الاستعمار الثقافي وخطورته

بقلم: أ. د. سامي الموسوي

الاستعمار الثقافي او الامبريالية الثقافية هو احتلال فكري وثقافي ضد شعب و الهدف منه هو الهيمنة الاستعمارية دون اللجوء للوسائل العسكرية. وهذا النوع من الاستعمار هو اخطر من الاستعمار العسكري لانه ينتهج التمدد الاخطبوطي المدروس الذي يتم تنفيذه بوسائل قد تكون غير ملموسة او غير بارزة للعيان او تكاد تكون مخفية. يتغلغل الاستعمار الثقافي بقوة في المجتمعات يساعده في ذلك الاعلام المسيس لمجموعات هي نفسها تهدف لخدمة المحتلين. وقد يستخدم المحتل وسائل عديدة للنفاذ في المجتمعات منها المؤسسات المختلفة وانشاء المدارس والجامعات واعتبارها كهدايا يقدمها المحتل وذلك لاخفاء الهدف الأساسي منها وادخال لغة ذلك البلد كبديل او كلغة أولى عن لغة البلد الام. وان اخطر ما يستخدمه هذا الاستعمار هو استغلال الدين او المذهب للحصول على عصفورين بحجر واحد. الأول هو التجهيل باسم المذهب او الدين و إضفاء صبغة على ان ذلك الجهل هو عامل في بنية المجتمع نفسه بينما فتح البديل الثقافي المذهبي الاستعماري واعطائه صفة البديل المتحضر خاصة مع توفير المقومات المادية له وتصويره على انه ينبع من تحت عبائة المحتلين. وغالبا ما يستهدف هذا التصوير الخطير فصيلة الأطفال والشباب بانشاء المدارس والجامعات وحتى الأحزاب والتجمعات وهذا هو معنى الخطورة فيه حيث انه يهدف لتدمير المجتمعات من داخلها. وينشأ جراء ذلك جيل هجين يجمع ما بين ثقافة البلد الام والثقافة التي يريد المحتل ان يغرسها في نفوس الأجيال المستهدفة. وعادة ما يخدم هذا الاحتلال الفكري او العقائدي نخبة من السياسين المنتفعين والذين يعملون في السر والعلن من داخل بلدانهم مقابل تسهيلات مادية واقتصادية وسلطوية وعليه فأن هؤلاء يستخدمون أساليب تتصف بالفساد بكل انواعه وهذا ما يريده المحتل لكي يستطيع قيادة القطيع السياسي الفاسد. فلو كان القطيع السياسي غير فاسد فهو اذن وطني وهذا لايحقق أغراض المحتلين.

يهدف الاستعمار الثقافي الى طمس الهوية الوطنية وخلق اضطرابات اجتماعية تصل الى حد الاقتتال والحروب الاهلية على طريقة (فرق تسد) ويستخدم المحتل وسائل عديدة لاذكاء الاضطرابات الاجتماعية والحروب الاهلية. فهو قد ينشأ خلافات بين المجتمع الواحد تتعلق بالمذهب وما ينطوي عليه فاذا ما نجح يصبح تغلغله الثقافي اسهل. وبالتالي فان الاستعمار الثقافي يهدف الى فقدان الهوية الوطنية لذلك البلد ويجره الى التبعية اللغوية والاقتصادية والسياسية والمذهبية ويهيمن على كافة المجالات في البلد بما فيها العلمية والتعليمية مما يجعل البلد تابعا ويعيش دوما دون مستويات الطموح التي يرغب اليها اهله. يصبح الوطن تابع للمحتل وينتج عن هذه التبعية فقدان الوطن وضعف الدولة وحكومتها وجيشها وتصبح غير قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية دون الرجوع للمحتل. وهذا النوع من الاحتلال خطورته تكمن في انه احتلال غير معلن ولكنه واضح بشكل لايحتاج الى دليل. والاستعمار الثقافي لم يكن معروفا من قبل فهو آلية حديثة ولكن الامبراطوريات القديمة كانت تغرس ثقافتها في المجتمعات التي تقع تحت احتلالها العسكري قبل ان تثور عليها. فالشعوب بالتالي لاتقبل ان يفرض عليها نوع اللباس او التفكير او العادات المستوردة خاصة من عدو الامس. ولاتسمح تلك الشعوب بفرض سياسات ثقافية او مذهبية تحت عباءة وصور و رموز ذلك العدو الذي بالأمس ولايزال يقتل أبناء هذا الشعب.

عكس الاستعمار العسكري فأن الاستعمار الثقافي لايمكن فرضه بالقوة وعليه فأن الشعوب تملك وتقدر ان ترفض هذا الاستعمار الا اذا كانت هذه الشعوب مريضة وترضى بالذل والهوان وان تطمس هويتها وتفقد الروح الوطنية فيها. ان الخضوع للثقافات الخارجية يؤدي الى التخلف والوضع الهجين وضياع الأوطان وهذا ما لايرضى به الاحرار والشرفاء والوطنيون. الذين يرضون بذلك هم فقط الذين يحملون الولاء للاجنبي القادم من خارج الحدود وهؤلاء لايهمهم الا مصالحهم التجارية والمادية والشخصية او عقائدهم التي غرسها المحتل وهم لايهم عندهم ان يصل التخلف والجهل وضياع الوطن مادامت مصالحهم قائمة. الإستعمار الثقافي يسلخ الدول عن حضارتها الماضية ويهمش ذلك الدور الحضاري ثم يضعفها تمهيدا لتدميرها بعد مسخ ثقافتها المحلية. يستهدف هذا الاستعمار الدولة بتحطيم الاسرة والفرد والمجتمع وقد اصبح دخوله حيثما شاء دون قيد او شرط و في أي مكان. وقد يستخدم المهرجانات ووسائل ( ما يسمى بالترفيه) او المهرجانات الدينية المزيفة وما شابه. وقد يدعم ذلك بحجة حقوق الانسان والمؤسسات الدولية الاستعمارية الأخرى. وهذا الاستعمار اصبح يهجم من كافة الجهات من الغرب او الشرق او الشمال او الجنوب ولكل واحد من هؤلاء له وسائله الخاصة وأهدافه المختلفة. يركز أصحاب هذا الاستعمار على تدمير ثقافات وعادات الشعوب ومنها العربية على انها متخلفة ويحاول إيجاد نقاط ضعف للتغلغل فيها وإبراز ما يعتقد هو بانه البديل الحضاري وما هو بحضاري. والتحصين من ذلك يبدأ من الفرد والاسرة والحكومات والتمسك بالقيم الصحيحة و وضع ضوابط للمؤسسات التعليمية الخارجية و وضع البديل لها بمواصفات حضارية وحديثة واغلاق ما يهدف الى طمس هوية البلد والتمسك بقيمه الصحيحة. انها مسؤولية الحكومات والمجتمعات والمثقفين والنخب لكشف مبررات واهداف هذا الاستعمار ووضع الحلول لتفادي نتائجه الخطيرة. انها مسؤولية الجميع (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here