آليات صناعة ( التميز ) في جامعة الفرات الأوسط التقنية

باسل عباس خضير

في حياتنا العامة ينقسم الناس في أدائهم لأعمالهم إلى أصناف وأنواع ، والباحثون عن التميز والإبداع excellence and a creativity ربما تلهمهم مقولة معروفة مفادها ( تكون السفن آمـنة عندما تكون راسية على الموانئ ، ولكن السـفن لم تصنع لهذا ، انطلق إلى البحر وأفعل أشياء جديدة ، افعل الأشياء التي تحب فعلها حقا ) ، والتميز مهارة أو سمة غالبا ما تكون ايجابية و تتجاوز المعايير العادية وتقوم على أساس معرفة وفهم لأهم الكفاءات والقدرات المتوفرة لديها وكيفية استخدامها لصياغة قيم مشتركة لخدمة المجتمع كافة ، ويتطلب التميز استيعاب مفاهيم الاستدامة في المحتوى الأساسي لاستراتيجياتها وسلسلة القيمة وتصميم العمليات ومن ثم تخصيص الموارد اللازمة لتحقيق أهدافها المنشودة ، والأشخاص الذين يعتقدون أن كل شيء ممكن هم القادرون على الاكتشاف والإبداع ، والناجحون هم الأكثر ترجيحا للتميز فالنجاح يعني لهم إنك لا تخسر حقاً إلا إذا توقفت عن المحاولة و إن النجاح يجر النجاح ، إن الأشخاص الذين يعتقدون أن كل شيء ممكن هم القادرون على الاكتشاف والإبداع فالناجحون يقدرون على النجاح لأنهم يعتقدون إن النجاح ممكن عندما لا نفقد الأمل ، و لا علاقة للنجاح بما تكسبه في الحياة أو تنجزه لنفسك فالنجاح هو ما تفعله للآخرين ، إن النجاح لا يحتاج إلى أقدام بل إلى إقدام والمثابرة والنجاح توأمان الأولى مسألة نوعية والثاني مسألة وقت تتجسد فيها عبارات عن قوة الإرادة والناجحون يُصنعون من أشياء عميقة في داخلهم هي ( الإرادة والحُلم والرؤية ) .
وليس القصد من هذه المقدمة الاسترسال بمحاضرة نظرية عن التميز والإبداع ، ولكنها محاولة لتسليط وتفسير التميز الذي تشهده إحدى الجامعات ( الفتية ) في تاريخ تأسيسها والكبيرة بعطائها والتي اتخذت من التميز صناعة يتم ولوجها في كل الأنشطة والفعاليات والتشكيلات ، وهي جامعة الفرات الوسط التقنية التي ولدت من رحم ظروف صعبة كانت تمر بها البلاد عام 2014 في تصدي العراقيين لداعش الإجرامي ، والجامعة تقع في مدينة الكوفة بمحافظة النجف الاشرف وتتكون من رئاسة وأقسام متخصصة وتشكيلات عديدة ففيها ( 8 ) معاهد و( 4 ) كليات تقنية وتتوزع تشكيلاتها في محافظات ( بابل ، النجف الاشرف ، كربلاء المقدسة ، الديوانية ، السماوة ) ، ورغم إنها تأسست قبل 9 أعوام إلا إنها تمكنت إن تؤسس لنفسها التألق في المجالات العلمية والبنى التحتية والبيئة الجامعية وفي خدمة المجتمع ، وعند المتابعة لها تجد أنها تضيف لنفسها الكثير من الأشياء ، وخلال السنوات الأربعة الأخيرة ( رغم ظروف كورونا ) استطاعت إن تنجز 40 مشروعا ليست كأية مشاريع وإنما بمواصفات الرصانة العلمية والعمارة المعاصرة والجدوى المطلوبة والحداثة في مواكبة ما هو موجود وبعضها متقدم على السائد في الجامعات العالمية ، ويتم انجاز ما يتم انجازه رغم الموارد المحدودة وحجم التخصيصات المالية ، حيث تعتمد الكفاءة في اختزال الزمن والتكاليف والنزاهة في توظيف الأموال بمكانها الصحيح والخبرة في بلوغ الجودة بأعلى المستويات والعمل الجماعي لإسناد الأعمال الإبداعية والمبادرات الفردية ، ولمعالجة القصور في تمويلها المركزي فقد ولجت التمويل الذاتي من خلال الفعاليات الإنتاجية وخدمة المجتمع ، فالشعار والهدف هو العمل بروحية الفريق في التخطيط والتنفيذ وتحمل المسؤولية ، وليس غريبا أن تدخل إلى حيز الوجود معالم وتخصصات وفروع واستحداثات كانت من نسج الأمنيات ولكنها تحولت لواقع فعلي بفترات زمنية قياسية ، وأمثلة ذلك كثيرة وتسر الناظرين و تثلج صدور المخلصين من داخل الجامعة او من قبل محافظة النجف وبقية المحافظات والجهات المعنية بوزارة التعليم ، ومن يزور الجامعة ويشهد ما تحقق فيها يشعر أن هذه الكلمات قليلة بحق الانجاز الفعلي .
والجامعة أوجدت يوم ( التميز ) وهو يوم يتم فيه تشخيص حالات التميز و تكريم المتميزين من العاملين والطلبة ، ويتم اختيار الأعمال المتميزة والمتميزين بضوء معايير محددة ومعلنة بما يعطي الفرص لجميع الفئات للتنافس على التميز في جوانب العمل والإبداع ، وهو تقليد تم تكراره هذا العام حيث تقام احتفاليات في مقر الجامعة وتشكيلاتها ، واشتملت الاحتفالية لهذا العام تكريم أكثر من ( 300 ) منتسب من التدريسيين والفنيين والإداريين وموظفي الخدمات بشهادات تقديرية ومكافئات نقدية لخلق الحافز عند المتميزين للمزيد ودفع الآخرين للتميز بموجب تلك المعايير ، وكانت للطلبة حصة في التميز فمن وجهة نظر قيادة الجامعة فان الطلبة هم عصب الحياة في هذا المجتمع ويمثلون مستقبل العراق ومستقبل الأمة وهم سفراء المؤسسة الجامعية إلى المجتمع والجامعة التي لا تخدم المجتمع لا خير فيها وبدون ولاء وانتماء للوطن لن نستطيع تقديم أي شيء ، وتكريم رئيس جامعة الفرات الأوسط التقنية لأبنائه الطلبة يعكس الاعتراف بقيمتهم ومساهمتهم في مجتمعنا ويشجعهم على مواصلة العمل الجاد والتفوق في مجالاتهم المختلفة ، ومن مخرجات التميز وتآزر عمل الجميع بروح الفريق استطاعت الجامعة أن تحقق الكثير ، ففي مجال الرصانة والاعتمادية أظهرت نتائج تصنيف Times Higher Education: Arab University Rankings 2023، تقدم الجامعة ، حيث ارتقت بمركزها بأربع مراتب مقارنةً بالنسخة السابقة وفقًا للتصنيف و حلت الجامعة في المرتبة 22 من بين 32 جامعة عراقية والمرتبة 161 من بين 330 جامعة عربية .
وفي كل يوم تعيش الجامعة قصة نجاح ، فهي تستلهم العبر والحكم من أمير المؤمنين عليه السلام في الالتزام بمقولته ( من تساوى يوماه فهو مغبون ) ، والنجاح يمتد ليشمل كل الأهداف والوسائل و يبدأ بالإنسان أولا ثم بما يحتاجه من أدوات ومستلزمات ، والتطوير الذي يفضي للنجاح شمل المناهج والتدريب والتعليم المستمر وطرائق التدريس والمختبرات والأجهزة وكل ما يجب ويمكن توفيره من متطلبات ، وامتد التميز للبيئة الجامعية إذ تم افتتاح الحدائق والمساحات الخضراء التي دأبت الجامعة على زيادة رقعتها في إطار تحقيق أهداف التنمية المستدامة حيث بلغت المساحات الخضراء المضافة ١٠٠٠٠ عشرة آلاف متر مربع شملت زراعة أشجار النخيل وأنواع أخرى دائمة الخضرة يتم توفير المياه لها باستخدام منظومات الري الحديثة ، وقبل أيام تمت ولادة مشروع ( المجمع العلمي ) الذي يتضمن ثلاث قاعات دراسية نموذجية وبطاقة إجمالية تقرب من (٥٠٠ ) خمسمائة طالب وطالبة ، فضلاً عن قاعة لدورات التعليم المستمر ومكتبة إلكترونية ومكاتب علمية وإدارية ومرافق خدمية أخرى تم تجهيزها بالمستلزمات الحديثة من أجهزة وأثاث ومعدات من أفضل المناشيء ، وفي إطار الفعاليات والأنشطة التي تشهدها الجامعات العراقية بمناسبة الأسبوع العالمي لريادة الأعمال والذي انطلق في الثاني عشر من الشهر الحالي برعاية كريمة من لدن معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور أفتتح السيد رئيس جامعة الفرات الأوسط التقنية معرضا لعدد من مشاريع أنتجها الطلبة والمنتسبون ، وتضمنت المعروضات مجموعات من الأجهزة والنظم والبرمجيات التي يمكن أن تشكل نواة حقيقية لمشاريع ريادية واعدة .
وفكرة التميز التي تصر الجامعة على تبنيها وتنفيذ بعضها بأشهر بدلا من سنوات من قبل كل مستوياتها ومكوناتها لتحويلها للواقع الفعلي وبالاعتماد على الخبرات والإمكانيات الذاتية تنطلق من الإيمان بأننا نعيش في عالم يزداد تنوعا وتعقيدا يوما بعد يوم ، ولا يوجد شك في أن الإنسانية تحتاج إلى قوة وشجاعة لمواجهة التحديات وتجاوزها ، وفي هذه الصورة نرى قوة إرادة الإنسان الذي يستعيد ثقته بالنفس ويحقق أحلامه ، وهي قصة لا تقدر بثمن وتعبر عن قدرة الإنسان على تحقيق التفوق والنجاح بغض النظر عن الظروف التي يعيش فيها ، وتلعب القيادة المميزة للأستاذ الدكتور مظفر صادق الزهيري دورا فيما يتحقق ، ففي سجله نجاحات عديدة في التعليم العالي وبالذات في التعليم التقني منها ما تم بلوغه حين عمل رئيسا لجامعة الجنوب التقنية التي شهدت في عهده وما تزال نهضة تنطلق من إيمانه وفكره في معنى القيادة حيث يعبر عنه بكلمات لها معنى مفادها ( إن وجودنا بأي منصب هو نعمة إذا استخدمت لخدمة الناس وهي نقمة لاسمح الله إذا استغلت او تم سوء استخدامها ، وعلينا أن نفكر إننا في يوم ما مغادرون لهذه المواقع لذا سوف لا يبقى إلا الأثر الطيب والذكر الحسن والعمل الصالح ، ولا خير من مسؤولية إذا لم تحقق عدالة وإنصاف ورفع المظلومية ومنفعة الناس ، وهذه رسالتنا الحقيقية من المسؤولية فهي أمانة والمسئول يجب أن يعمل ويبذل كل الجهد بشكل استثنائي خلال توليه المسؤولية لكي لا يقول فيما بعد يا ليتنا قدمنا ، وسبحانه وتعالى خص المسؤول بواجب الأمانة ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب: ٧٢) .
مبارك لجامعة الفرات الأوسط التقنية التميز الذي يريح النفوس ، ومن واجب العرفان والوفاء الإشادة بالجهود القيادية التي تبذلها الجامعة ومن فيها ، وفي المقدمة الأستاذ الدكتور مظفر صادق الزهيري رئيس الجامعة حيث يجسد دور القائد الوطني والأب والأخ و المسؤول في المجالات العلمية والتربوية والإنسانية وفي العلاقة مع البيئة المحيطة بما يحقق السبق ، كما تبذل جهود تستحق التقدير من قبل مساعديه وعمداء الكليات والمعاهد وكل الإدارات والمنتسبين بكل المستويات والتخصصات ، كما نبارك لطلبة الجامعة وهم يعيشون زهو الانتماء لجامعة تلازم طلبتها أثناء الدراسة ولم تتخلى عنهم بعد التخرج من خلال معارض الوظائف وبرامج الريادة بالتنسيق مع كل الجهات المعنية في المحافظات ضمن بيئتهم المحيطة بما يسهل سعيهم في ولوج أسواق العمل عند التعريف بأنفسهم والجامعة التي تخرجوا منها كونها مميزة و من ضمن تسلسل الجامعات التي دخلت التصنيفات العالمية ، وان ما يتحقق ليس امتيازا يتم الاحتفاظ به للذكريات وإنما يضيف اعباءا وواجبات أكثر من ذي قبل في تحقيق المزيد وإكمال الاستراتيجيات التي وضعت لحصد النتائج بمختلف المجالات ، فالتميز مهر وعربون لنجاحات أخرى ينتظر الجميع قطف ثمارها في قادم الأيام والسنين وهي بذرة يجب الاعتناء بنموها وثمارها وزراعها لكي تعيش وتكبر ولا تذبل او تموت ، وهناك المزيد مما يتطلب مواصلته في مجال صناعة التميز التي أخذت شموعها تضيء من جديد ونتمنى أن تمتد أنوارها بالانجازات ، ولا يمثل ما تحقق كل الطموحات ولكنه يؤشر توافر القدرة على تحقيق المزيد بالتخطيط وإتاحة الموارد وتوفر الإرادة والقيادات ذات الخبرة والولاء والفكر القادرة على تمكين الآخرين في البذل والعطاء ، ومن الله التوفيق .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here