انت تسأل… وأنت تجيب!

بقلم: د. عامر ممدوح
كاتب وأكاديمي

قبل سنوات طويلة، كانت هناك زاوية في مجلة منبر الإسلام الإسلامية الشهيرة والتي كانت تصدر حينذاك في مصر اسمها (أنت تسأل والمفتي يجيب)، ولا ادري لماذا تذكرتها اليوم وأنا اتأمل واقعنا الذي غدا كل واحد منّا مفتياً لنفسه، فهو الذي يسأل وهو الذي يجيب!!.

القصة على ما أراها عميقة في بعض جوانبها، وهي تتعلق بتكوين العقل العربي عامة والعراقي منه خاصة، والذي يجد نفسه عالماً عارفاً بكل ما يطرح أمامه، وصولاً إلى حالة من الإحساس بالاكتفاء الذاتي من النصيحة والمشورة ورأي المختصين في القضايا المختلفة، فهو الذي يفتي لنفسه في مكونات الطبخ مروراً بقضايا الزواج والطلاق والمال الحلال والحرام وانتهاءً بالحروب العالمية والنظام العالمي الجديد.

كما انها ـ في الجانب الديني ـ تعبر عن خلاصة ونهائية منطقية لحالة اختزال دور العلماء ومجابهة الفقه المذهبي العظيم لصالح فتاوى هزيلة لا يعلم أصحابها إلا ظاهر الفهم وبسيط التفكير وعدم ادراك أن النص الديني عالم بحد ذاته يحتاج تخصص، فضلاً عن تأثير المعرفة السريعة والسطحية بفعل سهولة الوصول إليها عبر تطور وسائل التواصل الاجتماعي، وهي قصة شديدة الحساسية تحتاج ان تثار دوماً لمآلاتها الخطيرة في تكوين الفرد المسلم واختلال معايير البحث والتفكير.

ولذلك لا نستغرب اليوم مثلاً كيف أن البعض يفتي بالضد مما يحصل في غزة او يؤصل لذبح فلسطين بل وبالتصالح مع العدو وتبرير الاستبداد والطعن بعلماء الأمة تحت ستار الدين ذاته؟!!

عموماً، لا أريد الخوض طويلاً في جانب الموضوع الديني فلذلك أهله ووقته، ولكن الذي أريد قوله اليوم أن السؤال احتياج، وهو بوابة العلم والفهم، ولكن الاجابة ليست مشاعة للجميع، ولا مطلوبة من صاحبها بل العكس هو مفتاح البحث والاستقصاء في عالم غدا فيه التخصص أساس، وتحديث المعلومة المتواصل ضرورة في عالم متسارع لا يتوقف ولا يسكن!.

أزماتنا تثير ألف سؤال وسؤال نحن نسألها، ولكننا لا نخطو خطوة تجاه الحل ما دمنا نحن الذين نجيب دوماً ولا نتعلم من الخطأ ولا نتعظ!

هذه دعوة للانفتاح على أصحاب الاختصاص، ودعم الجهود الفكرية التي تؤسس لمشاريع التغيير والاصلاح ومعالجة الخلل، وتحقيق التلازم المطلوب بين المفكر والحاكم، فذلك منطلق فاعل لرؤية العالم الجديد الذي نريد.

دعوات تكثر.. لكن لا أقل ــ للأسف ــ من الاستجابات؟!!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here