دور التعليم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة

ترجمة: هاشم كاطع لازم – أستاذ مساعد – كلية شط العرب الجامعة – البصرة
تأليف: جاندريكا باهادور Chandrika Bahadur
لم يتبق للعالم أكثر من عقد من الزمان لتحقيق أهداف التنمية المستدامة SDGs، غير أن جائحة كوفيد-19 التي أجتاحت العالم جعلت تحقيق هذه الهدف أمرا صعبا. وحتى قبل تفجر الجائحة لم يكن أي بلد في العالم مهيئا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة مثلما أوضح (تقرير التنمية المستدامة) الصادر عام 2020.
لقد أذكت الجائحة وعي الناس بالمخاطر التي تحيط بهم وسلطت الضوء على وجوب أيلاء اهتمام خاص بالتنمية المستدامة والسعي لأيجاد حلول متعددة الجوانب. ونبهت الجائحة ايضا الى دور العلم ومدى تعقيد التحديات التي نواجهها والمترابطة بعضها مع البعض الآخر عبر الميادين المعرفية والقطاعات والبلدان. كما أظهرت أيضا مقدار المنجزات الكبيرة التي يمكن ان يحققها العلم في غضون أشهر اذا ماأتيحت الفرصة للعلماء لمشاركة معارفهم مع أهمية تعاون القطاعين الحكومي والخاص. ونحن اليوم أمام فرصة متاحة لتغيير كيفية مواجهة تحديات التنمية المستدامة ومن ثم أحداث التحولات المطلوبة.
ويعتبر التعليم أمرا حيويا للغاية لتحقيق النجاح في أكبر تحدي نواجهه في حياتنا. أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب فهما مشتركا للتنمية المستدامة يشمل التداخلات المعقدة فيما بين الأنظمة أضافة الى الأستعانة بآليات متقدمة لربط القطاعات والميادين الفكرية المختلفة. وبمقدور عملية التعليم أن توسع جملة من المعارف الشاملة ومتعددة الجوانب فضلا عن المساهمة في تغيير نمط تحليلنا للمشاكل ومواجهتها. ثم أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لايتطلب وجود أشخاص يتمتعون بالمهارات العالية فحسب أنما لابد من توفر الميول الجديدة والعمليات التعاونية والتطبيقات العملية. ومن خلال التعليم يستطيع المتعلمون ربط التحديات النظرية بالتحديات العملية وفتح آفاق جديدة لتحسين سبل عيش الناس ضمن أطار مجتمعاتنا. ومن خلال التدريب على أيجاد الفرص الحقيقية ومتابعتها بهدف تحقيق التغيير يستطيع المتعلمون أن يكونوا فاعلين نشيطين في بلورة مستقبلهم وخلق أمل جديد لمستقبلهم.
التحديات
تتطلب أهداف التنمية المستدامة تحولات عميقة وجذرية في أي بلد وكذلك في طريقة تعاطينا مع كل نشاط من نشاطاتنا. وتتصف النظم التعليمية وطرق التدريس في الوقت الحاضر وللمستويات كافة بكونها غير مؤهلة لأعداد المتعلمين ليأخذوا دورهم المطلوب فيما يتعلق بالمستوى والسرعة التي تتطلبها أهداف التنمية المستدامة.وسوف يتم التطرق الى ثلاثة أنواع من التحديات في أدناه:
أولا، تبدو طبيعة أهداف التنمية المستدامة متعددة الجوانب على خلاف “الأختصاص” وهو السمة المميزة للتعليم العالي. ويطرح الدليل الموسوم (التعليم المسرّع لأهداف التنمية المستدامة في الجامعات) The Accelerating Education for the SDGs in Universities عددا من الأمثلة تخص كيفية دعم التعاون المتبادل ومتعدد الجوانب مع الجامعات حول التعليم المتعلق بأهداف التنمية المستدامة والذي يشمل الحاجة الى تدريب أختصاصيين يمكن لهم أن يتعاملوا مع حقول معرفية مختلفة. وتدعو الحاجة الى الشروع في مثل هذه الجهود على المستوى المؤسساتي (الجامعي). ولابد أيضا من تطوير سبل لمشاريع أو مجالات بحوث وتطبيقات تعنى بالمعارف المختلفة داخل أروقة الجامعات.
ثانيا، تفتقر المدارس الثانوية والجامعات الى المدرسين المدربين وكذلك الى المصادر الكافية التي تغطي الحقول المعرفية ذات الصلة بسائر أهداف التنمية المستدامة. ويتعين على العلماء التربويين تحديد مجالات التعامل مع المصادر الموجودة خارج مؤسساتهم والتي تشمل الآتي:
المصادر المالية
الأستعانة بأصحاب الخبرات العالية بصفة أساتذة مساعدين أو متحدثين تتم دعوتهم لهذا الغرض.
اعتبار المشاريع التعاونية جزءا من مناهجهم الدراسية الرسمية.
وثالثا، تتسم الحقول الدراسية التي تغطيها أهداف التنمية المستدامة بتطورها خلال فترة قصيرة ، وبذا نجد أنفسنا في صراع مع القرائن الجديدة والتحديات الجديدة والحلول الجديدة. ولابد أن يواكب الأكاديميون مثل تلك التطورات واستيعابها ، وهذا بمثابة تحدي لتلك الحقول المعرفية التأملية والدقيقة التي يحتاج الدليل فيها الى مراحل عديدة من التدقيق وأمعان النظر قبل التوصل الى النتيجة المرجوة. من هنا لابد أن يكون العلماء التربويون متقدي الذكاء وبارعين في التعاطي مع المعلومات الجديدة مع المحافظة في الوقت ذاته على أعلى المعايير ذات الصلة باختصاصهم المعرفي.
التعليم المتعلق بأهداف التنمية المستدامة في الوقت الحاضر
لقدعملت شبكة حلول التنمية المستدامة SDSN ،من خلال (أكاديمية شبكة التنمية المستدامة) SDG Academy والتقرير الذي نشر مؤخرا حول تسريع التعليم من اجل أهداف التنمية المستدامة في الجامعات، على تقديم مقترحات تتعلق بالتعاطي مع المباديء الأساسية لتعليم متطور يعمل على خدمة أهداف التنمية المستدامة. وتشمل تلك المباديء ماياتي:
العمل متعدد الجوانب (العمل من خلال الحقول المعرفية المختلفة).
المداخل الشاملة (دراسة المجتمعات والأقتصادات بصفتها نظم فردية ليتسنى فهم الأجزاء الفرعية على نحو أفضل).
التعلم المستند ألى الفعل (التوجه نحو حل المشاكل الواقعية).
المشاركة متعددة الأوجه (أدراك الدور الذي يضطلع به أصحاب المصالح على أختلافهم).
المداخل الموجهة نحو الحلول (أستخدام المعرفة في التطبيق).
وقامت شبكة حلول التنمية المستدامة ، في جانب من هذا العمل، بتحديد أكثر من 300 حالة من داخل أروقة الجامعات من مختلف أرجاء العالم يمكن لها أن تحفز المؤسسات التعليمية الأخرى في توجهاتها العلمية في هذا الشأن.

وتتبنى الجامعات مناهج متنوعة تتناسب تماما مع أوضاعها فالبعض منها تقوم بتنظيم فعاليات من شانها تطوير الوعي داخل أروقتها مثل حملات التواصل الأجتماعي والأنشطة العامة أو الأنشطة المتممة للمناهج الدراسية التي تركز على التنمية المستدامة. فعلى سبيل المثال تعتبر التحديات ذات الصلة بعمل المقاولين أو (المختبرات الحية) بمثابة عمليات يمكن أن تمتد لمختلف القطاعات. ويمكنها ان تستقطب أهتمام الجماعات المحلية في ذات الوقت الذي تمنح فيه الطلبة الفرص لتطوير المهارات والميول ذات الصلة بالتنمية المستدامة. ومثل تلك الأنشطة تفسح المجال لمستوى معين من الأبتكار الذي يصعب تحقيقه في ضوء المنهاج الدراسي الرسمي.
وتقوم مؤسسات تعليمية اخرى بدمج أهداف التنمية المستدامة في مناهجها الدراسية من خلال المشاريع المتقدمة التي تعتمد على أهداف التنمية المستدامة وتحليل دراسات الحالة والتمارين والمحاضرات أو القراءات. وقد تمكنت أكاديمية أهداف التنمية المستدامة من التواصل مع أكثرمن 850 ألف متعلم من 193 بلدا ومن خلال مادة علمية مطروحة شملت 35 مادة دراسية تغطي مواضيع ذات صلة بأهداف التنمية المستدامة. ويتولى اساتذة أختصاصيون تدريس هذه المواد الدراسية عبر الأنترنت من أنحاء مختلفة من العالم مع التركيز على الحلول العملية. ومن المواضيع التي تحظى بالأهمية تدريس المتعلمين سلسلة الفعاليات التي تبرز أليها الحاجة في مستويات تنفيذ مختلفة (المحلية والوطنية والعالمية) وأبداء المساعدة في فهم طبيعة الأفعال في سياقات مختلفة. والأهم من ذلك تقوم مجموعة من المتعلمين من أرجاء العالم برعاية حوار متعدد الثقافات مع أتاحة الفرصة للطلبة للأطلاع على طرق مختلفة لدراسة التحدي ذاته من زوايا مختلفة.
كما تتعاون شبكة حلول التنمية المستدامة، من خلال (برنامج المدارس العالمية) Global Schools Program و (المهمة 4.7) Mission 4.7 ، مع وزارات التعليم بهدف مراجعة المناهج المتبعة حاليا من وجهة نظر أهداف التنمية المستدامة. ويهدف مثل هذا التعاون الى التوصل الى أفضل السبل لتحديث المواضيع المتعلقة بأهداف التنمية المستدامة وأدماجها بأصول التدريس التي تتبناها المؤسسات التعليمية.
أن الأمثلة المذكورة في أعلاه تبين أن المؤسسات التعليمية المختلفة تعمل على تطوير التعليم لأستيعاب أهداف التنمية المستدامة. على أن مستوى التحولات الضرورية المطلوبة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة يقتضي التوجيه المناسب لتعليم التنمية المستدامة والأرتقاء بالمبادرات الناجحة.
لقد عملت جائحة كوفيد- 19 في غضون 15 شهرا على تجسيد التحديات والفرص التي نواجهها في التنمية المستدامة: جسامة التحدي العالمي الذي يختلف من بلد الى آخر والحاجة الى الحلول الجماعية التي تستند الى العلم والتي يتم توطينها لأسباب تتعلق بالتاثير، والحاجة لمجاراة تحد متنام تتوفر عنه مصادر معلومات مختلفة ، ومخاطر التشظية لكل من المعرفة والجهود، في الحد من قدرتنا على التعاطي الجماعي مع أكثر التحديات جدية لواقع حياتنا.
وأمامنا فرصة سانحة وفريدة لبناء جيل قادر على خلق عالم أكثر عدالة ومساواة وأزدهار واستدامة. وعلينا نحن علماء التربية في أرجاء المعمورة أن لانضيع مثل هذه الفرصة. علينا أن نستنبط نظم تعليمية تتوائم مع الهدف المنشود الذي يتطلع الى تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
* تعمل جاندريكا باهادور مديرة (أكاديمية اهداف التنمية المستدامة) ونائبة لرئيس قسم التعليم في شبكة حلول التنمية المستدامة.
http://sdg.action.org/education-to-achieve-the-edgs/

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here