انهيار الإمبراطورية الامريكية اصبح وشيكا

بقلم: أ. د. سامي الموسوي

يعتبر عالم الاجتماعيات النرويجي Johan Vincent Galtung من الأوائل الذين تنبؤوا بطريقة علمية بحثية حول انهيار الاتحاد السوفيتي. ففي عام ١٩٨٧ كان الاتحاد السوفيتي متماسكا كدولة عظمى قوية ذات أسلحة نووية وقوة صناعية تفوق الولايات المتحدة وعلى اقل تقدير توازيها وتوازنها كدولة عظمى مما يجعل العالم متزن يقف على قدمين اثنين وليس شرطيا واحدا له قدم واحدة كما هو الحال. تنبأ Galtung بانهيار وسقوط وتفكك الاتحادي السوفيتي في عام ١٩٨٠ عندما لم يكن احد يتوقع ذلك لان الاتحاد السوفيتي كان قويا جدا ولا يشك حينها احد بتلك القوة العظمى او انهيارها. ليس ذلك فقط بل وتوقع هذا العالم النرويجي ان يبدأ الاتحاد السوفيتي بالسقوط او بالتدهور في عام ١٩٩٠. والى حد عام ١٩٨٧ لم يكن شيئا ليحدث ولكن في عشية وضحاها وبعام ١٩٩١ لم يكن الاتحاد السوفيتي شيئا يذكر وقد تقطعت اوصاله و تفككت دوله كل واحدة استقلت لوحدها رغم علمها بانها سوف تكون اضعف. بقيت روسيا وهي تعيش على امجاد الماضي وهي اليوم تصارع لمدة عامين دون نجاح لضم أوكرانيا اليها وقد صمدت وانتصرت أحيانا الأخيرة. الامبراطوريات كما يخبرنا التأريخ لابد ان تشيخ وتندثر بعد حين وما يتبقى لها هو مجرد امجاد كما تعيش الإمبراطورية البريطانية التي في طريقها للتجزئة عدما تنفصل اسكتلندا ولم يبقى منها الا إنكلترا وكذا هو الحال مع هولندا. وجد Galtung خمسة أسباب أساسية لسقوط الاتحاد السوفيتي وفي عام ٢٠٠٠ تنبأ بسقوط وانهيار الإمبراطورية الامريكية الذي سيبدأ في عام ٢٠٢٠ ولنفس الأسباب التي انهار بها الاتحاد السوفيتي حيث سيكتمل هذا الانهيار في عام ٢٠٢٥. ويمكن قراءة التفاصيل في المقال الذي كتبه Galtung في الرابط ادناه:

On the coming decline and fall of the US Empire

On the coming decline and fall of the US Empire
By Johan Galtung – TFF Associate October 23, 2020 This paper was written in 2015. Republished here on the occasion of Galtung’s 90th birthday, October 24, 2020. It was originally publis…
transnational.live
/

في الحقيقة لا توجد سنة محددة لبداية الانهيار الأمريكي ولكن عوامله دون ادنى شك قد بدأت منذ زمن انهيار الاتحاد السوفيتي ومن المحللين من يعقد ان الانهيار الأمريكي سيبدأ بعد عام ٢٠٣٠. نحن لانكتب هذا لان أمريكا قد تسببت بأذانا وتدمير بلداننا وقتل إخواننا في الوطن واحتلالنا ولكن نوثق حقائق السقوط الأمريكي المحتوم وبدون ادنى شك. نحن لو استعرضنا العوامل التي أدت الى سقوط الامبراطوريات السابقة داخلية وخارجية لعرفنا ان تلك العوامل مجتمعة لها تواجد متزايد على الداخل والخارج الأمريكي. ولا يسع مقال قصير كهذا ان نستعرض فيه هذه العوامل كلها. واحدة من اهم الأسباب هو العامل الاقتصادي حيث ان النموذج الأمريكي لا يتماشى مع غالبية شرائح المجتمع الأمريكي مما يولد حالة من الاحتقان الاجتماعي المتنامي واستعداد شرائح عريضة للمجتمع الأمريكي لخوض حرب أهلية من اجل مصالحها المتعددة. هناك مجموعات في مناطق عديدة من الولايات الامريكية مثل تكساس وفلوريدا أيدو يخزنون الأسلحة استعدادا لتلك الحرب سواء كانوا من اليمين المتطرف او غيره. وفي استطلاع أجرته شبكة سي بي اس نيوز ان 64% من الأمريكيين يعتقدون ان الولايات المتحدة ستشهد زيادة في العنف السياسي خلال السنوات القليلة المقبلة، وهو رقم ارتفع بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة. وارتفع هذا المعدل بعد ان اتهم الرئيس ترامب جو بايدن بتزوير الانتخابات مما جعل أنصاره يهاجمون ويحتلون مبنى الكابتول. وان هناك قضايا مثل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة و زيادة الفقر والادمان والبطالة والمشردين في الشوارع وعجز القطاع الصحي وأزمة الطاقة والانحدار الأخلاقي وازمات المناخ والمعونات الاجتماعية وتدخل أمريكا كشرطي عالمي في البلدان الأخرى وغير ذلك جميعها تصب في خانة الانهيار الأمريكي المحتوم.

واحدة من اهم العوامل للسقوط الأمريكي هو العقوبات الاقتصادية التي تفرضها أمريكا على العديد من البلدان مما يجعل هذه البلدان رهائن بيد أمريكا. او انها تثير النزاعات بين الدول مثل النزاع الفارسي العربي وذلك لتوريد الأسلحة للطرفين و للابقاء على وجود القواعد العسكرية. وهذا سكين له حدين فمن جهة تحاول أمريكا إبقاء سيطرتها من خلال ذلك ولكنها تفقد الكثير لان العديد من الدول والشعوب أصبحت تفضل الخصيم الصيني والتعامل بغير الدولار مما سيتسبب بتدهور العملة الامريكية واحداث عزلة عليها بدلا من فرض عزلة من قبلها على الاخرين. هنا يبرز ذكاء الغريم الاقتصادي الصيني ليحل محل الأمريكي. ان أمريكا تعاني من عجز ضخم في الميزانية هي لا تريد التصريح به او على الأقل بحجمه وحقيقته وتعاني تحدي في ازمة المناخ ولديها ازمة في الطاقة وهي لا تستطيع الدخول في حرب كالتي خاضتها في أفغانستان والعراق خاصة في آن واحد. هي اليوم امام خيارات جميعها مر وقد يتسبب احد العوامل بانهيارها الذي اذا حصل لسبب واحد فأن ذلك يؤدي الى السقوط اللولبي كقطع (الدومينو) مما يجعل السقوط اسرع مما حصل مع الاتحاد السوفيتي. ان أمريكا دخلت كطرف في الحرب الأوكرانية و جرت معها اوربا التي مشت في ذلك على مضض ولكنهم لم يحققوا شيئا يذكر لحد الان ورأينا تدخلها اللاأخلاقي في الحرب الأخيرة بين الكيان الصهيوني وغزة وكانت النتيجة برفض الشعب الأمريكي لهذه السياسة التي لا تنسجم الا مع شريعة الغاب وهذه واحدة من عوامل سقوط الامبراطوريات السالفة. العديد من الامبراطوريات أصبحت مفلسة أخلاقيا مثل روما وتسبب ذلك بسقوطها من الداخل وهذا ما نراه واضحا في أمريكا ودول الغرب كذلك. وبدلا من ان يصححوا هذا النموذج الشاذ لم يشجعوه فحسب بل وقد فرضوه علي الدول والشعوب الأخرى. وهذا هو عامل داخلي مهم للسقوط السريع اذ انه يجعل من المجتمع منقسما في داخله بين مؤيد للشذوذ وانعدام القيم ومحافظ مستعد للقتال للدفاع عن قيمه وهذا ما يحصل اليوم في أمريكا. هناك صراع داخلي يدفعه العامل الأخلاقي والقيم بحيث اصبح المجتمع منقسم على نفسه بين هذا وذاك وكل يدفع بقوة باتجاه يعاكس الاخر على ان الدولة الامريكية تساند الجانب الأخلاقي المفلس وهذا خطأ ستدفع ثمنه باهضا وعامل مضاف بقوة للسقوط الأمريكي المرتقب.

ان أمريكا بدأت الان تفقد نفوذها في العالم ولم يعد الزمن نفسه الذي غزت به أفغانستان واحتلت به العراق فهي انهزمت من أفغانستان و احتلت العراق بالكذب ثم دمرته وكذبت بشأن الديمقراطية بينما اصبح من الصعب على أمريكا ان تقنع جنودها ودافعي الضرائب بالدخول في حروب على تلك الشاكلة وان العديد من البلدان اهملتها في فرض عقوبات للتدخل في الحرب الأوكرانية الروسية. ولحد الان تعتبر أمريكا فاشلة في هذه الحرب كما هو الفشل الروسي والذي يدفع الثمن الشعب الاوكراني الذي اخذ يفهم اللعبة القبيحة بينما تخلت عن ذلك العديد من بلدان اوربا بعد التضخم الاقتصادي الذي حصل. وفي نفس الوقت أصبحت أمريكا تغازل بشدة أيران وتحاول ان لا تدخل في حرب معها رغم تقدم ايران بالحصول على السلاح النووي وذلك لان أمريكا تخاف ان تبدأ الحرب فيتسارع انهيارها وتدخل مرحلة اللاعودة. ولا ننسى ان أمريكا طلبت من السعودية والامارات ان يرفعوا انتاج النفط بعد الازمة الأوكرانية ولم يستجيب كلا البلدين لذلك بل وحتى انهم اهملوا الاتصال ولم يجيبوا على التلفون. ان أمريكا تمر بأزمة حقيقية خاصة من قبل الشعوب ورفضها لها وعدم الثقة بها. اما من الداخل فأن المقاتل الأمريكي الذي زجته أمريكا في العراق وأفغانستان اصبح لا يثق بحكومته ولا يجد أي جدوى من التدخل في حروب تجلب له الامراض النفسية والموت والتعوق ثم ترميه حكومته بدون مأوى بعد عودته او يصبح مجرما او يعاني من اثار الحروب الجسدية مثل متلازمة الخليج.

والسؤال هو ماذا يعني سقوط الإمبراطورية الامريكية بالنسبة للعالم؟ يعتمد ذلك على ما سينتج عنه السقوط وعليه فان هناك احتمالات عديدة. الاحتمال الأكثر هو ان تبقى أمريكا دولة كانت امبراطورية ولكنها تتجزأ وتنفصل اما لولايات متعددة او لدول كل دولة عبارة عن عدة ولايات يجمعها هدف مشترك. حيث ان هذه الولايات مثل تكساس وفلوريدا وغيرها كانت قد أعلنت عن نزعتها للاستقلال. وهنا سيصبح مصير أمريكا مثل بريطانيا التي فقدت مستعمراتها والان تتجه لفقدان اسكتلندا كذلك وتراجع دورها العالمي وكذلك هي فرنسا وستتراجع كذلك أمريكا كما تراجعت روسيا بل واكثر لانها ستكون عبارة عن واشنطن وقد يكون معها ولاية او اثنين او ثلاثة ولكن ليس ٥٠. اذ تصبح أمريكا دولة ليس لها نفوذ عالمي وتنحسر قوتها كبيرا وتحل محلها الصين او دولة أخرى. هذا من ناحية ولكن كافة الخيارات الأخرى تبقى مطروحة فالسونامي الذي يحدثه السقوط الأمريكي سوف يكون اقوى مما احدثه السقوط السوفيتي. سوف يجتاح هذا السونامي العديد من الدول التي هي بدورها ستنقسم الى دويلات اصغر بما في ذلك اوربا وكندا وباقي البلدان. وقد تشتعل حروب في أماكن تعيش أزمات بين البلدان مثل حروب في الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل سوف تكون الكفة فيها للعرب. اما الاحتمال الأسوأ هو اشتعال حرب متعددة الأطراف قد تقود لحرب عالمية ولكن هذا الاحتمال يبقى ضعيفا جدا اذا ما علمنا ان هيكلية مجلس الامن ستبقى كما هي وهناك استعداد لملأ الفراغ الناتج من قبل دول قوية غير أمريكا او تحالف دولي جديد.

في جميع الأحوال سيمر العالم بصعوبات اقتصادية وامنية ولكن ليس كما تصوره أفلام هوليود بعد نهاية العالم. ونحن نرى ان ذلك سوف لن يحصل قبل عام ٢٠٥٠ حينها سوف يكون عمر الإمبراطورية الامريكية قد بلغ اكثر من ٢٥٠ سنة وهو العمر الافتراضي لنهاية الإمبراطوريات. وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here