تأثير (الثقافة) على تشكيل ألفكر : ألعنوان الآخر الأنسب للموضوع : دور الثقافة في آلتوحيد

يقول (باؤلو كويلو) : [إنّنا نحاول دوماً تفسير الأمور وفق ما نُريد، لا وفق ما هي عليه].
و من هنا تنشأ المواجهات و الأختلافات و الخصام حتى داخل الأسرة .. بل داخل الشخص الواحد, و هي(الأزدواجية) نفسها, لأنّ كل طرف يُريد أن يجرّ النار لقرصه لا لبيان الحقيقة و الأنتصار لها, لهذا لا نتيجة و لا إتحاد و لا مجبة و لا تطور و لا إنتاج فكري يظهر في مثل تلك الأوساط,ُ و بنظري هذه المسألة تُعبّر بوضوح و دقة عن أوضاع الأحزاب و السياسيين في مختلف شعوب و مجتمعات العالم و ما نشهده من حروب و مؤآمرات و قتل و سجن ووو .. ما هي إلا نتائج و مردودات و اقعية عن ذلك آلعمى و الغباء المُقدس المتغلغل بعمق أحزابهم التي يكفرون غيرها حتى لو كانت منزلة من السماء, لأنهم بكل إختصار؛ غير مثقفين ولا يقرؤون سوى الأخبار .. و لا يتداولون سوى عيوب الآخرين و الغيبة و الكذب و البهتان لترتاح نفوسهم المريضة .. لذا يبقون جهلاء يعبدون النفس و يعملون بخلاف رأي الفلاسفة و المفكرين و الأدباء و فوقهم الأنبياء الذين أرادوا عدالة السماء ..
لذلك لا قرار .. و لا وئام ولا أمان ولا سعادة .. بل تنشأ و تظهر بدلها المظالم و الفساد و الطبقية و كما هو حال بلادنا اليوم.
ثقافة الأنسان لا و لن تتكامل لو بقي يُؤمن و يتعبّد بمذهب أو دين واحد بعيداً عن مقارنة معتقده مع الأديان و العقائد الأخرى, لذا لا تتكامل المفاهيم و الرؤى الكونية عنده إلّا بعد آلأطلاع على جميع المدارس الفكريّة و الفلسفيّة و العناوين الكبيرة ألعلميّة والتكنولوجيّة و أوضاع المجتمعات الأخرى بضمنها معرفة جواب (الأربعون سؤآل) مع ترجمة أهم المعتقدات و النظريّات الفكريّة للمذاهب و للأقوام و الحضارات السّامية و الأنظمة العلمانيّة و الوجوديّة و الأسلاميّة ..
و هذا يحتاج أيضاً إلى مترجمين أكفاء للقيام بترجمة شكل و روح تلك النصوص و النظريات و الأفكار و الثقافات والفلسفات من و إلى اللغات المختلفة , و إنعكاس هذا الأمر سيكون له دوراً كبيراً في توسيع آفاق و رؤية الأنسان و العلاقات الأنسانية و نشر الوعي و الأنفتاح الفكري و المعرفي على العالم و بآلتالي توسيع آفاق و مديات السعادة و التقدم و البناء الحضاري.
إن تحقّق تلك الحالة – أيّ ألرؤية الكونيّة للوجود – في حاملها تجعله مُتمكناً و قادراً على مناقشة و مطارحة الجميع و بيان نقاط القوة و آلضعف بثقة في كل منها لأنه يفترض أن يكون مُلمّاً بها نتيجة أسفاره و معارفه الكونيّة التي بدونها ينهزم بسهولة أمام الرأي الآخر .. و [العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس], كما يقولون.
و الحكمة تقول : [إذا كنت لا تستطيع الصمود أمام الرأي الآخر فإبحث عن دِين آخر].
لذا فإن ترجمة النصوص و المبادئ و الكتابات على الصُعد المختلفة أمانة عظيمة تتعلق بها مصير الأنسان و سعادته و آخرته, حيث لها دور ريادي في تشكيل ثقافة الأنسان و تثوير الفكر و توسيع المعارف و بآلتالي دفع عجلة التقدم الحضاري للأمام لتحقيق العدالة و السّعادة الأنسانيّة .. و الترجمة ألعلميّة – الأدبيّة – الفلسفيّة لها دور أكبر في التأثير و تشكيل ثقافة و فكر الشعوب و تقريب بعضها من بعض للتعاون و التعارف , لأن الأنسان عدوّ ما جهل .. و الله تعالى يقولأيضاً :
[يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] سورة الحُجرات/ آية(13).
لذا يجب أنْ تتّسم الترجمة الأدبيّة و العلميّة و الفلسفيّة بمقدار كبير من الأهميّة , لأنك تتعامل مع العقل و الروح معاً لتشكيل ماهية الأنسان؟
إذا كان الهدف من تأليف الكتب و كتابة القصص و الرويات و الحِكم و إبداع النظريات الفلسفيّة ؛ هو أطلاع القراء على سلسلة من المعارف و التجارب و وجهات النظر ؛ فانّ النّص الأدبي والفكريّ المترجم يضطلع بدور حاسم و كبير في تحقيق ذلك، فمن خلال الأعمال المترجمة يتمكن القاريء من الترحال الى أماكن و آفاق مختلفة و يُجرب أنماط حياة متنوعة و بآلتالي يجري مقارنات مختلفة دون ان يغادر الكرسي الذي يجلس عليه.. بمعنى يُوفر للقارء الكثير من الزمكاني و المال ووو … إلخ
و بمقدور القُّراء أن يُحطّوا الرّحال في العوالم المختلفة التي يصوغها كُتّاب القصة و الرواية الأجانب .. فضلاً عن تجسيد دواعي قلقهم و المشاكل العويصة التي يتطرّقون اليها و مسراتهم و مشكلاتهم.
و إن تصوّر و وعي الأعمال الفكرية و الأدبيّة و الثقافية عموماً المترجمة يكشف لنا أوجه الشبه والأختلاف الثقافيّة مع ما آمنا به مسبقاً .. بشكل يشجع على تقمّص وجهات النظر الجديدة و التفكير بها و مقارنتها من الزوايا المختلفة وإستخلاص المفيد و المناسب منها.
والأدب الأجنبي لا يتيح لنا الفرصة للأطلاع على الأفكار المختلفة فحسب .. أنما يساعد أيضا و باستمرار على تعزيز تنوع الأجناس الأدبية و فن السرد القصصي.
ترى هل يمكن للواحد منا أن يتصوّر عالماً خاليا من التحف الأدبيّة الواقعية المستندة للتحليل النفسي التي أدرجها قلم (فيودور دوستوفسكي) Fyodor Dostoyevsky أو بمعزل عن الحكايات الواقعية الساحرة للروائي الكولومبي (غابرييل غارسيا ماركيز) Gabriel Garcia Marqez أو بمنأى عن تأملات العلاقات الأنسانية التي صاغتها (ألينا فيرانتي) Alena Ferrante؟ و فوقهم جميعاً ما كتبتها العارفة ألأمريكية إيميلي إليزابيت ديكنيسن Emily Elizabeth Dickinson!؟
أن مثل تلك الأعمال الرائعة تحفز تفكير القُرّاء و توسّعه كما أنها تلهم الكُتاب في مختلف أرجاء العالم لتوسيع آفاق كتاباتهم — وهو أمر لا بد ان يكون واسعاً و غير محدود للغاية دون الترجمات الأدبية.
الترجمة الأدبية تتيح للمؤلفين الوصول الى الجمهور العالمي و إلى تقريب الثقافات و انماط الحياة .
لا شك أننا نعيش في عصر العولمة حيث يزداد أهتمام القراء كثيراً بالقصص و الأخبار و وجهات النظر المختلفة حول الأحداث، كما بدأت الأسواق في البلدان الناطقة باللغة الأنكليزية تهتم كثيرا بالقصص التي تدور في أماكن خارج تلك البلدان و بالعكس, و إن الأنترنيت و السّتلايت و أجهزة الأتصالات الأخرى تلعب دوراً هاماً في ذلك لتثوير حوار الحضارات لا خصامها و نزاعها!؟
من الأكتشافات الهامة التي رافقت الأنترنيت هي قضية الترجمة التي يقوم بها الحاسوب بين جميع اللغات .. لكنها مازالت غير متكاملة الأبعاد من ناحية الجودة و الدقة و التعبير .. و تحتاج للمزيد من العمل و البحث لتطويرها ليتحقق عملية الأسراع و النقل فيما بين ثقافات العالم أجمع.
نقطة هامة للغاية بشأن الترجمة إضافة لما أوردنا ؛
لا تتحقق الترجمة المثالية الدقيقة ما لم يكن المترجم متبحراً في اللغتين, كي ينقل المغزى و المفهوم و روح المعنى الذي أراده الكاتب بدقة و أمانة.
نتمنى من أصحاب اللغات أن يقوموا بدورهم و إتحادهم لترجمة ليس الكتب الأدبيّة فحسب .. بل حتى الكتب العلمية و الفلسفية المختلفة .. و ليتهم يشكلون لجاناً متمرسة لتحقيق هذا المطلب الهام جدّاً و الذي بتحققه يكون الفاعل قد وصل درجة الثقافة و هي المرحلة الثانية في مسير المراتب الوجودية السّبعة حسب (الفلسفة الكونية العزيزية) على الترتيب التالي :
قارئ – مثقف – كاتب – مفكّر – فيلسوف – فيلسوف كوني – عارف حكيم .

في ختام المقال على الجميع الحذر من مغبّة الوقوع في دنيا (التّكثّر) الذي يشتت قوانا و يُبعدنا عن دنيا (التّوحد) الذي أراده الله تعالى .. لأن محور إمتحاننا الدّنيوي يتعلق بمدى تحقيقنا للتّوحد من وسط التكثر الذي وقعنا فيه عندما إنفصلنا عن الأصل و نزلنا ألأرض نتيجة تداخل الثقافات والأفكار و مصالح الناس في هذه الدّنيا و تأثيرها في تشكيل و تحديد مسار فكرنا و بآلتالي تعاملنا مع الوجود و الأنسان قبل كل شيئ.
العارف الحكيم عزيز الخزرجي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here