كيف يجب استغلال قضية الحسين من اجل اعمال الخير والصالح العام والوحدة وليس الفرقة؟

بقلم: أ.د. سامي الموسوي

الغلو في اهل البيت وغيرهم له تأريخه عبر السنين ولكنه اخذ بالازدياد المضطرد في الآونة الأخيرة ولعل بعض الأسباب تعود لتوفر وسائل الاتصال وارتفاع وتيرة التبضع الديني والمذهبي لجمع الأموال. وقد ادخل في مناسبة استشهاد الحسين بن علي (عليه السلام) العديد من الأفعال التي في واقعها تسيء للحسين ولأهل بيته إساءة كبيرة. ولعل ابرز هذه الاساءات هو الشرك بالله سواء انتبه الفاعل لذلك ام لم ينتبه. ومن اكثر ما اعتاد عليه الناس في العراق أي شيعة العراق هو ما يسمى زيارة الأربعين وهي شيء غير موجود في الدين. تصرف في مراسم المشي لزيارة الأربعين أموال لو تم جمعها لكانت كبيرة جدا وكان من الممكن استخدامها لتلبية احتياجات الفقراء والايتام وذوي الشهداء وإصلاح المدارس والتبرع للمستشفيات وإقامة الاعمال الخيرية التي تدر أرباحا يمكن تطويرها للصالح العام. بهذا الشكل يمكن ان نستفيد من الحسين الذي لا يحتاج منا شيئا وهو حي يرزق عند الله. ومن هذا الأموال التي يمكن جمعها والاستفادة منها ما يتم صرفه على لبس السواد فلو كل واحد تبرع بهذا المال الذي يشتري به السواد لبلغ فقط من ذلك المبلغ حجما كبيرا لاسيما ان السواد يجري كذلك على الرايات المختلفة والصور التي لا تمت للحسين ولا علي باي صفة كانت بل هذه الصور التي تطبع ويصرف عليها أموال طائلة تسيء لأهل البيت وتظهرهم بصور تكاد تكون انثوية العيون واللون وهي اقرب للصور الهندية في ذلك. اما ما يصرف على الاكل فحدث ولاحرج ناهيك عن الإضاءة والفرق الطبية وانسداد الطرق والقاء الازبال على قارعة الطرق وترك الاعمال والدراسة. هذه كلها أموال مهدورة لا تفيد الحسين ولا تفيد الذين يقومون بها ولا يوجد لها ثواب عند الله. لو كانت صرفت على الاعمال الخيرية وباسم الحسين لكان ذلك افضل وله اجر وثواب ولو كانت لمساعدة الفقراء لكان لها اجر كبير والله يثيب على ذلك. هؤلاء الشباب الذين يمشون لو انهم اجتمعوا وقاموا بأعمال شعبية تطوعية باسم الحسين لبناء جسر او تنظيف مدرسة او دار ايتام او جمع المال من اجل اصلاح خلل في مستشفى وهلم جرى لكان افضل لهم وازكى واثوب. هذه دعوة للجيل الجديد لكي ينتبه ويوقف عند حده كل من يحاول الإساءة للدين وذلك بالشرك او افتعال البدع التي تسيء لأهل البيت وتستجدي المال باسمهم دعوة لإخراج هؤلاء وايقافهم عند حدهم وتسخير هذه المناسبات بما يحقق الخير ومساعدة الفقراء والايتام والإصلاح وليس لأحداث الضرر في النفس او الجسد او الصالح العام. ولا يحتاج الانسان والشباب الى فتوى من فلان او فلان بل هذه أمور يمكن ان يتم تنظيمها اجتماعيا وبديهيا فأنها عندما يعم منها الخير سوف تحظى باحترام وتفرض نفسها. ان الذين يستدرون العطف على الحسين ويبكون الناس ويلجئون للخدع والحيل جدي الحسين بريء منهم ولا يمتون له بصلة وهو الان في عليين عند مليك مقتدر والله قادر على حساب من قتله ومن رضي بذلك ومن استغل ذلك بغير مكانته والحسين قوي وبطل كذلك هم اهل بيته وزينب وهم ليسوا بحاجة لمن يتباكى عليهم من اجل نفسه طمعا للشفاعة وهذا البكاء لا يفيد بشيء. زينب والحسين واهل البيت لا يريدون منكم عطف وبكاء بل عمل واخلاق وهدى. ولننضر قوة وبلاغة وشكيمة السيدة زينب بنت علي (عليهم السلام) من قولها لاهل الكوفة عند الملعون بن زياد وفي مجلسهم بعيد قتل الحسين:

الحمد لله والصلاة على أبي : محمّد وآله الطيّبين الأخيار.

أمّا بعد :يا أهل الكوفة ، يا أهل الختل والغدر !! أتبكون ؟ فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنة. إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً ، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم. ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف ؟ والصدر الشنف ؟ وملق الإماء ؟ وغمز الأعداء ؟ أو كمرعى على دمنة ؟ أو كفضة على ملحودة ؟ ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون. أتبكون ؟ وتنتحبون ؟ إي والله ، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً. فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها (أبدا)ً. وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ؟ ومعدن الرسالة ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، وملاذ خيرتكم ، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجّتكم ، ومدرة سنّتكم ؟؟ ألا ساء ما تزرون ، وبعداً لكم وسحقاً ، فلقد خاب السعي ، وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة. وَيلكم يا أهل الكوفة !أتدرون أيّ كبدٍ لرسول الله فَرَيتُم ؟! وأيّ كريمةٍ له أبرزتم ؟! وأيّ دم له سفكتم ؟! وأيّ حرمةٍ له هتكتم ؟! لقد جئتم بها صَلعاء عَنقاء سَوداء فَقماء ، خَرقاء شَوهاء ، كطِلاع الأرض وملء السماء. أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخرة أخزى ، وأنتم لا تُنصَرون. فلا يَستَخفّنكم المُهَل ، فإنّه لا يَحفِزُه البِدار ، ولا يَخافُ فَوتَ الثار ، وإنّ ربّكم لبالمرصاد.

قال الراوي : فوالله لقد رأيت الناس ـ يومئذ ـ حَيارى يبكون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم. ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتّى اخضلت لحيته ، وهو يقول : بأبي أنتم وأمّي !! كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونساؤكم خير النساء ، ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى.

وهذا علي بن الحسين يخاطب اهل الكوفة عندما خرجوا بعد مقتل الحسين يبكون عليه فقال لهم وهم يأسرونه لابن زياد:

أتنوحون وتبكون من أجلنا!؟ فمن قتلنا!؟

وبعد ذلك خطب فيهم قائلا:

أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي أبي طالب أنا ابن من انتهكت حرمته، وسلبت نعمته، وانتهب ماله، وسبي عياله أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات أنا ابن من قتل صبراً، وكفى بذلك فخراً. أيها الناس، ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهود والمواثيق والبيعة، وقاتلتموه فتبّاً لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي…رحم الله امرأً قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وفي أهل بيته، فإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة.

فصمتوا وهم يستمعون ثم قالوا: “نحن يا بن رسول الله، سامعون مطيعون حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فأنا حرب لحربك، وسلم لسلمك، نبرأ ممن ظلمك وظلمنا”.

فأجابهم الإمام علي السجاد:

هيهات، هيهات، أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى أبي من قبل، كلا ورب الراقصات، فإن الجرح لما يندمل قتل أبي بالأمس وأهل بيته، ولم ينس ثكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثكل أبي، وبني أبي إن وجده والله بين لهاتي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصص تجري في فراش صدري.

نرجو عدم الإساءة لقضية الحسين وأهل البيت واستغلالها لاعمال الخير والصالح الجمعي العام فالحسين يوحد ولايفرق ولايحتاج من احد ان يأخذ له بثار لان الذين قتلوه عند ربهم وهو اعلم بهم ولله الامر من قبل ومن بعد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here