هل سمعتم بقوات احتلال او عملائها جلبوا الخير للشعوب التي تحتلها؟

بقلم: أ. د. سامي الموسوي

لم يسجل التأريخ الحديث ولا القديم بأن قوت احتلال قامت بجلب الخير والرفاه والديمقراطية للبلدان التي تحتلها. على العكس فان قوات الاحتلال تأتي لتدوس في بساطيل جنودها ومرتزقتها وذيولها على رؤوس البلدان التي تحتلها وتنزع عنها كرامتها وتسرق خيراتها وتذلها ايما ذل. ولا يمكن ان تكون قوات الاحتلال (ضيوفاً) كما وصفهم البعض وساعدهم على احتلال البلد لقاء حفنة دولارات. جورج بوش الصغير ربما لم يكن يتمتع بذكاء حاد او حتى عادي عندما ادعى كذبا بان قواته ومرتزقته من العلوج جاؤا من اجل الديمقراطية للعراق وهو نفس الادعاء التي تستخدمه القوات المستعمرة كلما جاءت لتحتل بلد تحت عنوان التحرير. لم يسجل التأريخ يوما ما على ان قوات الاحتلال تجلب للدول التي تحتلها حقوق وحريات وكرامة وعزة او رجال يقودون البلدان بوطنية وعفة ونزاهة وديمقراطية بل العكس هو الصحيح.

وعلى مر العصور لم يسجل التأريخ ان قوات احتلال جلبت معها ذيول من الذين يخونون بلدانهم مع تلك القوات الغازية على انهم وطنيون وليسوا سراق وطلاب سلطة بل وينظر لهم المحتل بأبشع الصور واقذرها. التاريخ مليء بقصص مثل هذا على ان واحدة من هذه القصص ما حدث مع (نابليون بونابرت). عندما شعر بالانكسار نتيجة خسارته في معركة (اسبرن)، طلب من ضباطه أن تكون المعركة استخبارية، وبدأ ضباطه يبحثون عن جاسوس نمساوي يساعدهم على الدخول الى النمسا، من خلال نقطة ضعف في الجيش النمساوي، وبعد جهد جهيد، وسعي حثيث، عثروا على رجل نمساوي كان يعمل مهربًا بين الحدود، واتفقوا معه على مبلغ من المال إذا هم استفادوا من معلوماته. فدلهم الخائن على منطقة جبلية يوجد فيها جيش نمساوي قديم، لكون المنطقة شبه مستعصية وبالفعل. تمكن الجيش الفرنسي من اقتحام المنطقة واحتلالها، وبعد أن استقر الوضع لفرنسا؛ جاء الخائن النمساوي لمقابلة (نابليون بونابرت)، فأدخلوه على الإمبراطور وكان جالسًا في قاعة كبيرة، وما إن رأى (نابليون) ذلك الجاسوس النمساوي؛ حتى رمى له بقبضة من النقود في صرة على الأرض؛ ليأخذها ثمن خيانته وجزاء أتعابه، فقال الجاسوس- كعادة أمثاله: سيدي العظيم؛ يشرفني أن أصافح قائدًا عظيمًا مثلك. فرد عليه نابليون: أما أنا فلا يشرفني أن أصافح خائنًا لوطنه مثلك. وانصرف الجاسوس، وبصق عليه نابليون من وراء ظهره..!! وكان كبار القادة جالسون عنده، فتعجبوا من تعامل نابليون مع الجاسوس؛ على الرغم من أهمية الأخبار التي نقلها لهم؛ وكانت سبباً في انتصارهم. وسألوه عن السبب فأجاب (نابليون) بعبارة هي من أروع عبارات التاريخ الحديث عن الخائن والخيانة. ماذا قال..؟ قال: ( إن الخائن لوطنه، هو كمثل السارق من مال أبيه ليطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه، ولا اللصوص تشكره). وسأل ادولف هتلر ذات يوم: من هم احقر الناس الذين قابلتهم في حياتك فقال: الذين ساعدوني علي احتلال اوطانهم.

ان اول ما تفعله القوات الغازية للدول ذات الحضارة العريقة مثل العراق هو تدمير ذلك الإرث الحضاري اما بواسطة استهدافها المباشر او بواسطة صنيعاتها امثل داعش والمرتزقة. وانه لمن السخف والمهازل ان نصدق الذين يقولون بان قوات الاحتلال الأمريكي لم تكن قد هيأت خطط لما بعد الاحتلال مما تسبب بما وقع من عمليات سلب ونهب وفقدان للامن. ان ذلك محض كذب وافتراء بل ان قوات الغزو الامريكية هي التي شجعت على ذلك وفقط حمت النفط وما يتعلق به. يقول الكاتب الاستقصائي (جيف سيمونز) في كتابه (عن العراق) أن الحرب دمرت العراق بما في ذلك الكثير من تراثه الحضاري الذي لا يقدر بثمن ، وذكرت بعض التقارير أن حوالي ١٧٠ الف قطعة أثرية فقدت ، وهي تشكل سجلا فريدا من نوعه للحضارات السابقة ، وكان من المثير للدهشة بشكل خاص في رأي بعض المراقبين ، أن جنودا امريكيين وبريطانيين شجعوا أعمال النهب كما نقل ذلك الكاتب دانيال ماك غوري في صحيفة التابمز اللندنيه في ٥ نيسان / ابريل ٢٠٠٣ .

ويذكر (جيف سيمونز): ربما كان استراتيجيو واشنطن عازمين على تدمير الحضارة العراقية كوسيلة لتحطيم العنفوان التاريخي لشعب وطني ، وثمة دلائل على أن مخططي الحرب الأمريكيين كانوا يبيتون نوايا لتدمير التراث العراقي ، ويستشهد بتصريح سابق لقائد سلاح الجو الأمريكي الشرير الجنرال (مايكل دوغان) عندما قدمت له لائحة بالأهداف العسكرية العراقية في حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١ ” هذه الأهداف ليست كافية ، ومن المهم استهداف ماهو فريد في الحضارة العراقية ، وما يعتبرونه ذات قيمة كبيرة جدا ؛ ومن المهم معرفة ما هو الشئ الذي يترك أثرا نفسيا على الشعب والنظام ” .

وحدثت طوال حرب عام ١٩٩١، كما في شهري نيسان ومايو ٢٠٠٣ ، عمليات سرقة كبيرة جدا للكنوز الأثرية العراقية قام ببعضها جنود أمريكيون .

ولقد تعرضت المستشفيات ، كالمتاحف ، للنهب والتحطيم ، وقد استقال في ١٨ نيسان / ابريل مستشاران ثقافيان لحكومة الرئيس بوش هما مارتن ساليفان وغاري فيكان من منصبيهما احتجاجا على امتناع العسكريين الأمريكيين عن حماية الكنوز الأثرية العراقية برغم التحذيرات الكثيرة من أعمال النهب ، وقال فيكان بعد ان لاحظ كيف هرعت القوات الأمريكية لحماية وزارة النفط ” نحن نعرف بالتأكيد قيمة النفط ، ولكن يبدو أننا لا نعرف بالتأكيد ايضا قيمة الحضارة ” .

وكان واضحا منذ البداية أن الأمريكيين لم يكونوا راغبين في تسليم البلاد الى حكومة عراقية منتخبة ، لأن ذلك لاينسجم مع أهدافهم وغاياتهم في السيطرة على العراق ، وجعله تحت حكمهم المباشر ، والتحكم به حسب الخطة التي رسموها له ، وكانت السمة الأساسية لما بعد الاحتلال هي الفوضى ، والفشل في توفير الأمن ، والتعمد الواضح في إبقاء الأوضاع العامة في حالة من التردي لاسيما في الجانب الخدمي ، وعندما حاول جاي غارنر ، الذي تسلم مقاليد الأمور في العراق بعد الاحتلال ، في ابريل / نيسان ٢٠٠٣ تشكيل حكومة عراقية انتقالية لإدارة شؤون البلاد ، تم مواجهته بالرفض من قبل وزارة الخارجية الأمريكية ، التي كانت قد رفضت مسبقا فكرة الحكومة الانتقالية ، حيث كانت هناك نية لتشكيل حكومة عراقية انتقالية تتولى ادارة البلاد مباشرة بعد سقوط النظام .

وعند نهاية ابريل / نيسان ٢٠٠٣ ، ابلغ وزير الدفاع رامسفيلد غارنر بأن خدماته لم يعد لها حاجة ، وعلى أثرها بعث جون سورز ، السفير البريطاني في مصر ، الذي كان مبعوثا مؤتمنا من قبل توني بلير برقية الى الحكومة البريطانية بشأن هذا التغيير قال فيها ” أن ازاحة غارنر ، هي فوضى ، هي فوضى لاتصدق ، لا قيادة ، لا استراتيجية ، لا تنسيق ، لا هيكل ، ويتعذر التواصل مع العراقيين العاديين ” .

ولتعيين شخص محل غارنر ، اتصل رامسفيلد ب بول بريمر ليسأله اذا كان مستعدا ليكون الحاكم المدني للعراق ، وبالرغم من أن ادارة بوش أكدت أن هذا التغيير كان جزءا من الخطة ، الا أن بريمر نفسه قال في مذكراته ” عامي في العراق ” أنه أعطي فقط مهلة أسبوعين من بعد الاتصال به حتى يستلم موقعه في بغداد .

ولم يسبق لبريمر ان زار العراق ، ولا يتحدث العربية ، وليس لديه خبرة في ادارة الحكم ، ومعالجة الأزمات التي تنشب جراء الصراعات .

وقد وصل الحاكم المدني الجديد الى بغداد في ١٢ مايس ٢٠٠٣ ، وفي ١٦ مايس ، قام بتشكيل مجلس الحكم العراقي ، وهذا معناه أنه لن تكون هناك حكومة مؤقتة ، ولن يكون هناك تسليم مبكر للسلطة ، وجاء هذا بالضبط بعد ١١ يوما من اعلان غارنر ، بالنيابة عن حكومة الولايات المتحدة ، بأن حكومة انتقالية سوف تشكل بحلول ١٥ مايس .

ومن المعروف ان بريمر من قدماء الصقور في وزارة الخارجية ، ومن الدبلوماسيين الذين رعاهم هنري كيسينجر ، وقد عمل في الماضي مديرا تنفيذيا لمؤسسة كيسينجر أسوشيتس Kissinger Associates.

وقد اتضح أن بما لايقبل الشك ان هذه القوات الغازية والسياسة الامريكية الصهيونية كانت ولا زالت تسعى لسيطرة غريبة على العراق لفترة غير محدودة عمليا ، وبدا ان معاناة الشعب العراقي ستستمر بلا نهاية. وهذا هو السبب الذي دعا واشنطن لاشراك ايران في السيطرة على العراق لكي لاتتلطخ ايديها بالدم العراقي بشكل احادي وعليها تلطيخ ايدي الفرس كذلك كلعبتها التي أدت الى دخول العراق في الكويت. السؤال هو: هل يمكن لامريكا وذيولها والعملاء الذين جلبتهم معها ان يستطيعوا ان يغسلوا العار الذي لحق بهم من جراء ما فعلوه بالعراق وشعبه منذ عام ١٩٩١ ولحد الان؟

نحن نسجل للتأريخ والاجيال التي ستقرأ هذا بعد الف او الاف الأعوام بأن العار الأمريكي من جراء حروبها وحصارها ضد العراق لا يمكن ازالته ولعله
أسوأ ما فعله الأشرار ببلد قدم الحضارة الأولى للبشرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here