رغم وفرة الاحتياطات النقدية.. لماذا لا تسدد الحكومة العراقية ديونها الداخلية؟

يمتلك العراق احتياطات نقدية ضخمة من عائدات النفط تزيد على 113 مليار دولار، في وقت يعاني من ديون داخلية تقدر بـ70 تريليون، ما يطرح العديد من التساؤلات حول الأسباب عن عدم تسديد الحكومة هذه الديون والتخلص من أعباء الفوائد المستحقة عليها، واستثمار الأموال لتوفير موارد جديدة.

وأعلن نائب محافظ البنك المركزي العراقي عمار خلف، في تموز الماضي، ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي إلى 113 مليار دولار، مستفيدا من تحسّن سعر النفط الذي يشكل 96% من مجمل الناتج القومي، فيما أكد ارتفاع حجم الدين الداخلي إلى 70 تريليون دينار عراقي (نحو 47 مليار دولار).

من جهته، كشف محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق، في آب الماضي، عن أن في ذمة الحكومة مبلغاً قدره 46 تريليون دينار عراقي (34.6 مليار دولار)، كديون مترتبة للبنك المركزي.

وحيث أن عائدات النفط ترتفع وتنخفض حسب أسعار السوق، فإن الإنفاق الحكومي الحالي يتضمن 47.6 مليار دولار سنوياً رواتب لنحو 12 مليون موظف، بينما يستهلك الإنفاق الدفاعي والأمني والخدمات نحو 60 مليار دولار، وذلك من إجمالي عائد يبلغ نحو 120 مليار دولار سنويا.

وفي هذا السياق، يوضح الأكاديمي الاقتصادي علي دعدوش، أن “الدين العام يقسم إلى قسمين خارجي يبلغ قرابة 13 مليار دولار إلى بداية عام 2023، وهذه تسدد بصورة مستمرة وتستقطع من العوائد النفطية المتحققة جراء ارتفاع أسعار النفط فوق سعر برميل النفط المحدد في الموازنة العامة”.

ويضيف دعدوش في تصريح صحفي تابعته (المدى) “فضلاً عن وجود دين خارجي بمقدار 5.8 مليارات دولار ديون ما قبل 2003، وديون خارج نادي باريس غير معالجة بنحو 40 مليار دولار، ولم تتم المطالبة بها من قبل دول الخليج”.

وتابع قائلاً، “أما الدين الداخلي فقد بلغ نحو 70 تريليون دينار منه 50 تريليون لصالح البنك المركزي العراقي وهذه تتم إعادة جدولتها بين مدة وأخرى وبفائدة تحددها الحكومة”.

ويرى، أن “تريث الحكومة بعدم التسديد للدين الداخلي هو نتيجة لكثرة التزاماتها تجاه المشاريع الاستثمارية والخدمية ضمن المنهاج الحكومي، خاصة وأن حجم العجز المخطط في الموازنة العامة لسنة 2023 بلغ نحو 64 تريليون دينار، وهذا أيضاً يمنع الحكومة من تسديد الدين الداخلي، ما ينذر بوجود مشاكل مالية واقتصادية تواجه الحكومة الحالية في المستقبل القريب”.

وأشار إلى “فرصة كانت متوفرة لتسديد الدين الداخلي قبل أزمة كورونا وتحديداً خلال المدة (2017-2019)، أبان تحقق الوفرة المالية، إلا أنها لم تسدد نتيجة لعدم وجود خطة واضحة المعالم، فضلاً عن عدم مطالبة المصارف الخاصة وبعض الجهات التي موّلت الدين الداخلي بديونها كون لديها سيولة عالية تستطيع من خلالها مواجهة المخاطر المصرفية لو وجدت”.

واختتم دعدوش بالقول “بشكل عام، فإن الدين الخارجي يسدد مع خدمة الدين بصورة مستمرة، أما الدين الداخلي فلا يجري تسديده إلا بين مدة وأخرى بمبالغ قليلة جداً”.

ويتفق الخبير الاقتصادي والمالي، محمود داغر، مع ما ذهب إليه علي دعدوش حول استمرار عمليات دفع الدين الخارجي، وحجم الديون الداخلية والمعلقة، مؤكداً أنه “لا يوجد ما يمنع من تسديد الدين الداخلي الذي معظمه للبنك المركزي”.

بدوره يقول المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إنه “تُثار بين الحين والآخر مسألة ديون العراق عن قروضه التي منحت إلى الدول الأخرى والتي سبق أن قدمها الصندوق العراقي للتنمية الخارجية بين منتصف سبعينيات القرن الماضي ومطلع الثمانينيات، والتي توقفت إثر اندلاع الحرب العراقية الإيرانية”.

ويوضح صالح أن “معظم تلك القروض كانت قد منحت لبلدان نامية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ومازالت المطالبات قائمة على بقايا تلك القروض التي لم تسدد ومعلقة عن السداد وتقدر بأقل من ملياري دولار”. ويضيف، أنه “ويعتقد أن جانباً منها قد خضع لاتفاقيات تلك البلدان مع نادي باريس، لكونها ديون سيادية وتنتمي لمجموعات من البلدان الفقيرة، وبالرغم من ذلك فإن جهوداً تُبذل لاسترجاع حقوق البلاد بالوسائل والطرق الدبلوماسية”.

وكان أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة نبيل المرسومي قال في تدوينة إن “الدين العام في العراق نهاية عام 2022 بلغ 94.94 تريليون دينار (63.3 مليار دولار)، منها 70.5 تريليون دينار (47 مليار دولار) ديونا داخلية”.

وتبلغ (خدمة الدين) الداخلي والخارجي (القسط + الفائدة) في موازنة العام الجاري 18.96 تريليون دينار (12.6 مليار دولار) سنويا”.ويضيف المرسومي “ربما يكون أخطر ما في الموازنة هو أنها ثلاثية وليست سنوية وهو ما يعني استمرار الصرف في العام القادم ليس على أساس 1/12 من الإنفاق الفعلي وإنما على أساس ما هو مخصص في الموازنة في العام السابق وهذا قد يؤدي إلى إطلاق يد الحكومة في الاقتراض الداخلي والخارجي خاصة مع اختفاء الفائض النقدي الذي سيجري استخدامه في موازنة هذا العام، فضلا عن أنه من الممكن أن تستمر الموازنة بصيغتها الحالية من دون تعديل في العامين القادمين ومن دون أن يمتلك البرلمان الصلاحيات القانونية لرفض ذلك أو تعديلها مما سيغرق البلد في بحر من الديون”.

ويتابع المرسومي أن “تشريع الموازنة الثلاثية سيعطي الحكومة الصلاحيات القانونية الكاملة لاقتراض 41.5 تريليون دينار ليس في عام 2023، وإنما أيضا في عامي 2024 و2025 ما يعني أن الحكومة تستطيع أن تقترض داخلياً وخارجياً من دون الرجوع إلى البرلمان مبلغاً قدره 121.5 تريليون دينار خلال الموازنة الثلاثية وللسنوات الثلاث 2023 و2024 و2025”.

يشار إلى أن البنك الدولي وصف الاقتصاد العراقي بـ”الهش”، وذكر أن ديون البلاد زادت إلى نحو 152 مليار دولار.

وقال في تقرير صادر عنه في آب الماضي، إن “الموازنة السنوية التي أقرتها السلطات الحكومية، تشهد زيادة كبيرة في حجم النفقات العامة بنسبة 59% عن السنة السابقة، والتي تمثّل 74.3% من إجمالي الإنفاق، مما سيؤدّي إلى عجز مالي كبير قدره 51.6 تريليون دينار عراقي –أي ما يعادل 39.7 مليار دولار- والذي يمثل 14.3% من حجم الواردات العامة، أي أكثر من نصف الاحتياطيات القياسية الأخيرة التي تراكمت في أعقاب الطفرة في أسعار النفط”.

وبحسب البنك الدولي، فإن “افتقار العراق إلى تنويع مصادر الدخل بسبب السياسات الفوضوية للحكومات المتعاقبة، أدى إلى انكماش الناتج المحلي بمقدار 1.1%، في 2023 وزيادة الدين العام للبلاد ليبلغ 58.3% بعد أن كان في السنة السابقة 53.8% أي سيصل إلى 152 مليار دولار، بزيادة 10 مليارات دولار، فيما وبلغ مجموع الديون الخارجية إلى 50 مليار دولار، والداخلية 102 مليار دولار، مما يعني أن السلطات الحكومية اقترضت في السنوات الثلاث السابقة داخليا حوالي 60 مليار دولار، بمعدل 15 مليار سنوياً، بفوائد سنوية للديون الداخلية تبلغ 16 إلى 17% من حجم الديون”.

ووفق البنك، فإنّ “آفاق المستقبل الاقتصادي في العراق ما تزال معرّضة لمخاطر كبيرة؛ بسبب الاعتماد المفرط على النفط، الذي يجعله عُرضةً للصدمات في أسواق النفط والطلب العالمي مثلما يتّضح من تراجع أسعار النفط في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى العوامل المحركة للهشاشة والتي تشكّل تحديات أساسية للاقتصاد، كاستشراء الفساد، وسوء تقديم الخدمات وتطوير البنى التحتية، والمخاطر الأمنية”.

وأضاف البنك الدولي أن “استمرار السلطات الحكومية في اتباع هذه السياسات، سيجعل من موازنة البلاد تصب في صالح الأحزاب السياسية التي أخّرت عجلة التنمية، وجعلتها تعاني من اختلالات كبيرة على الرغم من مرور عقدين من مزاعم انتهاء الحرب”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here