علامات الهاوية وقبل فوات الأوان

حمزة الحسن

فرح كثيرون لخبر يقول تصدر العراق قائمة أذكى الشعوب العربية حسب مقياس الـ (IQ)،
وجاء في المرتبة الأولى عربياً محققاً 87 نقطة على مقياس الذكاء.
وبحسب قائمة ترتيب أذكى الشعوب العربية وفق نقاط الـ(IQ)،
التي أجريت من قبل عالم النفس البريطاني ريتشارد لين والبروفسور الفنلندي تاتو فانهانين، وشملت الدراسة أكثر من 80 بلدا،
فإن هونغ كونغ هي في المركز الأول عالميًا، محققة متوسط ذكاء يبلغ 108 نقطة.
يوم قرأت خبراً عن موقع Targetmap، يقول إن العراق يتصدر الدول العربية
في مستوى الذكاء شعرت بهاوية تنفتح أمامي.
كان أسوأ خبر بالنسبة إلي،
رغم أن هذه النتيجة إستندت الى دراسة تحليلية أجراها عالم النفس
البريطاني ريتشارد لين ومختص بالعلوم السياسية الفنلندي تاتو فانهانين،
على مقياس الذكاء المعروف IQ،
لكن تبقى هذه الدراسات نسبية واحتمالية.
لماذا الغم من أن يكون العراقي هو الأذكى؟
يقول عالم الاجتماع والمؤرخ الفرنسي الشهير أميل دوركايم،
وهو مؤسس علم الاجتماع الحديث:
” عندما ترتفع في شعب أو أمة نسبة الذكاء،
وينخفض مستوى الضمير،
فهذه من علامات الانقراض”.
والانقراض ليس زوال النوع بل اختفاء مقومات حياة نظيفة ونقية وعادلة،
أي انهيار المعايير العامة وسيطرة المعايير الفردية،
وكل فرد يحلل ويحرم حسب مصالحه وفي هذا التداخل في المقاييس
تنهار الضوابط العامة التي تحكم الايقاع الاجتماعي وندخل في الفوضى .
وكما يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي:
” علم بلا ضمير يعني خراب للروح،
والسياسة والاخلاق”.
يقول غاندي الأب:
” سبعة أشياء تدمر الانسان: السياسة بلا مبادئ،والمتعة بلا ضمير،
الثروة بلا عمل، التجارة بلا أخلاق،
المعرفة بلا قيم، العلم بلا إنسانية، والعبادة بلا تضحية”.
غوبلز وزير اعلام هتلر قال:
” إعطني إعلاماً بلا ضمير، أعطيك شعباً بلا وعي”.
أما الروائي البير كامو فقال:
” إنسان بلا ضمير، وحش أطلق على العالم”.
وهذا الوحش الأنيق المتخفي خلف الكلمات والثياب والشعارات يتوارى في بيئة مشوهة بل يظهر كصاحب رسالة اخلاقية وهذا هو الفخ في مجتمع يعشق المظاهر .
قال لي الروائي والباحث الشاب عبد اللطيف الحرز إن كاتباً عراقياً يعيش نصف قرن في قلب أوروبا في بودابيست كتب مقالاً طالب فيه بإعدام الحرز، ولا يدري الحرز الموهوب أن ذلك المخلوق طالب باعدامي أيضا عشرات المرات تحت عنوان الديمقراطية. هذا مثال كيف يكون الذكاء بلا ضمير مصيدة وجريمة أنيقة وعلامة على موت البشر.
لماذا ارتفاع مستوى الذكاء وانخفاض مستوى الضمير
يؤدي للانهيار أو تقويض المجتمع أو الانقراض؟
تعرضت الأديان لهذه الظاهرة في زوال الأمم،
دمار سدوم وعامورة،
ويتطابق التفسير الديني مع التفسير العلمي التاريخي من ناحية
سبب زوال الأمم وهو موت الضمير والظلم والانحراف والتشوه،
وحسب علماء التشريح وليس الحكماء فحسب،
ثبت أن الضمير عضو جسدي يتمركز في الدماغ،
وهو الخلاصة المركزة للمثل العليا والمبادئ الأخلاقية،
وحدود الفطرة والطبيعة،
والضمير مثل أي عضو جسدي يضمر بعدم الاستعمال ويموت.
تاريخ ولادة الضمير أقدم من تاريخ ولادة الثقافة والحضارة.
عندما قرأت نص المقال لخبير جراح عالمي في تشريح الدماغ،
تأملت عميقاً في هذا الموضوع ورجعت للمقولات الشعبية،
ووجدت أنها تتطابق بل تسبق الجراح العالمي في الكلام عن:
” موت الضمير”.
ماذا يحدث عند ارتفاع مستوى الذكاء وانخفاض أو موت الضمير؟
يقع المجتمع في أخطر مرحلة وهي:
إنقلاب المعايير وارتفاع عقلية الشطارة والحيلة واستفحال الذكاء الشرير،
وهي مرحلة ما قبل الطوفان والخراب النهائي،
حيث يصبح اللص في المعايير المشوهة شاطراً،
يصبح النصاب والمحتال ذكياً،
يصبح البريء والنظيف والأمين غبياً وفاشلاً،
ما ساوى ربعه.
تنتهي المعايير العامة التي تضبط الايقاع الاجتماعي،
ويصبح كل فرد يحلل ويحرم حسب مصلحته،
تنهار المعايير العامة وتحل مكانها المعايير الفردية.
الذكاء يبرر كل شيء،
وفي حالة ذكاء بلا كابح أو ضمير يصبح الطريق مفتوحاً
نحو كل شيء،
وبصورة خاصة نحو خراب متدرج،
وبطيء ثم يظهر التداعى والانهيار الكلي فجأة على إثر حادث عرضي أو حدث عنيف،
لأن الجذور منخورة كما ينهار البناء من مزنة مطر.
يوم نشرت ” الأعزل” سيرة ذاتية روائية عام 2000
من دار بيرغمان في النرويج قلت فيها:
” هذا البلد سينهار يوماً بحرب أو بلا حرب،
لأن رائحة التفسخ في كل مكان لكن أحداً لا يشم”،
كنت مستنداً على المبادئ نفسها في علاقات الذكاء
والضمير والسلطة والمجتمع والتفسخ السري،
ونحن اليوم أقرب للتداعى من قبل.
ان النخبة الحاكمة الشرهة للمال والنفوذ والثراء والرفاهية
غير مهتمة وحتى غير مدركة ولا معنية في أي وقت جاء الإنهيار الشامل،
بعد أن اخذت حصتها من الوليمة الكبرى
ومن واجب وشرف المثقف ايقاظ الناس حول ما ينتظرهم في المستقبل.
هناك اليوم أشياء كثيرة تتفسخ لكن أحداً لا يشم،
لا لعطب في حاسة الشم،
بل إدمان الخراب ولا أحد يحدق في الهاوية المقتربة والأخيرة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here