العولمة: مالها وماعليها

ترجمة: هاشم كاطع لازم – أستاذ مساعد – كلية شط العرب الجامعة – البصرة
تأليف: مايك كولنز Mike Collins (كاتب أمريكي)
أشارتقرير أخباري نشرته صحيفة الواشنطن بوست أن (العولمة قبل 20 عاما كان ينظراليها باعتبارها أستراتيجية تسعى لتطوير مختلف مناحي الحياة في البلدان الغنية والفقيرة معا. وفي كل من الولايات المتحدة وأوربا كان المستهلكون يحصلون على المواد رخيصة الثمن التي كان يصنعها ناس يعيشون على بعد آلاف الأميال منهم ويحصلون على أجور أقل بكثير مما يدفع أليهم. وبمرور الوقت بدأت الحواجز التجارية تختفي شيئا فشيئا مما سهّل الدعم لمزيد من التوسع متعدد الجنسيات وتحقيق المزيد من المكاسب الأقتصادية صاحبه ازدهار للتعاون الجيوسياسي.
ولاشك أن العولمة حققت فوائد للكثير من الدول النامية التي أصبح بمقدورها الآن الوصول ألى أسواقنا وكذلك تصدير بضائعها الرخيصة.كما عادت الفائدة أيضا على الشركات متعددة الجنسيات وكذلك (وول ستريت).لكن العولمة لم تحقق الفائدة للطبقة العاملة من الكادحين ومن الموظفين الذين يعملون في المكاتب. ومن ثم أدت ألى تراجع الصناعة في أمريكا على نحو مستمر.
وتتسم العولمة بالتعقيد لذا لابد من تسليط الضوء على الآراء المؤيدة لها والآراء المناهضة لها قبل التوصل الى أية استنتاجات.
المؤيدون للعولمة
يرى دعاة العولمة أنها تمتلك الأمكانيات التي يمكن ان تجعل من عالمنا مكانا أفضل للعيش. كما أنها تساعد على حل بعض المشاكل العويصة مثل البطالة والفقر.
1. من المفترض أن تؤدي التجارة الحرة الى تقليل الحواجز بين الدول مثل التعريفات الجمركية وضرائب القيمة المضافة VAT والأعانات المالية وغيرها من الحواجز. وهذا الرأي غير صحيح فما تزال هناك الكثير من الحواجز أمام التجارة الحرة. في هذا الخصوص يشير التقريرالأخباري لصحيفة الواشنطن بوست الى أن (المشكلة تكمن في أن مجموعة الدول العشرين G20 الكبرى أضافت اكثر من 1.200 من القيود على الصادرات والواردات منذ عام 2008.
2. يرى مناصرو العولمة أنها تمثل التجارة الحرة التي تشجع النمو الأقتصادي العالمي وتستحدث الوظائف وتشجع المنافسة بين الشركات وتخفض أسعار السلع على المستهلكين.
3. من المفترض أن تؤدي المنافسة بين الدول الى تخفيض الأسعار.لكن الأمرليس كذلك في العديد من الحالات لأن البلدان تضارب بعملاتها للحصول على ميزات في السعر.
4. تتيح العولمة للبلدان الفقيرة الفرصة لتحقيق التطور الأقتصادي وتحقيق الرفاه الأجتماعي وكذلك تهيئة الظروف التي تساعد على أزدهار الديمقراطية وأحترام حقوق الأنسان وذلك من خلال تدفقات رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا. لكن هذا الهدف يبدو مثاليا لأنه لم يتحقق في غالبية البلدان.
5. من منظور دعاة العولمة ينبغي أن تكون العولمة متلازمة مع الديمقراطية، كما ينبغي أن تجسد توجها أقتصاديا لاتشوبه شائبة وأن لاتكون لها أهداف أستعمارية.
6. يوجد في الوقت الحاضر سوق عالمي للشركات والمستهلكين الذين بمقدورهم الوصول الى منتجات مختلف البلدان.
7. هناك قوة عالمية تتشكل تدريجيا بدلا من القوى المجزأة ، والسياسة تشهد عملية اندماج وأن القرارات التي يتم اتخاذها تعود بالفائدة ، في الواقع، على الناس في مختلف أرجاء الأرض. غير أن الواقع يشير ألى أن مثل وجهة النظر هذه تتسم بالخيالية اذا أخذنا في الحسبان مايحصل بالفعل.
8. في ظل العولمة هناك المزيد من تدفق المعلومات بين البلدان التي لاتجمعها روابط مشتركة.
9. هناك تلاقح حضاري حيث بدأ كل بلد يعرف المزيد عن الحضارات الأخرى.
10.نظرا لوجود مصالح مالية متبادلة بين الدول بدأت الشركات والحكومات تتعاطى مع المشاكل البيئية للدول الأخرى ، لكن الملاحظ أن أغلب مايحصل هو أقوال أكثر منه أفعال.
11. من الناحية الأجتماعية أصبحنا أكثر أنفتاحا وتسامحا مع بعضنا البعض ، ولم يعد الناس الذين يعيشون في الجزء الآخر من العالم بمثابة غرباء.
12.ينظر غالبية الناس الى السفر السريع وأنماط الأتصال الكثيرة وأنتشار المعلومات السريع من خلال الأنترنت على أنها من الفوائد التي جاءت بها العولمة.
13. بمقدور العمال أن ينتقلوا من بلد الى بلد آخر بهدف تسويق مهاراتهم ، لكن مثل هذا الأمر يمكن أن يتسبب في مشاكل مع الطبقة العاملة في البلد والى تخفيض الأجور.
14. أن نقل التكنولوجيا الى البلدان النامية سوف يساعدها على التقدم. وهذا الأمر يصح مع الدول الصغيرة ، غير أن سرقة التكنولوجيا العائدة الينا وكذلك بروتوكول الأنترنت IP اصبح مشكلة كبيرة مع منافسينا الكبار مثل الصين.
15. تعمل الشركات متعدية الحدود ، التي تستثمرمن خلال تشييد المصانع في الدول الأخرى، على توفير فرص العمل لمواطني تلك الدول وبذا تساعد في أبعادهم عن الفقر.
16. مكنت العولمة البلدان من الموافقة على أتفاقيات التجارة الحرة مثل (نفتا) NAFTA وكورس / كوريا الجنوبية South Korea Korus و تي بي بي TPP(معاهدة الشراكة عبر الأطلسي). غير أن تلك الأتفاقيات كانت على حساب الكثير من الوظائف في الولايات المتحدة كما أنها ساعدت على أحداث عجز تجاري.
المعارضون للعولمة
+ الشكوى العامة من العولمة أنها جعلت الغني أكثر غنى بينما جعلت غير الغني أكثر فقرا. ولذلك (تحظى العولمة بالترحيب والأهتمام من لدن المدراء وأصحاب الشركات والمستثمرين لكنها مثل الجحيم بالنسبة للعمال والطبيعة).
+ من المفروض ان تتعلق العولمة بالتجارة الحرة حيث ترفع الحواجز بمجملها، لكن الواقع يشير الى وجود الكثير من تلك الحواجز. فعلى سبيل المثال فرض 161 بلدا ضرائب قيمة مضافة على الواردات التي تصل حدا مرتفعا يبلغ 21.6% في أوربا. أما الولايات المتحدة الأمريكية فلا تفرض مثل هذه الضرائب.
+ أن أكبر مشكلة تواجه الدول النامية هي فقدان الوظائف وانتقالها الى بلدان أخرى. فعلى سبيل المثال أشارت التقديرات التي توصل اليها روبرت سكوت Robert Scott الذي يعمل في (معهد السياسة الأقتصادية) Economic Policy Institute الى أن منح الصين الدولة المفضلة أدى الى الغاء 3.2 مليون وظيفة من بينها 2.4 مليون وظيفة أنتاجية. كما أنه يوعزماتحقق من فقدان للوظائف في الولايات المتحدة الى العجز التجاري مع اليابان (78.3 مليار دولار في عام 2013) بخسارة 896 ألف وظيفة ، أضافة الى 692.900 وظيفة من جراء العجز التجاري مع المكسيك أبتداء من عام 1994 لغاية 2010.
+ يواجه العمال في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة مطالب بقطع الأجور من جانب أصحاب العمل الذين يهددونهم بتصدير الوظائف، الأمرالذي خلق ثقافة خوف للكثير من عمال الطبقة الوسطى الذين لايملكون النفوذ الكافي في مثل هذه اللعبة العالمية.
+ تمتلك الشركات الكبرى متعددة الجنسيات القدرة على أستغلال الملاذات الضريبية في البلدان الأخرى من أجل تفادي دفع الضرائب.
+ تتهم الشركات متعددة الجنسيات بعدم العدالة الأجتماعية وفي توفير أجواء عمل غير مناسبة (منها الأجور المتدنية وظروف العمل والعيش)، فضلا عن عدم الأهتمام الكافي بالبيئة وسوء أدارة الموارد الطبيعية والضرر البيئي.
+ بدأت الشركات متعددة الجنسيات ، التي أقتصر دورها في السابق على النشاطات التجارية، تعزز دورها تدريجيا فيما يخص القرارات السياسية. ويرى كثيرون وجود خطر من أن تحكم تلك الشركات العالم لأنها تعزز بشكل مستمر قوتها ونفوذها بسبب العولمة.
+ أن تصنيع المنتجات خارج البلاد وفي بلدان مثل الصين تعرّض تقنياتنا للخطر بسبب أمكانية نسخها أو سرقتها ، وهو أمريحصل بسرعة.
+ يدّعي مناوئو العولمة أنها لاتعمل لصالح غالبية الناس ففي خلال الفترة المتأخرة جدا من النمو السريع في كل من التجارة العالمية والأستثمار (1960-1998) أزدادت حالة اللامساواة سوءا على النطاقين العالمي وعلى مستوى البلدان. ويورد برنامج الأمم المتحدة الأنمائي UN Development Program أن أغنى 20% من سكان العالم يستهلكون 86% من موارد العالم فيما يستهلك الفقراء الذين تصل نسبتهم الى 80% مالايزيد عن 14% فحسب!
+ يرى الخبراء أن العولمة تؤدي الى انتشار الأمراض السارية ، فقد أنتشرت أمراض خطيرة مثل أل AIDS و HIV الى أبعد بقاع الأرض بسبب السفر.
+أدت العولمة الى استغلال العمال فالسجناء والأطفال يستغلون للعمل في ظروف غير أنسانية حيث يتم أنتاج بضائع رخيصة على حساب معايير السلامة.كما أن هناك زيادة في عمليات تهريب البشر.
+ تخضع خطط الرفاهية الأجتماعية أو (شبكات الأمان) الى ضغوط كبيرة في الدول المتقدمة وذلك بسبب مظاهر العجز وفقدان الوظائف وغيرها من تفرعات العولمة.
أن العولمة هي بمثابة تسونامي أقتصاي يكتسح كوكب الأرض ولايمكننا أيقافه ، غيران هناك الكثير من الأجراءات التي يمكن أن نقوم بها لأبطاء حركتها وجعلها اكثرأنصافا.
المتطلبات
القيادة: نحن في حاجة الى سياسيين لديهم الأرادة لمواجهة المحتالين. ولعل واحدة من أكبر المشاكل التي تواجهنا هي أن سبعة من شركاءنا التجاريين يتلاعبون بعملاتهم للحصول على مزايا سعرية غير عادلة تساعدهم على زيادة صادراتهم وتقليل وارداتهم. ومثل هذا الأمر يفتقر الى الشرعية في ظل أحكام (منظمة التجارة العالمية) WTO ، الأمر الذي يقتضي فرض نوع من الضرائب على صادراتهم الى أن يتخلوا عن الأحتيال.
التجارة المتوازنة: بمقدورغالبية شركاءنا التجاريين أن يعملوا على موازنة ميزانياتهم التجارية وأن يحققوا فائضا في هذا الشأن. ونحن من جانبنا لم نبذل أي جهد لموازنة ميزانيتنا التجارية وتحملنا عجزا لأكثر من 30 عاما أدت الى عجز بلغ 11 تريليون دولار. لذا يعتبر العجز التجاري أكبر مؤثرعلى فقدان الوظائف في أقتصادنا وخاصة الوظائف الأنتاجية.عليه لابد ان تقوم الحكومة بتطوير خطة للبدء في موازنة عجزنا التجاري رغم ان مثل هذا الأمر لايشكل أولوية سياسية لأي من الحزبين الحاكمين.
الأتفاقيات التجارية: ربما تكون اتفاقيتا (نفتا) و (كورس/ كوريا الجنوبية) التجاريتين مفيدتين ل (وول ستريت) وكذلك للشركات متعددة الجنسيات ، لكنهما أدتا الى ألغاء الوظائف داخل الولايات المتحدة وجعلتا العجز التجاري أكثر سوءا. وسوف تؤدي (ألأتفاقية التجارية عبر الباسيفيكي) القادمة Trans Pacific Trade Agreementالى النتيجة ذاتها. ويتعين على الكونغرس أن لايسارع بأقرار مثل هذه الأتفاقية السيئة لأسباب عديدة.
فرض القوانين
تتجاهل الصين تماما القوانين التجارية وكذلك قوانين منظمة التجارة العالمية ، فأضافة الى المضاربة بالعملة تقوم بتقديم الدعم المالي للشركات التي تمتلكها الدولة من أجل أستهداف أسواقنا وتعمد الى تمويل الشركات الحكومية التي تقوم بأغراق السوق الأمريكية بالسلع. وتقوم أيضا بسرقة التكنولوجيا الأمريكية وتبيع نسخا مزورة لمنتجاتنا وتفرض تعريفات وتضع حواجز أخرى بأي وقت تشاء لأننا لانتخذ أية أجراءات لأيقافهم. لذا لاتستحق الصين أن تكون الدولة الفضلة لدينا وعلينا فرض الضرائب على صادراتهم ألينا الى أن يتوقفوا عن تلك النشاطات غير الشرعية.
وما ثبتت فائدته في دول العالم الثالث مثل كينيا أوالبلدان ذات النمو الهائل مثل الصين لم يكن كذلك بالنسبة للعمال الأمريكيين.أن العولمة تعمل على جعل الصناعة تتراجع في أمريكا حيث أننا مانزال نواصل الأستعانة بالآخرين فيما يتعلق بالعاملين. لقد أعتبر مناصرو العولمة أنها مفيدة لأنها ساعدت في الحصول على بضائع مستوردة ذات أسعار متدنية لكنهم لم يلتفتوا الى تدني أجور أبناء الطبقة الوسطى ولم يكترثوا بفقدان الكثير من الوظائف التي تعتاش عليها العائلات.
يبدو الأمر أذن وكأن العولمة قد غمرت بكتلة جليدية ضخمة ، فأنت لن تستطيع أيقافها أنما يمكنك أن تسبح في الجليد فحسب وأن تتطلع الى البقاء على السطح. وأنا أرى أن على الولايات المتحدة أن تبذل المزيد من الجهد للسباحة في الجليد والبقاء على السطح. نحن لانتمكن من أيقاف حركة العولمة لكن هناك الكثير من السياسات والأستراتيجيات التي يمكن تبنيها لجعلها أكثر أنصافا. بأمكاننا أن نفرض القوانين التجارية وأن تتحكم مثل هذه القوانين بالمنافسة وان نمتنع عن أعطاء منافسينا الأدوات اللازمة (التكنولوجيا والبحث والتنمية R & D) ليتسنى لهم في نهاية المطاف كسب الحرب العالمية.
www.forbes.com/sites/mikecollins/2015/05/06/the-pros-and-cons-of-globalization/?sh=7d401545ccce

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here