العالم مدين لمهد الحضارات في بلادي ولكنه جحود

بقلم: أ. د. سامي الموسوي

سومر وأكد وبابل وآشور هي نتاج الحضارة الأولى التي انتقلت من عصور ما قبل التاريخ إلى التاريخ في بلاد ما بين النهرين العراق الحالي. ازدهرت حضارة متقدمة في سومر قبل فترة طويلة من حضارة مصر واليونان وروما. إنها حضارة عريقة غذت الإنسانية من ينبوعها الغني منذ آلاف السنين. والآن يحتوي العراق على أغنى المواقع الأثرية المعروفة في العالم. كانت بلاد ما بين النهرين أرض النباتات المورقة والحياة البرية وموارد المياه الوفيرة. وبحلول عام 6000 قبل الميلاد، هاجر العديد من الناس من المناطق المجاورة إلى أراضيها الغنية بالمياه حيث يلتقي دجلة بالفرات في الجنوب.

تشكلت الحياة الحضارية التي ظهرت في سومر من خلال الفيضانات المدمرة التي لا يمكن التنبؤ بها للنهرين وترسب التربة لتكوين أرض مستنقعية خصبة منخفضة المستوى. و لأول مرة في التاريخ، تعلم الشعب السومري زراعة فائض من الغذاء معتمدا (الامن الغذائي). ومع زيادة فائض الإنتاج ومع تقدم الإدارة الجماعية، تطورت عملية التحضر وتجذرت الحضارة السومرية في جنوب العراق. كان السومريون أشخاصًا مبتكرين للغاية واستجابوا بشكل إبداعي لتحديات الطبيعة. لقد أبدعوا العديد من الموروثات العظيمة للإنسانية، مثل الكتابة والري والعجلة والفلك والأدب.

أن أول حرف في التاريخ كتب باللغة السومرية على شكل صور توضيحية (صور مبسطة على ألواح طينية)، وبالتدريج قام السومريون بإنشاء الكتابة المسمارية التي تحتوي على عناصر صوتية ومقطعية توفر وسيلة مرنة للتواصل. ومن خلال الكتابة، تمكن السومريون من نقل المعرفة والخبرة إلى الأجيال المتعاقبة والى باقي البلدان شرقا وغربا وفي كل اتجاه ولم يبخلوا بذلك؛ أدى ذلك إلى تحسينات ملحوظة في الإنتاج الزراعي والتقدم العلمي.

بدأ تسجيل الشعر والملاحم والأحداث والتاريخ على يد السومريين. لقد نجت ملحمة جلجامش السومرية الشهيرة بشكلها الكامل تقريبًا حتي وصلت الينا. تعكس ملحمة جلجامش، المليئة بالتجريدات المعقدة والتعبيرات العاطفية، التطور الفكري للسومريين، وكانت بمثابة النموذج الأولي لجميع قصص الملاحم في الشرق الأدنى والعالم.

أدت هشاشة الوجود في جنوب بلاد ما بين النهرين إلى حس ديني متطور للغاية. كانت مراكز العبادة مثل أريدو، في عام 5000 قبل الميلاد، بمثابة مراكز مهمة للحج والعبادة. و ظهرت هذه المراكز الدينية في معظم المدن السومرية، مما عزز العلاقة الوثيقة بين المجتمعات والشعوب ذات الجوانب السياسية المهمة. و ظهر كهنوت قوي للإشراف على ممارسات الطقوس. و قد حكم الكهنة من المعابد (الزقورات) التي كانت في الأساس جبالًا صناعية من الطوب المشمس، مبنية بسلالم خارجية تتجه نحو الضريح في الأعلى. و من المهم معرفته هنا هو ان أبو الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) كان اصله و ولادته ترجع الى مدينة (زور) السومرية في جنوب العراق حيث يوجد بيته الذي ولد فيه قرب زقورة اور.

اما من ناحية القوانين والقواعد المدنية فهي أيضا نشأت في (سومر) حيث كان السومريون يعتبرون أن جميع الممتلكات لله وأن إيجار الأراضي والمسائل الزراعية والتجارة والعلاقات التجارية والحرب يحددها القانون. على عكس مصر حيث كان (فرعون) يمتلك كل شيء بما في ذلك الناس والممتلكات باعتباره الإله الحي. في سومر لم تكن الملوك تختلف عن الناس وهم موضع شك من قبلهم. كان السومريون يؤمنون بالملكية الخاصة، ويمكن لأي شخص، بما في ذلك الملوك، المساومة على سلعهم الخاصة. كان المجتمع السومري مجتمعًا أموميًا وكانت للمرأة مكانة محترمة للغاية في المجتمع. كانوا يدونون القوانين في ما يعرف (بالمسلات) ويجعلونها معروفة للجميع دون تمييز طبقي.

أدى الاهتمام السومري برفاهية المجتمع إلى المراقبة الدقيقة للظواهر العلمية مما أدى إلى ابتكار الوحدة الأساسية للحساب والأرقام. وقاموا بتطوير نظام رياضي يعتمد على الرقم (60) الذي يعتبر أساس الزمن في العالم الحديث. وان مفهوم الدقائق والساعة هو ابتكار سومري محظ. وان أول تقويم بشري كان التقويم السومري.

كما وان اول أرض زرعها الإنسان كانت هنا في جنوب العراق. ثم طور السومريون نظامًا زراعيًا متقدمًا للغاية مع أنظمة الري المكررة والتحكم في المياه، والذي انتشر إلى البلدان المجاورة القريبة والبعيدة من خلال الكتابة السومرية المخترعة. فوصل ذلك الى الصين شرقا واوربا غربا بواسطة الرقع الطينية ولم يبخل بذلك السومريون.

وفي سومر ظهر لأول مرة تخطيط المدن قبل البناء. ومع تقدم هذا الأمر قام السومريون الذين يفتقرون إلى الحجارة ببناء الطوب وحققوا تقدمًا ملحوظًا في تقنيات صناعة الطوب. كما أنهم أول من استخدم هذا الطوب في بناء الطرق وتعبيدها. حتى أصبحت مدنهم الكبرى مثل أوروك وإريدو وكيش ولاجاش وأجاد وأكشاك ولارسا وأور تجذب العديد من المهاجرين الذين يبحثون عن حياة أكثر استقرارًا وازدهارًا للذهاب إلى هناك في ذلك الوقت. و كانت أور مسقط رأس النبي إبراهيم (عليه السلام) وهو والد النبي محمد (عليه الصلاة والسلام).

اما بالنسبة للمنحوتات والصناعات البرونزية و العجلة فان كلاهما ابتكرهما السومريون عام 3700 قبل الميلاد وأدى ذلك إلى التقدم في الحروب والتكنولوجيا. لقد اكتشفوا أنه عندما يذوب القصدير مع النحاس فإنه ينتج البرونز الذي هو أقوى وفي نفس الوقت أكثر متانة. دارت الحرب الأولى هناك ومنذ ذلك الحين حدثت حروب طويلة في التاريخ. وقد كان السومريون والبابليون اول من انشأ الصنوف العسكرية مثل المدرعة والمشاة والمدفعية والاستخبارات العسكرية والأجهزة الأمنية وغيرها.

كان الملك سرجون 2334 قبل الميلاد، أول ملك يرسل قواته إلى مصر وإثيوبيا لتوحيد المناطق غير المستقرة التي اعتادت القتال من أجل الأرض والمياه ولإدخال القانون والرخاء من خلال خلق فرص عمل جماعية للشعب مع حشد كبير للعمال . أنشأ سرجون أول إمبراطورية في التاريخ. ثم بدأت الحروب تتزايد في كثير من الأحيان على ثروات هذه المنطقة. ومع تقدم الحضارة، أصبح القانون والأدوار أكثر تقدمًا، لكن أول قانون مكتوب وموثق جيدًا تم وضعه على يد حمورابي ملك بابل شمال سومر والموجودة مسلته في متحف اللوفر في باريس حاليا.

وقد ابدع سكان ما بين النهرين في الإدارة وانشؤوا جهاز متطور في هيكلية الإدارة فقد كان ذلك واضحا في المسلات والرقع الطينية حيث دونت ومنها مسلة حمورابي في شمال سومر (بابل) والذي حكم فيما بعد على سومر أيضًا. لقد كان أول هيكل مكتوب كامل للحياة المدنية في تاريخ البشرية و يسمى مدونة القانون.

وبالنسبة للتعامل المصرفي والعملات فقد نشأت الأعمال المصرفية في بلاد ما بين النهرين في بابل، حيث كانت المعابد أولاً ثم القصور توفر مكاناً آمناً لتخزين الأشياء الثمينة. في البداية تم قبول رواسب الحبوب، وبعد ذلك تم قبول السلع الأخرى بما في ذلك الماشية والأدوات الزراعية، ثم المعادن الثمينة.

أصبحت سومر المنطقة الأكثر ازدهارًا وبدأ الآخرون في القتال عليها من أجل الثروة مثل الأكاديين الساميين الذين هاجروا من شبه الجزيرة العربية. عندما اشتبك الشعبان، فقد السومريون تدريجياً السيطرة على دويلات المدن التي أنشأوها ببراعة ووقعوا تحت هيمنة المملكة الأكادية، التي كان مقرها في أكد (أجاد السومرية). هذه العاصمة العظيمة لأكبر إمبراطورية شهدها البشر على الإطلاق حتى تلك النقطة التي أصبحت فيما بعد بابل، التي كانت المركز التجاري والثقافي للشرق الأوسط والعالم لما يقرب من ألفي عام.

في عام 2125 قبل الميلاد، ثارت مدينة أور السومرية في جنوب بلاد ما بين النهرين، وسقطت الإمبراطورية الأكادية قبل تجديد دويلات المدن السومرية.

ثم حدث نمو هائل في العلوم والرياضيات، مثل الاختراعات الرياضية العظيمة المتمثلة في تقسيم الدائرة إلى 360 درجة، وكانوا من أوائل من اخترعوا خطوط الطول ودوائر العرض في الملاحة الجغرافية من قبل الآشوريين. كما طور سكان بلاد ما بين النهرين علومًا طبية متطورة، أثرت بشكل كبير على العلوم الطبية في كل مكان. لقد اخترعوا أول قانون طبي ينظم لأول مرة في تاريخ الإنسان ممارسة الطب ومسؤولية الممارسين عن أخطائهم تجاه المرضى والمجتمع. كان قانون حمورابي أول من وضع قواعد بشأن من يجب أن يمارس الطب وكيف يجب أن يمارسه. وبرع السومريون والبابليون في علوم الفلك وتركوا لنا ارث هائل لحد هذه اللحظات لم يستطيع العلماء ان يجيبوا على تفاصيله مثل علوم الفلك حتى ان البعض يعتقد انهم قد تواصلوا مع مخلوقات ذكية وانهم عرفوا بان هناك كوكب تاسع للمجموعة الشمسية وغير ذلك من العلوم الفلكية. اما العلاقة ما بين الانسان وما وراء الطبيعة فأخذت اشكال عديدة وذات الغاز لاتزال لحد الان.

بكل تأكيد فان العراق خاصة سومر وبابل واشور واكد قد رفدت العالم بالحضارة الأولى التي دامت لعدة الالاف من السنين ولم تبخل بعلومها بل صدرتها الى الاصقاع على رقع طينية ليستفيد منها الاخرون وحتى في السبي البابلي لليهود فانهم منحوا اليهود الحرية في العمل و التدين و وفروا لهم مجال لكتابة التلمود هناك. ولقد جازاهم العالم الغير المتحضر اليوم خير (نعني اتعس) جزاء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here