حال الدنيا يتغير الا ان الشمس أجمل في بلادي والظلام

بقلم: أ. د. سامي الموسوي

سبحان الله الذي بيده ملكوت كل شيء وهو الذي يغير الأحوال شئنا ام ابينا. قال تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). نعم هذا هو حال الدنيا لاتبقى على حال وصدق من قال عليكم ان تحسنوا التعامل مع الناس عند صعودكم لانكم سوف تحتاجونهم يوما عند النزول. على المستويات الفردية كل واحد من البشر لو سألته هل كان يتوقع ان ما حصل له سيحصل؟ الكثير ذاق من ويلات الغربة والتغرب ولم يكن يتوقع ذلك يوما ما فيما مضى والعديد منا دارت به الدنيا بما لايتوقعه ان يحدث يوما ما والغالبية العظمى يشدها الحنين الى الزمن الغابر بكل ما فيه من سلبيات وانعدام لوسائل راحة توفرت فيما بعد ولكن لا شيء يعلو على الراحة النفسية وراحة الضمير وبساطة الحياة. وقد نحزن أحيانا كثيرة لأننا فقدنا ذلك الزمن الجميل وايام الطفولة البهيجة التي تتصف بالامن والأمان والتراحم والمودة بين الناس والالتصاق بالطبيعة ولكن هذا هو حال الدنيا ولذلك أصبحت قصيرة لاتساوي شيئا كما قال فيها الامام علي (ان دنياكم هذه لاتساوي عند عفطة عنز) و قد مر هو و بعض جنده يوما ما فرأى قاذورات بشرية وقد اشمأزت نفوس القوم منها فقال لهم: (هذا ما كنتم تتنافسون عليه بالأمس). وصدق من قال ان أحوال الدنيا لاتستحق الهموم لانها بين يدي الحي القيوم. فنحن لم نولد بارادتنا ولم نختار اسمائنا بانفسنا ولم نأتي بالمشاكل معنا وسوف نغادر الدنيا ولم نأخذ منها شيئا الا العمل الصالح، وعلينا الاستعانة بالصبر والصلاة.

هذا هو شأن الدنيا فلم نكن نتوقع ان نرى امتنا العربية قبل ٥٠ سنة انها ستكون أسوأ مما كانت عليه فالعراق اصبح بلدا محتلا منذ عشرين سنة وسوريا مجزأة ولبنان تعيش تحت وطأة الفقر والتشرذم واليمن لم يعد واحدا والسودان كذلك وليبيا تأن من وطأة أهلها عليها والكيان الصهيوني يفرض ارادته على العالم دون ان يتمكن احد من محاسبته وايران تتغلغل في العواصم والدول العربية وتدمرها وتحاول ان تبعث امبراطورية فارس من جديد فتكون رديفا للصهيونية. كان العديد منا يتمنى ان ينال الحرية في الحكم ولم يكن يتوقع أحدا ان يحن الى ان يحكمه دكتاتورا يوفر له الامن والأمان والتقدم والدعوة للوحدة العربية وقوة الجيش وسيادة البلد وقد اصبحنا هكذا. اصبحنا نَحِنُ الى أيام الدكتاتوريات لان الذين حكموا باسم الديمقراطية من بعدهم لم نكن نتوقع ان يكونوا أسوأ منهم بل فاسدون فاشلون عملاء. ولكن بما ان حال الدنيا يتغير فهذه الأمور كلها سوف تتغير.

من كان يتوقع في يوما ما قبل ١٠٠ عام ان يحكم بريطانيا العظمى (هندي) ووزير داخليته (هندية) ورئيس وزراء اسكتلندا فيه (باكستاني) وعمدة لندن (باكستاني)؟ قبل ١٠٠ عام كان هذا الامر يبدو مستحيلا فلم يكن الهندي حينها يمتلك ان يكون سوى جابي للضرائب او شرطي يبعثه الإنكليزي ليجمع الضرائب من الكسبة العراقيين ليأتي العراقي للبريطاني مشتكيا من عنجهية الهندي جامع الضرائب ويأخذه بالاحضان أي البريطاني المنافق ويقول للعراقي لاتهتم (ياصديقي) فسوف نحاسب الهندي ولكن عندما يخرج المسكين العراقي يلتفت البريطاني الى الهندي ليستلم منه الضرائب وهما يضحكان على ذلك المسكين الذي خرج للتو. من كان يتوقع ان ذلك سيعيد نفسه في البصرة عام ٢٠٠٣ باحتلال بريطاني امريكي فارسي صهيوني ولكن هذه المرة الهندي ترقى ليصبح فيما بعد رئيس وزراء بريطانيا (الصغرى) وحل محله (عراقي) او (عربي). هكذا هو حال الدنيا! وقد قيل في (سوناك الهندي الأصل) بانه (أوباما) بريطانيا حيث لم يكن احد يتوقع ان يحكم اسود البشرة من اصل افريقي وجده مسلم هو (حسين بركة أبو عمامة) ان يحكم أمريكا لمرتين. ولم يعد غريبا ان يرشح بايدن المخرف نفسه مرة ثانية ويختار له نائبة هندية الأصل والسحنة. هذا هو حال الدنيا اليوم فكيف ستكون بعد حين؟!

اما من ناحية التكنولوجيا ووسائل التواصل والاتصال فحدث ولاحرج. كنا قبل ٥٠ سنة نحاول ان نتصور ردود فعل البدوي اذا رأى التلفزيون او المدينة واليوم اصبحنا نعيش في قرية عالمية صغيرة نبحث فيها عن الطبيعة في الموبايل والانترنيت. وقد شيدت مدن لم تكن تعرف التشييد.

المهم دعنا نحلم ولكن لايمكن ان نعود للزمن الجميل الذي لم يكن يعكر صفوه أصوات المكائن والاليات ما عدا حفيف سعف النخيل والنسيم العليل الطبيعي وخرير الأنهار الصافية وتطافر الأسماك على سطحه وزقزقة الطيور ونحيب الحمامة تبكي وتحن على بلدها واحبائها (ياكوكتي وين انت) ولربما نباح كلب يأتي من بعيد ولعل الاخرين يحلمون بالجبال او السهول او حتى الثلوج وفي كل الأحوال فأن الشمس والظلام اجمل في بلادي وحتى (نومة السطح) هي اجمل في ذلك الزمن الجميل:

الشمس اجمل في بلادي من سواها، والظلام

حتى الظلام هناك اجمل، فهو يحتضن العراق

واحسرتاه، متى انام، فاحس ان على الوسادة

من ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق؟

بين القرى المتهيبات خطاي والمدن الغريبة، غنيت تربتك الحبيبة.

(بدر شاكر السياب)

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here