعر مميز، وقليلا أسعف ما تبقى من اللغة العربية الفصحى الجزلة في ذلك التميز، وكان الانجذاب نحو الغرب وتراجع الفصحى لصالح اللغة الخامسة غير الفصحى يدفع الشعر الى احضان الغرب وانتاج شعر عربي /غربي.
في مرحلة صدام حسين والدفع الى الشعر التعبوي، ظهرت اسماء كثيرة وكبيرة اختفى اكثرها بعد سقوطه لكونها غير اصيلة في الشعر. كان الشعراء يكتبون بلا هدي او تحديد، فاختلطت اساليب القديم بالجديد والغربي بالعربي، وكان الشعر المكتوب يصيب السامع بالصداع لخلوه من الابداع عدا القليل من الشعراء كعبد الرزاق عبد الواحد؛ فانه بفضل ما امتلكه من ثقافة شعرية وثروة لغوية وخيال خصب استطاع ان يكتب قصيدة متميزة خالدة هي استمرار لمدرسة أحمد شوقي والجواهري وبدوي الجبل.
بعد سقوط صدام أراد الشعراء التسعينيون أن يصنعوا طريقة خاصة بهم تميزهم وتجعل قصائدهم مواكبة كما ذكر الشاعر حسين القاصد. ونعود الى نصه لاهميته (نعم لي اضافات على القصيدة العمودية ، لكن لا تجديد ولا مفهوم للتجديد ولن يكون في هذا المضمار ، فبإمكان قصيدة لابي تمام او المتنبي ان تنسف كل دعوى للتجديد ، لذا اعيد واكرر قولي نحن منحنا القصيدة العمودية فرصة المواكبة بعد ان جمدت وماتت ملامحها واصبحت اشبه بالأثار على ايدي شعراء القصيدة العمودية الذين سبقونا). لم يتغير شيء نحو الافضل، فلا تقاس ثقافة هؤلاء الشعراء اللغوية والشعرية بثقافة الاجيال قبلهم، ولا حدثت معجزة فأعيدت العربية الفصحى في فترات عزها الجاهلي او الاموي بل حتى العباسي. بل تراجعت وقويت الانجليزية وزاد تأثيرها اضعافا مضاعفة.
لذا تميزت الفاظ هؤلاء الشعراء بالبساطة الهابطة لتقديم شعر لمتلق صار ينفر من الفصيح الى العامي. وقد عد فاضل ثامر الفصيح الشاعري (عفا عليه الزمن) وعد (اللغة اليومية) التي جعلها هؤلاء الشعراء لغتهم الشعرية (حسا حداثيا حقيقيا يرفض التنميق والزخرفة) وفصحى هؤلاء الشعراء لا ترتفع عن لغة الصحافة والاخبار اليومية، بل احيانا يأتون بألفاظ أو عبارات عامية بحتة يوجد بديلها الفصيح كقول عارف الساعدي (وعندما افترشوها الارض خضَّرتِ) فاورد (خضَّرت) لانها عامية مألوفة وفصيحها (اخضرَّت) وحتما الفصيح أشعر وأجمل الا ان الشاعر رغب عنه ارضاء للعامة، وقوله (على سطوحك كانت تلتقي الصدف) والصحيح المصادفات، ولكنه ظن ان الصدف أشعر لانها أقوى وقعا، وأبداً لا يؤدي الخطأ هدف الصحيح في كل شيء.
ومثله قوله (تاهت علي الارض) قاصدا المعنى العامي (اشتبهت)، ومعناها الفصيح الصحيح (تبخترت) فضحى بالفصحى لايصال الشعر برأيه للناس، بعكس شعراء عصر النهضة الذين رفعوا الجمهور من العامي الى الفصيح، وأحيوا عشرات بل مئات الالفاظ والعبارات الفصيحة المنسية.
ومثله قول حمد الدوخي (يا ابن النّبوة هبنـــي نصحاً) فـ(هبني) الفصيحة تعني (احسُبْني واعدُدْني) وكان عليه أن يقول (هب لي) الا ان النزول الى المتلقي بدل رفعه ورفع شعره الى مستوى الفحول، وهو شاعر متمكن، أوقعه في الخلط. واخطاء اخرى مثل (لوحده صار أمه) والحال لا تجر فالصواب (وحده). وقال حازم رشك (وكم من مريم حبله) ولا ادري من اين جاء بـ(حبله) ليس غير انه يريد كسب العوام على حساب صحة اللغة وجماليتها، وليس يخفى أن الصواب (حبلى).
وأكثر اشتغال لفظي لهم، بل يكاد يكون سمة جمعية لهم الافراط في الازاحة، والتغريب الغريب مثل: حتى اذا قيل أين الله .. قلت لهم : ها .. ذاك ربيَ .. خيطٌ في عباءتها) وقول حين القاصد (أحمل شيب الكون في قممي) (نزفي نخيل) (حملت على رأسي الى قدمي). ونجد مفارقات كثيرة ومعاكسات لفظية لا تخلق معنى كثيرا وهي ملحوح عليها مثل
الأغاني على شفاهي رمل
والتفاصيل فوق ظلي ظلُ
كيف امشي وفوق ظلي ظل
ومثل: (وبمائها احترقا). ونقرأ الفاظا متداولة (وعلى كلٍّ) او ادارية (عطفا على) وغيرها مما هو في قاع الاستعمال اليومي وغير الشعري.
ولا نجد اغلب الاحيان بسبب التغريب علاقة تكاملية بين الصدر والعجز ككل الشعر العربي القديم مثل: (للشمس في كفيك سرُّ/ يقف الزمان وتستمر) ونجدهم يوزعون البيت ليس بمنطق الصدر والعجز بل حسب ما تنتهي العبارة فتجد الكلمات موزعة كأنه شعر تفعيلة، وهم يقصدون ذلك هربا من الرتابة السيميائية لابيات الشعر العمودي.
ومعانيهم كألفاظهم تسودها البساطة المغرِّطة، فليس فيها عمق أو تأمل أو اشتغال بديع، انظر قول حسين القاصد:
الطين يغضب ربما ينتابه
خوفٌ ولكنّ الحتوفَ جوابه
الطين (مسنونٌ) يمرغ وعيه
ليصير إنساناً له أسبابه
وقول عارف الساعدي:
مشغول
مشغول
مشغول
دائما ارددها
فانا مشغول جدا
مشغول بإيصال أطفالي إلى المدرسة
ومشغول بعودتهم إلى البيت
كيف لهذا المشغول جداً
أنْ يستيقظ في يومٍ من الأيام
وهو بلا شغل
المشغول جداً
لم يعد يحتاجه أولاده لشراء الحلوى
ولم يعودوا يبكون على صدره
فما المعنى الشاعري في هذه والكثير لكثيرين؟
أما الموسيقى فليس شغلهم، فقصائدهم ليست بموسيقية قصائد ابراهيم ناجي او علي محمود طه او الجواهري او السياب او نازك أو أو. كل اعتمادهم على وزن البحر وهو اطار موسيقي لا يكفي دون ملئه بموسيقى عميقه عمادها الالفاظ والمعاني وعلاقات الجملة والديباجة وموسيقى داخلية بعنف الغرض او العاطفة الجياشة او الهمس الثاقب. ليس في شعرهم ما يدل على اشتغال موسيقي، أقرأ ابيات حمد الدوخي في الامام الحسين (ع) فأجده يركز على الفاظ القافية وصنع معان مؤثرة، ولا أجده يصنع موسيقى فأحس ببحر المجتث وحده ظاهرا في القصيدة.
ليس الحسين إماما

بعضُ الحسين أئمــــــه

بخلق روح حسين

قد أكمل الله حلمه

يا مثلَ جدّكَ روحاً

ومثلهُ جئت رحمة

المجد كلمة حق

وأنت حقٌّ وكلمة

ولا ارى أي تأثير لهاء السكت التي تأتي في اشعار العرب وهي تزيد على طاقة القافية صدمة ولذة حتى ان القلب يتحد مع الاذن في صعوده معها كقول الشاعر:
بَكَرَت عَلَيَّ عَواذِلي

يَلحَينَني وَأَلومُهُنَّه

وَيَقُلنَ شَيبٌ قَد عَلاكَ وَقَد كَبِرتَ فَقُلتُ إِنَّه

وقي قصيدة عارف الساعدي (ابتي آدم) و(آدم الاخير) يخلط الشاعر بين بحري (المتدارك = فاعلن) و(الخبب = فعْلن وفعِلن) وهما بحران وليسا بحرا واحدا، ولاستاذي الجليل (خشان خشان) بحث مفصل في التمييز بينهما:
أبتي ، يا أبتي آدم
ماذا أحسست
وأنت تفتح عينيك لأول يوم
كي تكتشف العالم
وقصائد كثيرة خسرت بسبب المواكبة اللغة الشعرية التي تقوم على عنصري (الخيال) و(الجمال)، وهو ما جمعه تعريف ابن منظور (هو الكلام المنظوم الذي يعتمد فيه صاحبه على الخيال ويقصد فيه إلى الجمال الفني). واذا تحلى اصحابها بالثقة والشعور العميق بالإحسان قان الانبهار بطريقتهم قل، ونفد جديدهم وعاد الجمهور الى الملل من تكراراتهم، ولعله آن الاوان ان نعود الى العرب: لغة فصحى واسلوبا شعريا.
واخير أقول ناقدا وليس منتقدا: ان ما ركزت عليه في الدراسة هو اسلوب شعر الشعراء التسعينيين وليس شاعريتهم ولا شعرهم الشاعر، وهم شعراء يستحقون الاحترام وأفضل الموجودين في المشهد الشعري العراقي، ولهم قصائد عيون. وقد وضعت ازاء اعينهم عيوب طريقتهم، والمسؤولية الشعرية التي عليهم حملها بالكتابة على اللغة العربية الفصيحة العالية لكتابة شعر أرقى وأبقى، وان ما كتبوه منحهم الشهرة ولن يمنحهم الخلود، فالخلود في الخط الشعري العربي الذي كتب عليه الفحول المدركون ان الشعر العربي لا يكتب الا بلغة العرب الفصحى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here