العراق: ضحايا التعذيب ينتظرون من الولايات المتحدة الإنصاف والمساءلة

يبدو أن الحكومة الأمريكية تقاعست عن تقديم التعويضات أو غيرها من سبل الإنصاف للعراقيين الذين تعرضوا للتعذيب وغيره من الانتهاكات من قِبل القوات الأمريكية في سجن أبو غريب، وغيره من السجون التي أدارتها الولايات المتحدة في العراق قبل عقدين.
ما يزال العراقيون الذين تعرضوا للتعذيب من قِبل عناصر أمريكيين بلا سبيل للحصول على الإنصاف أو الاعتراف من الحكومة الأمريكية، رغم أن آثار التعذيب أصبحت واقعا يوميا للعديد من الضحايا العراقيين وعائلاتهم.
في أغسطس/آب 2022، أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية خطة عمل لتقليص الضرر بالمدنيين في العمليات العسكرية الأمريكية. لكنها لا تتضمن أي طريقة لمنح تعويضات للمدنيين الذين تضرروا سابقا.

(بغداد) – قالت “هيومن رايتس ووتش” اليوم إن الحكومة الأمريكية تقاعست على ما يبدو عن تقديم تعويضات أو سبل إنصاف أخرى للعراقيين الذين عانوا من التعذيب وغيره من الانتهاكات، رغم مرور عقدين على ظهور أدلة على إساءة القوات الأمريكية معاملة المعتقلين في سجن أبو غريب وغيره من السجون التي أدارتها الولايات المتحدة في العراق.

بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003، احتجزت الولايات المتحدة وحلفاؤها نحو 100 ألف عراقي بين 2003 و2009. وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة على يد القوات الأمريكية في العراق. قدم ضحايا الانتهاكات لسنوات شهاداتهم حول المعاملة التي تعرضوا لها، لكنهم لم يتلقوا سوى اعترافا ضئيلا من الحكومة الأمريكية، ولم يحصلوا على أي تعويض. الحظر المفروض على التعذيب بموجب القانون المحلي الأمريكي، و”اتفاقيات جنيف 1949″، و”اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”، والقانون الدولي العرفي، هو حظر مطلق.

قالت سارة ياغر، مديرة مكتب هيومن رايتس ووتش في واشنطن: “بعد مرور 20 عاما، لا يزال العراقيون الذين تعرضوا للتعذيب على يد عناصر حكوميين أمريكيين بدون سبيل واضح لرفع دعوى أو الحصول على أي نوع من الإنصاف أو الاعتراف من الحكومة الأمريكية. أشار المسؤولون الأمريكيون إلى أنهم يفضلون وضع التعذيب خلفهم، لكن الآثار الطويلة الأمد للتعذيب ما تزال واقعا يوميا للعديد من العراقيين وعائلاتهم”.

بين أبريل/نيسان ويوليو/تموز 2023، قابلت هيومن رايتس ووتش المعتقل السابق في سجن أبو غريب طالب المجلي، بالإضافة إلى ثلاثة أشخاص على علم باحتجازه وقضيته بعد إطلاق سراحه، ورغبوا في عدم الكشف عن هويتهم. قابلت هيومن رايتس ووتش أيضا محاميا عسكريا أمريكيا سابقا عمل في بغداد العام 2003، وعضوا سابقا في “المفوضية العليا لحقوق الإنسان” العراقية، وممثلين عن ثلاث منظمات غير حكومية تعمل في مجال التعذيب. راجعت هيومن رايتس ووتش أيضا تقارير إعلامية وتقارير غير حكومية، وكذلك وثائق حكومية أمريكية، بما فيها تحقيقات وزارة الدفاع الأمريكية في مزاعم إساءة معاملة المحتجزين.

في مايو/أيار، قال المجلي لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات الأمريكية عرضته للتعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة، بما فيها الإذلال الجسدي، والنفسي، والجنسي أثناء احتجازه في سجن أبو غريب بين نوفمبر/تشرين الثاني 2003 ومارس/آذار 2005.

قال المجلي إنه كان أحد الرجال الذين ظهروا في صورة من أبو غريب انتشرت على نطاق واسع تظهر مجموعة من السجناء عراة وفوق رؤوسهم أكياس وهم مكدسون فوق بعضهم البعض في هرم بشري، بينما يبتسم جنديان أمريكيان خلفهما. قال المجلي: “أمرنا جنديان أمريكيان، رجل وامرأة، بالتجرد من ملابسنا. كوّمونا، سجينا فوق سجين. كنت واحدا منهم”.

قال المجلي إن القوات الأمريكية اعتقلته أثناء زيارة لأقاربه في محافظة الأنبار العام 2003.

قال المجلي: “في صباح 31 أكتوبر/تشرين الأول [2003]، حاصرت القوات الأمريكية القرية التي كان يعيش فيها عمي. أخذوا أولادا وشيوخا من القرية. أخبرتهم أنني ضيف من بغداد وأعيش في بغداد وجئت لزيارة عمي. وضعوا غطاء على رأسي وربطوا معصميّ برباطات بلاستيكية. وضعوني في عربة هامر”.

بعد قضاء بضعة أيام في قاعدة الحبانية العسكرية ومكان مجهول في العراق، نقلت القوات الأمريكية المجلي إلى سجن أبو غريب. قال المجلي إنه بدأ التعذيب حينها: “نزعوا ملابسنا. تم الاستهزاء بنا والأكياس فوق رؤوسنا. قال المجلي: “لا حول لنا ولا قوة. تعذيب بالكلاب البوليسية، والقنابل الصوتية، وطلقات النار الحية، والمياه في الزنزانات”.

رغم أن هيومن رايتس ووتش غير قادرة على التحقق بشكل قاطع من رواية المجلي، بما فيه إذا كان المجلي أحد الرجال الذين ظهروا في صورة “الهرم البشري”، لكن قصة احتجازه في أبو غريب قابلة للتصديق. قدم المجلي أدلة تعزز روايته، منها بطاقة هوية سجين تحمل اسمه الكامل ورقمه ورقم الزنزانة، والتي قال إن القوات الأمريكية أصدرتها له في أبو غريب بعد التقاط صورته ومسح قزحية العين وبصمات الأصابع. كما أطلع المجلي هيومن رايتس ووتش على رسالة حصل عليها العام 2013 من المفوضية العراقية العليا لحقوق الإنسان، وهي هيئة حكومية مكلفة بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها في العراق، تؤكد احتجازه في سجن أبو غريب، بما فيه تاريخ اعتقاله (31 أكتوبر/تشرين الأول 2003)، وتضم رقم السجين نفسه الموجود في بطاقة هوية السجين الخاصة به.

قال المجلي إنه احتفظ بها طوال هذا الوقت كدليل على ما عاناه.

أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق من 2003 إلى 2011، احتجزت السلطات آلاف الرجال، والنساء، والأطفال في سجن أبو غريب. ورد في تقرير أصدرته “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” في فبراير/شباط 2004 موجه إلى التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة، أن عناصر من المخابرات العسكرية أخبروا اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن نحو 70 إلى 90% من المحتجزين لدى قوات التحالف في العراق في العام 2003 اعتُقلوا عن طريق الخطأ.

قال المجلي إنه بعد 16 شهرا في أبو غريب، أطلِق سراحه دون تهمة. رغم نيل حريته، قال إنه وجد نفسه مريضا جسديا، ومفلسا، ومصدوما. قال إنه أثناء احتجازه، بدأ يعض يديه ومعصميه للتغلب على الصدمة التي كان يعاني منها والتي استمرت منذئذ. كانت الكدمات الناتئة الأرجوانية على يديه ومعصميه مرئية بوضوح.

أضاف المجلي: “أصبحتْ حالة نفسية. فعلت ذلك في السجن، وبعد أن غادرت السجن، وما زلت أفعل ذلك اليوم. أحاول أن أنسى الأمر، ولكن لا أستطيع. حتى اليوم، لا يمكنني ارتداء قميص بأكمام قصيرة. عندما يراها الناس، أقول لهم إنها حروق. أتجنب الأسئلة”.

بالإضافة إلى الآلام التي تعرض لها، يتألم المجلي من التأثير السلبي الذي خلّفه ذلك على أطفاله: “غيرت هذه السنة والأربعة أشهر كياني كاملا إلى الأسوأ. دمرتني ودمرت عائلتي. سبّبت مشاكل صحية لابني وأدت إلى ترك بناتي الدراسة. سرقوا منا مستقبلنا”.

على مدى عقدين، سعى المجلي إلى الحصول على الإنصاف، بما فيه التعويض والاعتذار، عن الانتهاكات التي تعرض لها. بسبب عدم قدرته على تحمل تكاليف محام أو الوصول إلى السفارة الأمريكية في بغداد، سعى المجلي إلى الحصول على المساعدة من نقابة المحامين العراقيين، التي رفضت، قائلة إنها لا تتعامل مع مثل قضيته. ثم ذهب المجلي إلى المفوضية العراقية العليا لحقوق الإنسان، لكن كل ما استطاعت فعله هو إصدار رسالة تؤكد وجوده في سجلاتها كمعتقل سابق في أبو غريب. قال إنه لا يعرف كيفية الاتصال بالجيش الأمريكي وتقديم المطالبة.

كتبت هيومن رايتس ووتش إلى وزارة الدفاع الأمريكية في 6 يونيو/حزيران 2023، توضح فيها قضية المجلي، وتقدم نتائج البحث، وتطلب معلومات عن تعويض ضحايا التعذيب في العراق. رغم طلبات المتابعة المتكررة، لم تتلق هيومن رايتس ووتش أي رد.

قال المجلي: “لم أكن أعرف ماذا يمكنني أن أفعل أو إلى أين أذهب”. لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من العثور على أي مسار قانوني للمجلي لرفع دعوى للحصول على تعويض.

قالت ياغر: “على وزير الدفاع والنائب العام الأمريكيين التحقيق في مزاعم التعذيب وغيره من أشكال الانتهاكات بحق الأشخاص الذين اعتقلتهم الولايات المتحدة في الخارج أثناء عمليات مكافحة التمرد المرتبطة بـ ̕الحرب العالمية على الإرهاب̔ التي تشنها. على السلطات الأمريكية بدء الملاحقات القضائية المناسبة ضد أي شخص متورط، مهما كانت رتبته أو منصبه. على الولايات المتحدة تقديم التعويضات والاعتراف والاعتذارات الرسمية إلى الناجين من الانتهاكات وعائلاتهم”.

20 عاما من الصمت الأمريكي
في 2004، اعتذر الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش عن “الإذلال الذي عاناه السجناء العراقيون” في أبو غريب. وبعد فترة وجيزة، قال وزير الدفاع رونالد رامسفيلد لـ “الكونغرس” إنّه وجد طريقة قانونيّة لتعويض المعتقلين العراقيين الذين عانوا “الانتهاكات والقسوة الأليمة والوحشية على أيدي عدد قليل من أفراد القوات المسلحة الأمريكية. هذا ما يجب فعله، وأنا عازم على أن أراه يتحقق”.

لم تجد هيومن رايتس ووتش أيّ دليل على أنّ الحكومة الأمريكيّة دفعت تعويضات أو قدمت أي سُبل انتصاف أخرى إلى السجناء ضحايا الانتهاكات في العراق، كما لم تقدم الولايات المتحدة أي اعتذارات أو أشكال جبر أخرى فرديّة.

حاول بعض الضحايا التقدّم بطلبات تعويض باستخدام “قانون المطالبات الأجنبيّة” الأمريكي، الذي يسمح للمواطنين الأجانب بالحصول على تعويضات على الوفاة أو الإصابة أو الضرر الذي يلحق بالممتلكات نتيجة “أنشطة غير قتاليّة أو إهمال أو أفعال غير مشروعة أو إغفال” تسبب فيه العسكريون الأمريكيّون. لكنّ هذا القانون يتضمّن أيضا ما يُسمى بالاستثناء القتالي: أيّ أنّ التعويضات المطالب بها لا تُدفع إذا كان الضرر ناجما عن “أعمال نفذها العدوّ أو قوات أمريكيّة منخرطة في نزاع مسلّح أو في طور الاستعداد لنزاع مسلّح وشيك”. بالإضافة إلى ذلك، بالنسبة إلى المجلي وغيره من ضحايا الانتهاكات في السجون أثناء غزو العراق واحتلاله، فإنّ تقديم طلب بموجب قانون المطالبات الأجنبيّة ليس خيارا مطروحا لأنّه يجب تقديم الطلب في غضون عامين من الضرر المزعوم.

لم تتمكّن هيومن رايتس ووتش من العثور على أدلّة علنية تثبت دفع مبالغ بموجب هذا القانون كتعويض عن الانتهاكات التي تعرّض لها السجناء، بما يشمل التعذيب. في 2007، حصل “اتحاد الحريات المدنيّة الأمريكي” على وثائق تتضمّن تفاصيل حول 506 مطالب قُدِّمت بموجب قانون المطالبات الأجنبيّة – 488 منها في العراق و18 في أفغانستان. تتعلق أغلب هذه المطالب بأضرار ووفيات ناتجة عن إطلاق النار وحوادث المواكب والعربات.

الحالة الوحيدة التي حصلت فيها مدفوعات بموجب قانون المطالبات الأجنبيّة وعلى صلة بالاحتجاز كانت لمُدّعِ حصل على مبلغ ألف دولار لأنّه احتُجز بشكل غير قانوني في العراق، دون الإشارة إلى أيّ انتهاكات أخرى. هناك خمس مطالب أخرى تتعلّق بانتهاكات في السجن، لكنها كانت من أصل 11 مطلبا لا تتضمن أي نتيجة، بما في ذلك ما إذا صرفت أي أموال.

لم تردّ وزارة الدفاع الأمريكية على طلبات متكررة للحصول على معلومات حول ما إذا كانت الحكومة الأمريكيّة قد دفعت تعويضات بموجب قانون المطالبات الأجنبيّة أو أي تعويضات أخرى للضحايا أو أسر أولئك الذي ماتوا بسبب الانتهاكات أثناء الاحتجاز في العراق.

قال جوناثان ترايسي، وهو محامٍ عسكري سابق نظر في دعاوى تتعلق بأضرار حصلت في بغداد في 2003، لـ هيومن رايتس ووتش إنّه لا يعلم بأيّ أموال صرفها الجيش بموجب قانون المطالبات الأجنبيّة لضحايا التعذيب. قال: “حتى إذا تلقى أيّ من الناجين أموالا، فإنّي أشكّ في أنّ الجيش كان راغبا في استخدام قانون المطالبات الأجنبيّة لأنّ ذلك سيُفهم على أنّه إقرار حكومي”.

جاء في مذكّرة قدمتها الولايات المتحدة إلى “لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة” في مايو/أيار 2006 أنّ 33 سجينا، 28 منهم من العراق، قدموا حتى ذلك التاريخ إلى الجيش الأمريكي طلبات تعويض.

أكّدت المذكّرة أنّه “لم تُقدم أي تعويضات حتى اليوم، لكن تمّ عرض إمكانية التعويض في حالتين”. لم تحتوِ المذكرات اللاحقة إلى لجنة مناهضة التعذيب أيّ تحديثات لهذه الأرقام، ولم تُحدّد ما إذا صُرفت أي مبالغ. تجدر الإشارة إلى أنّه، وفقا للوثيقة، لم يُدرج أيّ من المبلَغَيْن الموصى بهما على أنه تعويض عن التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

حاول عراقيون آخرون الحصول على العدالة في محاكم أمريكية، لكنّ وزارة العدل دأبت على رفض هذه المطالب باستخدام قانون يعود إلى سنة 1946 يوفّر حصانة للقوات الأمريكيّة “من أي مطالبات ناشئة عن أنشطة قتاليّة للقوات العسكريّة أو البحريّة أو خفر السواحل في وقت الحرب”.

حتى الآن، الدعاوى الوحيدة التي أحرزت تقدّما هي تلك التي تستهدف المتعاقدين العسكريين، رغم أنّها تواجه عقبات كبيرة أيضا. ومنها “قضيّة الشمّري وآخرين ضدّ شركة كاسي” (CACI) التي تشق طريقها ببطء في المحاكم منذ يونيو/حزيران 2008. رُفعت هذه الدعوى من قبل “مركز الحقوق الدستوريّة”، وهو منظمة غير حكوميّة مقرها الولايات المتحدة، نيابة عن أربعة ضحايا تعذيب عراقيين ضدّ شركتي “كاسي إنترناشونال” (CACI International Inc) و”بريمير تكنولوجي” (Premier Technology, Inc). تؤكّد هذه الدعوى أنّ شركة كاسي، التي استأجرتها الحكومة الأمريكيّة لاستجواب السجناء في العراق، وجّهت أعمال التعذيب وغيره من الانتهاكات في أبو غريب وشاركت فيها.

حاولت شركة كاسي إسقاط القضيّة 18 مرة منذ رفعها أوّل مرة. وفي 31 يوليو/تموز 2023، رفض قاض فدرالي آخر طلبا تقدّمت به الشركة لإسقاط القضيّة، التي يبدو أخيرا أنها تسير نحو المحاكمة.

التحقيقات الجنائيّة في سوء معاملة المعتقلين في العراق
فتحت “إدارة التحقيقات الجنائيّة التابعة للجيش الأمريكي” ما لا يقلّ عن 506 تحقيقات في انتهاكات مزعومة من قبل القوات الأمريكيّة وقوات التحالف الأخرى في العراق بين 2003 و2005، وفقا لوثيقة صادرة عن وزارة الدفاع راجعتها هيومن رايتس ووتش. تضمّنت الوثيقة تفاصيل عن تحقيقات في 376 حالة اعتداء، و90 حالة وفاة، و34 حالة سرقة، وست حالات اعتداء جنسي يُزعم أنّ القوات الأمريكيّة وقوات التحالف ارتكبتها.

هذه التحقيقات الجنائيّة التي أجراها الجيش الأمريكي تعطي صورة واضحة عن حجم ونطاق الانتهاكات المزعومة داخل السجون الخاضعة للقوات الأمريكية في العراق. بعض القضايا البارزة – مثل مقتل مناضل الجمادي – ومئات حالات الانتهاك الأخرى التي لم تتصدّر العناوين، معروضة مع وصف طبي لأفعال العنف.

تضمّنت التحقيقات مزاعم تتعلق بـ 225 اعتداءً واعتداءً جنسيا في منشآت تحت السيطرة الأمريكية، شملت ما لا يقلّ عن 318 ضحيّة محتملة و426 جانيا مزعوما.

في 38 من هذه التحقيقات، تمّ تأكيد المزاعم أو التوصلّ إلى إدانة المتهم.

وفي 57 حالة، لم يتمكّن المحققون من الحصول على أدلّة كافية لإثبات الإدعاءات أو دحضها أو لم يتمكنوا من تحديد المشتبه به. وفي 79 حالة، أعلن المحققون أنّ الإدعاءات لا أساس لها. لكن الحالات التي راجعتها إدارة التحقيقات الجنائيّة سلّطت الضوء على العديد من أوجه القصور في عمليات التحقيق، ومنها عدم تحديد القرائن ومتابعتها، وعدم تحديد مكان الشهود وإجراء مقابلات معهم، والاعتماد على السجلات الطبيّة بشكل مفرط بدون أدلة إثبات، وعدم تصوير مسرح الجريمة أو فحصه.

في القضايا التي أجرى فيها مسؤولون من الجيش مقابلات مع ضحايا وتعرّفوا على هوياتهم، يبدو أنّهم لم يحاولوا ربط عقوبات الجناة بالتعويض أو غيره من أشكال الإنصاف.

أُهمِل 19 انتهاكا مزعوما على أنها إجراءات اعتيادية، ما دفع إدارة التحقيقات الجنائيّة إلى استنتاج أنّ “الجرائم لا أساس لها” أو “لم تحدث كما يُزعم”.

وأخيرا، تضمّنت 16 قضيّة انتهاكات مزعومة ارتكبتها قوات أخرى غير الجيش الأمريكي. أحيلت هذه القضايا إلى محققين من الفرع في القوات المسلحة الذي ينتمي إليه الجناة المزعومون، مثل “جهاز التحقيقات الجنائية البحريّة”، لمزيد من التحقيق.

مُناخ يمكّن التعذيب
عندما انتشرت صور الانتهاكات في أبو غريب، سعى الرئيس بوش إلى التقليل من الطابع المنهجي للمشكلة ووصفها بـ “السلوك المشين لعدد قليل من الجنود الأمريكيين الذين أهانوا شرف بلادنا وتجاهلوا قيمنا”. لكنّ التحقيقات، ومنها تلك التي أجرتها هيومن رايتس ووتش، وجدت أنّ قرارات متخذة على أعلى المستويات الحكوميّة مكّنت حصول هذه الأفعال أو وافقت عليها أو بررتها. كان أبو غريب مجرّد مركز من بين عدّة مراكز اعتقال عسكريّة أمريكيّة و”مواقع سوداء” تابعة لـ “وكالة المخابرات المركزيّة” في جميع أنحاء العالم مارس فيها العسكريون، وعملاء المخابرات، والمتعاقدون الأمريكيون التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، أو ما يُسمى “أساليب الاستجواب المعزّزة”.

عندما وصل أوّل المعتقلين إلى “القاعدة البحريّة الأمريكية في خليج غوانتنامو” في كوبا قادمين من أفغانستان في يناير/كانون الثاني 2002، وصفهم وزير الدفاع رامسفيلد بـ”المقاتلين غير الشرعيين”، ساعيا إلى حرمانهم من الحماية التي توفرها “اتفاقيات جنيف”. وفي الشهر نفسه، كثّفت إدارة بوش جهودها للتحايل على حظر التعذيب محليا ودوليا، حيث أصدر “مكتب المستشار القانوني التابع لوزارة العدل” مذكرات سعت إلى تبرير التعذيب قانونيا وحماية الضالعين فيه.

حرمان المعتقلين من هذه الحماية مكّن رامسفيلد من توسيع قائمة أساليب الاستجواب المستخدمة ضدّ السجناء في غوانتنامو بين ديسمبر/كانون الأول 2002 وأبريل/نيسان 2003.

توصّلت تحقيقات أجرتها الحكومة الأمريكيّة لاحقا، ومنها التقرير النهائي “للجنة المستقلّة لمراجعة عمليات الاحتجاز التابعة لوزارة العدل لسنة 2004″ (المعروف أيضا بـ”تقرير شليسنغر”) إلى أنّ “التقنيات المعززة [التي وافق عليها رامسفيلد] في غوانتنامو انتقلت إلى أفغانستان والعراق، حيث مورست بلا حدود أو ضمانات”.

استخدام هذه الأساليب فيه انتهاك للحظر المفروض على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة للسجناء بموجب قوانين النزاعات المسلّحة والقانون الجنائي الدولي.

رغم أنّ إدارة بوش قيّدت في السنوات اللاحقة نطاق هذه السياسات والممارسات، بما في ذلك من خلال تقليص قائمة “أساليب الاستجواب المعزّزة”، إلا أنّها لم تصل إلى حد حظر التعذيب. في يناير/كانون الثاني 2009، ألغى الرئيس باراك أوباما جميع المذكرات التي تسمح بالتعذيب الموروثة عن حقبة بوش. إلاّ أنه قال إنّ إدارته لن تلاحق كاتبي المذكرات ولا مرتكبي الأفعال الموصوفة فيها لأنهم كانوا يعتقدون أنها قانونيّة.

إرث أبو غريب
فرضت عقوبات على 97 جنديا أمريكيا متورطين في 38 قضيّة انتهاك حققت فيها إدارة التحقيقات الجنائية التابعة للجيش الأمريكي وحصلت في سجون عراقية بين 2003 و2005.

أحيل فقط 11 من هؤلاء الجنود إلى المحاكمة العسكريّة ووجهت إليهم اتهامات وأدينوا بجرائم شملت التقصير في أداء الواجب، وسوء المعاملة، وارتكاب اعتداءات خطيرة أو انتهاكات جسديّة، وقضى تسعة منهم أحكاما سجنيّة. كما نال 14 آخرون عقوبات غير قضائيّة (مثل الغرامات أو تخفيض الرتبة أو خطاب توبيخ أو الفصل من الخدمة). كانت توجد تقارير حول إجراءات تأديبيّة معلّقة بالنسبة إلى 72 شخصا حتى تاريخ نشر الوثيقة، يوم 13 يناير/كانون الثاني 2006.

لا توجد أدلّة علنية على محاسبة أي ضابط من الجيش الأمريكي عن أعمال جنائيّة ارتكبها مرؤوسوه بموجب مبدأ مسؤوليّة القيادة.

قدّمت تقارير نشرتها هيومن رايتس ووتش عامَي 2005 و2011 أدلّة تُبرّر إجراء تحقيقات جنائيّة جوهريّة مع مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى على الأدوار التي لعبوها في وضع سياسات الاستجواب والاعتقال بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، بما في ذلك الرئيس الأسبق جورج بوش، ونائبه ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد (توفي)، ومدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينيت. سلطت أبحاث إضافية أجرتها هيومن رايتس ووتش الضوء على الطابع المنهجي للتعذيب في العراق، والمستوى العالي للقيادة التي تغاضت عنه.

كل الإدارات الأمريكيّة، من جورج بوش إلى جو بايدن، تقاعست عن بذل جهود لتحقيق محاسبة حقيقية عن التعذيب.

اتُخذت بعض الخطوات لتغيير السياسات وفرض ضوابط أكثر صرامة على معاملة المحتجزين في عهدة الولايات المتحدة في الخارج. أصدر الكونغرس قوانين جديدة، مثل “قانون معاملة المعتقلين” لسنة 2005، الذي حظر إخضاع أيّ شخص في عهدة الولايات المتحدة أو تحت سيطرتها، “بغض النظر عن جنسيته أو مكانه”، إلى “عقوبة قاسية أو لاإنسانيّة أو مهينة”، على النحو المحدّد في تحفّظ مجلس الشيوخ على المادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب. كما أنشأت وزارة الدفاع عدة مكاتب ومناصب تتعلّق بـ “شؤون المعتقلين”، وأطلقت مراجعة على مستوى الوزارة للتوجيهات السياسية المتعلقة بالمعتقلين.

في أغسطس/آب 2022، أصدر “البنتاغون” خطّة عمل في 36 صفحة تهدف إلى تقليل المخاطر التي يتعرّض لها المدنيون في العمليات العسكريّة الأمريكيّة. تضمنت الخطة توجيها لوزارة الدفاع بإدراج المسائل المتعلقة بالأضرار المدنيّة في استراتيجيتها وتخطيطها وتدريبها وعقيدتها، وتوحيد وتحسين التحقيقات في الأضرار المدنيّة، ومراجعة وتحديث التوجيهات المتعلقة بالاستجابة للأضرار المدنيّة. غير أنّ هذه الخطّة لم تتضمّن آلية لمراجعة حالات الضرر السابقة التي ظلّت دون معالجة، ولم يتم التحقيق فيها أو الاعتراف بها طيلة 20 عاما.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here