جفاف بحيرة عنة يهدد الزراعة والثروة الحيوانية

تشهد محافظة الأنبار، موجة جفاف غير مسبوقة ضربت جميع مدن وأقضية المحافظة المحاذية لثلاث دول عربية، وهي سوريا والأردن والسعودية، ويمر عبر أراضيها نهر الفرات قادما من الأراضي السورية.

وأفقدت عوامل التصحر والجفاف بحيرات المحافظة ومسطحاتها المائية، لتُضاف إلى مساحات كثيرة جفت في البلاد، كانت آخر ضحاياها بحيرة عنة، أقصى غربي المحافظة.

وترى الإدارة المحلية في مدينة عنّة، أن جفاف البحيرة وانخفاض مناسيب نهر الفرات ينذران بكارثة اقتصادية تهدد الزراعة والثروة الحيوانية في مناطق غرب العراق، وأن استمرار انخفاض المناسيب وعدم وصول الحصص المائية الكافية مسؤولية، على الحكومة والوزارات المعنية تحملها لإنقاذ مناطق الهضبة الغربية في العراق من كوارث بيئية واقتصادية واجتماعية.

وفي السابق، كانت هذه البحيرة موقعا سياحيا واقتصاديا يقصدها السكان من مختلف المناطق للاستجمام وصيد الأسماك، فهي تبعد حوالي 3 كم عن مركز المدينة، وتكونت البحيرة بعد غمر مدينة عنة القديمة بالمياه نتيجة إنشاء سد حديثة.

نفاد المياه

قائممقام المدينة سعيد البدراني قال، في تصريح صحفي، إن جفاف البحيرة وخروجها عن الخدمة انعكسا سلباً على الواقع الصحي والبيئي والزراعي والاقتصادي، فضلاً عن الآثار الاجتماعية والخدمية، وتسببا أيضا بانقطاع المياه عن أحياء المدينة وضواحيها.

وأضاف أن البحيرة تعد مصدراً مهماً للمياه ولها أهمية كبيرة في الحياة العامة للسكان، إلا أن قلة المياه الواردة من أعالي الفرات من جهة سوريا أدت إلى نفاد الخزين منذ أكثر من سنة.

وأشار إلى أن محافظات الفرات الأوسط والجنوب وصلت إلى مرحلة الخطر المائي، مؤكدا تضرر الجميع من هذا النقص الحاد.

وأضاف: “في قضاء عنة نعاني كثيراً لأن الماء الصالح للشرب ابتعد عن مضخات المياه المغذية للمدن والقرى إلى آخر نقطة في حوض النهر، بمسافة تتراوح بين كيلومتر واحد الى ثلاثة كيلومترات”.

وأشار إلى أن “استمرار الوضع على ما هو عليه ينذر بأزمة كبيرة خلال الصيف القادم، وأن نقص الماء بهذا الشكل المستمر يزيد من نسبة تعكير المياه وتلوثها، خاصة عند انحسار المناسيب إلى نقطة تختلط من خلالها مع العيون الكبريتية وغيرها من المواد الأخرى الموجودة في الوديان”.

وأوضح أن إجراءاتهم كحكومة محلية أمام هذه الأزمة “لا تتعدى مواكبة حركة المياه والاستمرار باللحاق بها من أجل توفير مياه الشرب للسكان”، معتبراً، أنها “الأهم بالنسبة لهم كأولوية للمواطنين، ومحاولة إيجاد فرص عمل للذين تعطلت أعمالهم من خلال التنسيق مع المحافظة والمنظمات الدولية”.

وأكد أن حل هذه الأزمة “يعتمد على إجراءات الحكومة المركزية في بغداد، ومدى اهتمامها بهذا الموضوع، عبر قنوات التواصل مع دول المنبع، والوصول إلى اتفاقية دائمة مع تركيا لزيادة الحصة المائية”.

تأمين المياه

وفي السياق، يقول مدير الموارد المائية في المدينة أحمد مؤيد إن “البحيرة كانت تغذي مساحات زراعية كبيرة من الحنطة والشعير والذرة وبقية المحاصيل الرئيسة، إلا أن الخطة الزراعية في المنطقة ألغيت تماماً لتصل إلى نسبة صفر بالمائة”.

وبيّن مؤيد، في تصريح صحفي، أن “البحيرة تحولت إلى مجرى مائي، ونسبة الجفاف فيها وصلت إلى أكثر من 60%، وعلى الرغم من أن الطاقة التخزينية لاستيعاب المياه فيها تبلغ 8 مليارات متر مكعب، إلا أن الموجود فيها اليوم لا يتعدى 30% من كمية المياه”.

وأضاف أن “الخطة الزراعية الشتوية كانت تعتمد على ما هو موجود من الخزين المائي، وحاليا لا يوجد خزين”، مبيناً أن “كمية المياه الواصلة إلى القضاء لا تتعدى 150 مترا مكعبا، في حين أن الحاجة تزيد عن 400 متر مكعب كحد أدنى من المياه في الساعة”. وأكد مؤيد أن “مهمة مديريته اليوم هي تأمين المياه الصالحة للشرب فقط، وري بعض البساتين والمحاصيل الزراعية البسيطة”، مطالباً بـ”تدخل حكومي عاجل، من أجل ضمان وصول المياه بكميات كافية عبر قنوات التفاوض مع دول الجوار”. ويشير خبراء إلى أن خطر الجفاف يداهم مناطق واسعة في عموم العراق، وأن سد حديثة المُغذي لبحيرة عانة قد يخرج هو الآخر عن الخدمة في وقت قريب إذا بقي الحال على ما هو عليه مع توقعات بموسم مطري شحيح.

وتحدث الخبير المائي جمال إبراهيم، في تصريحات صحفية، عن الوضع المائي في المحافظة وما سببته عوامل الجفاف وشح المياه بالنسبة للوضع العام في مناطق غربي العراق، ومنها مدينة عنة.

وأكد إبراهيم: “الوضع العام للمياه حرج جدا وهناك شح في الموارد المائية على الرغم من كون البحيرة هي امتداد لبحيرة حديثة وبعدها راوة، كما تعتبر خزانا للمياه في أوقات الفيضان، لذلك يجرى استخدام هذه المياه بالشكل الذي يتناسب وطبيعة المنطقة زراعياً وخدمياً”.

وأوضح أن “البحيرة تعتبر منخفضا طبيعيا، لكنها ومنذ أكثر من سنة استنزفت مياهها بشكل غير مدروس وغير كفء كما هو حال بقية المسطحات المائية العراقية”، مؤكداً أن “الاستخدام السيئ للمياه بهذا الشكل يهدد الأمن المائي العراقي”.

وأشار إبراهيم إلى أن “الاستخدام المفرط للمياه بهذا الشكل جاء بسبب الطلب المتزايد، فضلاً عن ارتفاع نسب التجاوزات على مقتربات وأكتاف الأنهر وتغيير المجرى باتجاه بحيرات الأسماك غير الرسمية”.

وأكد أن “التجاوزات لم تقتصر على المخالفين فقط، إنما هناك مديريات رسمية أساءت استخدام المياه سواء في خططها أو التغطية على تجاوزات المتنفذين في الحكومة أو المكاتب الاقتصادية للأحزاب”.

وبالحديث عن بحيرة عنة، أوضح إبراهيم أن “أغلب سكان المدينة من الصيادين والمزارعين يعتاشون على مياه البحيرة، وهناك أنواع كثيرة من الأسماك النادرة مهددة بالانقراض مثل البز والكادور والشبوط وغيرها”.

وحذر، من أن “انخفاض مياه البحيرة بهذا الشكل سيؤدي إلى تراكيز نسب التبخر والتلوث، وبالتالي تعرض الثروة السمكية في العراق إلى الخطر الاقتصادي، وأن عدد السكان المهددين بخطر شحة المياه في مدينة عنة يتجاوز 13 ألف نسمة، كما أن الكثير من العائلات نزحت إلى مدن أخرى”.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here