الشيطان يحكم العالم

بقلم: أ. د. سامي الموسوي

بدأت حقيقة تحكم الشيطان بالعالم منذ بدأ الخليقة وسوف تستمر حتى يوم الدين، هذا ما صرحت به الأديان حتى قبل ان يكون الانسان في هذه الأرض. بدأت القصة في مكان ما في السماء عندما قرر الله ان يخلق البشر وأمر الملائكة ان يسجدوا له بمعنى ان يسخروا له كل شيء فيه سعادته واستقامته فقبل الجميع ما عدا ابليس (الشيطان). كان ابليس مع الملائكة يسمى طاووس الملائكة او (عزازيل) وهو من الجن و قد عبد الله مع الملائكة لألاف السنين ولكنه عصى الله مرة واحدة فقط عندما رفض السجود لادم ضنا منه ان السجود لا يجوز الا لله ولم يكن منتبها للمعنى الاخر للسجود الذي أراده الله وهو التسخير والطاعة لهذا البشر. كان رفض ابليس ما امر الله به هو بداية القصة التي ستؤدي الى تحكمه بالبشر وقيادتهم حسب ما يريد فيما بعد.

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا). أصيب ابليس بالغرور، فكيف لواحد مثله قد عبد الله مع الملائكة لزمن طويل جدا وجيء بمخلوق جديد قد تم خلقه من الطين وقد امر ليسجد له ويتسخر لخدمته وعدم ايذائه؟ فسأله الله عن السبب: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). وهنا لم ينتبه ابليس مرة اخرى الى حقيقة ان الطين افضل من النار وان الطين يطفأ النار وليس العكس وهو اثبت ومنه جاءت الحياة وليس العكس. غضب الله عليه لأنه تمادى واصر وتحدى رب العزة رغم علمه بما لله من قدرة و جبروت وقوة فوق جميع خلقه بما احتواه هذا الكون وما بعده. وان دل ذلك على شيء فإنما يدل على زيف عبادته وكفره الكبير والا فمن العجب لمن يعرف الله كيف لا يخافه؟ طرد الله ابليس من رحمته، عند ذلك طلب ابليس من الله ان يمهله، وعَلِمَ الله ما في نفسه ولكنه سأله فأعطاه ما يريد وهذا دليل على ان الله يجيب دعوة من يدعوه او يطلب منه اذا شاء. (قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ). وهذا دليل على ان هناك ابالسة آخرين وهو واحد منهم. وعندما حصل ما يريد تحلف ابليس (الشيطان) ببني آدم كلهم ودن واستثناء وانه سوف يغويهم في كل طريق وكل شأن غير مستثني شيء وبالخصوص الصراط المستقيم وهو الدين والاستقامة والقيم الصحيحة فصار ان يأتي ابليس من خلال الدين هو اخطر الامور. (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ). السؤال: كم من البشر اليوم يتفكرون بما منحهم الله من النعم ويشكرونه عليها مثل تسخير الأرض وما فيها وجعلها صالحة للحياة بكافة عناصرها وطبيعتها إضافة الى النعم العديدة جدا ما جعله الله متاحا وارزاقها و غير ذلك كثير؟ (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ). عرض الله امانة الاختيار على خلقه بين ان يكونون مخيرين او مسيرين فأبت السموات والأرض وباقي الخلق من حمل ذلك الا الانسان والذين على شاكلته مثل الجن ولعل هناك خلق اخر مشابه للإنسان في هذا الكون السحيق او باقي الاكوان الأخرى التي لا نعلمها فأبى الجميع حملها ماعدا الانسان أراد ان يكون مخيرا فمنحه الله العقل والتفكير والخيارات ومقابل ذلك وضع الحساب والجزاء. (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً). لم يترك الله هذا الانسان بجهله بل وضع له قيم ورسم له قوانين وارشادات ونصائح منذ بدأ الخليقة البشرية وطلب من البشر اتباعها وعدم الاقتراب عما خالف عنها أي عن هذه الارشادات الربانية التي أشار اليها القران الكريم (بالشجرة) وقد صرح الله ان تجاوز هذه القيم والارشادات الربانية يؤدي حتما للظلم وعليه فقد ذم الظلم وكل عمل يؤدي اليه. (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). والاكل والشجرة هنا تعبير مجازي وليس عيني وتعني القيم الصحيحة التي يمكن تناولها عكس الشذوذ وما هو بالضد من القيم وذلك يؤدي للظلم حتما وهو المقصود بالشجرة. هنا جاء دور الشيطان الذي نفذ في الصدور نفوذ الهواء مع النفس فصار في القلب وفي الدماغ دون العقل يوسوس للإنسان كي يخالف القيم الربانية الصحيحة (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ). كم من البشر في قرارة نفسه لا يشعر بالخلود؟ وكم منهم يرى الموت قريب او على الأقل قادم؟ اذن فأن الشيطان قد نجح في وسوسته للبشر فعندما اطاعوه وابتعدوا عن قيم الله الصحيحة ظهرت لهم نتائج افعالهم القبيحة والأخلاق الفاسدة والقيم المغلوطة (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ). أي ان آثار الفساد البشري وعدم الاستقامة التي أوصى بها الله وسن لها السنن والأديان ظهرت واضحة جلية للعيان وصاروا على يقين من ان ذلك بسبب افعالهم الخسيسة. ولهذا السبب جاءت الرسل والشرائع ولكن الناس اتبعوا ابليس.

الانسان ظاهره التقوى وباطنه الفجور والفساد وهكذا خلق وانشأ (وَنَفۡس وَمَا سَوَّىٰهَا. فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا) اصبح الفجور شيء باطني لإنها غلفتها التقوى أي الفجور في الداخل والتقوى في الظاهر. اما بالنسبة لإبليس فلا فرق لديه لانه يقعد الطريقين التقوى والفجور فيشحذ الثاني وينميه ويقلب الأول كيفما شاء فيحرفه او يمحيه. أراد الشيطان ان ينتقم من الانسان وقعد له في كل طريق ليذله ويرغمه ويدخله معه في عذاب السعير. (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا. يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا). (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ؟). ان الله لا ينقص من ملكه شيء اذا عصى الانسان ولكن الله يريد لهذا المخلوق الذي هو اكثر شيء جدلا الخير والاستقامة واتباع الارشادات الصحيحة التي فيها ينجو في الدنيا والاخرة ولكن الانسان ابى الا ان يكون ظلوما جهولا. ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ). جعل الله الظلم والجهل صنوان احدهما يدعم الاخر وصفتان جعلا من هذا الانسان يقبل ما اشفقت منه السموات والأرض. بسبب هذا الجهل (الجهل ضد العقل والعلم) اطاع الانسان الشيطان واستغل الشيطان هذا الجهل فدفع الانسان لأن يكفر وحالما اعلن الانسان كفره تبرأ منه وتركه يواجه عاقبة كفره وصرح بأنه يخاف الله بعد ان اظل الانسان وجعله لا يخاف الله. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. والشيطان يدفع الناس للحروب والقتل سواء الفردي او الجماعي و احتلال البلدان ولكنه حالما يجعل المجرم منهم يرتكب جريمته ينسحب وهذه في علم النفس هي الفترة القصيرة لما بعد ارتكاب القتل التي يصحو بها الضمير قبل ان يموت. (وَإِذۡ زَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَعۡمَـٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡیَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّی جَار لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَاۤءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِ وَقَالَ إِنِّی بَرِیۤء مِّنكُمۡ إِنِّیۤ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ). هنا يعترف ابليس بأن الله شديد العقاب خاصة في حالات الحروب والقتل خاصة اذا كان القتل بفتاوي خاطئة يراد منها مصالح دنيوية وسلطوية وتقام باسم الدين او باسم الله. هذه الجرائم لها عقاب شديد وابليس قد عرف ذلك.

وفي يومنا هذا وبغض النظر عن الجماعات التي تعبد ابليس او الشيطان من خلال طقوس معينة وهي تنتشر في ارجاء المعمورة و من ضمنها عائلة جورج بوش الذين قد دخل مدخلهم توني بلير في حرب العراق بغض النظر عن ذلك فأن العالم اليوم يحكمه ويتحكم فيه الشيطان والذين يعملون معه. فالغرب وسياساته وامريكا التي تتربع على قمته هم جميعا يدفعهم الشيطان لافتعال الحروب واذلال الشعوب والسيطرة على الموارد وحرف القيم عن مواقعها الصحيحة ومعاداة القيم الصحيحة ونشر الرذيلة و تجهيل البشر وحرف عقولهم عن التفكير الصائب وما شابه ذلك هي من افعال الشيطان. انقلبت الموازين واصبح الفاشلين والفاسدين والخونة يدعون الديمقراطية والحرية والتدين ليس لشيء بل استزلهم الشيطان فقلب لهم الموازين. الجهل هو السائد في الأرض لان الانسان اذا ما استخدم عقله فان ذلك ليس في صالح الذين يحكمون العالم باسم الشيطان. تغلغل هذا الشيطان الذي تحدى الله والبشر في الصراط المستقيم وجاء بعباءة الدين من اجل السلطة والجاه والمال فالسلطة الدينية لا تقل أهمية من السلطات السياسية والتجارية وغيرها بل قد تعلو فوق ذلك كله و قد وعد ابليس ان يقعد للإنسان في الصراط المستقيم وقد فعل ذلك. فما اكثر الجرائم التي تشن باسم الدين وباسم الله حتى اصبح ما لا يحصى منها مواخير للشر والرذيلة والجريمة والسرقات واجتمعت كلمة هؤلاء مع أولئك بتجهيل البشر حتى لا ينتفضوا ضد الظلم وضد الخيانة وضد السراق والفاشلين. العالم يتحكم فيه الشيطان رجالا ونساءً وهذا ما وعد به الشيطان و سيسعى اليه سعيه باكثر من ذلك وهو في الاخر قد يحطم البشر جميعا بحرب نووية او كوارث سببها ما عملت ايدي الناس فأظهرت الفساد في البر والبحر بما كسبت تلك الايدي. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا) قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). وقد كان مرض COVID جرس انذار لم يأخذ منه الانسان درسا فعليهم ان يستعدوا لما هو اخطر من ذلك … قال تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here