الجهل وثنية تنصب اصناما لتسهيل حكم الشعوب واستعبادها

بقلم: أ. د. سامي الموسوي

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ).

يقول الفيلسوف والناقد (Noam Chomsky) ان هناك عدة استراتيجيات للتحكم بالشعوب من أهمها إبقاء العامة في حالة من الجهل والغباء وتشجيعهم للرضى بذلك بل ومخاطبتهم وكأنهم أطفال مما يسهل استخدام الجانب العاطفي فيهم وليس الفكري ثم خلق مشاكل لهم لاهائهم فيها. ومن هذه المشاكل تغييب الامن وافساد الأجهزة الإدارية للدولة وتشتيت حياة الافراد للبحث عن لقمة العيش ومستلزمات الحياة وذلك بتدمير الاقتصاد والخدمات واحتكار المال بيد الفاسدين. بهذا الشكل يصبح المشهد العام للدولة والشعب وبشكل منتظم ومتكرر هو وجود فاسدين يتكلمون ضد الفساد ، وأغبياء يحاججون ضد الجهل ، ومنحرفون يكتبون ضد الرذيلة، وعملاء ينتقدون الخيانة. اذن هو الجهل والتجهيل الذي طالما ما استخدمه الطغاة والمحتلون لاستعباد الشعوب والسيطرة عليها وسرقة خيراتها. انها القاعدة العامة التي تقول ان الشعوب الجاهلة والتي تتفشى بها الامية يسهل حكمها وقيادتها نحو ما يريد الطغاة على العكس من الشعوب المتعلمة التي لاترضى بالظلم ولا التعسف وهي تعرف كيف تنتزع حقوقها ولا تفرط في كرامتها ومواردها المالية والطبيعية. على ان من اهم الوسائل المستخدمة لاستعباد الشعوب هو استغلال الدين وإدخال ما ليس فيه على انه مقدس وهو ليس منه في شيء. هذا الشيء الذي اضفيت عليه القدسية قد يكون رجل او شيء آخر وكلاهما صنمي الحال قد نهى الدين عنه بشكل قاطع. علما بان الأديان الحقة ما جاءت الا لتحرير الانسان من العبودية لغير الله وحتى الله لم يكرهه على الدين بل جعل القاعدة الأساسية هي (لا اكراه في الدين). وعندما يدخل الاكراه في الدين ويدخل عليه ما يريد الطغاة من تجهيل يصبح دين مستأجر وهو خلاف الدين الذي فيه خلاص وحرية الانسان وذلك بجعل العبودية خالصة لله دون خلقه مهما كانوا.

ان على الشعوب ان تشخص امراضها بشكل صحيح وشجاع والا فأنها تموت بسبب اخذ العلاج الخاطئ الذي يحاول ان يدسه اليهم المستعمرون علما بأن اخطر هؤلاء المستعمرين هم الذين يعملون في السر لأنهم يختبأون عن الانظار ويهددون الشعوب من داخلها خاصة ببث الفرقة واشاعة الاخلاق الفاسدة و روح الرضا بالقهر والذل والهوان. قال ابن خلدون (ان الشعوب المقهورة تسوء اخلاقها) ولذلك عليها ان تثور ضد القهر أولا وضد الظلم والفساد لكي تستعيد كرامتها المهدورة.

أنه من غير المعقول ان نرى بلدا كالعراق تصبح فيه الكهرباء حلما لا يمكن تحقيقه على مدى عشرين عاما دون ان يثور الشعب وان ثار يقتل بمختلف انواع الاسلحة المحرمة دوليا! وأنه من غير المعقول ان يعتمد العراق الذي يمتلك مخزون هائل من الغاز على مدى هذه الأعوام نفسها على الغاز الذي تزوده به ايران بل وتجعل منه ورقة ضاغطة ومذلة. كما وانه من غير المعقول اطلاقا ان يستورد العراق من ايران الخضروات والفواكه والتمور بينما تترك ارضه بورا او منتوجاته تبور ولا يشتريها احد. و(من غير المعقول) هذه نحتاج الى مجلدات لكي يتم سردها جميعا وتتحمل مسؤوليتها أمريكا التي جعلت من العراق بيد الفرس. هذا هو قمة الفساد والتلاعب ولهذا يستخدم التجهيل لكي يصمت الشعب كالطفل الذي يخوفونه بالبعبع عندما يريدون اسكاته. هذا التجهيل الذي يمارسه منتفعون وخونة ودول أخرى يستخدمون به وسائل متعددة كالدين او التخويف بواسطة شماعة (صدام وحزب البعث) رغم مضي سنوات على مغادرتهم او اسقاطهم ليجعلوا من شخوصهم بعابع او اشباح مخيفة وباللهجة العراقية (جاك الطنطل جاك الواوي.). الانسان الجاهل مستعد ان يذل نفسه من اجل لا شيء او يقال له من اجل مقدس ليس له وجود فتصير العبودية لغير الله بديلا عن عبودية الله ويكون ذلك الانسان الجاهل مستعدا جدا لاذلال نفسه وجعلها كلب او تططين جسده او ذر التراب عليها او الزحف والنباح او تقديس النار او اسالة الدماء او عكس كل ما هو صحيح ليصبح خطئا والعكس. علما بان ذلك يروق للاصنام (المقدسة) فتصمت عنه بل وتشجعه.

ومن اهم الأمور التي يستخدمها هؤلاء هو الاستدرار العاطفي لجعل الناس ترضى بالواقع المرير خوفا من (الطنطل) ورضى بالفاسد الذي يحل محل الطنطل. و هناك امثلة كثيرة على ذلك منها مثلا الاستغلال العاطفي لقضية الحسين و بشكل يعاكس مباديء تلك القضية وذلك عندما يلقي شخص معمم بخطبته على الذين تلاعبوا بمشاعرهم وجهلوهم فيقول للناس بأن المهم هو ان لديهم فرصة للطم والبكاء على الحسين يوفرها لهم الحاكم الشيعي حتى وان كان فاسدا او سارقا فهذا لا يهم. أي المهم عنده او ما يريد إدخاله في عقول الناس على انه شيء مقبول هو ان الحكم بيد الشيعي حتى لو كان هذا الشيعي وعصابته فاسدين وحرامية وليس المهم الكهرباء او الخدمات والتعليم والصحة والعدل ولكن المهم هو اللطم على الحسين. وهذا بالضبط خلاف ما أراده الحسين وجده رسول الله واهل البيت عندما صرحوا بان (الحكم يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم) . و الشخص الذي يحاول تجهيل العامة هو في قرارة نفسه يضحك عليهم ويردد في نفسه قائلا (لا يوجد فيكم من يعترض فكلكم جهلة)! فالحسين هو ثورة على الواقع الفاسد وليس لطم وتطبير وقراءة قصائد على لسان السيدة زينب او غيرها من اهل البيت هي في الواقع تسيء لسمعة اهل البيت لو تمعنا فيها بل وتسيء للدين. ان هناك الكثير من الممارسات الشاذة التي لايمكن ان ترقى الى مقام اهل البيت بل أدخلت من قبل قوميات غير عربية منها ما هو مسيء لاهل البيت ومنها من اجل الاتجار بهم. وخير مثال على ذلك الصور التي ينسبونها لاهل البيت كالرسول محمد والامام علي والحسين والتي صارت تعلق حتى في البيوت (للتبرك بها) وهي صور مسيئة تماما للحسين واهل البيت أولئك الرجال ذوي السحنة العربية بينما نجد هذه الصور ذات حواجب وعيون (انثوية) ومبالغ بها على غرار الاساطير الهندية والفارسية فعلى الناس الانتباه لذلك وعدم اقتناء هذه الصور المسيئة لاهل البيت. انها وسيلة من وسائل استدرار العطف والتجهيل وإظهار اهل البيت على انهم فرس او غير عرب وهو بشكل مباشر الحط من مكانتهم

ان احتكار السلطة والمال من قبل مجموعة من الطغاة والفاسدين والخونة وتجهيل الشعب باسم الديمقراطية هي ليست ديمقراطية بل هي طغيان بلباس الديمقراطية وأن ذلك لايتم الا عبر الاستقواء بالأعداء التاريخيين للشعب وهم كثيرون ومتعددون في داخل وخارج البلد وكلهم مستعمرون او ذيول للاستعمار. هذا الاحتكار السلطوي الديمقراطي يشبه عملية سطو على بنك من قبل مجموعة من اللصوص يوزعون الادوار فيما بينهم ثم بعد نجاح العملية يتم توزيع الاموال والمسروقات الاخرى حسب الادوار وتلك هي ديمقراطية اللصوص (الكيكة – حسب ما يسميها المنتفعون من اللصوص). الجهل هنا عامل اساسي في تمرير ذلك الاحتكار السلطوي ولابد للتجهيل ان يستمر لكي يستمر معه الاحتكار فالشعوب التي لاتقرأ ويتم تجهيلها يسهل حكمها واستغلال عواطفها دون عقلها على العكس من الشعوب المتعلمة التي تناقش ويمكن لها ان تشخص الخطأ ولا تقبل كل ما يقال لها. فهي تعلم علم اليقين ان (الطنطل) شيء غير موجود وانها تسير مع المباديء لا مع العواطف. ونختم بقول الامام علي (عليه السلام): الجهل اصل كل شر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here