المعارضون وحكمة مانديلا

الكاتب/سمير داود حنوش

“إذا قبضت المال ثمناً لنضالي، سوف أتحول من مناضل إلى مرتزق” نيلسون مانديلا.

لو سألت أي عراقي عن رأيه بالمعارضة أو حتى وجودها في الشارع، لقال لك وبدون مقدمات “لاتوجد معارضة وإن وجدت فهي بلا لون ولا طعم”.

وبقليل من الإنصاف يمكننا التحدث عن تجربة المعارضة التي أنتجتها مُخرجات ثورة تشرين التي إنطلقت في ساحة التحرير عام ٢٠١٩ ضد حكومة عادل عبد المهدي رئيس الوزراء العراقي الأسبق كانت بعنوان “نُريد وطن” حين ظلت الشعارات والغايات تتشابه فيما بينها كالديمقراطية ومناهضة الإستبداد وديكتاتورية السلطة الحاكمة وعدالة توزيع الثروات بين الشعب، لكن المفارقة إن تلك الشعارات ظلت تتقافز في العقول دون أن تتحول إلى فعل يلامس الواقع، ربما كان لحداثة التجربة وعدم وجود نضج سياسي يقود تلك الحركات.

أكبر خطيئة واجهت حركات الأحزاب الناشئة هو تشرذمها وتناسلها، البعض دخل تحت عباءة السلطة وتحت قبة البرلمان عندما جاء إليه بالتك توك في إستعراض درامي للإيحاء إلى جمهورهم بطرقه الكفاحية وعدم نسيان القضية، في حين إنزوى البعض الآخر مطارداً أو معوقاً يقبع في بيته وكأن تشرين زوبعة رمت أثقالها ورحلت، وكأنها لم تكن تجربة ثورية خلّفت أكثر من ٧٠٠ قتيل وآلاف الجرحى والمعوقين.

حشود الجماهير التي كانت عبارة عن كتلة بشرية واحدة في ساحة التحرير ما إنفضّت حتى إنكشفت عورتها بعد أن إكتشفت أنها تتناقض مع نفسها مثل المجتمع الذي تعيش في داخله، فلا الذين دخلوا تحت قبة البرلمان إستطاعوا أن يحققوا الهدف المنشود بإيذاء السلطة وكسر شوكتها، وبالمناسبة دخولهم العمل السياسي أثبت شرعية السلطة التي خرجوا لمحاربتها، ولا الذين قبعوا في منازلهم تاركين مخلفات إحتجاجهم قتلى وجرحى ومعوقين وكأن شيئاً لم يحدث.

التخوين وإنعدام الثقة وكل أمة تلعن أختها هو ما يُميّز أغلب الحركات الناشئة التي أنتجتها ساحات الإحتجاجات، كانت محصلتها جماعات مشتتة أو ممزقة توزعت لأهداف متنوعة.

يمكن وصف جماهير الإحتجاج بصورة خيم متناثرة هنا وهناك يقبع تحتها جماعات متفرقة وفي حقيقتها متنازعة يسودها التخوين ولا يوحدها سوى الشعارات ذاتها.

ولنعترف إن السلطة إستطاعت أن تلتف على هؤلاء بطرقها الذكية في إستدراجهم ووضع البعض منهم في خانتها لكسب الشرعية اللازمة لديمومتها في حين إستماتت في التنكيل بالبعض الآخر إلى درجة جعلهم عبرة لمن إعتبر.

هل توجد معارضة داخل العراق؟ من الإستغباء الإجابة بنعم على هذا السؤال فلا زالت مقومات المعارضة ومكوناتها غائبة عن الوعي في الشخصية العراقية الضائعة في متاهات هذا المفهوم.

بتعبير أدق ظل مفهوم المعارضة معلقاً بين السماء والأرض فلا إستطاعت أن تحقق مبدأ كسر السلطة وكبت طمعها، ولا إستطاعت أن تُرضي جمهورها الذي وثق بها في لحظة من لحظات العنفوان الثوري.

بعض الحركات الإحتجاجية قبضت ثمن الإنتفاضة فتحولت إلى ثُلّة من المرتزقة التي تآلفت مع السلطة، بل وتحولت إلى أداة طيعة بيدها…حقاً لقد صدق مانديلا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here