حقائق مريرة عن العلاقات العراقية الأمريكية

حامد شهاب

ربما أثار إستغراب الكثيرين ما أشارت اليه السفيرة الأمريكية في العراق الينا رومانوسكي حول نيتها كتابة شيء ما عن العلاقات الأمريكية العراقية كل يوم خميس ، وهي إشارة قد يفهم منها أنها تريد أن تكتب فصولا موجزة توضح فيها الرغبة الأمريكية بأن تكون مسار تلك العلاقات في أحسن أحوالها وكما تتمنى الإدارة الامريكية والسفيرة رومانوسكي أن ترسم ملامح إيجابية عن تلك العلاقة لتطوير طبيعتها نحو الأفضل.

والمعروف لدى كثير من العراقيين عن العلاقات العراقية الأمريكية أنها مرت بفترات توتر وإضطراب وعدم إنسجام طوال أكثر من سبعة عقود على أقل تقدير ، وإبتداء من نهاية العهد الملكي حتى الان ، بالرغم من أن العراقيين في دواخلهم لايحملون أية ضغينة عن الأمريكان وهم يودون لو كانت ملامح ومؤشرات تلك العلاقات ومسارات تطورها في أحسن أحوالها، إلا أن الأمريكان كإدارة وكونغرس ، لم تتعامل مع العراقيين وأنظمتهم السياسية المتعاقبة بمستوى واحد ، وكانت هناك نوايا سيئة تجاههم أكثر من علامات الرغبة في الإنسجام والتعامل بالمثل ، حيث تتمنى الدولة العراقية طوال عهودها لو كانت علاقتها مع الولايات المتحدة على أحسن مايرام.

ومن الممكن أن نضع ملامح لحالات إيجابية ظهرت فيها السياسة ألامريكية تجاه العراق في فترة كانت أكثر هدوءا وإستقرارا ، وهي الفترة التي تنحصر بين منتصف السبعينات ومنتصف الثمانينات، حيث كانت العلاقات العراقية ألامريكية على أحسن مايرام، وتعامل فيها الأمريكان وساستهم مع العراق بطريقة كانت تمثل عهد إزدهارها وإستقرارها على أقل تقدير ، وهي الفترة التي بدأت منذ عهد الرئيسين كارتر ومن ثم ريغان ، والتي أعدها كمتابع للسياسة الامريكية منذ السبعينات الفترة الذهبية التي ظهرت فيها تلك العلاقات ربما في أحسن احوالها.

لكن تلك العلاقات بدأت بتوترات وحالات من عدم الإنسجام وربما الإضطراب مابعد منتصف الثمانينات ونهايتها، حيث شهدت سنوات مابعد 1988 أكثر تلك السنوات التي كانت هناك غيوم وسحب كثيفة بدأت تعكر سماء تلك العلاقات، ولم تمطر تلك الغيوم لأغراض سقي أواصر تلك العلاقة أو ترطيبها بقدر ما رافقتها من عواصف هوجاء، إنقلبت فيها حالة التوازن رأسا على عقب، وبخاصة بعد إن قام الأمريكان بتزويد إيران بصفقات أسلحة في القصة المعروفة بفضيحة (إيران غيت) أو ( إيران كونترا) في عام 1986 ، ومنذ ذلك التاريخ ومكائد الأمريكان مع العراق لم تنقطع، وجاءت أحداث الكويت في 1990 لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير ، حتى وصلت تلك العلاقات في أوج تدهورها، وراحت حملات البيت الأبيض وماكنة الدعاية الامريكية والغربية عموما تنسج آلاف الفبركات واكاذيب الدعاية السوداء عن العراق وشعبه، وتحرض إسرائيل على مهاجمة العراق، متهمة أياه بأنه يريد تطوير أسلحة نووية وكيماوية لتعريض أمن إسرائيل والأمن القومي الأمريكي للخطر، وما تبعها من حملات التفتيش على أسلحة الدمار الشامل التي أعقبت دخول العرق الى الكويت وما جرته من ويلات ومصائب على شعب العراق.

وحتى بعد سقوط النظام في العراق عام 2003 وبعد الاحتلال الامريكي لهذا البلد لم تكن لدى الإدارة الأمريكية سوى إخضاع هذا البلد كليا لأهدافها ومطامعها في المنطقة، وثبت بالدليل القاطع أن الديمقراطية التي تشدق الأمريكان بجلبها الى العراق لم تعد عليهم سوى بالويل والثبور، حتى في فترة جلب من وجدت فيهم أنها هي من فرضتهم على العراقيين وسلمتهم السلطة ، في توجه لتحريض طائفة على أخرى وتسليمها مقدرات البلد ، لكنها هي نفسها إنقلبت الآن على الادارة الامريكية وراحت تهاجمها بشراسة منقطعة النظير .

ولا ندري عن أي فصل من فصول تلك العلاقة ستتحدث عنها السفيرة الأمريكية رومانوسكي عن العلاقات الأمريكية العراقية ، كما تود هي أن تكتب ضمن تغريداتها أو مذكراتها الرسمية ، وهي الضليعة بالملف العراقي، وكيف لا وهي ضابطة المخابرات المتمكنة من نفسها ومن أدوارها، وكانها هي من تقود البلد وتقبض على مقدرات السلطة، وسننتظر ايضا كيف يكون بمقدور رومانوسكي أن ترسم (صورة وردية) عن تلك العلاقة ، وهي نفسها التي إشتكت كثيرا من أن السلطة نفسها تدعم عناصر مناهضة للوجود الامريكي، حتى ظهر مفهوم للتندر ساد بين العراقيين عمن يعارضون أمريكا أو يهاجمونها ، مفاده أن هناك من يصافح يدها في النهار وما أن يجن الليل حتى ينقلبوا عليها عقربا وهم يريدون لدغها في أية لحظة.

وكلنا ربما نعترف بحقيقة أن مهمة السفيرة ألامريكية في العراق رومانوسكي صعبة للغاية ، وهي قد واجهت حالات إخفاق طوال فترة تولي مهمتها في العراق ، تلك التي أريد لها أن تكون بحالة أفضل من السابق، وأن تمارس ضغوطا على رموز العملية السياسية كبارهم وصغارهم، وتشعرهم بفضل أمريكا عليهم، وعليهم في المقابل أن يعترفوا بحقيقة أنهم لولا ألامريكان ماكان بمقدورهم أن يجلسوا على كراسي السلطة ولو للحظات، وأن أمريكا إن أرادت أن تنسحب من العراق، فأول من ينسحب ويهرب هو الساسة الحاليون، قبل الجنود الأمريكان، لأنه لن يكون بمقدورهم مواجهة غضب عراقي وتشنج وتوتر طائفي يصل حد الإحتراب، وربما تنتقل بالبلد الى حالة من حالات الحرب الأهلية في أقل تقدير، بعد الفوضى العارمة التي ستجتاح العراق إن أراد الامريكان الإنسحاب فعلا ، أو مجرد إجراء (تجرية إنسحاب) شكلية لمعرفة كيف يتصرف الساسة العرقيون الذين يناصبون الولايات المتحدة العداء في العلن ربما ،لكن في السر ربما من يظهر خلاف ذلك، ،وهل بمقدورهم ان ترتدي أرجلهم ( النعالات) أو (الشحاطات) لأن الاحذية قد يصعب لبسها بسهولة، وهو مايذكرنا بقصة هروب ساسة الكويت في التسعينات قبل أن تطا أقدام العراقيين أرضهم ، وهو ما لم نكن نتمناه للإخوة في الكويت من كثير من العراقيين .

وينبغي على السفيرة رومانوسكي أن تدرك حقيقة لم تنتبه اليها حتى الآن ، وهي أن كفة التوازن الطائفي العراقية قد تأرجحت كثيرا ، وهي الآن في أشد حالات الإضطراب والتوتر والشعور بالمرارة من الطائفة الاخرى التي ترى أن الأمريكان هم أكثر من إستهدفوها ، وأصابتهم بأضرار فادحة، ولم تفطن الى دورهم في بناء دولة العراق طوال عشرات العقود من السنين ، حتى إختلت حالة التوازن العراقية وأصابها الدوران والضياع.

والسفيرة رومانوسكي على عكس من سبقوها من السفراء الأمريكان الذين يوصف كثير منهم بالغباء وعدم حسن التقدير للمواقف وبعضهم ان يغط في نوم أثناء مقابلاتهم للمسؤولين الكبار ، والبعض الآخر من مبعوثي الإدارة الامريكية الكبار كان يجلب الحسناوات خلال لقاءاته معهم ويتندر على المسؤولين العرقيين ، وكان من المفترض على رومانوسكي أن تعيد بعضا من حالة التوازن الى المعادلة العراقية المختلة ، كونها عرفت أسرار اللعبة الخطرة في العراق وغاصت في أعماقها ، وعرفت حجم الإختلال في التواون المجتمعي والمكوناتي وأشكاله لكنها حتى الآن بقيت محاولاتها خجولة ولم ترتق الى تمنيات أغلبية كبيرة من العراقيين تحطمت إرادتهم كليا، بسبب سياسات أمريكا، ولم تنظر الى دورهم مكانتهم كما ينبغي، وهو مأ أوصل الإدارة الامريكية الى هذا المأزق الكبير ، الذي ستنجم عنه آثار سلبية خطيرة ، إن لم ينتبه الأمريكان الى خطيئتهم الكبرى ويعيدوا تصحيح تلك المعادلة لكي تعاد لها حالة التوازن، إن أريد للعلاقات العراقية الامريكية أن تعيش حالات إستقرار ترتقي الى طموح ملايين العراقيين الذين تخلت عنهم الولايات المتحدة ولم تعد ترعى مصالحهم الوطنية أو تضعها كما تستحق في الإعتبار، وبخاصة أن العراق يغد عنصر التوازن في المنطقة منذ السبعينات وما قبلها ،وهذه خطيئة الامريكان في تعاملهم مع هذا البلد على كل حال والتي يعاني ملايين العراقيين من مراراتها الكثير.

ولنا في حلقات مقبلة الكثير مما نريد أن نؤشره عن مسار العلاقات العراقية الامريكية ، وما نتوقعه لها من نتائج ربما لم تكن تبشر بخير بكل تأكيد، وننتظر ما تؤشره لنا السفيرة رومانوسكي من مفاجئآت.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here