الخطر الكامن خلف الحدود.. تقرير أمريكي يدعو بغداد والكويت لتسوية نزاعاتهما “التاريخية”

دعا تقرير نشر في مجلة أمريكية، العراق والكويت الى ضرورة التوصل الى حل لنزاعهما الحدودي، وفيما بين ضرورة منع الصراعات في المستقبل بين البلدين أكد أن من أبرز معرقل لهذا الحل عدم الاستقرار العراقي والتدخلات الإيرانية وتنامي قوات الحشد.

وذكّر التقرير الذي نشر في مجلة “ناشيونال انترست” الامريكية بــ”زيارة وزير الخارجية الكويتي سالم الصباح الحاسمة الى بغداد، ومحادثاته مع نظيره العراقي فؤاد حسين ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في 30 تموز/يوليو، والتي كانت تهدف الى التعامل بشكل عاجل مع النزاع الحدودي البحري الطويل الامد حول ممر خور عبد الله المائي الذي يعتبر مصدرا رئيسيا للخلاف بين العراق والكويت”.

ولفت التقرير إلى ان “الزيارة حملت اهمية خاصة نظرا لتزامنها مع ذكرى الغزو العراقي للكويت عام 1990، والذي لا يزال صداه يتردد في ذاكرة المنطقة، بالاضافة الى انها تأتي في سياق تحولات عميقة في السلطة الداخلية في العراق، والتي مالت باتجاه القوى الشيعية”.

واشار التقرير الى ان “اهمية متابعة تداعيات هذه التطورات على الاستقرار الاقليمي باعتبار انها من الممكن ان تؤثر على المشهد الجيوسياسي مستقبلا”، مضيفا انه “في ظل هذه الديناميكيات المعقدة، فإن تسوية النزاع البحري الحدودي، يشكل اهمية متزايدة، ولهذا فان هناك حاجة ضرورية لإيجاد حل بناء ودائم بالنسبة الى العراق والكويت”.

اضطراب الحدود

لكن التقرير ذكر بان “النزاع الحدودي بين العراق والكويت يمتد الى قرون”، مشيرا الى ان “الصراعات التي كانت تحصل وتدخلات القوى الاستعمارية والتنافس بين القوى العظمى، تركت آثارها على الحدود الحالية بين البلدين، حتى قبل اكتشاف النفط”.

وتابع التقرير قائلا انه “برغم توقيع الاتفاقيات واعتراف بغداد بالكويت في الماضي، فان الحكومات العراقية المختلفة، سواء خلال حقبة المملكة الهاشمية او النظام الديكتاتوري لصدام حسين، لم تتنازل عن مطالباتها بأجزاء من الاراضي الكويتية”، مضيفا ان “المطالبة العراقية بالكويت التي كانت تتراوح ما بين السيطرة الكاملة والجزئية على هذه الدولة، غالبا ما كانت مرتبطة بالاستقرار السياسي في بغداد، بحيث انه كلما كانت بغداد مستقرة سياسيا، فإنها كانت تصعد مطالبها بالكويت، وترفض ترسيم الحدود، مما يقود الى المزيد من المشاكل للكويت”.

واضاف التقرير ان “العراق حاول في السابق استخدام اساليب مختلفة لاجبار الكويت على التسوية، مثل تعيين شيخ الكويت نائبا لحاكم احدى محافظاته، والتوغل في الاراضي الكويتية، ونشر قوات في جزر بوبيان، او الضغط على الكويت للتنازل عن جزر بوبيان ووربة وفيلكا وذلك بذرائع امنية وتجارية، مشيرا الى ان الكويت، الراغبة في السلام، كانت وافقت على بعض مطالب العراق، بما في ذلك السماح للقوات العراقية بالتمركز في جزر كويتية لمواجهة العدوان الايراني، كما انها وفرت دعما ماليا وسياسيا كبيرا للعراق على امل منع حدوث اعمال عسكرية ضدها”.

وبعدما لفت التقرير الى “غزو صدام حسين في 2 اغسطس/اب 1990، ثم اخراج القوات العراقية من الكويت”، اوضح أن “الكويت والعراق وقعا على عدة اتفاقيات، تحت اشراف الامم المتحدة، لترسيم حدودهما البرية، مشيرا الى انه تم احراز تقدم كبير في تحديد معظم الحدود البرية، الا ان الحدود البحرية لا تزال غير مرسومة، مضيفا ان حل هذا الخلاف كان هو الهدف الرئيسي من وراء زيارة وزير الخارجية الكويتي الى بغداد مؤخرا”.

واوضح التقرير انه في “قلب هذا الخلاف يقع مصب خور عبد الله الذي له اهمية استراتيجية، لانه يعتبر ممرا حيويا لنحو 80 % من واردات وصادرات العراق”.

وبرغم ان التقرير اشار الى ان “بغداد والكويت توصلتا منذ العام 2003 الى اتفاقيات متعددة لتسوية هذا النزاع، بما في ذلك التعاون الملاحي والتدابير الامنية لحماية المنطقة، الا انه لفت الى ان التنفيذ من جانب بغداد كان بطيئا احيانا كثيرة، متأثرا بالاعتبارات التجارية والعوامل الجيوسياسية”.

كما ان “التقرير حذر من ان الخلاف بين العراق والكويت قد يطول لسنوات قادمة”، موضحا ان “العراق يستهدف استكمال ميناء الفاو الكبير بحلول العام 2028، والمتوقع ان يكون الاكبر في الشرق الاوسط، وهو مشروع يمكن ان ينتج ثورة في المشهد الاقتصادي في العراق، حيث يؤمن الوصول دون عوائق الى البحر ويحد من الاعتماد على الطرق والموارد الحالية. وتابع انه من غير المحتمل ان يغير ميناء الفاو الكبير بشكل كبير وجهة نظر النخبة السياسية العراقية فيما يتعلق بخور عبد الله”.

غضب شعبي

وذكر التقرير انه “كجزء من محاولة حل النزاع، بادرت الحكومة العراقية لانشاء لجنة رفيعة المستوى مسؤولة عن الاشراف على لجنة فرعية مخصصة للبحث عن حلول مقبولة للطرفين للمسائل المتعلقة بالحدود وغيرها من النزاعات القائمة بين العراق والكويت، الا ان نهج الحكومة العراقية في تسوية هذه القضايا لم ينال حتى الان الدعم بالاجماع”، مشيرا الى ان “زيارة وزير الخارجية الكويتي، التي كانت تهدف الى معالجة مسالة ترسيم الحدود، تحولت سريعا الى قضية سياسية وشعبية ساخنة داخل العراق، وظهر جزء من المعارضة بسبب سوء الفهم والاستغلال من جانب السياسيين الشعبويين الساعين الى تقديم انفسهم كوطنيين متشددين بهدف حصد مكاسب سياسية، خاصة في ظل انتخابات المحافظات المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023”.

وبناء على ذلك، “اتهم هؤلاء الشعبويون حكومة العراق زورا بالخيانة والتنازل عن الاراضي العراقية للكويت، وهو ما لا ينطبق مع الواقع”.

واضاف التقرير انه “برغم ذلك، فان هذه المواقف اكتسبت زخما داخل العراق حيث اتهم مواطنون وزعماء عشائر وسياسيون من خلفيات سنية وشيعية، حكومة السوداني بالتنازل عن الاراضي العراقية، الامر الذي اكتسب اهتماما كبيرا على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك رفض سكان الحي اقتراح نقلهم والتذكير من جانب العراقيين بدور الكويت في خراب العراق وسرقة النفط ومساعدة الغزو العام 2003”.

وبالاضافة الى ذلك، “جرت احتجاجات في البصرة ضد الامتيازات المرتبطة بقناة خور عبد الله وام القصر، كم اطلق بعض الاشخاص النار عند الحدود في تحد لاي اتفاق يعترف بسلطة الكويت على خور عبد الله، في ظل اتهامات ايضا من جانب العشائر ضد الكويت بممارسة بالاستيلاء على الاراضي والتهجير”.

واعتبر التقرير ان “هذه الاحداث تؤكد على حقيقة حاسمة متمثلة بتداخل المشاعر الحادة مع قضية الحدود، وان سوء التعامل معها يمكن ان يقود الى عدم الاستقرار”.

وبعدما لفت التقرير الى “تشكيل لجنة في البرلمان العراقي لمتابعة سير مفاوضات الحكومة مع الكويت، والى نفي المتحدث باسم الحكومة فكرة حدوث تنازل للكويت واصفا ما يجري بانه جزء من (الابتزاز السياسي)”، نقل عن المتحدث باسم العوادي قوله ان “مواقف الحكومة متوافقة مع اتفاقية عام 1993 التي اقرتها الامم المتحدة بين العراق والكويت”، مؤكدا ان “الادارات العراقية السابقة ظلت ايضا ملتزمة باحترام شروط الاتفاقية”.

الى ذلك، تحدث التقرير عن “عودة التوترات الكامنة على الحدود الى الظهور”، مشيرا الى ان “الميليشيات الشيعية في العراق، كثيرا ما هددت الكويت واصفة اياها بانها جزء تاريخي من العراق، والان فان القضية المتعلقة بترسيم حدود خور عبد الله، عززت من حدة هذه الادعاءات، حتى ان نائبا من تحالف الفتح (علاء الحيدري) اتهم الكويت بالاعتداء على صياديين عراقيين في خور عبد الله، داعيا قوات الحشد الشعبي الى نشر قواتها في الخور عبد الله لحمايتهم”.

وحذر التقرير من انه “في ظل استمرار النزاع الحدودي من دون حل، فإن الوضع بالنسبة للكويت قد يتدهور خلال السنوات المقبلة”، مبيناً أن “مضاعفة ميزانية العراق المخصصة للحشد الشعبي وزيادة عدد افرادها تشكل تهديدا للكويت”، مشيرا الى ان “التوترات الكامنة المحيطة بالمنطقة المتنازع عليها واضحة، مما يثير مخاوف تتعلق بالتصعيد المحتمل في المستقبل”.

ولهذا، اعتبر التقرير انه “من المهم للبلدين ان يحاولا بنشاط التوصل الى حل سلمي ومنع المزيد من التوترات وعدم الاستقرار الاقليمي، مضيفا ان القيام بترسيم واضح للحدود البرية والبحرية، امر ضروري للحد من مخاطر الصراعات المستقبلية”.

الاثار على الولايات المتحدة

وبعدما ذكر التقرير بـ”دور الكويت المهم في علاقات الولايات المتحدة بتطورات المنطقة، قال ان النزاعات التاريخية والحدودية التي لم يتم حلها يمكن ان تجذب واشنطن الى الجهود الدبلوماسية”.

وبالاضافة الى ذلك، تناول التقرير التوتر الحاصل بين الكويت وايران حول حقول الغاز البحرية المعروفة باسم “اراش” في ايران و”الدرة” في الكويت والسعودية، مضيفا ان “بإمكان طهران استغلال النزاع الحدودي المستمر بين الكويت والعراق لتعزيز مصالحها الخاصة”.

ورأى التقرير انه “خلال الاستفادة من التراجع الملحوظ في النفوذ الاميركي، فان ايران اتخذت موقفا اقليميا اكثر حزما. واضاف انه في ظل النفوذ السياسي والعسكري الكبير الذي تمارسه ايران بالوكالة في العراق، فان المخاوف الامنية الكبيرة بالنسبة للكويت تلوح في الافق، بما في ذلك الدور المحتمل للحشد الشعبي، تشكل سيناريوهات تبعث على القلق”.

وتابع ان “ذلك قد يتسبب في توريط الولايات المتحدة في صراع اخر في الشرق الاوسط، مما يحول الموارد والاهتمام عن الاولويات الاستراتيجية الحاسمة الاخرى، بما في ذلك ادارة التنافس الحاصل مع الصين وروسيا”.

ولهذا، يقول التقرير ان “تسوية النزاع الحدودي الطويل الامد بين بغداد والكويت بامكانه ان يقوض نفوذ طهران ووكلائها بينما يساهم في الاستقرار الاقليمي، مما يسمح للولايات المتحدة بتحديد الاولويات الاكثر اهمية”.

وختم التقرير بالقول انه “في منطقة تتميز بنزاعات تاريخية، وديناميكيات السلطة المتبدلة، والمشهد السياسي المتطور، فان تسوية قضية الحدود العراقية – الكويتية، يشكل ركيزة حيوية للاستقرار”، ولفت الى “تجارب الماضي التي تؤكد على مخاطر ترك الصراعات الاقليمية بلا حلول”.

ولهذا، يقترح تقرير “ناشيونال انترست” ضرورة “حصول تواصل الشفاف والانخراط مع جميع الاطراف، من اجل صياغة الطريق للمضي قدما والحد من الشوفينية على جانبي الحدود”. واضاف انه “من المهم ان تواصل واشنطن جهودها الدبلوماسية لتسوية قضية الحدود العراقية-الكويتية، وبالتالي المساهمة في سلام وامن دائمين في المنطقة”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here