خلاف ساكو – ريان سيعالج.. ولكن ماذا عن الاسباب والنتائج

المحامي وديع شابا

التصعيد الاعلامي ينتهي بالمعالجة..
كما كل الخلافات السياسية فانه في نهاية المطاف، الذي قد تقترب او تبتعد، تبعا للخلاف واطرافه واللاعبين المؤثرين او المتاثرين به، فان الخلاف السياسي بين البطريرك الكلداني لويس ساكو والمتنفذ الكلداني ريان سيحل ويعالج بطريقة كل الساسة حيث يخفض كل طرف سقف مطالبه وصولا الى حل يقبل به الطرفين.
وكما كل الاعلام السياسي فان كل طرف وهو يخوض الصراع يسعى الى اقناع جمهوره والاخرين بعدالة قضيته وشرعية مطالبه مرورا بتسقيط المقابل واتهامه بسيل من التهم يمتزج فيها الصحيح والمغلوط، الحقيقي والمفبرك، فالاعلام السياسي لم يكن يوما، وعبر العالم، اعلاما نزيها شفافا فكيف بالاحرى يكون في العراق.
مساحة التضليل والفبركة في اعلام طرفي الصراع هي اكثر من مساحة الحقائق عن جوهر الصراع حيث يتعمد الطرفين، وبخاصة البطريرك، اخفاءه وانكاره ويتعمد الباس الصراع لبوسا واحدا ويحدده بموضوع المرسوم الجمهوري ويقوم بتوظيف العناوين الكبيرة من قبيل: “مرسوم جمهوري” و”مرجعية دينية” و”سحب تعيين” و”الكاردينال المعين من الفاتيكان” “سابقة تاريخية” “اضطهاد من الدولة” وغيرها التي توجه القارئ الذي لا يعلم بتفاصيل الموضوع وابعاده وخلفياته وجهة واحدة محددة فقط وهي ان هناك تجاوزا لا يمكن التسامح معه على مرجعية دينية كبيرة في الشرق حيث المرجعيات الدينية لها مقاماتها وكراماتها، وان هذا التجاوز هو استمرار للمظالم التي يعيشها مسيحيو الشرق والعراق. خاصة وان الاعلام البطريركي العبثي واللامسؤول يريد متعمدا توجيه المتابعين بهذا الاتجاه ليحصل منهم على عدد كبير من برقيات التضامن والدعم الخارجي، واعداد اخرى من المقالات لكتاب لا يعرفون من الموضوع سوى “سحب المرسوم من كاردينال بتاثير مليشيا مشيطنة”.
حتى بلغت عبثية البطريرك وافتقاره المسؤولية ان يذهب مديات لا يمكن التسامح معها حين لعب لعبة خطيرة جدا حيث ساوى بين سحب المرسوم الجمهوري وداعش!!! تصريح خطير جدا من بطريركية تدعي المسؤولية تجاه مسيحي العراق.
تحشيد الدعم الاعلامي لا تاثير له على مجريات الاحداث والوقائع سوى اشباع نرجسية البطريرك وحب الذات المفرطة عنده والتي بلغت حالة المرض حتى انه ومن متابعات اعلامه بات لا يحاور الا نفسه وبصوت عالي وفي الفضاء المفتوح حيث بات يعتقد انه الآمر والناهي في الكنيسة والشعب المسيحي والدولة العراقية، وان كل الامور هو من يتحكم بها وعلى الاخرين قبولها والسير بها فهو وحده يمتلك الحقيقة المطلقة.

بين ساكو وريان..
اخلاقيا وعمليا لا مجال للمقارنة والمفاضلة بين الكنيسة وبين حركة بابليون.. الكنيسة وجود ودور تاريخي ورسالة من القيم الفضلى من المحبة والسلام والاحترام.. وبابليون حركة سياسية عابرة وعليها الكثير من المآخذ السلوكية التي تجعل الافراد والمؤسسات يفكرون الف مرة ومرة قبل اعطاء اية رسالة او موقف يفسر على انه تقارب منها.
واخلاقيا وعمليا ايضا، فانه لا مجال للمقارنة بين البطريرك ساكو وريان كلداني.. فالبطريرك انسان اكاديمي وله مكانة في العديد من المؤسسات والهيئات الوطنية والدولية وفي مقدمتها الفاتيكان، بينما ريان كلداني حالة طارئة وشخص مليشياوي مصنف ارهابيا لدى البعض ومرفوض مجتمعيا ومن المسيحيين في المقام الاول.
ولكن..
في المواقف والاداء الاعلامي والمؤسساتي فان الكفة ترجح كثيرا لصالح ريان وبابليون حيث التزموا التصريحات الاعلامية الرزينة والمسيحانية مقابل تصريحات كارثية شكلا ومضمونا وصياغة ومفردات لا تليق بالبطريركية مما جعلها امام اتهام قانوني لا تحسد عليه. مثلما يدعون الى التعامل القانوني بما هو لهم او عليهم، مقابل الاداء الفوضوي للبطريركية.

المواقف داخل العراق
في العراق، فان الرئاسة ليس لم تغير موقفها قيد انملة فحسب، بل وتجاوزت وجود ساكو وصيحاته. وهل يتوقع البطريرك من الرئاسة ان تتغير وهو يكيل اليها التهم ويسيئ اليها وينتقص منها ويهينها بشتى الكلمات والتصريحات شبه اليومية ومن على جميع المنابر ومنها من على منبر الكنيسة، فعلى العكس تماما فان الرئاسة ستزداد اصرارا وتمسكا بموقفها في وجه هذه الاساءات.
ورئيس البرلمان ورئيس الوزراء ورئيس القضاء لم يكلفوا انفسهم حتى عناء تصريح دبلوماسي رقيق من عدة جمل، كما نقول بالعراقي: طنشوا. فهم لا يجدون انفسهم ملزمين ما دام ساكو لم يملك الحكمة للتواصل وراء الستار معهم ومنذ بدايات الامور، وقرر التوجه الى الاعلام والاساءات والتهم، فكيف يتوقعهم ان يقولوا شيئا ولو دبلوماسي وهو الذي يهدد الدولة العراقية بالتدخل الخارجي والالتجاء الى القضاء الدولي وغيرها من التهديدات العبثية التي لا يمكن لعاقل ان يعقل معقوليتها.
ان الرئاسات الاربعة (الجمهورية، البرلمان، الحكومة، القضاء) باتوا لا يجدون فيه الا شخص نرجسي عبثي كل ما عنده هو انه بطريرك. ومن غير المستبعد ان يكونوا، ومن حرصهم على المرجعيات الكنسية والعلاقة مع الفاتيكان، قد تواصلوا مع الفاتيكان لوضعهم في التفاصيل واساءات وتصرفات البطريرك.
القوى السياسية الشيعية الكبيرة تتصرف وكانه ليس هناك شيء يستحق ولو عدة كلمات بروتوكولية.
كيف يتوقع البطريرك منهم ذلك وهو حدد خياره السياسي وتخندق في الضفة المقابلة. فمن التجاءه الى اربيل واتهامه لبغداد، حيث تحكم هذه الاحزاب، بانها تهين وتهجر واربيل تحتضن وتحتفي، الى دعوته المتكررة بعودة الصدر الى الحكومة وغيرها من المواقف السياسية التي لا يمكن للسياسيين الشيعة تجاوزها لمجرد انها صادرة عن بطريرك.
حتى المرجعية الشيعية لاية الله السيستاني ورغم ان البطريرك ساكو كان برفقة البابا في زيارته التاريخية لها ولقاءه بالسيستاني ورغم العلاقة القائمة له مع ساكو الا انه تفادى هو ووكيله والمتحدث باسمه اية اشارة او موقف واكتفى بان مصدرا او موظفا في مكتب السيستاني اتصل بالبطريرك.
وبقية المرجعيات الشيعية الاخرى ايضا لم تصدر اي موقف.
وسكوت الرئاسات والمرجعيات السياسية والشيعية لا يمكن تفسيره انه حياد بل هو موقف واضح برفض تصريحات وتصرفات ساكو.

المواقف الكنسية العراقية..
وتكشفت المواقف تباعا في العراق لتشمل مواقف داخل البيت المسيحي، وفي مقدمته البيت الكلداني حيث يتبين يوم بعد اخر ان الكنيسة الكلدانية لا تتحدث بصوت واحد وليس لها موقف موحد مع بطريركها.
فهناك من الاساقفة من التزم السكوت وهو بسكوته الطويل عن الاحداث انما يسجل موقفا رافضا لها.
وهناك من اعلن رفضه بلياقة وحكمة حين تحدث شارحا حيثيات الموضوع وامكان معالجته ورافضا التهويل والتصعيد.
وحتى مواقف من اعلن من الاساقفة موقفه فان معظمها وبشكلها وتوقيتها تبدو انها من قبيل “كفيان الشر” اكثر من كونها قناعة والتزام مبدئي بموقف البطريرك.
وهذا التباين مع موقفه بين اساقفته، بالاضافة الى نرجسيته، هو ما جعله لم يدعو الى اجتماع الاساقفة منذ بداية الازمة والى اللحظة لكونه يعلم يقينا انه في الاجتماع ووراء الابواب الموصدة سيسمع ما لا تتحمل شخصيته سماعه.
حتى ان الاجتماع المخطط في نهاية آب قد الغاه سلفا.
والى جانب الانقسام في الموقف الكنسي الكلداني، فان الكنائس العراقية هي الاخرى كان لها مواقف مختلفة تراوحت بين السكوت الذي يعطي رسالة، الى رسائل فيما بين سطورها ما فيه من رسائل، الى رسالة بالغة الوضوح في مضمونها وشكلها وصراحتها وقسوتها ارسلها الشريك الكاثوليكي للبطريرك الكلداني، البطريرك اغناطيوس يونان بطريرك الكنيسة السريانية الكاثوليكية وهي من الكنائس الكبرى في العراق. فالبطريرك يونان قال ما يعرفه الجميع وتفادوا قوله.. قال ما يجب ان يقال في هكذا لحظات ومنعطفات تحدد المسارات.
قالها لاخيه ساكو ومن موقع الشراكة الكنسية الكاثوليكية والمسيحية والوطنية: توقف عن السياسة وارجع واحترم موقعك البطريركي. وتوقف عن التصريحات المسيئة والضجيج الاعلامي واعمل كمؤسسة. وحينها فقط تحفظ لك الكرامة البطريركية وتصان من الجميع ومن بينهم المرجعيات الوطنية العراقية.

المواقف السياسية المسيحية..
باستثناء الواجهات الكلدانية السياسية التي خلقها البطريرك لتكون ذراعه في تحقيق طموحاته السياسية فان أيا من الاحزاب السياسية المسيحية في العراق لم يقل شيئا في رسالة رفض واضحة منهم لتدخلات البطريرك السياسية الطويلة والسابقة لصراعه السياسي حالي مع ريان والتي هي من اهم اسباب وخلفيات الازمة.

المعالجة قادمة..
مع انسداد الطريق امام البطريرك في فرض ارادته ومطالبه على الرئاسة والدولة العراقية بكل ما تضمنته من انتقاص واساءات للمقامات الدستورية ومع المواقف المعلنة ومابين السطور الرافضة لتصرفاته، ومع الحوار وتبادل الراي بين رئاسة الجمهورية ومجلس رؤساء الطوائف في اللقاء المشترك بينهم والتوجه نحو عمل مشترك بين الطرفين يتناول موضوع المرجعيات الدينية وعلاقتها مع الدولة وغيرها، بدأ البطريرك يدرك انه حشر نفسه في زاوية ضيقة فبدأ محاولات الخروج منها وكانت خطوته الاولى التراجع التدريجي عن مطالبه والتوجه الى رئاسة الجمهورية (اورئاسة الوزراء وطلب تدخلها في ان يكون امرها الديواني بديل عن المرسوم الجمهوري وهذا بحد ذاته علامة واضحة للتراجع) لاستصدار مرسوم جمهوري بديل.
مسعاه، ورغم انه يشكل بداية التراجع والبحث عن مخرج يحفظ ماء وجه البطريركية، فان النرجسية فيه واضحة تماما.
حيث يحصر المرسوم بنفسه وشخصه في حين ان جميع الكنائس العراقية لها ذات الشخصية المعنوية ولها مرجعيات بينها على الاقل اثنتان بطريركية لم يصدر لهما الرئيس مرسوم جهوري (الكنيسة الشرقية الاشورية والكنيسة الشرقية القديمة).
وحيث توجه الى رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ليملي عليهم نص المرسوم او الامر الديواني وكانهم تلاميذ في صف ابتدائي وهو معلمهم، حيث طالب رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء مجرد ملء الفراغات (العدد، تاريخ الاصدار) في مرسوم جمهوري صاغه هو. فهل هناك من نرجسية اكثر من هذا. وهل هناك من احتقار واستصغار لمقامات دستورية وطنية اكثر من هذا.
كان يمكن له ان يقترح مضمون للمرسوم وليس نص له.
هذه النرجسية والكارثة الاعلامية والافعال والتصريحات العبثية للبطريرك ساكو في الوقت الذي دعمته فيسبوكيا واستجلبت له برقيات ومواقف من خارج الحدود، فانها عزلته واسقطته داخل العراق حيث يجب ان تعالج الامور.
كوارث تلحق كوارث في الاداء البطريركي..
بل وحتى مقترح المرسوم ياتي في نهاية صفحة طويلة من الاساءات والى موقع الرئاسة واتهامها بانها رهينة مليشيا وبانها خاضعة لارادة اربعة نواب..
في جميع الاحوال فان الازمة في طريقها للمعالجة من باب الحوار الحاصل بين الرئاسة ومجلس رؤساء الكنائس ومن باب رضوخ البطريرك والتراجع عن مطالبه التي لاقت عدم الاكتراث بها من قبل الداخل العراقي دولة وسياسيين ومرجعيات من بينها المسيحية ايضا.

للمقال تتمة..
ماذا عن الاسباب والنتائج

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here