{طناجر} تكشف نوعيَّة الطعام البشري قبل 5000 عام

أريستوس جورجيو
ترجمة: شيماء ميران
نشرت دراسة حديثة في مجلة (I Science – اي ساينس)، يفيد بأنَّ فريقاً من الباحثين قاموا بتحليل بقايا طعام متروكة داخل سبعة طناجر برونزية نادرة عُثر عليها في مواقع طمر بمنطقة القوقاز. وتوصلت الى نوعيَّة الأطعمة التي تمَّ طهيها في العصر البرونزي. تضمُّ منطقة القوقاز الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود، أجزاءً من جنوب غرب روسيا، فضلاً عن دول جورجيا وأذربيجان وأرمينيا.

بحسب الدراسة، ترتبط الطناجر بشعب “مايكوب”، الذين عاشوا في شمال القوقاز منذ ما يقارب 3700 إلى 2900 قبل الميلاد، خلال مطلع العصر البرونزي.
ثقافة مايكوب وطريقة حياتهم

يقول “فيكتور تريفونوف”، مؤلف الدراسة بمشاركة معهد تاريخ الثقافة الماديَّة والأكاديميَّة الروسيَّة للعلوم، لمجلة نيوز ويك: “لا نملك الكثير من المعلومات الموثوقة حول ثقافة مايكوب وطريقة حياتهم، باختصار كانوا مزارعين مستقرين”.

كان “تريفونوف” يُدرّس الممارسات الجنائزيَّة لثقافة المايكوب، وتوصل إلى استنتاج مفاده أنَّ المراجل المستخدمة في تلك الأعياد الجماعيَّة تعدُّ عنصراً رئيساً فيها.

مضيفاً “لقد أثبتنا بالفعل أنه من المرجح أنَّ أفراد عائلة مايكوب كانوا يشربون نوعاً لذيذاً من البيرة خلال مراسم الأعياد، لكن لم نتوصل الى ما تضمه القائمة الرئيسة. وتشير جميع الإشارات غير المباشرة الى أنَّ الطبق الرئيس كان يُطبخ في طناجر، فما الذي تمَّ طهيه فيها”.

لمعرفة ذلك، قرر الباحثون إجراء دراسة كيميائيَّة حيويَّة لبقايا الطعام في طناجر باستخدام تقنيَّة تحليل البروتين الجديدة. فقد عُثر على الطناجر في أوقاتٍ مختلفة بدءاً من العام 1897 وتمَّ الاحتفاظ بها في المتاحف في بطرسبورغ وموسكو. تمكن العلماء من تحديد بقايا البروتين القديمة من الدم وأنسجة العضلات والحليب. وأشاروا الى أنَّ أحد البروتينات تدلُّ على طهي أنسجة الغزلان أو الأبقار وجاموس الماء في الطناجر. يشير العلماء الى أنَّ بروتينات الحليب سواء من الأغنام أو الماعز توضح أنَّ القدور كانت تستخدم لتحضير منتجات الألبان. يقول “شيفان ويلكين”، أحد مؤلفي الدراسة في جامعة زيورخ: إنَّ “مزيج الانسجة العضليَّة والدم يفترض أنهم كانوا يطبخون نوعاً من الحساء، فضلاً عن كميَّة صغيرة من بروتينات الحليب، ويمكن أنْ يتمَّ طهيها مع اللحم. أعتقد أنَّ استخدام القدر ذاته لطهي المعكرونة أو الحساء ممكنٌ كما هي الحال اليوم لأنَّ المراجل كانت نادرة نسبياً ويصعب صنعها”.
سبائك معدنيَّة حافظة

وبحسب الباحثين فمن الواضح أنه لكون الطناجر كبيرة فقد كانوا يصنعون وجبات كبيرة من المفترض لعدة أشخاص وليس لأفراد عائلة واحدة فقط. يوضح “ويلكين”: “من المثير حقاً معرفة ما كان الناس يصنعونه في هذه القدور منذ فترة طويلة”.كما استخدم الباحثون التأريخ بالكربون المشع، ما يشير إلى أنَّ استخدام الطناجر بين 3520 و3350 قبل الميلاد، ما يعني أنَّ السفن أقدم بأكثر من 3000 عام من أي قطعة تم تحليلها من قبل. ويمكن تفسير الحفاظ على بقايا البروتين لفترة طويلة بأنَّ للسبائك المعدنية كالبرونز خصائص مضادة للميكروبات، التي قد تكون أعاقت قدرتها على تحليل البروتينات بمرور الوقت. يقول “ويلكين”: “أكثر الاكتشافات إثارة هو الحفاظ على البروتينات لخمسة الآف عام، فالمعادن المصنوعة منها الطناجر مضادة للميكروبات بشكل طبيعي، ونعتقد أنَّ هذا ما حافظ على المواد العضويَّة، وكنت سعيداً جداً لرؤيتها تعمل منذ زمن بعيد”.

كم هناك أدلة سابقة أيضاً على حليب ولحوم ومخلفات نباتات يعود تاريخها الى 6500 عام قبل الميلاد، تمَّ توثيقها في مستوطنة (تشاتالهويوك القديمة) جنوب الاناضول. وأكد ويليكين أنَّ الدراسة الأخيرة أثبتت أنَّ الاكتشاف الأخير يعدُّ أقدم بقايا مأخوذة من أوعية معدنية.

تُظهر الطناجر التي حللها الفريق علامات تآكلٍ وتلفٍ بسبب الاستخدام رغم وجود مؤشرات على أنها خضعت لبعض الإصلاحات، ما يدلُّ على أنها ذات قيمة، وتتطلب مهارة للعمل عليها، وأنَّها رمز للثروة والمكانة الاجتماعيَّة.

بيانات أثريَّة مذهلة

يؤكد الباحثون أنَّ الأساليب المستخدمة في الدراسة الأخيرة تمكنت من الكشف عن معلومات لم تكن معروفة من قبل عن الشعوب القديمة. ويوضح ويلكين أنَّه “إذا البروتينات تمَّ حفظها في القطع الأثريَّة مثل الطناجر البرونزيَّة، فبالتأكيد هناك فرصة لحفاظها على مجموعة واسعة من الأشياء الأخرى: “لا يزال لدينا الكثير لنتعلمه، لكن هذا يفتح المجال بطريقة دراماتيكيَّة فعلا، إذ يمكننا باستخدام طرق مثل تحليل البروتين، رؤية بيانات أثريَّة مذهلة كانت ستظل غير مرئيَّة، ويمكننا أنْ نرى الأنسجة وأنواعها، بينما مع الحمض النووي نعرف الأنواع فقط، إذ لا يمكن أنْ يحدد إنْ كان دماً وعضلات وحليباً، بل يدلُّ على وجود أنواعٍ مجترة فقط، ما يثير اهتمامي فعلاً هو طريقة الحفظ في هذه الأوعية المعدنية، ما يوفر فرصاً جديدة للنظر في إنتاج الطعام ومعالجته وتقديمه وتناوله في أي منطقة باستخدام أكواب معدنيَّة أو أوعية كبيرة”.

بحسب “تريفونوف” فإنَّ الدراسة الأخيرة

ستُظهر فكراً جديداً لمفهومنا عن مدى مشاركة سكان هذه المنطقة النائية في تقاليد الطهي لثقافات غرب آسيا التي كانت تعيش آنذاك، ويقول: “كانت الألفية الرابعة قبل الميلاد فترة فريدة في تاريخ شمال القوقاز، لم تندمج المنطقة بعمق لا سابقاً ولا بعدها في عالم الشرق الأدنى القديم”.
عن مجلة نيوز ويك

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here