مفترق طرق أمام العراق: السوداني في مأزق بين الفصائل وواشنطن

اعتبر معهد “المجلس الأطلسي” الأمريكي، أن العوامل الجيوسياسية والمحلية تتلاقى في العراق الذي يواجه تحدي تحقيق التوازن العالي المخاطر، بتحمل عواقب علاقته مع الولايات المتحدة وبين الاستقرار الإقليمي، محذرا من ان العراق على مفترق طرق في قلب الشرق الأوسط في ظل الديناميكيات المعقدة للصراع بين إسرائيل وحركة حماس.

وبعدما أشار التقرير الأمريكي، الى ان العراق يحاول أن يبحر عبر العلاقات المعقدة ما بين ميليشياته الشيعية وبين الولايات المتحدة، ذكر بأن العراق هو الدولة العربية الوحيدة التي رفضت التوقيع على اتفاقية هدنة مع اسرائيل منذ الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1948، وهو ما يعني ان العراق تقنيا، في حالة حرب مع اسرائيل، وهو بمثابة عداء تاريخي يؤثر بشكل كبير على موقفه في الحرب الجارية حاليا.

ولفت التقرير الى ان العراق يرفض الاعتراف باسرائيل كدولة، واصدر بالاضافة الى ذلك، قوانين تجرم اي علاقات مع هذه الدولة، مشيرا الى ان هذا العداء الطويل يشكل الخلفية التي تتم من خلالها صياغة موقف العراق الحالي بشأن الحرب بين حماس واسرائيل.

وتحدث التقرير عن مواقف متضاربة في العراق منذ هجوم 7 اكتوبر/تشرين الاول الماضي، حيث ان الموقف الرسمي للحكومة يتمحور حول الجهود الدبلوماسية لانهاء الصراع، والدعوة الى اقامة دولة فلسطينية، وفتح ممرات إنسانية لسكان غزة، فيما لفت الى موقف رئيس البرلمان محمد الحلبوسي الذي دعا الى عقد قمة برلمانية عربية في بغداد، وهو ما يسلط الضوء على نهج العراق الاستباقي في التعامل مع الصراعات الاقليمية. كما ذكر التقرير ببيان الحكومة العراقية في اليوم الاول للحرب حيث اكدت على التزامها بالقضية الفلسطينية، ومحملة اسرائيل مسؤولية عواقب الهجوم باعتبار انه “نتيجة طبيعية للقمع الممنهج الذي يتعرض له الفلسطينيون منذ زمن طويل على يد سلطة الاحتلال الصهيونية”.

وبالاضافة الى ذلك، فان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، قام بخطوات دبلوماسية مهمة من خلال إجراء مكالمات هاتفية مع الزعماء العرب والاقليميين، وتلقى اتصالا هاتفيا من الرئيس الامريكي جو بايدن في 16 تشرين الاول/اكتوبر، وهو ما يعكس ادراك واشنطن لتأثير الصراع في غزة على المنطقة بأكملها وعلى دور العراق.

تحديات العلاقات العراقية-الامريكية

وبعدما اشار التقرير الى ان التوترات بين الولايات المتحدة والعديد من الجماعات العراقية المسلحة والمتحالفة مع ايران، والمنخرطة في صلب العملية السياسية، والتي شارك العديد منها في هجمات على المصالح الامركية في العراق وسوريا خلال الاعوام ال7 الماضية، قال التقرير انه منذ تولي السوداني رئاسة الحكومة تراجعت هذه التوترات بشكل ملحوظ، لاسباب من بينها اصطفاف غالبية هذه الجماعات مع تحالف السوداني لتشكيل حكومة، مما كان يتطلب هدنة مؤقتة مع الولايات المتحدة.

الا ان التقرير قال ان الصراع في غزة يفاقم من تعقيد علاقة العراق مع الولايات المتحدة، خصوصا ان الجماعات المسلحة استأنفت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على المصالح الأمريكية في العراق، مضيفا انه من المتوقع ان يتفاقم هذا التهديد طالما تواصلت حرب اسرائيل وحماس، في حين ان العديد من قادة الميليشيات العراقية الموالية لإيران، بما في ذلك شخصيات بارزة مثل هادي العامري وجماعات مثل كتائب حزب الله، اصدروا بيانات تشيد بهجوم حماس وهددوا المصالح الأمريكية في العراق في حال تدخلت واشنطن لصالح عن اسرائيل.

والى جانب هؤلاء، قال التقرير ان رجل الدين المؤثر السيد مقتدى الصدر دعا الحكومة الى إنهاء المهمة الامريكية في العراق رسميا وإغلاق السفارة، الا انه رفض اللجوء الى العنف ضد الدبلوماسيين الامريكيين، كما حذر من انه يبحث في اتخاذ إجراءات اخرى في حال لم تستجب الحكومة العراقية لمطالبه.

وبرغم ان التقرير اعتبر ان هذه المواقف مرتبطة جزئياً بالتنافس الداخلي، ما بين المعسكرات الموالية لإيران وبين كتلة الصدر، الا انه اكد ان القضية الفلسطينية تظل موضوعا حساسا وشعبيا، وتحظى بدعم معظم الشخصيات السياسية.

واعتبر التقرير ان من الامثلة التي تسلط الضوء على اهمية العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق، ان واشنطن تظل شريكا حاسما للعراق في الحرب ضد تنظيم داعش، كما ان الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل كبير على علاقاته مع الولايات المتحدة، اذ يعتمد البنك المركزي العراقي على سياسات الاحتياطي الفيدرالي الامريكي من اجل ان يستحصل على احتياطه من العملات الاجنبية البالغ 100 مليار دولار.

كما ذكر التقرير بوجود عنصر آخر يجب ان يؤخذ بعين الاعتبار وهو المتعلق بكيفية منح واشنطن العراق، اعفاءات محددة من العقوبات من اجل قطاع الكهرباء وسمحت له بالقيام بعلاقات تجارية مع طهران، على الرغم من العقوبات الامريكية على ايران.

استقرار العراق على المحك

وفي اطار كل ذلك، قال التقرير ان زيارة وزير الخارجية الامريكي انطوني بلينكن الى بغداد في 5 تشرين الثاني/نوفمبر تعكس اهمية كبيرة لان العراق تأثر وسيظل متأثرا بحرب غزة، مشيرا الى ان العراق يعتبر الدولة الوحيدة في المنطقة التي تستضيف الالاف من الجنود الامريكيين والجماعات المسلحة المعارضة للولايات المتحدة والموالية لايران تاريخيا، وهو ما يؤكد على صورة دور العراق الاستثنائي وغير المستقر في المشهد الجيوسياسي الاوسع.

وبعدما ذكر التقرير ان السوداني يواجه مأزقا صعبا، اوضح انه يتحتم عليه تحقيق توازن دقيق بين مصالح الولايات المتحدة والجماعات المسلحة التي تعمل كشركاء داخل حكومته بينما تحظى بنفوذ سياسي كبير عليها، مضيفا ان تقاعس السوداني عن تلبية مطالب مختلف الاطراف الفاعلة داخل العراق، لا يعد خيارا.

ورأى التقرير ان تقاعسا كهذا قد يؤدي الى اقالته من منصبه، مما سيخلق عدم استقرار سياسي وامني في البلد ويفاقم من تعقيد الوضع الهش، وهو ما يشكل خطرا على العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق والشرق الاوسط الاوسع، حيث يصبح من الصعب على السوداني ان ينجح في تحقيق التوازن بين مطالب الميليشيات التي تتمتع بالتأثير، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقة مع الولايات المتحدة.

وخلص التقرير الى القول ان هذا الوضع الدقيق يؤكد على اهمية زيارة بلينكن من اجل التعامل مع الديناميكيات المعقدة وتعزيز الاستقرار في المنطقة، مضيفا ان السوداني يدرك ايضا قيمة العلاقات مع الولايات المتحدة ولهذا فانه عبر عن دعمه لاستمرار وجود القوات الامريكية في العراق.

لكن التقرير ختم بالقول انه مع تصاعد الحرب في غزة، فان السوداني قد يفقد السيطرة ويتعرض لضغوط هائلة من داخل ائتلافه ومن منافسيه مثل الصدر، مضيفا انه في ظل هذه البيئة الحافلة بالمخاطر، فان الحل الدبلوماسي السلمي يبقى هو الاسلوب الاكثر حكمة لتجنب المزيد من الاضطرابات وتمدد الصراع الى المنطقة الاوسع.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here