كيف يتحكمون بعقولكم

بقلم: أ. د. سامي الموسوي

الجهل لا يعني الامية فكثير من المتعلمين هم جاهلون وكثير ممن هم اميون برعوا في حياتهم. فقد كان العديد من الأنبياء اميون ولكن يبقى التعلم افضل من الامية. ولقد عرف الانسان منذ القدم ان الشعوب الجاهلة يمكن قيادتها بسهولة اكبر من الشعوب المتعلمة التي تفكر بعقل. و مع تقدم الأمم اصبح تضليل الرأي العام وتشويشه هي الأهداف التي يسعون اليها لكي يتحكموا بمصائر الناس ويدفعونهم كالقطيع الذي لا يجد مجالا للتفكير او يفكر كما هم يريدونه وليس كما ينبغي. وقد ركز القران الكريم على تعابير حث فيها على التفكير الصحيح مثل الذين يتفكرون والذين يتدبرون و اولي الالباب وما شابه ذلك في العديد من الآيات.

عكس الطب الذي هو فن الحقيقة والواقع فأن السياسة هي فن الكذب والخداع كذلك هو كسب الأموال والاقتصاد بشكل عام فهو يدخل مدخل السياسة. في عصرنا الحالي تطورت وسائل الاتصال بشكل كبير واصبح الانسان يكاد ان يكون عبدا للموبايل الذي يحتوي علي كمية هائلة من المعلومات و التي أصبحت توظف من قبل نخب معينة سياسيا واقتصاديا وتكون انت الهدف دون ان تشعر. اصبح البشر اليوم امام كمية هائلة من المعلومات التي تشتت العقول رغم انها كاذبة وغير مهمة. انهم يكذبون على شعوبهم وعلى الاخرين وعليك لكي يمرروا ذلك ويقودوا القطيع كما يشاؤون. وقد تمكنوا من احتلال بلدان بأكملها مثل العراق من خلال الكذب.

ولكي يتحكموا بعقولكم فانهم يعتمدون مختلف الاستراتيجيات التي يجب ان تفهموها لكي لا تقعوا فريسة كباقي القطيع. وان اول استراتيجية يستخدمونها بشكل كبير هي (الالهاء). وذلك بصرف انتباه الجمهور الى قضايا يلتهي بها لكي تبعده عن القضايا الرئيسية التي يريدون ان يمررونها دون علمك. هذه الاستراتيجية مستمرة ما دام الناس يتحركون ذهابا وإيابا الى أعمالهم او اشغالهم الأخرى. ويعتمد الالهاء على وجوه مختلفة مثل المهرجانات والاحتفالات والسعي وراء الموضة بمختلف اتجاهاتها وتضخيم المظاهر الغير مهمه والتفاهات في وسائل التواصل. والهدف هو ابعاد القطيع عن المعرفة الأساسية في مجال العلوم والسياسة والاقتصاد وعلم النفس وعلم التحكم الالي مما يجعل الانسان مشتت ويتخذ قرارات تتماشى مع ما يريدونه هم وليس هو وبشكل خاطئ. هنا يأتي دور التجهيل الذي قد يستهدف شرائح اجتماعية لتدميرها او شعوبا بأكملها خاصة بعد احتلالهم البلدان مثل العراق.

الاستراتيجية الثانية هي (خلق المشاكل) وجعل حلولها من خلالهم هم فقط. وهذا مثل استراتيجية فرق تسد البريطانية الاستعمارية ولكن بشكل اكثر تطورا واكثر تغلغلا. وهذا ما يفعلونه في العراق حيث ان أمريكا تخلق المشاكل مثل داعش وتجعل حلها بيدها فقط. او انهم يخلقون المشاكل بواسطة عملائهم و تضع نفسها محل (المخلص) بينما المستهدف هو الناس وليس غيرهم.

الاستراتيجية الثالثة هي (التدرج) في تطبيق ما يريدون فهم يعرفون ان البعض من القضايا لو تم تطبيقها بشكل آني فان ذلك يثير الرآي العام سواء في بلدانهم او غير بلدان ولذلك فانهم يتدرجون بتطبيق تلك الأمور المصيرية. ومن الأمثلة على ذلك تفكيك الشعوب والدول او فرض ضرائب في بلدانهم وما الى ذلك. ومن ذلك أيضا اصدار قرارات يتم تنفيذها فيما بعد تحت اسم (القرارات المؤجلة). وهم يعملون على ذلك اليوم والعالم العربي خير مثال.

الاستراتيجية الأخرى هي (الإحصائيات والمعلومات الكاذبة) فهم يفبركون احصائيات مظللة وخادعة لكي تعطي اطباعا خادعا عن الحقيقة. او انهم يعمدون مبدأ (التكرار) حتى يصدقهم الناس. كما وانهم قد يبثون معلومات زائفة ويجندون لذلك عمال في القنوات الفضائية ووسائل التواصل وهؤلاء يبثون الاخبار الكاذبة او التحليلات المظللة مقابل المال. الاستراتيجية الأخرى هي (الخوف والتهديد) لما لذلك من تأثير سيء على العقول وقد استخدم ذلك على البشر منذ عقود وتم تطويره مع التقدم العلمي.

وهم أحيانا يتعاملون مع الجمهور وكأن الناس أطفالا ويستخدمون (الجانب العاطفي) لكي يتجنبوا ردة الفعل فيجعلونها ضعيفة. وهنا يجعلون من القطيع لا يفكر بقراراتهم بل فقط يتلقاها ولا يفكر بها. ومن اهم الاستراتيجيات هي اغراق الجمهور بالجهل والتجهيل. وينتج عن ذلك فجوة كبيرة بين النخب وبين باقي الناس ومن ناحية أخرى يجعلون الناس ان تلقي باللوم على انفسها عند اتخاذ قرار فاشل وليس عليهم وعلى طريقة ادارتهم.

انهم يتلاعبون بعقولكم وكل واحد منا اليوم اصبح مجرد بيدق شطرنج يحركونه حيثما شاءوا إضافة الى انهم يمتلكون عنك كل شيء من المعلومات والرغبات والتسوق والتواجد واصبح كل واحد مراقب حتى وهو يسير في الشارع وفي البيت. وكل واحد اصبح محاصرا من الرسائل النصية والترويج والدعايات وغير ذلك. انت فقط هدف وعليه فعليك ان تنتبه. وبما ان الإسلام يدعو الى التفكير الصحيح في أمور الانسان والتدبر ومحاربة الجهل والتجهيل فهم يستهدفون الإسلام بشكل مباشر لانهم لا يريدون ما يحاكي القيم الصحيحة مما قد يكشف أهدافهم المدمرة للبشرية. انهم يريدون منك ان تتبعهم دون تفكير او نقد او اتخاذ قرار بالضد مما يريدون.

نعم انهم يستخدمون فن التلاعب بالعقول مثلا من اجل شراء أصوات القطيع في الانتخابات او الإعلانات التجارية للترويج لبضاعتهم وان كانت غير جيدة فهم لا يتركون لك التفكير بها ويعلمون ان جودتها في الإعلان لها. انت تدخل في السوبرماركت لشراء بعض الحاجيات وعندما تخرج تجد نفسك قد اشتريت اكثر من ضعف ما كنت تنوي شراءه. كيف حدث ذلك؟ لانهم تلاعبوا بعقلك دون علمك وذلك بطريقة الإعلان والعرض او التخفيض الكاذب و كيفية عرض البضاعة. انهم نجحوا بالتلاعب بعقلك وعندما خرجت من السوبرماركت فلا مجال للعودة اليه وأصبحت تلوم نفسك ان اردت! لقد كثر المتلاعبون في أيامنا هذه وأصبحت لهم وسائل متعددة تلازم كل واحد حتى اثناء نومه. كما واصبح التنافس بين هؤلاء على اشده واكثر شراسة.

انهم يتلاعبون بعقولكم وعليكم ان تفكروا وتتفكروا بالأمر وان لا تصدقوا كل شيء والحذر من التظليل وعدم اتباع العواطف بل العقل. يجب ان تحمي نفسك في زمن أصبحت الحماية فيه صعبة ومن اهم ما يحمي الانسان نفسه فيه هو القيم الدينية الصحيحة فهي صمام امان تحفظ كرامة الانسان ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا). و أخيرا فأن البعض يستخدمون الدين للتفرقة بين أبناء الديانة الواحدة فاذا وجدت ذلك فاحذرهم. والله المستعان وهو خيرُ حافظا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here