«سموتريتش وخطة الحسم»

أسامة خليفة
باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»

في أيلول/ سبتمبر 2017 نشر «سموتريتش» العضو الهامشي في الكنيست ما سماه «خطة الحسم»، وقدم دراسة حول السياسة الناجعة للحكومة الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين، حسب رأيه هذه الخطة وهذه السياسة ستؤديان في حال تطبيقهما إلى إنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وحسمه، وفق الرؤية الإسرائيلية التي تتنكر كلياً للحقوق الفلسطينية، وترفض بالمطلق قيام دولة فلسطينية، باعتباره أن فلسطين كاملة هي أرض إسرائيل، والمنطقة بين البحر والنهر مساحة جغرافية وطوبوغرافية واحدة، ولا يمكن تقسيمها، ويعتبرها حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش وغير قابلة للتفاوض.

في إنكاره لوجود شعب فلسطين ما جاء بجديد، يتابع ما قاله سابقوه من زعماء الحركة الصهيونية كذباً وتزويراً: أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وترى الادعاءات التوراتية التي أرض فلسطين ملك لليهود وحدهم، وأن فلسطين «أرض الميعاد»، لتأجيج الدافع الديني عند اليهود للهجرة إلى فلسطين، واستغلال الفكر الديني التوراتي لأغراض سياسية استعمارية استيطانية، وقلب الحقائق، على نفس المنوال نسج «سموتريتش» رواية تاريخية صهيونية توراتية تؤكد عدم وجود شعب فلسطيني، مدعياً أن الشعب الفلسطيني لم يكن موجوداً قبل ظهور المشروع الصهيوني، والسؤال هنا: هل المشروع الصهيوني هو الذي أوجد الشعب الفلسطيني؟. لقد تبلور وتطور الوعي بالهوية، ونما بشكل متصاعد نتيجة الهجمة الصهيونية الشرسة، وهذا أمر طبيعي عند كل الشعوب الحرة، ورداً على مساعي الحركة الصهيونية استلاب تراث فلسطين بكل جوانبه من الآثار التاريخية وأبرزها القدس القديمة والأقصى المبارك، إلى الثوب حتى طبق الطعام، برز تحدي الهوية على شكل عناية فائقة بالتراث والثقافة وبالسمات الشخصية والوطنية وبحث في التاريخ والماضي والحاضر والمستقبل، اهتمام أدى إلى إبراز الهوية الفلسطينية لكل العالم أنها قد بدأت تتشكل منذ 6 ألاف عام قبل الميلاد، بجذورها الكنعانية وحضارتها الأصيلة.

انتهز سموتريتش انحياز المجتمع الإسرائيلي نحو العنصرية الدينية المتطرفة فتبنى المرجعية التوراتية للخطاب الصهيوني الذي يعتمد على التوراة كسند يعطي الحق لليهود بإقامة وطن قومي في فلسطين، ليصعد ويرتقي في سلم المراتب الحزبية والحكومية وزعامة المستوطنين، من عضو كنيست عادي هامشي إلى زعيم حزب متطرف ثم وزير مزدوج لوزارتين، أدرك أن الاستيطان يحتاج إلى الفكر الأسطوري التوراتي، فأعاد تسويق الفكر التوراتي الأسطوري من أجل مكاسب انتخابية من جهة، ومن أجل تسويغ السياسات المتطرفة، ولتحقيق طموحه بـ«الحسم الاستيطاني»، وزيادة عدد المستوطنين في منطقة الضفة الغربية ليشكلوا أغلبية سكانية، هدف لن يتحقق عبر التسهيلات المالية والحوافز الاقتصادية، والمساعدات لمن يرغب بالاستيطان، فهذه الحوافز لم تعد تغري الاسرائيليين المقيمين في «مناطق هادئة» على الاستيطان في البؤر الاستيطانية، إلا أصحاب العقلية الدينية التوراتية المتطرفة، من غلاة المستوطنين المشبعين بالحقد والكراهية، ومع بث الحوافز الدينية كدافع للاستيطان، قدم نفسه كمتدين وقدم خطته على الرؤى التوراتية والعقائد الدينية، يقول نفاقاً: «أنا شخص مؤمن يؤمن بالقدوس تبارك في حبه لشعب إسرائيل وفي رعايته لهم، يؤمن بالتوراة التي حذرت من النفي ووعدت بالفداء، أنا أؤمن بكلمات الأنبياء الذين توقّعوا الدمار، وليس أقلها البناء المتجدد الذي سنراه يجري بناؤه أمام أعيننا. أعتقد أن دولة إسرائيل هي بداية نمو خلاصنا وتحقيق نبوءات التوراة ورؤى الأنبياء».

كان نتنياهو يحتاجه، و«سموتريتش» يحتاج نتنياهو، والحاجة الاستعمارية الاستيطانية استدعت بن غفير، وغيره من المتطرفين، لتحقيق التطهير العرقي للشعب الفلسطيني، اكتملت عصابة حكومة الاستيطان، ودعاة الحسم، فجعلوا سموتريتش صاحب الكلمة العليا في مسألة الاستيطان، فأطلق يد المستوطنين وجمعياتهم لنشر المزيد من البؤر الاستيطانية العشوائية في كل مكان لا سيما على الجبال والتلال، داعياً لتوطين مليوني مستوطن يهودي في الضفة، وربطها بعمق مناطق الـ48 خلف الخط الأخضر من أجل محوه، بتصعيد وتيرة العمل الاستيطاني وإنشاء المستوطنات والمدن، وإقامة البنية التحتية على جانبي الخط الأخضر، لتصل الضفة بالداخل الفلسطيني تمهيداً للدولة الواحدة.

ارتبط التحول في خطته من الإطار النظري إلى الجانب العملي، بارتقائه في سلم المراتب الحكومية إلى قلب مركز اتخاذ القرار والقدرة على تنفيذه، لتصبح مشروعاً في إطار التنفيذ، يضع الفلسطينيين أمام ثلاثة خيارات: تغيير الوعي، أو القتل، أو التهجير، وأمام ثلاثة أنواع من الحسم:

-الحسم بالاستيطان المكثف، وتوفير العنصر البشري، الإغراء المالي للمستوطنين، مقابل العقاب الجماعي بحق الفلسطينيين وهدم البيوت.

-الحسم بالتهجير والترحيل طوعاً أو كراهية.

-الحسم بالعنف واستخدام القوة العسكرية واستخدام عصابات المستوطنين.

يحدد سموتريتش المرحلة الأولى والرئيسية من خطته لحسم الصراع بـ«الحسم الاستيطاني»، الذي يتطلب توفير الغطاء السياسي والقانوني، من خلال تطبيق السيادة على جميع أراضي الضفة الغربية، أو ما يسميها «يهودا والسامرة»، ويرى سموترتيش أن الهدف وراء أولوية الحسم الاستيطاني يكمن في إنشاء واقع استيطاني واضح لا رجوع فيه في هذا المجال في غضون بضع سنوات، وأنه لا يوجد شيء يعمل بشكل أفضل من واقع الاستيطان في أذهان عرب «يهودا والسامرة»، ويساعدهم على التخلص من وهم الدولة الفلسطينية، ويوضح لهم أنه لا توجد فرصة لإقامة دولة عربية أخرى غرب الأردن.

والسؤال المطروح هنا، حول مقولة «سموتريتش»: «الحقائق على الأرض، تغير الوعي أو تقرر الوعي» ما الذي سيثبته تعاظم الاستيطان ومصادرة الأرض؟. مزيداً من تمسك الفلسطينيين بالأرض والهوية الوطنية الفلسطينية، اعتقاده أو مقولته أن فرض الأمر الواقع يغير الوعي الفلسطيني أو يسهل من إمكان تغييره، مقولة ستلحق بأقوال من سبقه من زعماء الحركة الصهيونية الذين بنوا أحلامهم التوراتية على زرع اليأس في نفوس الفلسطينيين.

قالوا: «الكبار يموتون والصغار ينسون»، فماذا كانت النتيجة؟. الذاكرة الفلسطينية والقضية الفلسطينية حملتها الأجيال الفلسطينية ما بعد النكبة باقتدار وصمود وصلابة تدل على حيوية الشعب الفلسطيني وقوة إرادته، ما جرى لهذا لشعب المكافح، وكل ما تعرض له من مآس ونكبات ونكسات وتشرد ومعاناة ووعلى مدى أكثر من مئة عام من الصراع، رفع من وعيه الوطني، ومن يصنع ويصلب الوعي الوطني هو مؤسسات وطنية، مستمرة عبر الزمن قتل وتدمير بناه التحتية في ممارسة دورها على أكمل وجه، وإذا أراد «سموتريتش» ابتلاع فلسطين والقدس يترتب عليه ليس فقط تغيير وعي الفلسطينيين بل تغيير وعي كل الشعوب العربية والإسلامية، ولو أنه قرأ التاريخ واستوعبه لعلم أن محرري فلسطين والقدس قدموا من محيطها، فصلاح الدين انتقل من سوريا إلى مصر ومن هناك إلى القدس ليحررها، والظاهر بيبرس قدم من بغداد إلى الشام إلى مصر ثم إلى فلسطين… وهذه المرة نأمل أن تتحرر فلسطين على يد أحرارها، أو أنهم رأس الحربة في صنع النصر على الصهيونية.

خطة الحسم تريد أن تكرر في فلسطين مأساة السكان الأصليين لأمريكا، بحرب إبادة وترحيل يدعو لها «سموتريتش»، ومن وراءه حكومة نتنياهو العنصرية المتطرفة، إنكار سموتريتش وجود شعب فلسطين لا يغير حقائق التاريخ، شعب فلسطين حقيقة تاريخية مؤكدة بنضاله ودوام إقامته على أرضه دون انقطاع عبر آلاف السنين، يقول «سموتريتش»: ـ«الشعب الفلسطيني أساساً ما هو إلا حركة مضادة للحركة الصهيونية»، لقد قامت الحركة الوطنية الفلسطينية لحل التناقض الرئيسي مع الحركة الصهيونية، طبعاً ليس بتناقض مع اليهودية كدين، لذا نؤكد ما يقوله «سموتريتش» في هذه الجزئية: «لا مكان في أرض فلسطين -وليس أرض إسرائيل- لحركتين “وطنيتين” متناقضتين»، يعتبر سموتريتش الصهيونية «حركة تحرر وطني» ونعتبرها «حركة استيطانية استعمارية»، إذاً لا مجال لوجود الحركة الوطنية الفلسطينية مع الحركة الصهيونية، القدس خط أحمر بالنسبة لنا، وأورشليم خط أحمر بالنسبة للحركة الصهيونية، إنه تناقض تناحري باللون الأحمر القاني، وألوان علمنا ستخفق عالياً بسماء الحرية والاستقلال وتهزم الاستعمار، فالحتمية التاريخية تؤكد أن مصيره الهزيمة أمام إرادة الشعوب. يقول«سموتريتش»: «الحركة الوطنية الفلسطينية هي حركة معادية للصهيونية، وعلى هذا النحو، لا يمكنها صنع السلام معها. هذا هو السبب في أن الفلسطينيين يرفضون الحد الأدنى من طلب إسرائيل بحقها في الوجود كدولة يهودية»، إن الشاذ في عصر الحريات والديمقراطية ورفض التمييز العنصري أن تُطرح الدولة اليهودية أو يهودية الدولة، لتضع اليهود في مرتبة فوق الآخرين، في نظام أبارتهايد.

ومن وجهة نظره ومن أجل حلّ الصراع اليهودي الفلسطيني، فلا بد أن يكون هناك تعريف قومي واحد فقط غرب نهر الأردن، وهو التعريف اليهودي. لا توجد قومية فلسطينية. ومن ثم؛ لن يسمح «سموتريتش» بإقامة أي دولة عربية في قلب «أرض إسرائيل» تتمكن من تحقيق التطلعات القومية العربية هناك.

ليس فقط أحزاب التيار الديني القومي من يرفض إقامة كيانية فلسطينية وطنية تقود إلى دولة مستقلة، العلمانيون، والمتدينون بكل أطيافهم، يؤيدون ما يصرح به سموتريتش: بأن الفلسطينيين الذين يقبلون التخلي عن طموحاتهم الوطنية، سيُسمح لم بالبقاء، لكن لن يتمتعوا بـ«حقوق المواطنة» في «دولة إسرائيل»، ويسمح لهم بإقامة إدارة ذاتية لشؤونهم الحياتية، من خلال إدارات بلدية إقليمية، خالية من الخصائص الوطنية.

باختلاف التسميات «حكم ذاتي» أم «دولة ناقصة» أي دولة منزوعة السيادة، ليس لها جيش، ولا يحق لها الإشراف على الحدود البرية والجوية، يتفق سموتريتش مع نتنياهو في الجوهر على طبيعة الكيان الفلسطيني المقترح في الضفة الغربية، لكن خطة سموتريتش تقترح تفتيت هذا الكيان، على الطريقة الاستعمارية «فرق تسد» عقيدة سايكس بيكو، يقسّم «سموتريتش» الحكم الذاتي لفلسطينيي الضفة الغربية إلى ستّ حكومات بلدية إقليمية يتم انتخابها “ديمقراطياً”!!! وهي بلديات الخليل، وبيت لحم، ورام الله، وأريحا، ونابلس، وجنين، وليس بينها القدس، الهدف من التقسيم حسب سموتريتش، «تفتيت الجماعة الوطنية الفلسطينية والتطلعات إلى تحقيقها». مثل هذا الطرح يشبه ما طرحه حزب الليكود في العام 1978، فشكّل ـ«روابط القرى»، تحت عنوان التنمية وتقديم الخدمات والنُهوض بحياة المواطنين الفلسطينيين، وفشلت التجربة لرفض الشعب الفلسطيني هذه الروابط العميلة كقيادة بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية في المناطق المحتلة.

إذا كان المقترح دولة واحدة على أرض فلسطين الانتدابية، كيف يحل سموتريتش المسألة الديمغرافية؟. أو ما يسمى «القنبلة الديمغرافية»؟. والتخوف من وجود أغلبية ديموغرافية فلسطينية على أرض فلسطين التاريخية، بتشجيع الهجرة «الطوعية» عبر تقديم المساعدة المالية واللوجستية للراغبين بالهجرة من الفلسطينيين، إلى البلدان العربية أو إلى أي مكان آخر، لاسيما الفلسطينيين الذين سيجدون صعوبة في التخلي عن تحقيق تطلعاتهم القومية، فهم حسب قوله: «مدعوون للذهاب وتحقيقها في واحدة من العديد من الدول العربية المحيطة، أو البحث عن أنفسهم، مثل الكثير من العرب من حولنا، عن مستقبل أفضل في أوروبا وأمريكا الجنوبية أو دول أخرى، حتى لا يضطروا للعيش في الدولة اليهودية»، أما أصحاب التطلعات القومية الذين يرفضون الهجرة الطوعية، سيتم التعامل معهم بـ«الحسم الأمني والعسكري» باستخدام العنف المفرط، والضربات الأمنية المركزة.

في سياق البحث عن حلّ للصراع مع الفلسطينيين تبدو خطة سموتيرتيش بديلاً لـ«حلّ الدولتين» التي وصلت إلى طريق مسدود، وتوقفت عملية «السلام» القائمة على اتفاق أوسلو، والتي تجاوزتها إسرائيل ولم تلتزم بالاتفاقية وتملصت من بنودها وحلها النهائي، حيث يسعى «سموتريتش» من خلال خطته إلى استغلال ما حققته اتفاقية أوسلو، من إنجازات لصالح الاستيطان والبناء عليها، والقضاء على تطلعات شعب فلسطين بإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس.

لقد كافح الشعب الفلسطيني وقدم التضحيات، حتى نال الاعتراف العالمي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، ويريد سموتريتش أن يعيد الزمن إلى الوراء، ليس فقط إلى ما قبل أوسلو فقد تنصلت إسرائيل من استحقاقاتها وأجهضت مشروع الحل النهائي، فهل يستطيع إعادة العالم إلى ما قبل 1974 ليزعن لإنكاره وجود شعب فلسطيني؟. والتنكر لأبسط حقوقه في تقرير المصير على أرضه والتي ضمنتها الشرائع الدولية ؟. وهل يقبل العالم اليوم تنفيذ التهجير القسري؟. بعد أن ثبت فشل التهجير الطوعي للفلسطينيين، والذي سعت له الحكومات الإسرائيلية السابقة ولم تتغير على أرض الواقع الحالة الديمغرافية؟.

وإذ نتحدث عن ردود الفعل العالمية على خطة «سموتريتش» للحسم، فالأولى أن تقوم السلطة الفلسطينية بدورها في التصدي لهذه الخطة بالتحلل من اتفاقات أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي، وتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي بخصوص وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، والعمل على إنجاح اجتماع الأمناء العامين في 30 تموز/يوليو القادم وإنهاء الانقسام السياسي، والتوافق على مشروع وطني لتفعيل المقاومة بكل أشكالها والتصدي لعصابات المستوطنين واجتياحات الجيش الإسرائيلي وسياسة الاغتيال والاعتقال.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here