خطاب المقاومة

أسامة خليفة
باحث في المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»

تأتي كلمة السيد حسن نصر الله في ظروف بالغة الأهمية، وفي وقت حساس بالنسبة للمقاومة الفلسطينية، وفي وقت تخوض فيه المقاومة في غزة وفي الضفة الفلسطينية معركة مواجهة شرسة ببسالة وشجاعة واقتدار، وفي وقت تستجيب أطراف محور المقاومة للمساندة والتلاحم مع غزة بصواريخها ومسيراتها التي تحمل رسائل مهمة للعدو.

تأتي هذه الأهمية من أن حزب الله مكون أساسي في محور المقاومة، وقد خبرت إسرائيل بأسه وشجاعة مقاتليه الذين أظهروا أن جيشهم الذي لا يقهر أضعف وأوهن مما يزعمون، وأجبروه على الهرب من الشريط الحدودي عام 2000 في خضم حرب التحرير، وفي حرب تموز 2006، كما خبر الجميع مصداقية حزب الله، ومصداقية خطاب أمينه العام، ووعده الصادق، الذي يفي بكل وعد يقطعه على نفسه.

تتزامن هذه الكلمة مع الزيارة الثانية لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى اسرائيل منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، خططت واشنطن لهذا التوقيت لتهدئة روع اسرائيل من فتح جبهات متعددة، والخوف من تصعيد المواجهة في الجبهة الشمالية اللبنانية، وتزايد القلق الإسرائيلي مما سيأتي في الخطاب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تتحسب الولايات المتحدة من توسيع نطاق الصراع. وتداول الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي هذا الخطاب بانتظار وترقب، وكأن العالم كله ينتظر ما يقوله رجل ينادي هيهات منا الذلة.

وقد أكد السيد حسن نصر الله أن المقاومة الإسلامية في لبنان دخلت الحرب من يوم 8 تشرين الأول/ أكتوبر ، بدأت عملياتها ضد مواقع العدو من ثاني يوم لعملية طوفان الأقصى، وانتقلت سريعاً من حالة إلى حالة بعمليات في مزارع شبعا وكفار شوبا، وامتدت على طول الحدود الشمالية لفلسطين مع لبنان، وما يجري في الجبهة اللبنانية مهم جداً، ومؤثر جداً، وهو غير مسبوق في تاريخ الكيان الصهيوني منذ العام 1948، ومنذ كان هناك مستعمرات ومستعمرين في شمال فلسطين المحتلة حتى في حرب تموز لم يجرِ مثلما جرى في 8 تشرين أول/ أكتوبر باستهداف وبمختلف صنوف الأسلحة كل المواقع الإسرائيلية والدبابات والآليات وتجمعات الجنود وحشودهم، معركة مختلفة في ظروفها وإجراءاتها وأدواتها، قدمت فيها المقاومة الإسلامية كوكبة كبيرة من الشهداء عند الحدود وفي داخل شمال فلسطين المحتلة، ما يقارب 57 شهيداً بما فيهم شهداء كتائب القسام وسرايا القدس، وأضاف: «ولن يتم الاكتفاء بهذا على أي حال».

وقال متحدثاً عما يتحكم بوضع الجبهة اللبنانية، أمران: أولهما مسار وتطور الأحداث في غزة، فالجبهة اللبنانية مساندة للقطاع، وثانيهما سلوك العدو الصهيوني تجاه لبنان، بكل وضوح وشفافية و«غموض» إن كل الاحتمالات في الجبهة اللبنانية مفتوحة، وإن كل الخيارات مطروحة، ونذهب إليها في أي وقت من الأوقات، وقال: يجب ان نكون جميعاً مهتمين وجاهزين لكل الاحتمالات والفرضيات المقبلة.

ما هي الإنجازات التي حققتها المقاومة الإسلامية في لبنان؟. عندما بدأ العدو يسحب قوات نظامية من الحدود مع لبنان يوم 7 تشرين أول/ أكتوبر لحشد كامل قواته على حدود غزة، استدعى الاحتياط، وبدأت عمليات حزب الله، وتصاعدت يوماً بعد يوم، أجبرت العدو أن يبقي قواته على الحدود، ويضيف لها قوات أخرى، وأحضر قوات النخبة إلى الشمال، مما خفف جزءاً كبيراً من القوات على حدود غزة، جُذبت باتجاه لبنان، ولم تتجه إلى غزة، وقدم السيد حسن نصر الله تقديرات لنسب القوى العسكرية الإسرائيلية التي استطاعت جبهة لبنان أن تجذبها إلى حدودها:

-ثلث الجيش الإسرائيلي، وجزء مهم من قوات النخبة والقوات النظامية.

-نصف القدرات البحرية موجودة مقابل السواحل اللبنانية.

-ربع القوى الجوية مسخرة تجاه لبنان.

-نصف الدفاع الصاروخي موجه باتجاه لبنان.

– ثلث من القوات اللوجستية باتجاه لبنان.

وحيا السيد حسن نصر الله عملية طوفان الأقصى، قائلاً ما حصل ميدانياً في 7 تشرين الأول/ أكتوبر كان عملاً بطولياً شجاعاً مبدعاً متقناً كبيراً ترفع له كل التحايا، أدى إلى إحداث زلزال على المستوى الإسرائيلي سياسياً وأمنياً وعسكرياً ومعنوياً ونفسياً وله تداعيات استراتيجية ستترك آثارها على حاضر ومستقبل الكيان، ولن تستطيع حكومة الاحتلال من الإفلات من النتائج والآثار الاستراتيجية لطوفان الأقصى، أهم نقطة أن هذا الكيان ضعيف «أوهن من بيت العنكبوت»، وأكد السيد حسن نصر الله أن عملية طوفان الأقصى كان قرارها فلسطينياً مئة بالمئة، وتنفيذها فلسطينياً مئة بالمئة، وسريتها المطلقة هو الذي ضمن نجاحها الباهر من خلال عامل المفاجأة، ولم يزعج ذلك أحداً، بل أثنى حزب الله عليه كشرط ضروري لنجاح العملية خلافاً لما يظنه البعض، هذا الأداء أكد الهوية الحقيقية للمعركة، وأهدافها، وقطع الطريق على التزييف، بربط العملية بالملف النووي الإيراني أو خدمة الأهداف الإيرانية، وأكد مرة ثانية أن معركة طوفان الأقصى من خلال قرارها وتنفيذها الفلسطيني هي معركة فلسطينية بالكامل من أجل القضية الفلسطينية، وليس لها علاقة بأي ملف إقليمي.

وتساءل لماذا وصلت الأمور إلى هذا الحد الذي ظهرت عليه عملية طوفان الأقصى؟. وما خلفية ما حصل في 7 تشرين أول أكتوبر؟. من المعروف أن آلام الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 75 عاماً، لكن أوضاع السنوات الأخيرة في فلسطين كانت قاسية جداً مع الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، آلاف الأسرى في السجون، ملف القدس وما تعرض له المسجد الأقصى وخصوصاً في الأسابيع الأخيرة التي سبقت عملية طوفان الأقصى، الحصار على غزة، قرابة 26 عاماً يعيشون في حصار خانق، المخاطر التي تهدد الضفة الغربية من استيطان وقتل يومي، واعتقال يومي، وهدم بيوت، أمور كانت ضاغطة ولا أحد يسأل في العالم، كان لا بد من عمل كبير يهز هذا الكيان، ويهز داعميه في واشنطن ولندن، لفتح هذه الملفات المنسية وطرحها من جديد كقضية أولى في العالم، فسارعت الإدارة الأمريكية برئيسها ووزرائها وجنرالاتها لتقديم الحماية والمساندة له بكل الأشكال، لاحتضان إسرائيل، ولتمسك بالكيان الذي يهتز ويتزلزل، ليستعيد بعض وعيه، وليستعيد زمام المبادرة، هذا كشف ضعف الكيان، وحكومة العدو، من اليوم الأول احتاجت أن تأتي الأساطيل الأمريكية والبريطانية لتدعم «أقوى جيش في المنطقة»، لتقديم خبرات الجنرالات، وفتح مخازن السلاح للجيش الإسرائيلي، طلبت اسرائيل أسلحة جديدة ، وطلبت 10 ملايين دولار، وتساءل هل هذه دولة قوية؟. احتاجت إلى حشد أوروبي وغربي من رؤساء ووزراء وجنرالات من أجل الدعم المعنوي إضافة إلى الدعم المادي.

وتوجه بكلماته إلى الولايات المتحدة إن التهديد والتهويل لا يجدي نفعاً مع المقاومين، لا مع حركات التحرر، ولا مع محور المقاومة، أساطيلكم لم تخيفنا في يوم من الأيام، و« قد اعددنا لها عدتها».

وأضاف تذكروا هزائمكم في العراق ولبنان وخروجكم المذل من أفغانستان.. وأكد أن المطلب الأمريكي بعدم توسيع نطاق المواجهات طريقها هو وقف العدوان على غزة.

وقال إن معركة غزة معركة فاصلة ليس ما قبلها مثل ما بعدها، وعلى الجميع تحمل المسؤولية، ووضع هدفان للعمل عليهما ووضعهما نصب العينين: الهدف الأول وقف العدوان على قطاع غزة، والهدف الثاني أن تنتصر المقاومة في غزة. انتصار غزة انتصار للشعب الفلسطيني وانتصار لشعوب المنطقة، والمسؤولية مسؤولية الجميع ومسؤولية الدول العربية والإسلامية وكل حر وشريف، يجب العمل على الأقل من أجل الهدف الأول، وطالب مصر بفتح معبر رفح أمام المساعدات الإنسانية، ولم يتكلم عن الوضع الداخلي في لبنان وتركه لحينه كي لا يقال أن حسابات المواجهة أو التصعيد مرتبطة بوضع داخلي لبناني، ووضع قدرات حزب الله في حدودها الموضوعية حين قال إن ما يمكن فعله هو تسجيل النقاط، ولا يمكن في الوقت الحالي الفوز على اسرائيل بالضربة القاضية، كل ما يمكن فعله هو الصمود وإفشال أهداف العدو، بكل الأحوال فإن الاهتمام بالخطاب وترقبه يعكس أن العدو يحسب ألف حساب لتصعيد المواجهة في شمال فلسطين المحتلة، ويدرك العدو مدى تأثير حزب الله وقوته في المعادلة الإقليمية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here