ساكو – عبداللطيف – ريان: القصة الكاملة (الحلقة الاولى)

المحامي وديع شابا

موضوع طويل ولكن مهم وتعريفي باطراف الصراع.
انشغل (الاحرى تم اشغال) الراي العام المسيحي في العراق منذ اشهر (تحديدا منذ نهاية نيسان الماضي مع المقابلة التلفزيونية مع السيد ناجي مهدي الذي اتهم فيها البطريركية الكلدانية بما يمكن توصيفه بالفساد المالي) بموضوع الخلاف بين الثلاثي: البطريرك الكاردينال لويس ساكو رئيس كنيستنا الكلدانية السامي الاحترام، فخامة الدكتور عبداللطيف رشيد رئيس جمهورية العراق السامي الاحترام، السيد ريان كلداني المحترم رئيس حركة بابليون.
ولكي نكون اكثر دقة فان قطبي الخلاف هما البطريرك وريان، بينما رئيس الجمهورية، وان كان يبدو محور القضية بسبب المرسوم الجمهوري، فان الخلاف الحقيقي بخلفياته وغاياته هو بين البطريرك وريان.
ولكي نكون اكثر دقة أيضا، فانه يصح القول ان الخلاف هو اكثر من مجرد اختلاف في موضوع محدد، فهو صراع على السلطة والنفوذ والصلاحيات بين البطريرك وريان على جملة قضايا، المرسوم الجمهوري هو احدها ولكن ليس اهمها وهو ربما اسهلها، تشمل امورا سياسية كالكوتا والتمثيل المسيحي، مثلما تشمل امورا تنفيذية او حكومية مثل الوقف المسيحي والاملاك وغيرها.
ومن متابعة الصراع نجد نقطتان لا يمكن اغفالهما في فهمه وبالتالي قراءة مساراته الحالية والمستقبلية:
اولها هي ان التصعيد الاعلامي والشعبي يقوم به طرف واحد هو البطريركية التي لا يتوقف اعلامها وبشكل يومي من طرح الموضوع بصيغة او باخرى: تصريحات، تهديدات، مقالات، مقابلات، فيديوات، الخ.. في حين ان بابليون لا تنشر الا القليل بين فترة واخرى يكون ردا او تعقيبا على منشور من البطريركية. أما الرئاسة فقد اعتمدت الحرفية والرزانة وقالت قولها في بداية الموضوع واكدته مرة اخرى بعد ايام من التصريح الاول وتوقفت عن الموضوع وانصرفت الى مهامها وليس من بينها التقاذف الاعلامي.
ثانيها ان هناك اصرار من البطريركية على خلط الامور مع بعض سواء من حيث الموضوع (اوقاف الكنيسة، املاك المسيحيين، الكوتا، وغيرها) او من حيث الالية (المرسوم، تعيين مدير الوقف، حجة التولية، قانون الانتخابات، الخ…) مما يسبب تشويش، يصل حد التضليل المتعمد، لمتابعي الموضوع. وواضح أن التشويش والتضليل يهدف، بوعي وتخطيط، الى وضع المتابع امام خيارين: فاما مع البطريرك بالمطلق او ضد البطريرك بالمطلق. في حين ان الموقف ليس بالضرورة ان يكون: مع او ضد، فقد يكون (مع) في موضوع، و(ضد) في موضوع آخر، وبالاحرى قد يكون (متفق) في موضوع و(مختلف) في موضوع اخر.
وحيث ان الموضوع شغل مساحة كبيرة وزمنا طويلا على الشان المسيحي العراقي، حتى بات بنهاية مفتوحة، فانه سيبقى ضمن اي توثيق للاحداث المسيحية والعراقية، ومن هنا كان لا بد من محاولة جادة لتصفية المشهد من التشويش والتضليل، وازالة الضبابية عن الرؤية.
ومن هنا ياتي هذا المقال بحلقاته كمساهمة محايدة وقراءة صريحة للمشهد رغم كون كاتبها كلداني الانتماء.
انا لا ادعي الكمال في هذه القراءة فهي جاءت بقدر ما نعرف من امور، وبقدر ما نعتقد انه صائب وحكيم.
ونشكر سلفا اية مساهمات سواء كانت اتفاقا او اختلافا، اضافة او تصحيحا، فالغاية النهائية والمشتركة هي انهاء ما بات عبئا ثقيلا على كنيستنا الكلدانية بوجه خاص، والمسيحيين بوجه عام، والعراقيين او بعضهم (الى حد ما).
ولاكون صريحا مع نفسي ومع القراء فاني افكر واكتب من خارج الصندوق الذي يحاول البطريرك وضعنا جميعا فيه. فمع جل احترامي لسيدنا البطريرك ومقامه فاني اكرر ما قلته سابقا:
نحن رعاياك ولكننا لسنا رهائنك
انت بطريركنا ولكنك لست سجاننا
نحن نحترم توصياتك ولكننا لسنا حطب نيران حروبك
في هذه الحلقة\المدخل نقدم تعريفا باللاعبين الثلاثة في المشهد فمن دون ذلك لا يمكن فهم الموضوع بابعاده الكاملة والمتكاملة.
اولا: الدكتور عبداللطيف رشيد، رئيس جمهورية العرق
هو سياسي كردي عراقي معارض. ناضل لعقود ضمن صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني ضد الانظمة المتعاقبة حيث كان من الجيل المؤسس الاول للاتحاد. كان ناشطا سياسيا فاعلا في تمثيل وتنشيط علاقات المعارضة العراقية على الساحة الاوربية والدولية، وعضوا قياديا في مختلف تشكيلات المعارضة العراقية التي ربطته بها علاقات واسعة ومتينة. عاد الى العراق بعد 2003 وتولى وزارة الموارد المائية وهي تتوافق مع اختصاصه الاكاديمي.
بقي مستشارا اقدم للرئيس العراقي من 2010 الى انتخابه رئيسا في 2022.
وبذلك هو ليس بالشخص الطارئ على مؤسسات الدولة العراقية، ولا بالسياسي المغمور الذي عومته الحالة السياسية العراقية، مثلما ليس بالشخص الذي يفتقر الى الدراية الادارية، وليس، عمرا وخبرة وتجربة، بالشخص غير المتزن فهو يمتلك الكياسة والتعامل الرزين والمتصف بالاحترام.
جاء انتخابه رئيسا للعراق ضمن السياق الذي بات تقليدا متفقا عليه بان يكون الرئيس العراقي كرديا، وضمن البيت الكردي يكون من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني، رغم ان ترشيحه جاء من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو الغريم القوي للاتحاد، ضد المرشح الاخر الدكتور برهم صالح المدعوم من الاتحاد الوطني الكردستاني.
عائليا، هو عديل المرحوم الرئيس طالباني وهو بذلك زوج خالة السيد بافل طالباني الذي يتراس الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تشظى بعد وفاة المرحوم مام جلال.
دستوريا، فهو كرئيس للجمهورية، فهو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يمثل سيادة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور، والمحافظة على استقلال العراق، وسيادته، ووحدته، وسلامة أراضيه. 
وبذلك فان مقامه يسمو على كل المقامات العراقية الرسمية والشعبية، مثلما يتقدم المقامات الدينية في البروتوكول والنشاط. وبذلك فان الاساءة الى مقامه هي اساءة الى الدولة العراقية بشخصيتها المعنوية.
ومن هنا فان عدم قبوله الانتقاص من مقامه وكرامته هو رفض للانتقاص من كرامة الدولة، وهذه، للاسف، تغيب، عن دراية او عدمها، عن تفكير ومراعاة البطريرك، ربما بسبب نرجسيته التي تحدد تفكيره وتقييمه في اطار الـ(أنا) فقط.
ورغم ان صلاحياته محددة بمهام بروتوكولية بالدرجة الاولى، الا ان الدستور يمنحه صلاحيات اخرى من بينها اصدار المراسيم الجمهورية. وبالضرورة الغاءها كون من يصدر يحق له ان يلغي. (الرئيس السابق الدكتور برهم صالح سحب في شباط 2022 مرسومين جمهوريين (رقم 1 و2) المتعلقان بالعفو عن تاجر مخدرات).
وللرئاسة العراقية مؤسستها، ديوان رئاسة جمهورية العراق، التي تم تشكيلها ويحدد مهامها وعملها وفق القانون.

ثانيا: غبطة البطريرك الكاردينال مار لويس ساكو
(سيكون التقديم له طويلا فهو محور الصراع واللاعب الاكبر فيه)
هو بطريرك الكنيسة الكلدانية التي مقرها العراق (تحديدا في بغداد) ولها رعايا ومؤمنون عبر العالم. وهي من الكنائس الكاثوليكية المتحدة مع الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وبذلك فان البطريرك الكلداني يخضع لسلطة البابا الروماني.
تم انتخاب البطريرك ساكو من قبل سينودس الكنيسة الكلدانية بعد تقاعد البطريرك الراحل الكاردينال عمانوئيل دلي وارتسم بطريركا في 2013. كان انتخابه من اصعب الانتخابات البطريركية حيث كان عليه التنافس مع الاسقف سرهد جمو، وشهدت مرحلة ما قبل الانتخاب صراعات كبيرة بين الاسقفين ساكو (اسقف كركوك حينها) والاسقف جمو (اسقف كاليفورنيا حينها) وكان ريان كلداني جزءا من هذا الصراع حيث كان مدعوما من قبل الاسقف جمو، وهذه هي بداية الصراع بين ساكو وريان خاصة وان شخصية البطريرك ساكو هي من النوع الذي لا ينسى او يغفر لخصومه وتبقى كراهيته لهم تعيش معه وتؤثر في مواقفه.
منح لقب الكاردينال في 2018 من قبل البابا فرنسيس. والكاردينالية لقب تشريفي لا يزيد من صلاحيات البطريرك على كنيسته، بل تمنحه بعض الامتيازات الفاتيكانية مثل حق المشاركة في انتخاب البابا. وخضوع البطريرك للسلطة البابوية تحدد من صلاحياته وسلطته على الاساقفة الكلدان في دول الاغتراب، وبخاصة حيث يوجد اساقفة للكنيسة الوطنية الكاثوليكية في تلك الدولة اللذين تسمو صلاحياتهم وتسري على كل الكنائس الكاثوليكية الوافدة الى تلك الدولة. وبالاضافة الى بطريركيته فهو عضو في مجلس الاقتصاد الفاتيكاني.
اكاديميا، البطريرك ساكو يحمل شهادات عليا من روما وجامعة السوربون في باريس.
كما نشر مقالات ومؤلفات كثيرة في العديد من المواضيع التي تتعلق بالمسيحية والكنيسة.
المعروف عن البطريرك ساكو حبه للسلطة والتفرد بها ليس في ادارة الشان البطريركي فحسب، بل وفي التعامل مع الكنائس الاخرى، بالاضافة الى الشغف بالسلطة السياسية.
فكنسيا، لا يتعامل البطريرك ساكو مع الاساقفة الكلدان على انهم شركاء له في ادارة الشان الكنسي، فرغم ازمة المرسوم الجمهوري والتصعيد الذي قام به البطريرك الى درجة التهديد باللجوء الى المحاكم الدولية والتهديد بها، ورغم التهويل بان سحب المرسوم يوازي ارهاب داعش، الا ان البطريرك لم يجد ان الموضوع يتطلب عقد سينودس للكنيسة الكلدانية لمناقشة الموضوع وطريقة التعامل معه. فالبطريرك يريد مواقف داعمة وبالمطلق من كل اسقف دون مناقشة الموضوع بهدوء وبكل الابعاد في اجتماع للسينودس.
وكنسيا ايضا، البطريرك ساكو لا يجد قيمة او سبب يدعوه للعمل المشترك مع بقية الكنائس العراقية التي يصر على استصغارها، وفي العديد من الاحيان الاساءة اليها، دون مراعاة للكرامات الكنسية، فالكرامة الكنسية لا تزيد او تنقص بعدد الاساقفة والمؤمنين. الكرامة الكنسية هي ذاتها لكل الكنائس، فكم بالاحرى الكنائس الرسولية الكاثوليكية والارثوذكسية والشرقية. فالبطريرك ساكو قرر الانسحاب من مجلس رؤساء الطوائف (الاطار الكنسي المسكوني الوحيد في العراق) بحجة ان الكنيسة الكلدانية لا يمكن وضعها على قدم المساواة مع البقية، ودعا الى تشكيل مجلس كنائس العراق برئاسة دائمية للبطريرك الكلداني وهو ما رفضته كل الكنائس.
بالاضافة الى تفرده في التصريح والمواقف والنشاط فيما يخص الشان المسيحي، وعندما انتقده الكثيرون على تفرده صرح في موقف صريح لتشتيت الموقف والجهد المسيحي حيث قال: ليفعل الاخرون وينشطوا ايضا فانا لم امنعهم من ذلك.
سياسيا، وهو المحور الاساس في الصراع بين البطريرك وبابليون، فالبطريرك ساكو مستمر في محاولات امتلاك دور سياسي التي بدأت مع القس ساكو في الموصل بعد 2003 ونمت مع الاسقف ساكو في كركوك وصولا الى البطريرك الكاردينال ساكو في بغداد.
فالقس ساكو كان رجل الدين المسيحي الوحيد الذي انخرط في تشكيلات الدولة العراقية بعد 2003 حيث كان عضوا في مجلس محافظة نينوى. ومع ترقيته الى الدرجة الاسقفية، اسقفا على كركوك، ارتقى بطموحاته ودوره ليكون مرجعا يحدد مرشحي المسيحيين في مجلس قضاء كركوك مما ادخله في صراعات سياسية مع الاحزاب السياسية المسيحية كما هو شانه اليوم في الصراع مع بابليون مع اختلاف ظروف ومستوى وادوات الصراع. وكما في كل صراع كان له تحالفاته في كركوك بالامس، ومع بابليون اليوم، مثلما اليوم ايضا في بغداد واربيل.
ومع بطريركيته التي جعلته مرجعية مسيحية مهمة في العراق فقد رفع سقف طموحاته السياسية مقدما نفسه الممر الالزامي لكل تعيين او منصب مسيحي في تشكيلات الدولة العراقية من مدراء عامون وصولا الى الوزارة.
وعلى التوازي من ذلك سعى لوضع اليد تدريجيا على التمثيل المسيحي البرلماني من خلال دعمه تكتيكيا ومرحليا الحركة الديمقراطية الاشورية ولاحقا الانقلاب عليها، بعد تشكيله لواجهته وذراعه السياسية، الرابطة الكلدانية، والدخول المباشر كطرف سياسي في الانتخابات عبر بوابة الحزب الديمقراطي الكردستاني الراعي لقائمة تحالف حمورابي برئاسة الوزير انو جوهر، الكادر المتقدم في الحزب الديمقراطي والمستشار والمرشد السياسي للبطريرك حاليا.
وفي العمل السياسي المحترف تصبح الكثير من الادوات مشروعة سياسيا، حتى لو كانت غير مقبولة مجتمعيا، ومن بينها شد عصب القاعدة الجماهيرية. وهذا ما قام به البطريرك ساكو بشد العصب الطائفي الكلداني في وجه اخوتهم من الاشوريين والسريان. تفتيت الشعب وتعميق الصراع والقتال الداخلي ليس مهما عند البطريرك ساكو ما دام يخدم اجندته السياسية وشخصيته النرجسية. واستفاد في ذلك من تطرف بعض الاشوريين ليبني على تطرفهم حقدا على كل الاشوريين، افرادا ونخب ومؤسسات ومرجعيات دون استثناء ودون مراعاة ان اخواننا الاشوريين بالغالبية المطلقة لهم يحترمون اخوتهم الكلدان والسريان. ويستمر حاليا في شد العصب الطائفي ضد السريان حتى بلغ الامر ان يطلق توصيفات غير لائقة بحق المرجعيات الكنسية السريانية في الفضاء العام بل وعلى منبر الكنيسة حيث يمسهم في شرفهم.
وكذا الامر مع التحالفات التي تكون حاسمة في الصراعات السياسية فالبطريرك لا يتردد في التعبير والممارسة لمواقفه السياسية مع التيار الصدري والديمقراطي الكردستاني في مقابل الاطار التنسيقي.
وكذا الاعلام حيث الاعلام والظهورات السياسية للبطريرك تفوق باضعاف المرات اي سياسي عراقي اخر.
البطريرك ساكو سياسي محترف ويخوض صراع سياسي مهما حاول تغطيته والباسه لبوسات مختلفة. ومهما كرر القول انه مرجعية مسيحية ووطنية ومن حقه ان يتحدث ويحارب الفساد وعدم العدالة وغيرها..
سيدنا الجليل: لا احد يعترض على قولك في السياسة والوطنية، ولكن الكل يعترض على احترافك السياسة.

ثالثا: السيد ريان كلداني
وهو مسيحي كلداني من اتباع الكنيسة الكلدانية وعائلته من القوش، القصبة الكلدانية المشهورة في سهل نينوى.
ريان هو مؤسس ورئيس كتائب بابليون المليشياوية والتي هي اللواء 50 من الوية الحشد الشعبي الذي رغم شرعنته كقوة عسكرية رسمية من قبل البرلمان العراقي الا انه لا يمكن انكار واقع وحقيقة اداءها المليشياوي ومرجعيتها السياسية خارج اطار القوات المسلحة العراقية ومرجعيتها الدستورية (رئيس الوزراء).
تحولت كتائب بابليون الى حركة سياسية بذات الاسم.
ريان ومعه اياد الاشوري حالتان افرزتهما الاوضاع الامنية في بغداد في سنوات الاستهداف الطائفي والديني حيث كان المسيحيون الهدف الناعم والسهل للتنظيمات الارهابية ولجماعات الجريمة المنظمة. حيث تم رعاية السيدين ريان واياد من قبل القوى السياسية الشيعية لاغراض سياسية ولكن تحت يافطة حماية حياة المسيحيين وممتلكاتهم في بغداد ومنح لهما، او منحوا لانفسهم، لقب الشيخ وهو لقب غير معتمد بين مسيحيي العراق.
تلاشت ظاهرة الشيخ اياد الاشوري حين لم يتلقى الدعم والرعاية من اية جهة اشورية كنسية او سياسية، وانتهت ظاهرته دون اي ازمات داخل البيت الاشوري فالرجل بقي مقبولا ومحترما في مجتمعه وبات حالة عابرة من الماضي. في حين ترسخت ونمت ظاهرة الشيخ ريان كلداني مع رعاية الكنيسة الكلدانية له في حينها بشخص البطريرك دلي والاسقف سرهد جمو الذي كان يخوض صراعا مع الاسقف (حينها) ساكو في بلوغ السدة البطريركية.
ومع تشكيل الحشد الشعبي والحاق بابليون به، ومع الدور الذي لعبه الحشد الشعبي في الحرب مع داعش ازداد دور بابليون وتوسعت عددا وتقوت عتادا ونمت سياسيا مستفيدة في كل ذلك من الحشد الشعبي، وبخاصة كونها من الفصائل الولائية التي تدين بالولاء عبر الحدود الى اية الله خامنئي. وولائيتها تجسدت في العلاقات الشخصية لريان مع قاسم سليماني وابو مهدي المهندس.
بعد تحرير سهل نينوى استلمت بابليون المسؤولية الامنية لقضاء تلكيف ولاحقا قرقوش عندما تم فك ارتباط قوات حماية سهل نينوى التي كانت جزءا من الحشد ولكن بمرجعية سياسية للحركة الديمقراطية الاشورية حيث تم فك ارتباطها السياسي بالحركة وتم وضعها تحت بابليون.
تركيبها الهوياتي، بابليون فصيل مليشياوي تحت قيادة مسيحية بشخص ريان والعائلة (اخوته وصهره) واقاربه لا يتعدون عدد الاصابع، ومقاتلين جميعهم من الشيعة. الا انه بعد ارتباط (قوات سهل نينوى) بهم ازداد عدد المسيحيين في كتائب بابليون ولكنهم يبقون عددا صغيرا بالمقارنة مع الشيعة من مقاتلي بابليون.
سلوكيا، بابليون وبسبب ممارساتها المليشياوية العنفية وفسادها الاداري والمالي واعاقتها عودة العوائل النازحة والتلاعب بعقارات واملاك المسيحيين تم تصنيفها (مع اللواء 30 للشبك في برطلة) كمجموعة ارهابية من قبل الحكومة الامريكية. وسلوكيا ايضا، فانه ورغم عدم وجود ادلة مادية فان قيادة الحركة، ومن بينهم ريان، متهمون بالفساد الاخلاقي. وذلك ليس مستغربا من حالة مليشياوية يقودها اشخاص ليس لهم ماض ومؤهلات تحصنهم وتمنعهم من شهوة ومغريات السلوكيات المنحرفة.
سياسيا، بابليون استفادت من ثغرة القانون الانتخابي بكون العراق دائرة واحدة للكوتا المسيحية، بالاضافة الى السلاح والمال السياسي، فضخت الاصوات الانتخابية من اتباعها واتباع حلفاءها من الفصائل الشيعية لتحصل على اربعة مقاعد من اصل خمسة هي الكوتا المسيحية وهذا يمنحها الحق في تسمية الوزير المسيحي ناهيك عن وضع اليد على المناصب المسيحية، ومن بينها محاولة وضع اليد على ديوان الوقف المسيحي واليزيدي والصابئي في وزارة الاوقاف بعد تقاعد المدير السابق السيد رعد كججي. وهذا المنصب هو احد مواضيع الصراع الحالي بين البطريرك وريان وسناتي عليه في الحلقة القادمة خاصة وان البطريرك لا يشير اليه كثيرا لان اعلام البطريركية يقدم ويحصر الامور بالمرسوم الجمهوري حصرا رغم ان المرسوم لا علاقة له مطلقا بتعيين مدير الوقف.
وهكذا اجهض ريان الطموحات السياسية للبطريرك.
اعلاميا، فان الاداء الاعلامي لبابليون في الصراع مع البطريرك، خاصة في مشهد سحب المرسوم والتصعيد البطريركي، هو اعلام رزين ومحترف بالمقارنة مع اعلام البطريرك. فبابليون متقشفون في الظهور والتصريح الاعلامي عن الموضوع الا ما ندر حيث يردون احيانا على تصريحات البطريرك، وفيما عدا ذلك يمارسون نشاطهم وكأن شيئا ليس موجودا مما هو موجود. وهذا مع سكوت المرجعيات العراقية هو احد اسباب خروج البطريركية عن طورها في اداءها الاعلامي حيث لا تستطيع، وهي المعروفة بنرجسيتها واعتبار ذاتها مركز العالم، ان تتقبل هذا الاهمال.

هذا هو مثلث اللاعبين في الصراع السياسي والسلطوي الحالي، وكما هو واضح فان طرفي الصراع هما البطريرك وريان في صراعهم على السلطة والنفوذ التي يتحمل عواقبها مسيحيو العراق.
في الحلقة القادمة سنباشر توضيح مواضيع الصراع مبتدئين بموضوع ديوان الوقف وربما موضوع املاك المسيحيين، على ان نغطي المواضيع الاخرى في حلقات لاحقة.
الى اللقاء قريبا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here