رؤى متعددة للسلوك الاخلاقي في مكان العمل

تمثل الأخلاق نظاماً من القيم تهدي سلوك الفرد، وتسهم في رفعه إلى أعلى مستوياته الإنسانية، ولا يتمكن الفرد من تحقيق ذاته الإنسانية إلا من خلال تجسيده للقيم والمفاهيم الأخلاقية. الاخلاق مصطلح يطلق على الصفات الطبيعية للإنسان، او ان الاخلاق هي فطرة الانسان نفسها، والأخلاق هي جمع كلمة “خلق” والخُلق اسم للتكوين الباطني للإنسان، والخلق يعني أفعال الفرد التي يتم وصفها بالحسن والقبح، والأفعال الحميدة تسمى الخير والافعال السيئة تسمى الشر، والاخلاق ملكة نفسية يسهل على المتصف بها القيام بالأفعال الجميلة. وتأتي الاخلاق بعدة معاني منها بمعنى (السلوك Behavior، السيرة Manner، السلوك الأخلاقي Moral، الاخلاق حسب الدلالة الفلسفية Ethics، الاخلاق حسب المعنى الادبي Ethical).
تشير الاخلاق عموماً الى القيم والمعايير السلوكية في مجتمع ما، وتتضمن فضائل الخير والجمال والحق، وتسعى الى توجيه افراد المجتمع الى ما ينبغي عليهم القيام به، وتنهاهم عما يجب تجنبه في مختلف شؤون الحياة، وبعبارة أخرى تتجلى وظيفة الاخلاق في توجيه الفرد نحو التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، وبين المحمود والمذموم، وهي تمثل منهجاً وجدانياً ينير طريق الانسان في مجتمعه الى الحق والخير والجمال، ومن الجدير بالذكر ان الاخلاق تختلف عن القانون من حيث أن القانون لا يهتم بقيمة الأفعال سواء كانت جيدة ام سيئة، بل يحدد القانون ما تسمح به السلطة وما تحرمه في مجتمع معين.
تشكل مسألة الخير والشر محوراً أساسياً في علم الأخلاق، ويتنوع الخير الى مادي واجتماعي ونفسي، فالخير المادي مثلاً ما تهبه الطبيعة للإنسان لكي يستمر في الحياة مثل الماء والزرع، اما الشر فيشمل الأشياء التي تضر الانسان تؤذيه مثل الجفاف وقتل النفس والكراهية والبخل والخداع والغش، عموماً الخير يشمل الفعاليات والقيم الإيجابية التي تعزز حياة الفرد وترتقي به الى مستوى الحق والجمال والمحبة والتعاون والإخلاص وغيرها من القيم الإنسانية الإيجابية.
الإشكالية ليست في فعل الخير، بل بالمعيار الذي يعتمده الافراد في التمييز بين الخير والشر، على سبيل المثال يعتقد سقراط بتوءمة الخير والمعرفة من جانب، وتوأمة الشر والجهل من جانب اخر، فالمعرفة تؤدي بالفرد الى فعل الخير، والجهل يدفع الفرد الى فعل الشر. بينما اعتقد افلاطون ان العلم وحده لا يكفي ليصبح الانسان فاضلاً وخلوقاً، ربما الفرد يعرف الخير ولكن لا يفعله ويعرف الشر ويقوم به، لذلك لابد من توفر قوة الاقناع والايمان بأهمية فعل الخير بالإضافة الى معرفة وعلم الشخص بالفعل الأخلاقي.
فضلا عن ذلك اعتقد المعتزلة بأن معيار الخير والشر يكمن فيما يستحسنه او يستهجنه العقل من الافعال، ولكن الاشاعرة اختلفوا مع ذلك المنظور واعتقدوا أن الحسن والقبيح شرعيان وليسا عقليان، بمعنى أن الخير تحدده الشرائع والأديان وليس عقل الإنسان.
يرى اخرون ان اللذة هي معيار الفعل الأخلاقي، بينما نظرية المنفعة تعتقد ان تعظيم السعادة هي اعلى مبادئ الاخلاق، وتكون الأفعال مبررة عندما ينتج منها أكبر قدر من الخير الى أكبر عدد من الافراد (مثلا يعد التعذيب وسيلة مقبولة عندما يمنع الإرهاب) ولكن الفيلسوف “إيمانويل كانط” يناقض فكرتي اللذة والمنفعة معاً، إذ يرى وجوب تنزيه مبدأ الخير عن الأغراض الذاتية واللذة، ويشير ذلك الى أن الخير يكمن فيما يجب وليس فيما يحققه من سعادة.
بالإضافة الى ما تقدم ينظر البعض للأخلاق بأنها مسألة نسبية، فهي تفضيلات اجتماعية معينة تستند الى ما يجله افراد المجتمع وما يستهجنونه من سلوك وتصرفات في فترة وظروف معينة، وان التمييز بين الصواب والخطأ يفسر تفسيراً فردياً بالاعتماد على اتجاه الفرد الذي يصدر الحكم الأخلاقي، فالشيء الذي نحبه فهو صواب والذي نكرهه يعّد خطأ.
ومن جهة نظر اقتصادية التي يمكن ارجاعها الى كتاب ثروة الأمم الذي الفه ادم سميث والمتضمن ان خلق الثروة هي مسؤولية الفرد والدولة، وان هدف المنظمة الرئيس هو خلق الثروة من خلال انتاج السلع والخدمات وتقديمها للسوق، ومن ثم تحقق حماية لرأس المال وتعظم الربح، بمعنى ان الجوانب الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية وفقاً لذلك المنظور لا تحظى بنفس أهمية الربح ، ولكن مع تزايد الفضائح الأخلاقية (مثل التضليل الاحصائي والمعلومات غير الصحيحة والإهمال وسوء الممارسة لدى بعض المنظمات) واتساع الانتقادات لمنظمات الأعمال ومعاييرها المتمثلة بالربح والكفاءة الى حد اهمالها لمسؤوليتها الاجتماعية والأخلاقية أصبحت القضايا الاجتماعية والبيئية موضع اهتمام للكثير من المنظمات.
تنشأ الاخلاق في منظمات الاعمال من عدة مصادر منها الدين والمجتمع الاخلاق الشخصية للعاملين والثقافة التنظيمية وأصحاب المصلحة الخارجيين ، فالأخلاق مسألة فردية وتنظيمية في ان واحد، حيث تتجسد معايير السلوك الأخلاقي او المسؤول اجتماعياً في سلوك الموظفين وممارسات المنظمة ، وان لقادة منظمات الاعمال دور كبير في تشكيل السلوك الأخلاقي في المنظمات، ويجب ان يلتزم كبار المديرين بقيم أخلاقية معينة وإظهار الدعم لها وتجديدها، ويمكن للقادة توصيل القيم الأخلاقية للعاملين بعدة طرق مثل الخطابات و إعلانات الشركة و بيانات السياسة و الإجراءات الشخصية.
ويمكن القول ان سلوك القائد يعد مؤشراً ومعياراً للعاملين للتمييز بين الأفعال الصحيحة والخاطئة في المنظمة، حيث يمكن ان يتأثر التزام العاملين في المنظمة بالقيم الأخلاقية التي يتبنها ويمارسها القائد، لكون ممارسات القائد تشكل تاريخ وثقافة المنظمة التي يمكن ان يتعلم منها العاملين في المنظمة.
أيضا كبار القادة مسؤولون عن الحفاظ على ثقافة تعزز السلوك الأخلاقي للموظفين، فعندما ينخرط القائد في ممارسات غير أخلاقية، او يفشل في اتخاذ إجراءات حاسمة رداً على ممارسات غير اخلاقية للموظفين فان هذا الموقف يسهم بتراجع الاخلاق، ومن ثم تكون البرامج التدريبة الخاصة بالتوعية الأخلاقية التي تنفذها المنظمة بلا جدوى.

الباحث: اكرم سامي فايز
ماجستير إدارة اعمال

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here