حاجتنا إلى الدين العقلي

كامل سلمان

الحاجة إلى الدين لها عدة جوانب ، أهمها الحاجة النفسية ، فلو نظرنا إلى حياة الإنسان البدائي سنرى أن حاجته للدين لم تكن تتعدى توفير الاطمئنان النفسي بسبب الخوف من تقلبات الطبيعة ، فكان ذلك الإنسان يشعر بأن التوسل إلى القوة التي تقف وراء عنف الطبيعة ستزيل عنه المخاوف فهذا النوع من الدين هو دين فطري ، وهكذا أستطاع أن يعمم ذلك الإنسان البدائي أفكاره لذريته ليصبح فيما بعد دين للأجيال ذات طقوس ومراسيم مصطنعة دون وجود أي إيحاء ، وبنفس الوقت لم يكن عند ذلك الإنسان البدائي أية حاجة أخلاقية أو جهادية أو قانونية للدين ، ولم يكن بحاجة إلى وجود شخص يبين له معنى الدين أو يشرح له فقه الدين ، ثم تطورت الحياة وتطورت المجتمعات فظهرت طبقات من الناس تحاول أن تتسلط على الآخرين وتتعامل معهم بالجور والحيف ، فهنا إزدادت حاجة الإنسان المظلوم إلى قوة خارقة تستطيع رفع هذا الظلم فزادت حاجته إلى الدين لأن القوة الغيبية هي الأمل الوحيد الذي يمكن اللجوء اليها لرفع المظالم ، فظهر الدين هذه المرة بحلة جديدة وهي حلة الإنقاذ من الظلم ، فعندما نجح الدين في تحرير الناس ورفع الظلم عنهم من خلال الأنبياء ذهب الناس للتمسك بهذا الدين وبالانبياء لأن هذا الدين قدم لهم خدمة عظيمة ، فأصبح وجود الدين ضرورة من ضرورات الحياة ، فهو عند الاباء والاجداد قد أزال عنهم الخوف من تقلبات الطبيعة وهو اليوم يزيل الظلم عنهم من الطغاة الظالمين ، فأخذ الإنسان يتقرب روحياً أكثر من الله أو من القوة الغيبية ، ثم بدأ الإنسان تدريجياً يواجه مشاكل مستحدثة يعجز عن حلها أو مواجهتها مثل الأمراض ، مثل المشاكل الاجتماعية ، مثل الانحراف الاخلاقي ، مثل الحروب ، فعاد مرة أخرى يبحث عن الحلول فكان الدين حاضراً من خلال الانبياء لوضع بعض القوانين الاخلاقية والاجتماعية وطرق غيبية لعلاج الأمراض ، فكان هذا النوع من الدين هو الأكثر تطوراً ، الملاحظ من هذا السرد التأريخي الموجز أن الدين حاجة مهمة للإنسان تتنوع أهميته حسب الظروف ، فمثلاً نحن في هذا العصر ، لا نحتاج للدعاء لكي نشفى من الأمراض لأن الله أعطانا علم الطب الذي يعوضنا عن الدعاء إلا ماعجز الطب شفاءه ، وهذا يعني بأن الجانب الطبي من الدين قد تعطل بإرادة الله وليست بإرادة الإنسان عندما مكن الله الإنسان من أكتشاف العلاجات للأمراض بأستخدام عقله . وكذلك حاجة الإنسان للدين لمواجهة الظالمين قد تعطل لأن تطور النظم الإدارية للدول جعلت القانون هو الحاكم ، فهنا لم يعد لنا حاجة للدين لمحاربة الظالم وتبديله بشخص آخر ، فالدولة بكيانها العصري هي قيادة المؤسسات ، وهذا التطور بالحقيقة هو إيحاء رباني لإلهام عقل الإنسان في صناعة البديل الأفضل ، لأن الله لا يمكن أن يترك الإنسان يتخبط في الحياة لذلك مكنه من تطوير نفسه وادارة نفسه من خلال عقله ، فبدأ الإنسان تدريجياً تنتفي حاجته من معظم اجزاء وتعاليم الدين لأنه أصبح يرى الله بنفسه وبعقله ولم يعد بحاجة إلى نفس الأساليب التي جاء بها الانبياء لقيادة حياته ، وهذا التفكير بحد ذاته هو دين ، ولكنه دين عقلي خالص بعيد كل البعد عن الدين التقليدي ، أما من يسمون أنفسهم برجال الدين من الطبيعي أن لا يرضون بالدين العقلي ، لأن كل دين سابق يرفض الدين اللاحق ويعتبره بدعة فكل الديانات أنكرت الديانات التي تلتها ، مما دفع رجال الدين إلى محاربة العلم الذي هو نتاج الدين العقلي ، بعض رجالات الدين من مختلف الديانات أدركوا أحقية الدين العقلي فأنسحبوا من مواجهة العلم وأعلنوا إيمانهم بالدين العقلي الذي هو دين إلهي لا لبس فيه لأن العقل منحة الله للبشر من دون الكائنات ، فلا يمكن أن يعمل العقل على تخريب حياة الإنسان وعدم إرشاده للطريق الصحيح ، فأجتمع العقلاء على مبايعة هذا الدين العصري الذي لا يعتمد على الإيحاءات والرسالات والتعاليم الجاهزة ، بل يعتمد على التجارب والإبداع والعلم فأصبح الإنسان في غنى عن الديانات القديمة في إدارة شؤون حياته ، وهذا لا يمنع أن يبقى الإنسان ملتزماً بطقوس الديانات القديمة كحاجة روحية. ولكن أن يعاد فرض الديانات القديمة عنوة وأعتبار عدم الالتزام بها كفر وفسوق فهذا هو الظلم والفسوق بحد ذاته ، بمعنى أن الدعاة للديانات السابقة أصبحوا يحاربون الله ويحاربون هبة الله للإنسان ( العقل ) ويحاولون إعادة أحياء دولة دينية على الطراز الديني القديم ويرفضون الدولة الدينية على الطراز الديني الحديث ( العقلي ) أو الدولة المدنية ، فهنا أستحق هؤلاء المتمردون على العلم والعقل أن يساقون إلى محاكم الدين العقلي لينالوا جزاءهم العادل ليروا بأم أعينهم حلاوة الدين العقلي عندما يجدون المحاكم العصرية تحترم حقوق وكيان الإنسان حتى ولو كان مجرماً ودون تمييز بين كل الديانات السابقة . أن الذين ينكرون دور العقل وأهمية العقل ودينونة العقل إنما هم ينكرون الله وعظمته مهما تظاهروا بالتدين .
صحيح أن الدين العقلي لا يمتلك طقوس يومية أو دورية ولكنه يمتلك قوانين عادلة ترضي الرب ، وأما أنبيائه ورجالات دينه وفقهاءه هم العلماء والمفكرون الإنسانيون ، فهو دين مكتمل ، لا يدخل به الباطل ولا ينطلي بالخزعبلات . وحاشى لله ان يترك الإنسان تائهاً بلا دين . الدين العقلي حجة الله على الناس فمن يكفر به فهو كافر .
مثلما كانت الديانات تنسخ بعضها بعضاً كذلك الدين العقلي فهو الناسخ لما سبقه من ديانات ، والدين العقلي أصبح الأمل لمليارات البشر في التخلص من شرور رجالات الديانات القديمة وبسط العدالة الإنسانية … لكنها هي صدمة لمن لا يعي بأن العقل قد يكون في يوم من ألأيام هو الصورة المتطورة للدين وهو البديل الأمثل للرسالات السماوية ، فهو بحد ذاته معجزة لا يمكن الجحود بها وإنكارها . اليوم البشرية لا غنى لها عن الدين العقلي الذي يبحث عن راحة وسعادة الإنسان بما يتناسب مع قوانين الله في الارض .
أكرّرها العقل هو دين لابد الايمان به وهو رهان الله عندما خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض ، ولا نكران لجميع الديانات السابقة وفضلها على مراحل حياة الإنسان ، فليتركوا للدين العقلي الفرصة ليقود الحياة .
رب سائل يسأل أين كان الدين العقلي منذ القدم ، ولماذا الآن ؟ أقول أن العقل جزء من تركيبة الإنسان مر بمراحل بدائية ثم تطور ووصل مرحلة النضج ، ففي المراحل الاولى لم يك قادراً على بناء حياة الإنسان بشكل يرضي الرب لذلك كان بحاجة إلى الشحن الذي كان يأتي تدريجياً من الله عن طريق الأنبياء ومن التجارب الحياتية حتى أكتمل نضوجه وأصبح هو المتحكم بكل الأمور .
أن الذين يلحدون في الدين العقلي هم على ضلالة وعلى جهالة يجب جهادهم لكن ليس بالسيف هذه المرة وإنما جهادهم بنشر الوعي ونشر المعرفة ، فهؤلاء الملحدون ورجالات الديانات السابقة سواسية في الكفر والتمرد ، ينكرون فضل الله على الإنسان حين أكرمه بالعقل ليكون هو الدين الجديد ويكون العقلاء المثل الاعلى في تجسيد ما يريده الرب .
الخلاصة ، ليس المقصود بالدين العقلي نكران الارتباطات الروحية مع الله من خلال الديانات السابقة ولكن المقصود قيادة وادارة الحياة بالمناهج العقلية العلمية التي أثبتت نجاحها . بأتباع الدين العقلي تتخلص البشرية من أكبر الفتن التي أزهقت ارواح الملايين ، لأن الدين العقلي له ميزة تختلف عن كل الديانات السابقة وهي أن الإنسان فوق الدين وفوق كل الاعتبارات .

[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here