لا صلاحيات ولا مخصصات لمن يشغلون مواقع المسؤولية بالوكالات !!

باسل عباس خضير

عشرون عاما مرت والبلد يعاني من مشكلة لم تعالجها كل الحكومات ، فاغلب المناصب والمسؤوليات تدار بالوكالة سواء بدرجة مدير عام او وكالات الوزارات او رئاسة الهيئات وغيرها من الدرجات ، وهي مشكلة شخصت من قبل القيادات و الحكومات التي جاءت بعد 2003 وكلها وعدت بمعالجتها ولكنها باقية لحد اليوم ، وواقع الحال إن الكثير من المواقع لا تشغل أصالة وإنما بالوكالة وتسيير الأعمال مما يؤثر على مستويات وجودة الأداء ويعده البعض واحدا من الأسباب الكبيرة للإحباط ولضعف الأداء ومن دوافع الفساد الذي اخذ يتوطن في البلاد ، والمناصب بالوكالات لها جانبين ، أولها تغبن حق النزيهين والأكفاء في الحصول على كامل الصلاحيات والاطمئنان في تنفيذ ما عليهم حيث يمتلكون الرغبة والقدرة ولكنهم قد يخضعون للتغيير بالمزاج ، والجانب الثاني هو إسناد الأعمال لأشخاص غير أكفاء خارج قاعدة الشخص المناسب في المكان المناسب بناءا على أملاءات واتفاقات حزبية او طائفية توفر لهم الحصانة من الوقوع بالأخطاء حتى وان تسبب هدرا في الإمكانيات ، كما إن هناك جانب آخر يلمسه البعض وهو تدوير بعض الأسماء من مكان لمكان ليس على أساس الاستحقاق والانجاز وإنما استنادا لأمور ومنافع لا ترتبط بمعيارية موضوعية في الاختيار والتعيين ، والبعض من هؤلاء يكررون منذ عشرون عام او لمرات رغم ما يشكله بعضهم من عبء على البلاد والعباد ، وما يجري في تلك المناصب ليس بخاف عن احد فالناس يعرفون انه نتاج المحاصصة المقيتة التي تعيق تقديم ما يجب من المتطلبات رغم إنفاق أكثر من تريليون دولار خلال هذه السنوات .
وبعد أن تشكلت حكومة السيد محمد شياع السوداني ، تولد الأمل لدى البعض بان يعالج موضوع الوكالات في المناصب والمسؤوليات ، رغم علم الجميع إنه ليس بمعزل عن التأثيرات كون اختياره ولد من رحم اتفاق سياسي يعني تقاسم الأمور على الأسس التي سادت منذ ( التغيير ) ، والفارق في هذه الحكومة إن رئيسها عايش العديد من المناصب وتولدت لديه الخبرة في تشخيص أمراض ومعاناة الجهاز الإداري وسبل معالجتها وفعلا وضع تقييم المناصب ضمن الأسبقيات في البرنامج الحكومي ، وعند توليه المسؤولية شرع بتشكيل اللجان المختصة بتقييم الأداء بضوء معايير تم الاتفاق عليها لتحديد من يستحق التحول للأصالة ومن عليه الخروج ، كما اصدر سياقات تقضي بمكافأة المتميز ومعاقبة من يتولى المسؤولية أصالة بوضعه بدرجة ادني عند إخفاقه وعدم إثبات الجدارة للتحفيز في إثبات الكفاءة في الأداء ، ولأسباب لم يعرفها ( السوداني ) فقد أضافت اللجان المعنية في مجلس النواب المادة ( 71 ) في قانون الموازنة الاتحادية لعام 2023 ونصت على ( تلتزم الحكومة بإنهاء إدارة مؤسسات الدولة كافة بالوكالة في موعد أقصاه 30/ 11 / 2023 ، على أن تقوم الدائرة المعنية بإيقاف جميع المخصصات المالية والصلاحيات الإدارية في حالة استمرارها بعد التاريخ المذكور أعلاه ، وعلى مجلس الوزراء إرسال المكلفين بمناصب رؤساء الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة ( أ، ب ) ووكلاء الوزارات والمستشارين إلى مجلس النواب قبل ثلاثين يوم من التاريخ أعلاه ، ويلتزم مجلس النواب باتخاذ القرار بالتصويت خلال 30 يوم من تاريخ إرسال الأسماء ) ، واستنادا للصلاحيات التي وردت في الدستور ونظرا لنشر قانون الموازنة الاتحادية في جريدة الوقائع العراقية بعددها 4726 في 26 حزيران 2023 ، قدمت رئاسة مجلس الوزراء طعنا لدى المحكمة الاتحادية ، أشارت فيه لقيام مجلس النواب بإدراج وتعديل وإضافة مواد وفقرات في مشروع قانون الموازنة الذي قدمته الحكومة بما يشكل مخالفة دستورية من الناحيتين الشكلية والموضوعية وكذلك مخالفة ما استقر عليه القضاء الدستوري في العراق ، ومن المواد التي تم الطعن بها المادة ( 71 ) حيث جاء في نص الطعن إن موضوع عمل المكلفين بالوكالة تم حسمه من خلال البرنامج الحكومي الذي اقره مجلس النواب ، وهذا يعد تدخلا بمهمات السلطة التنفيذية وخرقا لمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة 47 من الدستور بوصفه شانا تنفيذيا بحتا خلافا لاختصاصات مجلس النواب ، وبتاريخ 7 / 8 / 2023 نظرت المحكمة الاتحادية العليا بالدعوى المرقمة (153/اتحادية/2023) المقامة أمامها من المدعي ( رئيس مجلس الوزراء/ إضافة لوظيفته ) ضد المدعى عليه ( رئيس مجلس النواب/ إضافة لوظيفته ) الخاصة بالطعن بمواد من القانون رقم (13) لسنة 2023 ((الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنوات المالية (2023، 2024، 2025)) ، وأصدرت قرارها البات والملزم للسلطات كافة والمتضمن الحكم برد الطعن الذي قدمته الحكومة حول نصوص بعض المواد ومن بينها المادة 71 من قانون الموازنة الاتحادية ، ويعني ذلك من الناحية الدستورية والقانونية بقاء النص في قانون الموازنة و إن الحكومة الحالية ملزمة بما يأتي :
– إنهاء إدارة مؤسسات الدولة كافة بالوكالة في موعد أقصاه ( 30 / 11 / 2023 )
– إرسال المكلفين بمناصب رؤساء الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة ( أ ، ب ) ووكلاء الوزارات والمستشارين إلى مجلس النواب قبل 30 ( ثلاثين ) يوم من التاريخ أعلاه
– إيقاف جميع المخصصات المالية والصلاحيات الإدارية للوكالات في حالة استمرارها بعد التاريخ أعلاه
والمدة التي تفصل تاريخ ( اليوم ) والموعد المحدد في 30 / 11 / 2023 هي ثلاثة أشهر لتعيين المدراء العامين من قبل مجلس الوزراء وشهرين لترشيح من سيشغلون الدرجات الخاصة ، وما يتبادر عند ذهن المتابعين هل ستكون الحكومة قادرة على تنفيذ ما ورد في التوقيتات التي حددها قانون الموازنة كونه ملزم لها ولا يمكن النكول به ؟، وهل يمكن تأجيل او تمديد هذا الموعد وبأية طريقة يتم ذلك ؟ ، ومن الناحية العملية فان من الصعب قيام الحكومة باستبدال المناصب من الوكالة للأصالة لا في هذا الموعد ولا خارجه لأسباب عديدة يعرفها الكثير ، أولها إن بعض المناصب تخضع لتوافقات ، وثانيها إن عدد المشمولين بالتغيير كبير وعددهم بالآلاف ، وثالثها إن التغيير بالمناصب ربما يتقاطع مع المواعيد المحددة لانتخابات مجالس المحافظات والتي من المقرر أن تجري في 18 كانون الأول المقبل ، إذ إن نتائج هذه الانتخابات تحوي التزامات بخصوص إيكال المناصب المحلية بموجب القانون 21 لسنة 2008 المتعلق بإدارة المحافظات غير المنتظمة بإقليم ، وإذا كان التنفيذ ضمن الموعد المحدد غير ممكن ، فهل ستخالف الحكومة قانون الموازنة أم أنها تضطر لإيقاف المخصصات المالية والصلاحيات الإدارية في حالة استمرارها بعد التاريخ المذكور أعلاه ؟، وما هو الطريق القانوني للخروج من هذا الحرج ؟ ، ومن الناحية القانونية والدستورية فانه لا يمكن إيقاف العمل بنص المادة 71 لا باتفاقات ولا بتوافقيات لان ذلك ربما يعرضها لاستجواب من قبل البرلمان او لدعاوي من قبل أشخاص ، والمخرج الوحيد هو إتباع القاعدة التشريعية أي تغيير القانون بقانون ويتطلب ذلك قيام مجلس النواب تبني نص بديل للمادة 71 بتشريع قانون تعديل قانون الموازنة رقم 13 لعام 2023 .
ومن يعول على إجراء تغيير سريع في المناصب خلال المدة المتبقية فانه يحتاج لمراجعة طريقة تعاطي الحكومة مع موضوع تغيير القيادات ، ففي جلسة مجلس الوزراء ( ليوم 15 آب الحالي ) كشف المتحدث باسم الحكومة في تصريح تابعته ( وكالة المعلومة ) ، عن الإجراءات المطبقة بحق عدد من المدراء العامين صوت مجلس الوزراء على تقييمهم ضمن الوجبة الثانية من أعمال لجنة التقييم ، وقال : إن جلسة المجلس استمرت 4 ساعات وتناولت للتصويت على نتائج تقييم الوجبة الثانية من المديرين العامين والتي شملت 76 مديراً عاماً ما بين الأصالة والوكالة ، وأضاف : أن 3 من المديرين العامين ( أصالة ) نقلوا لدرجة أدنى أو إحالة على التقاعد و12 من المديرين العامين بالوكالة تسيير أعمال صدر الأمر بإنهاء تكليفهم ، و 3 مديرين عامين ( أصالة ) صدر بهم أمر تدوير ، ومدير عام نقل إلى وزارة أخرى و57 مديرا آخرين ( أصالة ووكالة ) صدر أمر بإعادة تقييمهم بعد 6 أشهر بسبب أدائهم المتوسط وفقاً للتقييم الحالي ومنحوا فرصة أخرى لتحسين أدائهم ، وتابع : أن القرار الخاص بالتقييم تضمن تشكيل ( قسم تقويم الأداء المؤسسي ) بكل وزارة وإعداد برامج رفع القدرات لدى القيادات الإدارية من مديرين عامين ورؤساء أقسام وقرارا بإنشاء المركز العراقي للتميز الحكومي ليكون مرجعية عملية لمتابعة وتطوير معايير الأداء الحكومي ، وحين نعلم بان مجموع المديرين العامين الذين تم تقييمهم في الوجبتين الأولى والثانية هو 442 ويشكلون اقل من 10% من المجموع الكلي ، لاتضح بان القضية تحتاج لوقت أكثر بكثير من الموعد المحدد في 30 تشرين الثاني القادم ، آخذين بنظر الاعتبار الحالات التي تتضمن إعطاء مهلة لمدة 6 شهور لإعادة التقييم والستة شهور ستعبر الوقت المخصص للتغيير، مما يشير إلى إن تلك القضية ستشكل واحدة من التحديات التي تواجه حكومة السيد السوداني من حيث القدرة على التنفيذ ضمن التوقيت المحدد بما لا يخالف قانون الموازنة وقرار المحكمة الاتحادية ويحافظ على الالتزام بنهج دولة مؤسسات أمنية الكثير منذ 20 عام !!.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here