النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/1
علي الكاش
تمهيد
ـ قال الحميري” أما أهل فارس فإنهم كانوا كنار خمدت لم تبق لهم بقية تذكر إلا ابن المقفع وابنا سهل: الفضل وحسن”. ( الروض المعطار1/214). وكتب خالد بن الوليد رضى الله عنه إلى مرازبة فارس: الحمد لله الذى فضّ خدمتكم، وفرّق كلمتكم”. (الصناعتين/278). وذكر الخطيب البغدادي” قرأت على أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر اليزدي بأصبهان عن أبي شيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان قال حدثني أبو الحسن البغدادي قال: عن إبراهيم بن عبد الله جئت أنا وأبي إلى أبي عثمان الجاحظ في آخر عمره فقال جئت إلى شق مائل ولعاب سائل الامصار عشرة فالصناعة بالبصرة والفصاحة بالكوفة والخير ببغداد والغدر بالري والحسد بهراة والجفاء بنيسابور والبخل بمرو والطرمذة بسمرقند والمروءة ببلخ والتجارة بمصر”. (تاريخ بغداد1/72).
ـ ذكر ابن الجوزي” نزل سعد بن ابي وقاص القصر الأبيض، واتخذ الإيوان مصلى، وجعل يقرأ(( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ. [وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ. وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ))‌ و أتم الصلاة، ثم دخلها لأنه كان على نية الإقامة، وصلى الجمعة، وكانت أول جمعة جمعت بالعراق جمعة المدائن”. (المنتظم4/206). سورة الدخان25 ـ28
ـ ذكر الطبري” بعث خالد بن الوليد عماله و بعث آخرين على ثغور، ثم إن خالدا كتب إلى أهل فارس و هم في المدائن مختلفون لموت أردشير، وكتب كتابين: كتابا إلى الخاصة، وكتابا إلى العامة، وقال لرجل: ما اسمك؟ قال: مرّة. قال: خذ هذا الكتاب فأت به أهل فارس، لعل اللَّه أن يمرّ عليهم عيشهم. وقال لآخر: ما اسمك؟ قال: هزقيل. قال: خذ هذا الكتاب وقال اللَّهمّ أرهق نفوسهم، وكان في أحد الكتابين: ” بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس، أما بعد، فالحمد للَّه الّذي حلّ نظامكم، ووهّن كيدكم، وفرق كلمتكم، ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرا لكم‌، فادخلوا في أمرنا ندعكم و أرضكم، ونجوزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة”.
اما في الكتاب الآخر” بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى‌ مرازبة فارس، أما بعد، فالحمد للَّه الّذي فرق كلمتكم، وفلّ حدّكم، وكسر شوكتكم، فأسلموا تسلموا، وإلا فأدوا الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت، كما تحبون الخمر”. (تأريخ الطبري3/370). (المنتظم4/106)
ـ ذكر ابن الجوزي” لما التقى رسول اللَّه (ص) بالمشركين يوم بدر، فنصر عليهم، وافق ذلك اليوم التقاء فارس بالروم، فنصرت الروم، ففرح المسلمون بالفتحين. إنما فرحوا لأن الروم أصحاب كتاب، وفارس لا كتاب لهم. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الفضل بن خيرون، قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان، قال: أخبرنا أحمد بن كامل، قال: حدّثني محمد بن سعد العوفيّ، قال: حدثني أبي، قال: حدّثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس في قوله تعالى فس سورة الروم/4ـ5 ((يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ‌)). كان ذلك في أهل فارس والروم، كانت فارس قد غلبتهم- يعني الروم- بعد ذلك، و لقي نبي اللَّه (ص) مشركي العرب يوم التقت الروم وفارس، فنصر اللَّه النبي (ص) ومن معه على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على مشركي العجم، ففرح المؤمنون بنصر اللَّه أتاهم‌، فذلك قوله ((وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ‌)) “. (المنتظم3/135)
في نقاش مع مجموعة من المثقفين العرب والإيرانيين طُرح موضوع مهم للغاية وهو أهمية ورفعة الحضارة الفارسية وتفوقها على بقية الحضارات العالمية، وكان يُقصد بذلك حضارة الفرس قبل الفتح الإسلامي. واستشهد أصحاب هذه النظرة بقول الهمداني” أمّا الأمة التي سبق أوّلها وعفا آخرها فأهل فارس كانوا في سالف الدهر أعظم الأمم ملكا، وأكثرهم أموالا، وأشدهم شوكة. وكانت الملوك في جميع الأطراف والأقاليم تعترف لهم بذلك، وتعظم ملكهم وتغتنم منه أن يهاديهم. وكانت العرب تدعوهم الأحرار وبني الأحرار، لأنهم كانوا يسبّون ولا يسبّون ويستخدمون ولا يستخدمون. ثم أتى الله بالإسلام فكانوا كنار خمدت وكرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، فتبدد جمعهم ومجت قلوبهم، ومزقوا كل ممزّق، فلم يبق في الإسلام منهم نبيه يذكر، ولا شريف يشهر”.(كتاب البلدان للهمداني/607). كما ذكروا عن ابن قتيبة قوله” خراسان أهل الدعوة وأنصار الدولة لما أتى الله بالإسلام كانوا فيه أحسن الأمم رغبة واشدّهم اليه مسارعة منّا من الله عليهم أسلموا طوعا ودخلوا فيه أفواجا وصالحوا عن بلادهم صلحا فخفّ خراجهم وقلّت نوائبهم ولم يجب عليهم سبى ولم يسفك فيما بينهم دم مع قدرتهم على القتال وكثرة العدد وشدّة البأس”. (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم/293).
وانتقوا نصوصا أخرى من مصادر عربية وفارسية، كان الغرض كما تبين لنا من طرح هذا الموضوع هو تبرير النظرة الاستعلائية الفارسية على العرب حصرا دون بقية الأمم والشعوب في غاية مقصودة، وليست عفوية. في حين هناك أقوال أخرى تعارضها منها ما ذكره الزمخشري” قال سفيان: والله ما أدري أي البلاد أسكن؟ فقيل:خراسان! فقال: مذاهب مختلفة، وآراء فاسدة. قيل: فالشام! قال: يشار إليك بالأصابع، أراد الشهرة. قيل: فالعراق. قال: بلد الجبابر. قيل: فمكة. قال: تذيب الكيس والبدن”.( ربيع الأبرار1/246). وقال الزمخشري” قال الحجاج للغضبان بن القبعثري كيف تركت أرض كرمان؟ قال: ماؤها وشل، وسهلها جبل، ولصها بطل، وثمرها دقل”. ( ربيع الأبرار1/266).
خلال النقاش طرحنا السؤال الآتي: هل يمكن لأصحاب هذه النظرة تزويدنا بأسماء ولو خمسة من علماء الفرس قبل الإسلام في مجال الفلسفة والطب والصيدلة وعلوم الإنسان والحيوان والفلك؟ وضربنا مثلا: لقد اخترع العراقيون القدامى العربة والكتابة وفن الجراحة وإنشاء السدود لدرء الفيضانات، وأخترع الصينيون الورق والبارود والخزف. وأخترع الأغريق النار الأغريقية والزجاج المرن والأسمنت والطنبور والمكبس. فما هي اختراعات الفرس قبل الإسلام؟
ومن هم أبرز علماء الفرس في هذه العلوم قبل الإسلام؟

الشطرنج
تحير المؤيدون لحضارة الفرس، ولم يسعفهم الجواب! ليس لأنهم يجهلون أسماء العلماء الفرس، بل لأنه لا يوجد أصلا علماء فرس واختراعات قبل الإسلام الذي كان له الفضل الكبير في إنقاذهم من وحل المجوسية والزرادشتية.
حاول أحد الحاضرين إسعاف جماعته، فذكر لعبة الشطرنج كاختراع فارسي، سيما ان التسميات الواردة في اللعبة فارسية. أبطلنا هذا الادعاء لأن لعبة الشطرنج (الاختراع) ليست فارسية بل هندية الأصل. قال الابشيهي” إن سبب وضع الشطرنج أن ملوك الهند ما كانوا يرون بقتال، فإذا تنازع ملكان في كورة أو مملكة تلاعبا بالشطرنج، فيأخذها الغالب من غير قتال”. (المستطرف/471). وقال الغزولي” قيل سبب وضع الشطرنج أن ملوك الهند ما كانوا يروا القتال فإذا تنازعوا في كورة او مملكة تلاعبا بالشطرنج فيأخذها الغالب من غير قتال”.(مطالع البدور ومنازل السرور/34).
كما قال البكري” ملك الهند دينام- وقيل اسمه دبشلم – وهو واضع كتاب كليلة ودمنة (الذي نقله ابن المقفّع وصنّف سهل بن هارون للمأمون كتابا سمّاه ثعله وعفره عارض به كليلة ودمنة. وكان ملكه مائة وعشرين سنة. ثمّ ملك بلهيت وصنعت في أيّامه الشّطرنج بيّن فيه الظفر الذي يناله الحازم والنكبة التي تلحق الجاهل. وللهند في الشطرنج سرّ يسرّونه في تضاعيف حسابها ويتغلغلون بذلك إلى ما علا من الأفلاك ويجعلونه متّصلا بالأجسام السّمائية. ولم تزل كلّ طائفة تستعمل عليها فنون الملح والنوادر المضحكة المدهشة، ويزعمون أنّ ذلك ممّا يبعث على لعبها وانصباب الموادّ وصحيح الأفكار، وهو بمنزلة الارتجاز للمقاتل والحدّ للمغنّي. وقال بعض الشعراء:
نوادر الشطرنج فــــــــي وقتنا أحرّ من ملتهب الجمــــر
كم من ضعيف اللعب كانت له عونا على مستحسن القمر (المسالك والممالك للبكري/243).
قال القاضي نكري وهو فارسي” عن الشَّيْخ بهاء الدّين العاملي رَحمَه الله تَعَالَى يُقَال فَضَائِل الْهِنْد ثَلَاث: كليلة ودمنة وَلعب الشطرنج والحروف التِّسْعَة الَّتِي تجمع أَنْوَاع الْحساب”. (دستور العلماء4/132). وقال ابن خلدون ” ذكر خراش: أنّ ملك زابلستان بعث إلى المأمون بحكيمه ذوبان أتحفه به في هديّة وأنّه تصرّف للمأمون في الاختيارات بحروب أخيه وبعقد اللّواء لطاهر وأنّ المأمون أعظم حكمته فسأله عن مدّة ملكهم فأخبره بانقطاع الملك من عقبه واتّصاله في ولد أخيه وأنّ العجم يتغلّبون على الخلافة من الدّيلم في دولة سنة خمسين ويكون ما يريده الله ثمّ يسوء حالهم ثمّ تظهر الترك من شمال المشرق فيملكون إلى الشّام والفرات وسيحون وسيملكون بلاد الرّوم ويكون ما يريده الله فقال له المأمون: من أين لك هذا؟ فقال: من كتب الحكماء ومن أحكام صصّة بن داهر الهنديّ لّذي وضع الشّطرنج”. (تأريخ ابن خلدون/420).
كما ذكر اسبهبد مرزبان الفارسي” أعلم أن واضع الشطرنج من أحكم حكماء الهند وكان أعقل الحكماء والبراهمة وقد وضع لكل من الحيوانات مكاناً وبيتاً وقرر له نوعاً من السير لا يتعداه ووضع للفيل مكاناً لا يتخطاه”. (مرزبان نامة/132). وقال القزويني” لما وضع الهند الشطرنج بعثوا به هدية إلى كسرى ولم يذكروا كيفية اللعب به، فاستخرجه بزرجمهر ووضع في مقابلته النرد وبعث به إلى الهند”.(آثار البلاد وأخبار العباد1/235). إذن بإعتراف الفرس وغيرهم لم يَكُ الشطرنج فارسيا.
علما ان للعرب الكثير من الطرائف والأشعار والأمثال التي تتعلق بالشطرنج، ما لا يوجد في الأدب الفارسي منها: بيدق الشطرنج
قال الثعالبي” بيدق الشطرنج يشبه بِهِ الْقصير الدنيء السَّاقِط وأظن النَّاظِم أول من شبهه بِهِ حَيْثُ قَالَ
أَلا يَا بيدق الشطرنج فى الْقيمَة والقامة
لقد صغر مِنْك الْكل غير الدبر والهامة (ثمار القلوب/666).
كما قال الثعالبي” بغلة الشطرنج: يشبه بهَا من يسْتَغْنى عَنهُ وَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَيكون دخيلا فى الْقَوْم إِذْ لَيْسَ للبغل مَكَان فى دَوَاب الشطرنج وَله يُقَال فى الْمثل من أَنْت فى الرّفْعَة قَالَ بعض العصريين:
يَا كَاتبا أقبل من زرنج مبرقع الْوَجْه بلون الزنج
اذْهَبْ فَأَنت بغلة الشطرنج
(ثمار القلوب/666). وأضاف الثعالبي” زاد في الشطرنج بغلة، ثم نفضناها على قائمة. وفرزنت سرعة ما أرى يا بيذق، وهل تجري البياذق كالرّخاخ”. (التمثيل والمحاضرة/201).
كما أنشد جحظه:
قل للشقيّ وقعت في الفخّ أودت بشاهك ضربة الرّخّ
وأراك تولع بالبياذق ساهياً والمشرفيّة حول شاهك تلمع
وقال كشاجم:
وقد كنت أطمع في قمرةٍ فأصبحت أقنع بالقائمه
وأنشد السريّ الرّفاء:
مشوا إلى الرّاح مشي الرّخّ وانصرفوا والرّاح تمشي بهم مشي الفرازين
(التمثيل والمحاضرة/201).
بل ان العرب أنفسهم فندوا رأي البعض بأن الشطرنج عربي الأصل، قال العاملي” الناس كثير منهم يخلط في الصولي وهو أبو بكر محمد بن يحيى بن صول تكين الكاتب وتزعم أنه واضع الشطرنج، لما ضرب المثل به فيه، والصحيح أن واضعه صصه بن داهر الهندي”. (الكشكول1/330). وأضاف” يقال فضائل الهند ثلاثة كليلة ودمنة، ولعب الشطرنج وتسعة أحرف التي يجمع أنواع الحساب”. (الكشكول1/333).
لكن ما هو رأي علي بن أبي طالب في الشطرنج؟
قال ابن منظور” قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قمارٌ فَهُوَ مِنْ الْمَيْسِرِ حَتَّى لعبُ الصِّبْيَانِ بالجَوْزِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنه قَالَ: الشِّطْرَنْج مَيْسِرُ العَجَمِ؛ شَبَّهَ اللَّعِبَ بِهِ بِالْمَيْسِرِ، وَهُوَ الْقَدَاحُ وَنَحْوَ ذَلِكَ”. (لسان العرب5/295). كما قال عصام الدين العمري” أول من وضع الشطرنج صصه بن راس الهندي ملك شهران”. (الروض النضر2/153).
الحقيقة ان ارتباط الفرس بالشطرنج يرجع الى تولع الفرس المجوس بها، فالتصقت بهم اللعبة، قال ابن أبي الدنيا” عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية لا تلعبوا بها؛ يعني: الشطرنج”. (ذم الهوى/83). (ذم الملاهي/78).

فن العمارة
قال ابن سعيد الأندلسي” يحكي أن أنوشروان ملك الفرس عاب على بعض العرب تجولهم في أقطار الأرض، وقلة سكناهم في المباني، فقال: ذلك لأنا ملكنا الأرض ولم تملكنا. وهذه من البلاغة العجيبة”. (نشوة الطرب/84).
حاول البعض ـ بعد أن عجزوا عن الجواب ـ الانتقال الى موضوع آخر، كان في تصورهم إنهم يملكون فيه الحجج الكافية لإثبات وجهة نظرهم. فذكروا بأن الفرس أبدعوا في العمارة، وإن إيوان كسرى شاهد على العمارة الفارسية، فهو من أبرز الصروح المعمارية الفارسية القديمة،مستشهدين في ذلك بقول البحتري:
وكأن الإيوان من عجب الصنعة جرب في جنب أرعن جلس
وكذلك وصف ابن الحاجب له:
هل أسمعت أذناك مثل حديثهم أو عاينت عيناك كالإيـــــــوان؟
قصر يكـــــاد يردّ حسن بنائه عند التأمــــــــــل أعين العميان
تعلو له شرف كأن شخوصه بيض الحمائم في ذي الأغصان
حفّت به كحفوف وقد أحدقوا بحريم بيت الله ذي الأركـــــــان
كما أوردوا قول الاصطخري” امّا المدائن فمدينة صغيرة جاهليّة قد كانت عظيمة فنقل عامّة ابنيتها الى بغداد وهى من بغداد على مرحلة وكانت مسكن الاكاسرة وبها ايوان كسرى الى يومنا هذا وهو ايوان عظيم معقود من آجرّ وجصّ ليس للأكاسرة ايوان اكبر منه”. (المسالك والممالك للأصطخري/86). وأضاف أحد العراقيين ان العرب حاولوا هدم هذا الصرح العظيم لأنهم غير قادرين على الإتيان بمثله، وذكر قول البكري” ذكر أنّ الرشيد بعث إلى يحيى بن خالد، وهو في اعتقاله، يشاوره في هدم الإيوان، فبعث إليه: لا تفعل. فقال الرشيد لمن حضره: إنّ المجوسية في نفسه والحسد عليها والمنع من إزالة آثارها. فشرع في هدمه، فإذا به يلزمه في هدمه مال عظيم لا تضبط كثرته، فأمسك عن ذلك، وكتب إلى يحيى بن خالد يعلمه بذلك. فأجابه أنّ ينفق على هدمه ما بلغ من الأموال ويحرّض على محو أثره. فتعجّب الرشيد من تخالف كلامه فبعث إليه يسأله ما معنى تخالف قوله. فقال: أمّا الكلام الأوّل فإنّي أردت به بقاء الذكر لأمّة الإسلام، وأن يكون من يرد (في الأعصار ويطرأ من الأمم في الأزمان) يرى مثل هذا الأثر العظيم فيقول: إنّ أمّة قهرت قوما هذا بنيانهم واحتوت على ملكهم لأمّة عظيمة الشدّة، وأمّا قولي الثاني فأخبرت أنّه شرع في بعضه هدم فأردت نفي العجز عن أمّة محمّد وأن لا يقول قائل: إنّ هذه أمّة ضعيفة عجزت عن هدم ما بنته فارس. فلمّا أعلم بذلك الرشيد قال: قاتله الله، فما سمعت له قطّ قولا إلّا صدق فيه. وأعرض عن هدمه”. (المسالك والممالك للبكري/286).
وقال النويري” من مباني الفرس إيوان كسرى، زعم المسعودي أن سابور ذا الأكتاف بناه في نيف وعشرين سنة، وطوله مائة ذراع في عرض خمسين ذراعا في ارتفاع مائة ذراع، وطول كل شرفة منه خمسة عشر ذراعا.، ولما ملك المسلمون المداين، أحرق ستر هذا الإيوان فأخرجوا منه مائة ألف دينار ذهبا. ولما بنى المنصور بغداد، أحب أن ينقضه ويبنيها به، فاستشار خالد بن برمك في ذلك فنهاه، وقال: هو آية للإسلام، ومن رآه علم أن الذى بناه لا يزيل ملكه إلا نبي والمؤونة على نقضه أكثر من الارتفاق به. فقال له: أبيت إلا ميلا إلى العجم، فهدمت منه ثلمة. فبلغت النفقة عليها مالا كثيرا، فأمسك المنصور عن هدمه، فقال له خالد: أنا الآن، يا أمير المؤمنين، أشير بهدمه لئلا يتحدّث الناس بعجزك عن هدم ما بناه غيرك. فلم يفعل. وحكى مثل هذه القصة أنها وقعت ليحيى بن خالد مع الرشيد، وهو إذ ذاك في اعتقاله. وكان الرشيد بلغه أن تحته كنزا فأراد هدمه واستشار يحيى فأشار عليه بمثل هذا. ومن عجيب ما يحكى من تقلب الأحوال أن بعض شرفاته هدمت وجعلت فى أساس سور بغداد. وقال ابن الأثير في تاريخه إن الإيوان باق إلى الآن. (وكان يوم ذاك في سنة خمس وعشرين وستمائة “. (نهاية الأرب1/380).
قال نشوان الحميري” فلما أتت لسابور ست عشرة سنة أمرهم أن يختاروا ألف رجل من أهل النجدة والبأس ففعلوا، فأعطاهم الأرزاق، ثم سار لهم إلى نواحي العرب الذين كانوا يعيثون في أرضهم، فقتل من قدر عليه منهم ونزع أكتافهم، فسمي ذو الأكتاف لذلك، وهو باني الإيواء الأعظم بالمدائن”. (الحور العين/268). وقال الثعالبي” إيوَان كسْرَى: يضْرب بِهِ الْمثل للبنيان الرفيع العجيب الصَّنْعَة المتناهي الحصانة والوثاقة لِأَنَّهُ من عجائب أبنية الدُّنْيَا وَمن أحسن آثَار الْمُلُوك وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ من بَغْدَاد على مرحلة بناه كسْرَى أبرويز في نَيف وَعشْرين سنة وتأنق في تأسيسه وتشييده وتحسينه فَلَمَّا ارْتَفع كَانَ من خَصَائِصه الثمان عشرَة الَّتِي لم يُعْطهَا ملك قبله، وَيُقَال بل بناه أنو شرْوَان وَهُوَ الذى بنى الْبَاب والإيوان أَيْضا. وأنشدنا أَبُو نصر المرزبانى لنَفسِهِ يذكر ذَلِك:
قلت لما رايته في قُصُــــــــــــــــــور مشرفات الجدران والبنيان
هبك كسْرَى كسْرَى الْمُلُوك أنو شرْوَان بانى الْأَبْوَاب والإيوان
أي شكر ترجوه منى إِذا لــم تقض لى حاجتي وترفع شأني
وَذكر ابْن قُتَيْبَة في كتاب المعارف أَن بانية سَابُور ذُو الأكتاف” وَمن وَصفه أَن طوله مائَة ذِرَاع في عرض خمسين ذِرَاعا فى سمك مائَة ذرَاع وَهُوَ متخذ من الْآجر الْكِبَار والجص وثخن الأزج خمس آجرات وَطول الشرفة خَمْسَة عشر ذِرَاعا. وَلما بنى الْمَنْصُور مَدِينَة السَّلَام أحب أَن ينْقض إيوَان كسْرَى ويبنى بنقضه الْأَبْنِيَة فَاسْتَشَارَ خَالِد بن برمك في ذَلِك فَنَهَاهُ عَن نقضه وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه آيَة الْإِسْلَام وَإِذا رَآهُ النَّاس علمُوا أَن من هَذَا بِنَاؤُه لَا يزِيل أمره إِلَّا نبي وَهُوَ مَعَ هَذَا مصلى على بن أَبى طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ والمؤنة فى هَدمه ونقضه أَكثر من الارتفاق بِهِ فَقَالَ الْمَنْصُور يَا خَالِد أَبيت إِلَّا ميلًا إِلَى الْعَجم ثمَّ أَمر بهدمه فهدمت مِنْهُ ثلمة فلبغت النَّفَقَة عَلَيْهَا مَالا كثيرا فَأمر بالإضراب عَن هَدمه وَقَالَ يَا خَالِد قد صرنا إِلَى رايك فِيهِ فَقَالَ أَنا الْآن أُشير بهدمه قَالَ وَكَيف قَالَ لِئَلَّا يتحدث النَّاس بأنك عجزت عَن هَدمه فَلم يقبل قَوْله وَتَركه على حَاله”. (ثمار القلوب/181).
كما ذكر ابن حمدون” يقال إنّ المنصور لما بنى بغداد أحبّ أن ينقضه ويبني بنقضه، فاستشار خالد بن برمك فنهاه وقال: هو آية الإسلام ومن رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبيّ، وهو مصلّى علي بن أبي طالب، والمؤونة في نقضه أكثر من الارتفاق به، فقال: أبيت إلا ميلا للعجم، فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كثيرا فأمسك، فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدّث بعجزك عنه، فلم يفعل. ووصفه البحتري فقال:
وكأن الإيوان من عجب الصّنعة جوب في جنب أرعن مرس
لم يعبه أن بزّ من ستر الديباج واستلّ من ستور الدمقس
مشمخرا تعلو له شرفات رفعت في رؤوس رضوى وقدس
لست أدري أصنع أنس لجن سكنوه أم صنع جنّ لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم يك بانيه في الرجال بنكس (التذكرة الحمدونية2/88).
ذكر الخطيب البغدادي” الذي بنى الايوان على ما ذكر عبد الله ابن مسلم بن قتيبة هو سابور بن هرمز المعروف بذي الاكتاف وقد بنى أيضا ببلاد فارس وخراسان مدنا كثيرة وله في كتب سير العجم أخبار عجيبة وذكر أن مدة ملكه كانت اثنتين وسبعين سنة أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن عمران المرزباني قال نبأنا أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي قال حدثني أبو علي أحمد بن إسماعيل قال لما صارت الخلافة إلى المنصور هم بنقض ايوان المدائن فاستشار جماعة من أصحابه وكلهم أشار بمثل ما هم به وكان معه كاتب من الفرس فاستشاره في ذلك فقال له يا أمير المؤمنين أنت تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من تلك القرية يعني المدينة وكان له بها مثل ذلك المنزل ولأصحابه مثل تلك الحجر فخرج أصحاب ذلك الرسول حتى جاءوا مع ضعفهم إلى صاحب هذا الايوان مع عزته وصعوبة أمره فغلبوه وأخذوه من يديه قسرا وقهرا ثم قتلوه فيجئ الجائي من أقاصي الارض فينظر إلى تلك المدينة والى هذا الايوان ويعلم أن صاحبها قهر صاحب هذا الايوان فلا يشك أنه بأمر الله تعالى وأنه هو الذي أيده وكان معه ومع أصحابه وفي تركه فخر لكم فاستغشه المنصور واتهمه لقرابته من القوم ثم بعث في نقض الايوان فنقض منه الشئ اليسير ثم كتب إليه هو ذا يغرم في نقضه أكثر مما يسترجع منه وأن هذا تلف الاموال وذهابها فدعا الكاتب واستشاره فيما كتب به إليه فقال لقد كنت أشرت بشيء لم يقبل مني فأما الآن فإني آنف لكم أن يكون أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه والصواب أن تبلغ به الماء ففكر المنصور فعلم أنه قد صدق ثم نظر فإذا هدمه يتلف الاموال فأمر بالإمساك عنه أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي قال نبأنا إسماعيل بن سعيد بن سويد قال نبأنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال نبأنا أبو العباس المبرد قال أخبرني القاسم بن سهل النوشجاني أن ستر باب الايوان أحرقه المسلمون لما افتتحوا المدائن فأخرجوا منه ألف ألف مثقال ذهبا فبيع المثقال بعشرة دراهم فبلغ ذلك عشرة آلاف درهم “. (تاريخ بغداد1/141).
علقنا على الاستشهادات بأن هذا الموضوع ليس بجديد، فهو تكرار لما قيل منذ اكثر من الف عام، ورد العرب عليه ودحضوه تماما، ومنهم ابن الفقيه بقوله ” تفاخرت الروم وفارس بالبنيان وتنافست فيه، فعجزوا عن مثل غمدان، ومأرب، وحضرموت، وقصر مسعود، وسدّ لقمان، وسلحين، وصرواح، ومرواح، وبينون، وهندة، وهنيدة، وفلثوم، بريدة قال:
أبعد بينون لا عين ولا أثر وبعد سلحين يبني النّاس بنيانا (البلدان للهمداني/93).
كما ان العرب قبل الإسلام وبعده اشتهروا بفن العمارة، وما تزال الأندلس زاخرة لحد الآن بفن العمارة الإسلامي، وهو من أهم مميزاتها ومعالمها الحضارية، بل هي قبلة السياح الأجانب، وهذا الفن لم يقتصر على العرب فحسب بل الرومان وأهل الصين والهند والإغريق وغيرهم من الشعوب.
لا أحد ينكر أن الديوان كان صرحا جميلا وهندسة رائعة، لكن مفهوم الحضارة لا يقتصر على العمارة فحسب بل على جملة مظاهر أخرى تصاحبه، فالجنائن المعلقة وسور الصين والإهرامات وغيرها هي أكثر عمرانا وهندسة وجمالا من الإيوان. وعجائب الدنيا السبع لا توجد فيها اعجوبة فارسية. كما انه لا أحد ينكر فخامة القصور والمساجد في كافة الأمصار خلال العصر الإسلامي. فقد ذكر ياقوت الحموي” الدار البيضاء بالبصرة: ابتناها عبيد الله بن زياد بن أبيه، واعتنى ببنائها وجملها بالتصاوير، فلما فرغ منها البناؤون، أمر رجاله ألا يمنعوا أحداً من دخولها وأن يأتوه بمن تكلم بشيء عليها، فدخل إليها أعرابي بصحبة بصري، فلما شاهدا التصاوير.
قال الأعرابي: لا ينتفع صاحب هذه الدار بها إلا قليلاً.
وقال البصري: بقاؤه فيها مستحيل، ولبثُهُ بيننا غير طويل. فجيء بهما إلى عبيد الله، وأخبر بأمرهما وما قالاه.
فقال للأعرابي : لم قلت ما قلت؟ فقال: لأني رأيت فيها أسداً كالحاً، وكلباً نابحاً، وكبشاً ناطحاً. وقال للبصري: وأنت، لم قلت ما قلت؟ فارتعد خوفاً وقال: لا أدري أيها الأمير، أهو مني للأعرابي احتذاء، أم أنه حمقٌ وبذاء. فأمر بإخراجهم جراً على البطون، ولكن كان الأمر كما قالا، فلم يسكن هذه الدار إلا قليلاً، حتى أخرجه أهل البصرة، فانطلق إلى الشام ولم يعد بعد ذلك إليها”. (الخزل والدأل/3).
ومنها دار التاج” كانت جليلة القدر، مشهورة واسعة، وهي ببغداد، على الجانب الشقي من دجلة. وضع أساسها المعتضد، وسماها باسمها، ولم تتم في خلافته، فأتمها ابنه المكتفي”.(الخزل والدأل/3).
كما قال ياقوت عن قصر جعفر” ثم أنزل في القصر الفضل والحسن ابني سهلٍ، ثم لما طلبه الحسن وهبه له، فعرف بالقصر الحسني مدة، ثم آل أمره إلى بوران بنت الحسن، بعد موت أبيها المعتمد عنه وعوضها منه، فجددته وأحسنت فرشه، ثم أخبرت الخليفة باعتماد أمره، فأتاه فرح في نفسه، ونزل فيه بقية عمره. ثم آل أمره إلى المعتضد من بعده، فوسعه، وأدار سوراً من حوله، ثم ابتدئ ببناء التاج، فجمع الرجال ليحفر الأساسات، ثم اتفق خروجه إلى آمد، فلما آب رأى الدخان منه، وابتنى تحت القصر آزاجاً من القصر إلى الثريا تمشي فيها الحُرم والجواري والسراري. وما زال باقياً إلى الغرق الأول الذي حدث ببغداد، فغفا أثره”.(الخزل والدأل/4).
ودار الطواويس: كانت بدار الخلافة المعظمة ببغداد ابتناها المطيع، وكانت أعجوبة الزمان في عصرها، وهو الذي سماها باسمها، لما رأى الأرض حولها مخضرةً، وعليها كل ضروب الورد في أيام الربيع”.(الخزل والدأل/6). بل قال الحصري” لم ينفق أحد من خلفاء بنى العباس في البناء ما أنفقه المتوكل؛ وذلك أنه أنفق في أبنيته ثلاثمائة ألف ألف، وفي أبنيته يقول على بن الجهم:
وما زلت أسمع أنّ الملوك تبنى على قدر أخطارها
وأعلم أنّ عقول الرجـــال يقضى عليها بآثارها
صحون تسافر فيها العيون فتحسر من بعد أقطارها
وقبّة ملك كأنّ النجو م تفضى إليها بأسرارها
إذا أوقدت نارها بالعراق أضاء الحجاز سنا نارها
لها شرفات كأنّ الربيع كساها الرّياض بأنواره ( زهر الآداب1/231).
وللبحتري في القصور المميزة أشعار كثيرة منها:
أرى المتوكليّة قد تعالـــــت مصانعها وأكملـــت التماما
قصور كالكواكب لامعات يكدن يضئن للساري الظّلام (ديوان البحتري).
ذكر أبو الفرج الأصفهاني عن أبي عثمان يحيى بن عمر قال: قرأت في بعض الدواوين أن المتوكل أنفق على أبنيته وقصوره والمسجد الجامع ومنتزهاته في خلواته بسر من رأى، وأعمالها من الأموال ما لا يعلم أن أحدا أنفق على بناء مثله، ومبلغ ذلك من العين مائة ألف وخمسين ألف دينار ومن الدراهم مائتي ألف ألف وثلاثة وتسعون ألف ألف وخمسين ألف درهم، من ذلك القلايا مائة ألف وخمسون ألف دينار، العروس ثلاثون ألف درهم، الشاة عشرون ألف درهم، البرج ثلاثون ألف ألف درهم، البركة ألفا ألف درهم، الجوسق الإبراهيمي ألفا ألف، المختار خمسة آلاف ألف، الجعفري ثلاثة وعشرون ألف ألف، البديع عشرة آلاف ألف، المليح خمسة آلاف ألف، الصبيح خمسة آلاف ألف، التل خمسة آلاف، الجوسق في الميدان خمسمائة ألف درهم، وازاء عشرون ألف ألف، المسجد الجامع خمسة عشر ألف ألف، الغراء بدجلة ألف ألف، القصر بالمتوكلية خمسة عشر ألف ألف، لؤلؤة خمسة آلاف ألف، النهر بالمتوكلية خمسون ألف ألف. وبنى المعتز بعد ذلك البيت المعروف بالكامل ولم أعرف مبلغ النفقة عليه، وبنى المعتمد المعشوق والبيتين المعروفين بالغنح والبهج”. (مطالع البدور ومنازل السرور/292).
النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/2
علي الكاش

ثراء ملوك الفرس
تحدث المتعصبون للفرس عن ثراء الملوك الفرس، وما كان لهم من كنوز وجواري وعبيد وعساكر وسلاح ما لا يوجد عند غيرهم من الملوك الذين عاصروهم، وهذا مؤرخ في كتب الفرس التي دونت سيرهم العظيمة على حد زعمهم مثل كتاب الشاهنامة.
إستشهدنا بقول فارسي حول هذا الشأن، فقد قال يحيى بن خالد البرمكيّ: الملوك خمسة: ملك الأثاث، وملك الدوابّ، وملك المال، وملك الفيلة، وملك الإكسير. فأما ملك الأثاث فملك الصين، وملك الدوابّ ملك الترك، وملك المال ملك العرب، وملك الفيلة ملك الهند، وملك الإكسير فملك الروم”. (كتاب البلدان للهمداني/ 183). كما ذكر السيرافي في رحلته “ان ملوك الهند يعمّرون ربما ملك احدهم خمسين سنة، ويزعم أهل مملكة بلهرا: انما يطول مدة ملكهم وأعمارهم في الملك لمحبّتهم للعرب، وليس في الملوك أشد حبّا للعرب منه، وكذلك أهل مملكته. وعندهم ملك يدعى ملك الجرز، وهو كثير الجيش ليس لأحد من الهند مثل خيله، وهو عدّو العرب غير انه مقرّ أن ملك العرب أعظم الملوك وليس أحد من الهند أعدى للإسلام منه”. (رحلة السيرافي/35).
وأضاف السيرافي” قال ملك الصين للترجمان كي ينقله الى التاجر البصري ابن وهب بن هبار بن الأسود: قل له إنا نعدّ الملوك خمسة فأوسعهم ملكا الذي يملك العراق لأنّه في وسط الدنيا، والملوك محدقة به، ونجد اسمه عندنا ملك الملوك وبعده ملكنا هذا ونجده عندنا ملك الناس لأنه لا أحد من الملوك أسوس منّا ولا أضبط لملكة من ضبطنا لملكنا، ولا رعيّة من الرعايا أطوع لملوكها من رعيّتنا، فنحن ملوك الناس، ومن بعدنا ملك السّباع وهو ملك التّرك الذي يلينا، وبعدهم ملك الفيلة وهو ملك الهند، ونجد عندنا ملك الحكمة لأن أصلها منهم، وبعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرّجال، لأنّه ليس في الأرض أتمّ خلقا من رجاله ولا احسن وجوها، فهؤلاء أعيان الملوك، والباقون دونهم”. (رحلة السيرافي/61).
فأين ملوك الفرس؟ وأين موقعهم من هؤلاء الملوك العرب؟
كما نقل أبو العيناء الهاشمي عن القحذمي عن شبيب بن شيبة قوله” كنا وقوفا بالمربد، وكان المربد مألف الأشراف، إذ أقبل ابن المقفع، فبششنا به وبدأناه بالسلام، فردّ علينا السلام، ثم قال: لو ملتم إلى دار نيروز وظلها الظليل، وسورها المديد، ونسيمها العجيب؛ فعودتم أبدانكم تمهيد الأرض، وأرحتم دوابّكم من جهد الثقل؛ فإن الذي تطلبونه لم تفاتوه، ومهما قضى الله لكم من شيء تنالوه! فقبلنا وملنا؛ فلما استقرّ بنا لمكان قال لنا: أيّ الأمم أعقل؟
فنظر بعضنا إلى بعض؛ فقلنا: لعله أراد أصله من فارس، فقلنا: فارس.
فقال: ليسوا بذلك؛ إنهم ملكوا كثيرا من الأرض، ووجدوا عظيما من الملك، وغلبوا على كثير من الخلق، ولبث فيهم عقد الأمر؛ فما استنبطوا شيئا بعقولهم، ولا ابتدعوا باقي حكم بنفوسهم.
قلنا: فالروم! قال: أصحاب صنعة. قلنا: فالصين! قال: أصحاب طرفة. قلنا: الهند! قال: أصحاب فلسفة. قلنا: السودان! قال: شر خلق الله. قلنا: الترك! قال: كلاب ضالة. قلنا: الخزر! قال: بقر سائمة. قلنا: فقل أنت! قال: العرب. فضحكنا من قوله.
فقال: أما إني ما أردت موافقتكم، ولكن إذا فاتني حظي من النسبة، فلا يفوتني حظي من المعرفة؛ إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها، ولا آثار أثرت؛ أصحاب إبل وغنم، وسكان شعر وأدم؛ يجود أحدهم بقوته، ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويحسّن ما شاء فيحسن، ويقبّح ما شاء فيقبح؛ أدّبتهم أنفسهم، ورفعتهم هممهم، وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم؛ فلم يزل حباء الله فيهم وحباؤهم في أنفسهم، حتى رفع لهم الفخر، وبلغ بهم أشرف الذكر، وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر، وافتتح دينه وخلافته بهم إلى الحشر على الخير فيهم ولهم؛ فقال تعالى في سورة الأعراف/128(( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) فمن وضع حقهم خسر، ومن أنكر فضلهم خصم؛ ودفع الحق باللسان أكبت للجنان”. (العقد الفريد3/279).

تأريخ الفرس وعلومهم قبل الإسلام
ذكر ابن حزم” الفرس: لا يصح شيء من أخبارهم قبل دارا وأصح أخبارهم ما كان من عهد أردشير”. (رسائل ابن حزم2/9). كما ذكر أردشير بن بابك: إن الأرض أربعة أجزاء: جزء منها للترك، وجزء للعرب، وجزء للفرس، وجزء للسّودان”. (نهاية الأرب1/207).
أما فيما يتعلق بتواريخ الفرس، فسيرد على هذا القول كاتب فارسي من أصفهان هو حمزة الأصفهاني، المؤرخ المعروف عن تواريخ الفرس بقوله” تواريخهم (الفرس) كلها مدخولة غير صحيحة، لأنه نقلت بعد مائة وخمسين سنة من لسان إلى لسان، ومن خط متشابه رقوم الأعداد إلى خط متشابه رقوم العقود”. (كتاب البلدان للهمداني/22).
وعن علومهم وعلوم العرب وغيرهم قال الراغب الاصفهاني:
علوم العرب: علم بديع الشعر، وبلاغة المنطق، وتشقيق اللفظ، وتعريب الكلام، وقيافة البشر، وقيافة الأثر، وصدق الحسّ وصواب الحدس، وحفظ النسب، ومراعاة الحسب، وحفظ المناقب والمثالب، وتعرّف الأنواء، والاهتداء بالنجوم، والتبصّر بالخيل والسلاح واستعمالهما، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، ويبلغون بالزجر ما يقصر عنه غيرهم.
علوم الرّوم: لهم الطب والنجوم والألحان وجودة التصوير، حتّى إن أحدهم يصور الإنسان شابا وكهلا، فيجعله بحيث إذا رأى صورته ثم رآه عرفه. ولهم البناء العجيب ولهم من الرأي والنجدة والمكيدة ما لا ينكره من يعرفه.
علوم الفرس: لهم العقول والأحلام، والسياسة العجيبة، وترتيب العلوم والأمور، والمعرفة بعواقب الأمور. ولهم من اللغات ما لا يحصى كثرة، كالزمزمة والفهلوية والخراسانية والجبلية.
علوم اليونان: اليونانيون كانوا ذوي أذهان بارعة، ولا يشتغلون بمكاسب الآلات والأدوات والخلال، التي تكون جماما للنفوس. ولهم القبّانات والاصطرلابات، وآلات الرصد والبركار، وأصناف المزامير والمعازف، والطب والحساب والهندسة، وآلات الحرب كالمجانيق والغرادات. وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا عملة. كانوا يصورون الآلة ولا يخرطون الأداة، يشيرون إليها ولا يمسّونها، يرغبون في التعلم ويرغبون عن العمل.
علوم الصّين: أهل الصين أصحاب الأعمال، كالسبك والصياغة والإفراغ والإذابة والأصباغ العجيبة، والخرط والنحت والتصاوير، والخطّ والنسج ورفق الكف في كل ما تناولوه. وكانوا يباشرون العمل ولا يعرفونا الملل لأنهم فعلة، واليونانيون يعرفون العلل، ولا يباشرون العمل لأنهم حكماء.
علوم الهند: لهم معرفة الحساب والنجوم، والخط الهندي وأسرار الطب، وعلاج فاحش الأدواء والرقى وعلم الأوهام، وخرط التماثيل ونحت الصور، وطبع السيوف والشطرنج والحنكلة. وهي وتر واحد يجعل على قرعة فيقوم مقام العود ولهم ضروب الرقص والثقافة والسحر والتدخين.
علوم التّرك: هم كالعرب، في أنهم أصحاب قيافة ومعرفة بالحروب وآلاتها، وهم أعراب العجم، كما أن العرب أكراد النبط. فصاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، والصين في الصناعة، وهم في البيطرة والرياضة فوق كل أمة. وأحدهم يركب ظهر فرس فوق ركوبه الأرض يغزو أحدهم بأرماكه ومهورة، فمتى أتعب واحدة ركب أخرى فلا يستريح ولا ينزل إلى الأرض”. (محاضرات الأدباء1/194).
قال الجاحظ” أمّا سكّان الصين فهم أصحاب السّبك والصياغة، والإفراغ والإذابة والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنّحت والتصاوير، والنّسخ والخطّ، ورفق الكفّ في كلّ شيء يتولّونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه”. (الرسائل السياسية/509).
ولأهمية هذا الموضوع، وتقديم صورة واضحة عن طبيعة ما يسمى بالحضارة الفارسية قبل الإسلام، وإزالة الغشاوة عن هذا اللبس الذي يتنكر للإسلام، وينفي دوره في أرساء وبناء الحضارة الفارسية، بل ويحمله مسؤولية تدمير ما يسمى بالحضارة الفارسية المزعومة، في نظرة أقل ما يقال عنها محاولة يائسة وفاشلة للتعالي على العرب، والنظرة لهم نظرة دونية. لذا نقدم هذا المبحث الذي يؤكد بأن الحضارة الفارسية بدأت بعد الفتح الإسلامي، وليس قبله، وإنها أي الحضارة العربية قد هذبت الثقافة الفارسية ولم تشوهها كما يزعم الفرس الناكري الجميل لفضل العرب والمسلمين، وإنها رسخت القيم الإنسانية والأخلاقية الجديدة ونقتها من الأفكار المجوسية الخاطئة، ونقلتها الى القيم الإسلامية الصحيحة. لم يكن الفتح الإسلامي لبلاد فارس إلا بداية لإشعاع نور الإيمان والتطور في النفق المجوسي المظلم، فقد بنى الإسلام القيم الإخلاقية على إنقاض الخراب المجوسي، وأهدى الفرس الى طريق النور والمحبة والتسامح، فلا حضارة للفرس قبل الإسلام كما سنوضح.
ان التجني على الإسلام ـ ما زال الكثير من المراجع الفرس يعزفون على هذا الوتر ـ إنما هو تجني وظلم للإسلام ورموزه الكبار، ومحاولة رعناء للنيل من الخليفة الفاتح الفاروق وكبار القادة المسلمين الذي كان لهم شرف نشر الإسلام وقيمه المجيدة في بلاد فارس. إنه لأمر يثير الإشمئزاز والتقزز عندما يبنى مقام ومزار لأبي لؤلؤة قاتل عمر الفاروق، في حين يحتفل الفرس في يوم مقتل الفاروق الذي مدٌ لهم يد الغوث وأنقذهم من مستنقع المجوسية وأوصلهم إلى مرفأ الإيمان والنجاة.
سوف نناقش الموضوع من عدة محاور:

1. مفهوم الحضارة
غالبا ما يتحدث عن الحضارة ممن لا يفطن إلى مفهومها وجوهرها، فيخلط بينها وبين العمران والثقافة والمدنية والقوة العسكرية والعامل الديني، مع أن الحضارة قد تشمل كل هذه الصفات وغيرها، وعندما يقتصر مفهوم الحضارة على جانب واحد فقط، تُفرغ الحضارة من مفهومها المتكامل، مثلا عندما تقول أن الحضارة هي القوة العسكرية والتوسع على حساب بقية البلدان الأضعف فهذا إعتراف ضمني بأن المغول أصحاب حضارة كبيرة، والمقدونيون أيضا وكل القوى الإستعمارية هي حضارات متقدمة، وأن الدول التي أستبيحت من قبل الدول الأقوى لا تعد حضارات فتلغى الحضارة الإسلامية والهندية والأغريقية وغيرها، وهذا لا يصح البتة. كما أن إعتماد العامل الديني فقط لا يتوافق مع المؤشرات الواقعية، فالحضارات الصينية والهندية وما سبق الديانات السماوية الثلاث لا ترتبط بتعاليم سماوية، وأنما تعاليم وضعية.
الحضارة تعني التطورات العلمية والتقنية والأدبية النظرية منها والتطبيقية عند الأمم، مترادفة مع التطور الإقتصادي والثقافي والإجتماعي والعمراني. وفي هذا التعريف يمكن الجمع ما بين الفريقين المختلفين من العلماء والفلاسفة الذين يرى التيار الأول: أن الحضارة تقتصر على المظاهر الفكرية السائدة في المجتمعات البشرية، في حين يرى التيار الثاني: إنها خلاصة التطورات البشرية في المجالات العلمية والفنون والعمران، ويضيف لها (ماكيفر) الآداب والديانات والمثل الأخلاقية. في حين يركز البرت شفيستر على نقطتين مهمتين هما التقدم الروحي والمعنوي. أما العالم الموسوعي ( ول ديوارنت) فأنه يعتمد في موسوعته الشهيرة قصة الحضارة على الأسس الأربعة الآتية: الموارد الإقتصادية، النظام السياسي، العادات، التقاليد، العلوم والفنون. مضيفا” أن الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها”.
في حين أنفرد المؤرخ البريطاني (ارنولد تونبي) عن غيره بإضافة العامل الديني متمثلا بالكنيسة الكاثوليكية زاعما بعصبية واضحة ” أن الحضارة الغربية هي وحدها التي تحافظ على الشرارة الإلهية الخلاقة، وهي وحدها القادرة على أن تؤول إلى ما آلت إليه سابقاتها. مضيفا أن الحضارة هي” حصيلة عمل الإنسان في الحقل الاجتماعي والثقافي، وهي حركة صاعدة، وليست وقائع ثابتة وجامدة، إنها رحلة حياتية مستمرة لا تقف عند مينائه”. وهذا الرأي المتعلق بعامل الدين مقارب لما جاء به مالك بن نبي، وربما مُستوحى منه، بقوله” الحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة الوحي يهبط من السماء، ويكون للناس شرعة ومنهاجًا، فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة، إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية”. وهذا الرأي يفتقر الى الشمولية لإستبعاده العوامل البشرية التي لا علاقة للسماء بها.
فيما يتعلق بالعرب، جاء في لسان العرب وفق الإصطلاح اللغوي للحضارة” الحضر: خلاف البدو، والحاضر: خلاف البادي. وفي الحديث: لا يبيع حاضر لبادٍ، الحاضر: المقيم في المدن والقرى، والبادي المقيم بالبادية. والحِضارة بكسر الحاء: الإقامة في الحضر، عن أبي زيد” كان الأصمعي” يقول: الحضارة بالفتح”.كما قال القطامي” فمن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا”.
لكن تعريف المسلمين للحضارة الإصطلاحي كان تعريفا شاملا جمع ما بين التيارين الأول والثاني، بل سبقهم بعدة قرون، فقد عرف ابن خلدون الحضارة في مقدمته الشهيرة بأنها ” التفنن في الترف، وإستجادة أحواله، والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه”، وأضاف نمط من الحياة المستقرة ينشيء القرى والأمصار، ويضفي على حياة الناس فنونا منتظمة من العيش والعمل والإجتماع والعلم والصناعة، وإدارة شؤون الحياة والحكم (القانون والسياسة)، وترتيب وسائل الراحة وأسباب الرفاهية”.
من هذا التعريف الخلدوني الرائع نستخلص بأن أركان الحضارة حسب النظرة الإسلامية هي العامل الإجتماعي، العامل الإقتصادي، الفنون عامة، التطور العلمي، اسلوب إدارة الدولة (الحكم)، الرفاهية الإجتماعية وأخيرا العمران.
من الجدير بالإشارة ان النظرية الخلدونية إستبعدت الجانب العسكري، ولم تعتبره من أركان الحضارة، وهذا ما أشرنا إليه في البداية. ويلخص د. أحمد شلبي الحضارة الإسلامية بأنها تعني ” ما قدمه الإسلام للمجتمع الإنساني من أفكار ترفع شأنه، وتيسر أمور حياته، وقد قدم الإسلام مأثرة للبشر جمعا، وبعض هذه المآثر، يتضح مع غير المسلمين، اكثر مما يتضح مع المسلمين”. (موسوعة الحضارات الإسلامية).

2. مناطق نفوذ الحضارات
يعتبر(صامويل هنتنجتون) من أبرز المهتمين بدراسة الحضارات بعد العالم الموسوعي (ول ديوارنت)، وقد قسم الحضارات البشرية الى تسعة أقسام وفق مناطق النفوذ الثقافي:
أ. الحضارة الغربية بأرضيتها المسيحية الكاثوليكية والبروتستانية. ومصدرها الأغريق والرومان والفكر المسيحي، وتشمل أوربا وامريكا واستراليا.
ب. حضارة أمريكا اللاتينية. ومصدرها الرومان والمسيحية علاوة على التأثيرات الإستعمارية من قبل اسبانيا والبرتغال.
ج. الحضارة اليابانية، وهي جزء من حضارة الشرق الأقصى. وهي في الحقيقة ترتبط بالحضارة الصينية.
د. الحضارة الصينية. وهي من الحضارات القديمة، أصولها الديانة الكنفوشوسية.
هـ. الحضارة الهندية. واصولها هندوسية، وهي من الحضارات القديمة، وتشمل الهند والنيبال.
و. الحضارة الإسلامية، وتربط بالدين الإسلامي، وحدودها الحضارة العربية والفارسية والتركية والماليزية.
ز. الحضارة المسيحية الأرثوذكسية، وهي الحضارة المسيحية الشرقية وتشمل روسيا والقوقاز واوكرانيا والبلقان واليونان وقبرص. (هنا إشكالية في التقسيم فالحضارة اليونانية لا علاقة لها بالروس، وهي حضارة غير مسيحية، وتعد من أقدم الحضارات، ولا نفهم ما القصد من حشرها في هذه الفقرة.
ح. الحضارة الأفريقية، وتمتد حدودها الى افريقيا وجنوب الصحراء.( من الغريب أن هنتنجتون ربط هذه الحضارة بإستجابتها للإستعمار والإمبريالية، متجاهلا ان الحضارة المصرية من أقدم الحضارات في العالم مع حضارة وادي الرافدين).
ط. الحضارة البوذية. وتشمل الهند الصينية، وتراثها تعاليم بوذا ومذاهبها تيرافادا وهينايانا، وتشمل تايلند وكمبوديا ولاوس وبورما وسريلانكا ومنغوليا.
الحقيقة ان هذا التصنيف مع أهميته يضم نقاط ضعف كثيرة فهو يعتمد تارة العامل الديني، وتارة العامل الجعرافي، وتارة العامل الثقافي، وتارةعامل اللغة. لكن الذي يهمنا هو ما يتعلق بالحضارة الفارسية والتركية، وهما اللتان ربطهما بالحضارة الإسلامية، بمعنى ان الطابع الإسلامي هو القاسم المشترك بينها.

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/3
علي الكاش

3. هل هناك حقا حضارة فارسية قبل الإسلام؟
العراق كما هو معروف هو مهد العلوم والمعارف والحضارات، بل العراق بلا جدال هو قبلة العالم الثقافية، وتأتيه طلبة العلم والمعرفة من شتى أنحاء العالم، لتنهل من المعارف التي تركها السلف. فهل ما كان في بلاد فارس من علوم ومعارف يوازيها؟ وهل كان طلاب العلم يرتادون بلاد فارس للدراسة؟
الجواب: كلا بالطبع!
إن بعض الحضارات التأريخية لا يعني إنها حضارات علوم وفنون وآداب ومعارف ونهضة علمية، فالحضارة الرومانية مثلا هي حضارة حربية وليست مدنية أساسها الحروب والإحتلال والتوسع. وهذا ما يقال أيضا عن الحضارة الفارسية التي سبقت الإسلام ويتشدق بها الفرس باطلا وزيفا، فلا توجد حضارة فارسية حقيقية في أي من العلوم والمعارف بإستثناء الجانب الحربي والتوسع والإستيطان وبعض العمران وتنظيم الدواوين. وحتى العمران فهو محدد الأفق. لاحظ في العراق لا يوجد من معالم العمران الفارسي غير إيوان كسرى. في حين كان المعمار الكبير في العراق حيث الجنائن المعلقة ومعالم نينوى ومنارتها الحدباء وبابل وأور، ووصل العمران أعظمه في زمن الخلافة العباسىة من خلال تخطيط مدن بغداد وسامراء وقصور الخلفاء المميزة، التي جسدها الشعراء في أشعارهم.
قال علي بن الجهم في قصر الجعفري الذي بناه المتوكل ويقارته بهندسة الروم والفرس:
وما زلت أسمع أنّ الملوك تبني على قـدر أقدارها
وأعلم أنّ عــقول الرجال يقضى عليهـــــا بآثارها
فلما رأينا الإمــــــــــــام رأينا الخلافـــة في دارها
بدائع لـــــــم ترها فارس ولا الروم في طول أعمارها
وللروم ما شيّد الأولون وللفرس آثار أحرارهـــــا
وكنا نحسّ لــها نخـــــــوة فطامنت نخوة جبّارها
وأنشأت تحتج للمسلمــــين على ملحديها وكفّارها
صحون تسافر فيها العيون إذا ما تجلّت لأبصارها
وقبة ملك كأنّ النجـــــــوم تفضي إليها بأسرارهــا
تخرّ الوفــــــــود لها سجّدا سجود النصارى لكبّارها
لها شرفات كأنّ الربيـــــع كساها الرياض بأنوارها
وأروقة شطرها للرخــــام وللتبر أكرم أشطارهــا
إذا رمقت تستبين العــيون منها منابت أشفارهــــا
لو أنّ سليمان أدّت لــــــه شياطينه بعض أخبارها
لأيقنّ أنّ بني هاشـــــــــم يقدّمها فضل أخطارهــا
فلا زالت الأرض معمورة بعمرك تأخير أعمارها (كتاب البلدان للهمداني/369).
كما قال الحسين بن الضحاك في سرمرى من شعر طويل:
سكنّ إلى خير مسكونة تقسمها راغب من أمم
مباركة شاد بنيانها بخير المواطن خير الأمم
كأنّ بها نشر كافوره لبرد ثراها وطيب النسم
وقوله:
كلّ البلاد لسرّمرّى شاهــد أنّ المصيف بها كفصل سواها
فيحاء طاب مقيلها ومبيتها وغدوّها ورواحها وضحاها
حضارة الفرس الحقيقية ولدت عندما حلٌ الإسلام محل المجوسية، فنبغ الآلاف من العلماء والأدباء الفرس في شتى أنواع العلوم والمعارف، اي ان الفضل للإسلام وليس للمجوسية. وعندما يزعم البعض بأن الإسلام قضى على الحضارة الفارسية فذلك وهم يحاولون تحويله إلى حقيقة لغرض تشويه صورة الإسلام، وتحميله مسؤولية تدمير حضارتهم المزعومة، علاوة على سبغ السلبيات على الإسلام بدلا عن الإيجابيات التي تحققت لهم من خلال الفتح العظيم. لا يجوز لمسلم حقيقي أن يماشي هذا الرأي الخاطيء والمجحف، انه نكران لجميل الإسلام على الفرس.
يحاول الفرس صقل وتلميع المجوسية بإعتبارها حضارة زاهية دمرها الغزو الإسلامي. الحقيقة أن هذ المسألة تخص تشويه صورة الإسلام عموما، وتشويه صورة عمر الفاروق خصوصا. وهذا ما يتجلى في تراثهم الذي ينال من الفاروق، بل ان كتابهم المقدس (الشاهنامة) يكيل للعرب الشتائم وينعتهم باسوأ النعوت كما سنوضح فيما بعد. وهذه الشاهنامة هي قرآن الفرس الحقيقي.
قال التوحيدي” للفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم، وللرّوم العلم والحكمة، وللهند الفكر والرويّة والخفّة والسّحر والأناة، وللتّرك الشجاعة والإقدام، وللزّنج الصبر والكدّ والفرح، وللعرب النّجدة والقرى والوفاء والبلاء والجود والذّمام والخطابة والبيان”. (الإمتاع والمؤانسة1/72).
وقال القاضي أبو حامد المرورّوذيّ” لو كانت الفضائل كلّها بعقدها وسمطها، ونظمها ونثرها، مجموعة للفرس، ومصبوبة على رؤسهم، ومعلّقة بآذانهم، وطالعة من جباههم، لكان لا ينبغي أن يذكروا شأنها، وأن يخرسوا عن دقّها وجلّها، مع نيكهم الأمهات والأخوات والبنات فإن هذا شيء كريه بالطباع، وضعيف بالسّماع،ومردود عند كل ذي فطرة سليمة، ومستبشع في نفس كل من له جبلّة معتدلة”. (الإمتاع والمؤانسة1/80). وهذا ما سنفصله لاحقا.
كما قال الجاحظ” زعم الفرس أنّ أوّل شيء يؤدّبونه به السجود للملك؛ قالوا : خرج كسرى أبرويز ذات يوم لبعض الأعياد، وقد صفّوا له ألف فيل، وقد أحدق به وبها ثلاثون ألف فارس، فلما بصرت به الفيلة سجدت له، فما رفعت رأسها حتى جذبت بالمحاجن وراطنها الفيّالون. وقد شهد ذلك المشهد جميع أصناف الدوابّ: الخيل فما دونها، وليس فيها شيء يفصل بين الملوك والرعيّة، فلما رأى ذلك كسرى قال: ليت أنّ الفيل كان فارسيّا ولم يكن هنديّا”. (كتاب الحيوان7/123).
وأضاف الجاحظ” يزعم زرادشت، وهو مذهب المجوس، أنّ الفأرة من خلق الله، وأنّ السّنّور من خلق الشّيطان، وهو إبليس، وهو أهرمن. فإذا قيل له: كيف تقول ذلك والفأرة مفسدة، تجذب فتيلة المصباح فتحرق بذلك البيت والقبائل الكثيرة، والمدن العظام، والأرباض الواسعة، بما فيها من النّاس والحيوان والأموال، وتقرض دفاتر العلم، وكتب الله، ودقائق الحساب، والصّكاك، والشّروط؛ وتقرض الثّياب، وربّما طلبت القطن لتأكل بزره فتدع اللّحاف غربالا، وتقرض الجرب، وأوكية الأسقية والأزقاق والقرب فتخرج جميع ما فيها؛ وتقع في الآنية وفي البئر، فتموت فيه وتحوج النّاس إلى مؤن عظام؛ وربّما عضّت رجل النّائم، وربّما قتلت الإنسان بعضّتها. والفأر بخراسان ربّما قطعت أذن الرّجل. وجرذان أنطاكية تعجز عنها السّنانير، وقد جلا عنها قوم وكرهها آخرون لمكان جرذانها، وهي التي فجرت المسنّاة، حتى كان ذلك سبب الحسر بأرض سبأ؛ وهي المضروب بها المثل، وسيل العرم ممّا تؤرخ بزمانه العرب. والعرم: المسنّاة. وإنما كان جرذا. وتقتل النّخل والفسيل، وتخرّب الضّيعة، وتأتي على أزمّة الركاب والخطم، وغير ذلك من الأموال. والنّاس ربما اجتلبوا السّنانير ليدفعوا بها بوائق الفأر- فكيف صار خلق الضّارّ المفسد من الله، وخلق النّافع من الضّرر من خلق الشيطان؟! والسّنّور يعدى به على كلّ شيء خلقه الشّيطان من الحيّات، والعقارب، والجعلان، وبنات وردان، والفأرة لا نفع لها، ومؤنها عظيمة. قال: لأنّ السّنّور لو بال في البحر لقتل عشرة آلاف سمكة! فهل سمعت بحجّة قطّ، أو بحيلة، أو بأضحوكة، أو بكلام ظهر على تلقيح هرة، يبلغ مؤن هذا الاعتلال؟! فالحمد لله الذي كان هذا مقدار عقولهم واختيارهم”. (كتاب الحيوان4/407)
كما قال الجاحظ” أمّا الأكاسرة من الفرس فكانوا لا يعدّون النّاس إلّا عبيدا، وأنفسهم إلّا أربابا”. (كتاب الحيوان6/353) وناقض قوله” ليس الذي كان فيه آل ساسان وأنوشروان وجميع ولد أزدشير بن بابك كان من الكبر في شيء. تلك سياسة للعوامّ، وتفخيم لأمر السّلطان، وتسديد للملك”. (الرسائل الأدبية/140).
علق د. علي ابو ملحم على قول الجاحظ المتناقض مع آرائه السابقة بقوله” القول ان ملوك آل ساسان لم يعرفوا التعظيم، والكبر غير صحيح. لقد احاطوا ملكهم بالابهة والاجلال واسرفوا في ذلك حتى اصبحوا مضرب الأمثال. ويبدو ان بعض النساخ الميالين للشعوبية حرفوا قول الجاحظ”.
من جهة أخرى ذكر ابو الطيب الحسيني القنوجي وهو من بخارى” أما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما ولقد يقال: إن هذه العلوم إنما وصلت إلى يونان منهم حين قتل إسكندر دارا وغلب على مملكته واستولى على كتبهم وعلومهم إلا أن المسلمين لما افتتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذن في شأنها وتنقيلها للمسلمين. فكتب إليه عمر رضي الله عنه: أن اطرحوها في الماء فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله تعالى فطرحوها في الماء أو في النار فذهبت علوم الفرس فيها”. (أبجد العلوم1/379).
ثم نقض قوله، فقال” كانت الفرس نقلت في القديم شيئا من كتب المنطق والطب إلى اللغة الفارسية فنقل ذلك إلى العربي عبد الله بن المقفع وغيره وكان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى: حكيم آل مروان فاضلا في نفسه له همة ومحبة للعلوم خطر بباله الصنعة فأحضر جماعة من الفلاسفة فأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اليوناني إلى العربي وهذا أول نقل كان في الإسلام”. (أبجد العلوم1/380).
كما ذكر احمد زكي صفوت” قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين؛ فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب، وفضلهم على جميع الأمم، لا يستثنى فارس ولا غيرها، فقال كسرى -وأخذته عزة الملك- يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حالة من يقدم علي من وفود الأمم؛ فوجدت للروم حظًا في اجتماع ألفتها، وعظم سلطانها، وكثرة مدائنها، ووثيق بنيانها، وأن لها دينًا يبين حلالها وحرامها، ويرد سفيهها، يقيم جاهلها، ورأيت الهند نحوًا من ذلك في حكمتها وطبها، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعتها، وطيب أشجارها، ودقيق حسابها، وكثرة عددها، وكذلك الصين في اجتماعها، وكثرة صناعات أيديها، وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب، وصناعة الحديد، وأن لها ملكًا يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش، وقلة الريف والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضم قواصيهم، وتدبر أمرهم، ولم أر للعرب شيئًا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة، ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها، وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة، والطير الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضًا من الحاجة، قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها؛ فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل، التي يعافها كثيرة من السباع، لثقلها، وسوء طعمها، وخوف دائها، وإن قرى أحدهم ضيفًا عدها مكرمة، وإن أطعم أكلة عدها غنيمة، تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدى اجتماعها، وشد مملكتها، ومنعها من عدوها؛ فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا، وإن لها مع ذلك آثارًا ولبوسًا، وقرى وحصونًا، وأمورًا تشبه بعض أمور الناس -يعني اليمن- ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس، قال النعمان: أصلح الله الملك. حق2 لأمة الملك منها أن يسمو فضلها، ويعظم خطبها، وتعلو درجتها؛ إلا أن عندي جوابًا في كل ما نطق به الملك، في غير رد عليه، ولا تكذيب له؛ فإن أمنني من غضبه نطقت به، قال كسرى: قل فأنت آمن.
قال النعمان: أما أمتك أيها الملك؛ فليست تنازع في الفضل، لموضعها الذي هي به: من عقولها وأحلامها، وبسطه محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت، فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى بماذا؟ قال النعمان: بعزها، ومنعتها، وحسن وجوهها، وبأسها، وسخائها، وحكمة ألسنتها، وشدة عقولها، وأنفتها، ووفائها. فأما عزها ومنعتها؛ فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ووطدوا الملك وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجنتهم السيوف، وعدتهم الصبر، إذ غيرها من الأمم إنما عزها من الحجارة والطين وجزائر البحور.
وأما حسن وجوها وألوانها، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم: من الهند المنحرفة، والصين المنحفة، والترك المشوهة، والروم المقشرة.

الفرس والأنساب
وأما أنسابها وأحسابها؛ فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرًا من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل وراء أبيه دنيا؛ فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبًا فأبًا، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه. وأما سخاؤها؛ فإن أدناهم رجلًا، الذي تكون عنده البكرة والناب، عليها بالغه3 في حموله وشبعه وريه، فيطرقه الطارق، الذي يكتفي بالفلذة، ويحتري بالشبة؛ فيعقرها له، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر. وأما حكمة ألسنتهم؛ فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم، وحسنه ووزنه وقوافيه، ومع معرفتهم الأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبالهم الجزع. ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، ولا يقطع بمثلها بلد فقر. وأما دينها وشريعتها؛ فإنهم متمسكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرًا حرمًا، وبلدًا محرمًا، وبيتًا محجوجًا، ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره، وإدراك رغمه منه؛ فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى وأما وفاؤها، فإن أحدهم يلحظ اللحظة، ويومئ الإيماءة، فهي ولث وعقدة، لا يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عودًا من الأرض فيكون رهنًا بدينه، فلا يغلق رهنه، ولا تخفر3 ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره. فيصاب، فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته، أو تفنى قبيلته، لما أخفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث، من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله. وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار، وغيرة من الأزواج. وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا لها، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم، مع أنها أكثر البهائم شحومًا، وأطيبها لحومًا، وأرقها ألبانًا، وأقلها غائلة4، وأحلاها مضغة، وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه. وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضًا، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفًا، وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد، يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمتهم، وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكًا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث بالعسف.
وأما اليمن التي وصفها الملك؛ فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه، عند غلبة الحبش له، على ملك متسق، وأمر مجتمع؛ فأتاه مسلوبًا طريدًا مستصرخًا، ولولا ما وتر به من يليه من العرب؛ لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان، ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار”. فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك، ثم كساه من كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحيرة” . (جمهرة خطب العرب1/53).

لماذا يدعي الكثير بأنهم من العرب؟
الحقيقة ان الكثير من القوميات كانت تتسمى بالعرب بسبب علو منزلتهم مقارنة ببقية القوميات، ذكر النهشلي القيرواني” الترك يدعون أنهم من اليمن، ويزعمون أن تبع الأكبر لما ارتحل عن غسان أنزل بها خلقاً عظيما من أهل اليمن، فافترقوا في البلاد، وصار بعضهم إلى أن نزل آستانة. والأكراد يزعمون أنهم من قيس بن هوزان، والأدرية يزعمون أنهم من العرب. وكان بابك يدعى أنه من خزاعة. تدعى أنهم من بني أمية، وأنه لما ظهرت دولة بني العباس هرب قوم من أمية فتزوجوا فيهم، وولدوا لهم الأولاد، على أنهم على دين اليهود”. (الممتع في صنعة الشعر/345).

أصل الاكراد عرب
قال المازني الحموي” أنكر جماعة من ملوك بنى أيوب النسبة إلى الأكراد، وقالوا: إنما نحن عرب، نزلنا عند الأكراد وتزوجنا منهم. وادعى بعضهم النسب إلى بنى أمية”. (مفرج الكروب في أخبار بني أيوب1/3). وقال ابو الفداء” الكرد من الفرس، ومنازلهم جبال شهرزور، وقيل: إِن الكرد من العرب، ثم تنبطوا. وقيل: إِنهم أعراب العجم”. (المختصر في أخبار البشر1/83)
وذكر نشوان الحميري” كُرْد : جيلٌ من الناس، يقال إِنهم من الأزد ، قال الشاعر:
لعمرك ما كُرْدٌ من ابناء فارسٍ ولكنه كرد بن عمرو بن عامر
وقال آخر:
لعمرك ما كرد بن عمرو بن عامر ولكن خالط العُجْمَ فاعتجم
وقج نَسَبَتْهم الشعراءُ إِلى اليمن، ثم إِلى الأزد. وقيل: إِن الكُرْد : اسم عربي مشتق من المكاردة ، وهي المطاردة”. (شمس العلوم9/96). (الجمهرة2/638).

حمق الفرس
قال البيهقي” حكي عن أبي عباد الكاتب أنه قال: كنت يوماً عند المأمون فدعا بالغداء وكان يستنزل من قام من مجلسه عند ذكر الطعام ويقول: هذا من أخلاق اللئام، فقدّموا إليه بطيخاً على أطباق جدد فجعل يقوّر بيده ويذوق البطيخة فإذا حمد حلاوتها قال: ادفع هذه بسكينتها إلى فلان. فقال لي وقد دفع إلي بطيخة كانت أحلى من الشهد المذاب: يا أبا عباد بم تستدل على حمق الرجل؟
قلت: يا أمير المؤمنين أما عند الله فعلامات كثيرة وأما عندي فإذا رأيت الرجل يحب الشاهلوج ويبغض البطيخ علمت أنه أحمق.
قال: وهل تعرف صاحب هذه الصفة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين الرستمي أحد من هذه صفته.
قال: فدخل الرستمي على أمير المؤمنين، فقال له المأمون: ما تقول في البطيخ الرمشيّ؟
قال: يا أمير المؤمنين يفسد المعدة ويلطخها ويُرقّها، يرخي العصب ويرفع البخار إلى الرأس.
قال: لم أسألك عن فعله إنما سألتك أشهي هو؟ قال: لا. قال: فما تقول في الشاهلوج؟ قال: سماه كسرى سيد أجناسه. قال: فالتفت المأمون إليّ وقال: الرجل الذي كنا في حديثه أمس من تلامذة كسرى في الحمق”. (المحاسن والمساوىء/252).

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/4
علي الكاش

4. نظرة واقعية إلى العصور الذهبية الفارسية المزعومة:
لم تذكر بلاد فارس عند الرواة العرب كأقليم مما يعني قلة شأنها، فقد ذكر ابن الجوزي ومن سبقوه ” أقاليم الأَرْض سَبْعَة فالإقليم الأول الْهِنْد وَالثَّانِي إقليم الْحجاز وَالثَّالِث إقليم مصر وَالرَّابِع إقليم بابل وَالْخَامِس إقليم الرّوم وَالشَّام وَالسَّادِس بِلَاد التّرْك وَالسَّابِع بِلَاد الصين”. (المدهش/64). لكننا سنحاول ان نوجز تأريخها.

أ. العصر الذهبي الأول:
يعتبر العصر الذهبي للحضارة الفارسية ـ حسب زعمهم ـ هي الفترة الممتدة بين (309 ـ 379) أي حوالي سبعين سنة فقط، وهي التي توفي فيها الملك هرمز الثاني، وبدأت المعارك بينهم وبين العرب، ووصل العرب إلى مدينة فارس وهي عاصمة الملوك الساسانيين، وكانت الفوضى قد عمت الدولة حيث قتل النبلاء إبن هرمز الثاني، وسبلوا عيون إبنه الثاني، وسجنوا إبنه الثالث، وتوج الملك شابور الثاني وهو في رحم أمه بوضع التاج على بطنها في حالة شاذة تأريخيا!
ثم تمكن الملك الصغير من إنهاء الفوضى وتوحيد البلاد وبناء جيش قوي، وساد الأمن في حدود الإمبراطورية الجنوبية. وتمكن شابور من توسيع رقعته بعد إستعادة ما فقدته دولته في حروبها مع العرب والرومان من أراضي. وفي عهده المستقر نسبيا، لم تكن هناك حضارة علمية وأدبية بل يمكن تشخيص مظاهر التعامل الإيجابي مع اليهود، والإضطهاد القاسي للنصارى، والتنكيل بالإمبراطورية الرومانية المنافسة لفارس. تتلخص نهضتهم المزعومة في عصرهم الذهبي كما يسمونه بإكمال نصوص كتابهم المقدس (الأفيستا). الحقيقة لا توجد غير الحملات العسكرية والإنتصارات والتوسع الجغرافي في هذا العصر الذهبي، ولو قارناه بالعصر الذهبي لبغداد في عهد هارون الرشيد لأدركنا الفرق الشاسع بين العصرين الذهبيين.

ب. العصر الذهبي الثاني
يمتد للفترة ما بين 498 ـ622 بدأ مع حكم الملك قباذ الثاني الذي قاد حملة كبيرة ضد الإمبراطورية الرومانية وأحتل مناطق تابعة لها ثم إحتل ديار بكر الحالية وإسترد جورجيا ثم وسع الإمبراطورية، وكل الذي فعله هو تطوير نظام الضرائب للإنفاق على جيشه الضخم وتوسعاته، ولا توجد مظاهر تدل على أن العصر كان ذهبيا في مجال العلوم والفنون والآداب.
ثم تلت هذه الفترة عصر الإنحلال والسقوط للفترة من 622 ـ 651. وفي الوقت الذي يدعي فيه مؤرخو الفرس بأنه كان لديهم نهضة عمرانية وموسيقية وأدبية تحديدا، فإنه لا توجد شواهد تبين تميزها عن غيرها من البلدان. الغناء والموسيقى والعمران موجود في كل البلدان وعند الأقوم البدائية أيضا، ولا يمكن إعتبارها مؤشرا حضاريا ما لم تتميز بمعالم عمرانية وعلمية واضحة كالجنائن المعلقة والأهرامات علاوة على النهضة الأدبية والفنية وإتساع وفود الدارسين من طلاب العلم. الحقيقة أن هناك مبالغات كبيرة حول الإنتصارات والتوسعات الفارسية لم تثبت صحتها في مؤلفات المؤرخين من غير الفرس، سيما الرومان والعرب.
بل إن أقدم المؤرخين اليونان هيرودوتس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد ذكر في ملحمته التأريخية بأن كلمة ( بارسيوس) أي فارسي تعني (قاطع الطريق) أو المنفلت اخلاقيا. لذلك لا تجد كتاب فارسي قبل الفتح الإسلامي في الطب والصيدلة والفلك والفلسفة والهندسة والحساب، والآداب التي يتبجحون بها ولا تزيد عن كتاب واحد. يذكر د. ويسن بأن” الآداب البهلوية المتوفرة عندنا لا يزيد حجمها عن التوراة، وأنها في الغالب تتعلق في نصوص دينية أو فقهية فقط”. أما علوم العرب خلال تلك الفترة التي نصفها نحن مع الأسف بالجاهلية والتي تقابل العصر الذهبي للفرس فيحدثنا عنها المؤرخ الآلوسي.
كان العرب يؤرخون بالنجوم قديماً، ومِنه صار الكُتَّاب يقولون : نَجَمتُ على فلانٍ كذا حتى يؤديه في نجوم. وكانت العرب تؤرخ بكل عام يكون فيه أمرٌ مشهورٌ متعارَف. وكان للعرب عِلمٌ بالأجرام العلوية ، واشتغال بالرصد ، ومعرفةٌ بحركات الكواكب، وكانوا يقسمون الأنواء وأيامها. وكان لهم أقوالٌ مأثورة عند طلوع كل نوء، ومِن ذلك قولهم : إذا طَلَع العقرب جَمَس المذنب، وقرب الأشيب ومات الجِندب، ولَم يصِرَّ الأخطب، وكانوا يقسمون السنة إلى أجزاء ، ولهم فيها تسميات مختلفة.
ومِن علومهم: عِلم القيافة، وهو على قسمين : قيافة الأثر : وهو عِلمٌ باحثٌ عن تتبع آثار الأقدام والأخفاف والحوافر، وقيافة بَشَر : وهو الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصَين على المشارَكة والاتحاد بينهما في النسب والولادة في سائر أحوالهما وأخلاقهما، وأشهر مَن عُرِف به : بنو مُدلِج ، وبنو لِهب.
ومِن علومهم : عِلم الفِراسة، وهو الاستدلال بهيئة الإنسان وأقواله على أخلاقه. وهو على ضَربين : ضَربٌ يحصل للإنسان عن خاطرٍ لا يعرف سببه، وضَربٌ يكون بصناعة متعلَّمَة. ومما هو عندهم مِن العلوم : عِلم الطب، وكانوا ما يعلمونه منه مبنياً في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثاً عن مشايخ الحي وعجائزه. وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي، وكان لهم علم تام في معالجة الدواب، ومِن مشاهير أطباء العرب : الحارث بن كلدة ، وابن حذيم . ومِن علومهم : عِلم الريافة، وهو : معرفة استنباط الماء مِن الأرض بواسطة بعض الأَمارات الدالة علة وجوده ، فيُعرَف بُعده وقُربه بِشَم التراب، أو برائحة بعض النباتات فيه، أو بحركة حيوان مخصوص. ومِن علومهم : عِلم الاهتداء في البراري وهو : علم يُتعرف به أحوال الأمكنة مِن غير دلالة عليه بالأمارات المحسوسة دلالة ظاهرة أو خفية بقوة الشامة فقط لا يعرفها إلا مَن تدرب فيها كالاستدلال برائحة التراب، ومسامتة الكواكب الثابتة، ومنازل القمر. ومِن علومهم : العِلم بخَلق الإنسان، فمَن نظر في كتب العرب أدرك عظيم إلمامهم ومعرفتهم بكيفية تركيب أجزاء البدن وترتيبها.
ومِن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب (خَلق الإنسان ) للخطيب الإسكافي، فإن كتابه جَمَع فأوعى حيث اشتمل على ترتيب سِن الإنسان مِن حين ولادته إلى آخر عمره، وعلى أسماء أعضاء الإنسان مِن رأسه إلى أخمص قدميه. ومِن علومهم : عِلم الملاحة، وأهل المعرفة به مِن العرب مَن سكن سواحل بحر القلزم وبحر الهند وبحر فارس. وقد كانت للعرب متاجر في الهند والحبشة والروم ، فكانوا ممن تمس حوائجهم إلى ركوب البحر، ومعاناة سيره، والقيام بما يعين على ذلك وهو عِلم الملاحة. وكانت للعرب علوم باطلة كعلم العرافة، والكهانة، والعيافة، والزجر، والطرق بالحصى وغيرها. ( بتصرف عن كتاب بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب) للعلامة محمود شكري الألوسي.
بل أن تراجمهم للكتب من اللغات الأخرى يشوبها العيب والنقص، فقد نقدهم ابو الريحان البيروني بقوله” من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسي، كيف ذهب رونقه، وكسف باله، واسودّ وجهه، وزال الإنتفاع به “. (للمزيد راجع الصيدنه للبيروني). لذا يمكن الجزم بأن الحضارة الفارسية الحقيقية بدأت مع الفتح الإسلامي المبارك وإنهاء الديانة المجوسية، ولا يمكن أن ينكر لبيب بأن الفرس المسلمين لهم مساهمة إبداعية كبير في رفد الحضارة العربية الإسلامية بالمعارف والعلوم، فكانوا ركنا أساسيا في حضارته. وفي نفس الوقت كانت معظم الحركات الهدامة المعادية للعرب والإسلام فارسية الأصل أو المؤسس إبتداءا من فترة الدولة الأموية ولغاية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونفس الشيء يقال في الزندقة وحركات التصوف المنسوبة لأهل السنة كذبا وزورا، فهي حركة شعوبية أصولها فارسية. (للمزيد راجع كتابنا الصوفية والصفوية، خصائص وأهداف مشتركة).
يذكر لنا التاريخ أن يزدجر كسرى الفرس قال في مؤتمره الذي عقده في نهاوند، قولته الشهيرة ” اشغلوا عمر بن الخطاب في بلاده وعقر داره”، وهذا ما فعلوه فقد دخلوا الإسلام ليس إيمانا به، وإنما لغرض تدميره من الداخل، وهذه الحقيقة تتوضح يوما بعد آخر. حتى الكاتب الشعوبي المسعودي يصف بلاد فارس ” أما بلد فارس، فخضب الفضاء، رقيق الهواء، مُتراكم المياه، معتم بالأشجار، كثير الثمار، وفي أهلهِ شحٌّ، ولهُم خبّ، وغرائزهم سيئة، وهممهُم دنيئة، وفيهم مكر وخداع”. (مروج الذهب2/50).

5. التعامل الدوني مع العرب
قال الجاحظ” خطب كسرى من النعمان بن منذر بعض بناته فرغب بها عنه، حتّى كان ذلك سبب هربه وعلّة لقتله. فهل رأيت شاعرا في ذلك الزّمان مع كثرة الشعراء فيه، ومع افتخارهم بالذي كان منهم في يوم جلولى ويوم ذي قار، وفي وقائع المثنّى بن حارثة وسعد بن أبي وقّاص- النّعمان مع هذه المثالب كلّها قد رغب بنفسه عن مصاهرة كسرى، وهو من أنبه الأكاسرة. وكما كان أبرويز أعظم خطرا، كانت أنفته أفخر للعرب، وأدلّ على ما يدّعون من العلوّ في النسب وكان الأمر مشهودا ظاهرا، ومردّدا على الأسماع مستفيضا. فإذ قد تهيّأ أن يكون مثل هذا الأمر الجليل، والمفخر العظيم، والعرب أفخر الأمم، ومع ذلك قد أغفلوه”. (كتاب الحيوان4/443)
يتعامل الفرس مع العرب بإزدراء وعنجهية لحد الوقت الحاضر، وهذه النظرة قديمة ومتأصلة في فكرهم لا تغادره مطلقا. حتى وهو يعيشون من خيرات العرب والتزلف للخلفاء والملوك، مع هذا فإنهم يطعنون فيهم، أو على أقل تقدير يمجدون ملوكهم الفرس ودياناتهم الوثنية بكل وقاحة وصلافة.
قال أبو سعيد الرستمي:
بهاليل عــزّ من ذؤابة فارس إذا انتسبوا إلا من عرينة أو عكل
هم راضة الدّنيا وسادة أهلها إذا افتخروا لا راضة الشاء والإبل
(محاضرات الأدباء1/424).
وحول العلاقة الحالية بين العرب والفرس، ذكر المفكّر الإيراني والأستاذ بجامعة طهران صادق زيبا خلال مقابلتين أجراهما مع أسبوعية (صبح آزادي) الإيرانية، عن نظرة الإيرانيين الفرس تجاه العرب والشعوب الأخرى”أعتقد أن الكثير منا سواء أكان متديناً أو علمانياً يكره العرب. كما أن الكثير من العرب يكرهوننا أيضاً. يا للأسف أنا واثق من أن الكثير منا – نحن الإيرانيين- عنصريون، فلو نظرتم بإمعان إلى ثقافات الشعوب الأخرى تجاه سائر القوميات والشعوب والإثنيات وأخذتم ظاهرة النكت كمقياس لوجدتم أننا أكثر إساءة من خلال النكت، فانظروا كيف نسيء إلى الترك واللور، أعتقد أن الكثير من الإيرانيين يكرهون العرب، ولا فرق بين المتدين وغير المتدين في هذا المجال. وحول بداية النظرة الاستعلائية تجاه العرب قال زيبا ” منذ الحقبة الملكية كان الأمر على هذا المنوال، حيث كانت تسود إيران نظرة تحطّ من شأن العرب، وهي مستمرة إلى يومنا هذا، فأنا أريد أن أؤكد أكثر من ذلك، فأقول إن الدوافع من وراء تأسيس مجمع اللغة الفارسية كانت طرد الكلمات والمصطلحات العربية من الفارسية، وهذا يدل على حقدنا تجاه العرب”.
قارن بين قول زيبا الحالي، ورسالة يزجرد الثالث الى: عمر بن الخطاب خليفة المسلمين بإسم (آهورا مزدا/ خالق الحياة والحكمة) لتدرك بأن زمان ومكان الكراهية لم يتغيرا منذ عهد يزدجر الى الخامنئي.
” أنت في رسالتك كتبت أنك تريد إرشادنا الى ربك (الله أكبر) بدون أن تعرف حقيقة مَن نكون نحن وما نعبد. العجيب في الموضوع أنك جالس على كرسي خلافة العرب في حين أنّ مستوى فهمك (تفكيرك) هو مستوى فهم أي عربي من العوام. إنّ مستوى فهمك (تفكيرك) بالنسبة لنا هو مثل مستوى فهم رؤساء القبائل العربية المُشفَق عليهم. يا عُمر! أنت تدعوني الى عبادة إله الواحد الأحد من دون أن تعرف أن الفرس منذ آلاف السنين يعبدون إله الواحد الأحد ويسجدون لِربّهم في اليوم خمس مرات. العُرف والفن جزء من حياة الفرس منذ سنوات عديدة. عندما كنا نحن من صُنّاع العادات الفضيلة وحُسن الضيافة وحاملي راية (التفكير الحسن، القول الحسن، الفعل الحسن)، كنتم أنتم تأكلون السحلية والحشرات لأنه لم يكن لكم ما تاكلون غيرها، وكنتم تدفنون بناتكم البريئات. إن العرب لا يحترمون الإنسان، أنتم تذبحون مخلوقات الرب، بل حتّى أنكم تذبحون الأسرى وتعتدون على النساء وتدفنون بناتكم أحياءً وأنتم قطّاع طرق القوافل، تقتلون وتغنمون وتغتصبون أموال الناس. إن قلبكم من حجر. إننا نرفض كل هذه التصرفات الجنونية. كيف لكم أن تجدوا لنا إلهاً وأنتم تقومون بكل هذه الجرائم. أنت تقول لي بأن لا أسجد للنار! نحن نرى حب الخالق ونور الشمس في وهج النار. ان النور والنار تجعلاننا أن نرى شعاع الحقيقة والحق وأن نمنح قلوبنا الى الخالق لينوّرها ويساعدنا في أن نكون لطفاء مع بعضنا و نستنير كي يدوم الحب في قلوبنا الى الأبد. إنّ ربنا هو (آهورا مزدا) الذي أنتم الآن عرفتموه وسميتوه (الله أكبر)، ولكن نحن لسنا مثلكم. نحن نطوّر الحب بين البشر. نحن ننشر ونطوّر المحبة على الارض. منذ آلاف السنين ونحن نقوم بتطوير ثقافتنا وعاداتنا وفي نفس الوقت نحترم عادات وثقافات غيرنا، ولكنكم أنتم بإسم (الله) تُدمّرون و تنهبون على الأرض، تقتلوننا وتقتلون غيرنا وتأتون بالفقر والجوع، وبإسم الإله تخلقون الرعب والفقر. هل أنّ هذا الإله يأمركم بالقتل؟
وهل يأمركم بالتخريب و النهب؟
هل أنتم تبعية الإله (الله)، تقومون بإسمه بكل هذه التصرفات المشينة؟ أو بإسمه هربتم من الصحراء القاحلة وعن طريق غزواتكم ورؤس سيوفكم تعطون دروساً لِمحبة الله؟ نحن منذ آلاف السنين لنا ثقافتنا. قل لنا ما الذي سوف تُعلّموننا إياه عن طريق غزواتكم وإعتداءاتكم وقتلكم بإسم (الله أكبر)؟ ما الذي علّمتموه للمسلمين كي هم بِدورهم يعلّموا غيرهم؟ ما الذي تعلّمتموه أنتم كي تأتون الآن وتعلّمون به غيركم عن طريق الإكراه؟ مع الأسف كل الأسف، جيشنا الآن قد إنهزم أمام جيشكم. الآن يجب على الناس مواطنينا أن يسجدوا لهذا الإله الذي جاء إلينا من خلال سيوف العرب. أقترح عليك ان تجمع جيشك وترجعوا الى صحرائك، المكان الذي كنتم تعيشون فيه، المكان الذي لا توجد فيه ثقافة غير الخوف من النار (نار جهنم)، المكان الذي تحكمه القبائل و يأكلون (قمقموك) (هو نوع من الحشرات التي تعيش في الصحراء). أنا لا أقبل أن يعيش جيشك في بلادنا الخيّرة. الناس العرب الذين أتيتَ بهم لغرض القتل والنهب، لا تقبل منهم ان يقوموا بهذه الاعمال بإسم (الله). أُتركْ تصرفاتكم الإجرامية لأن الناس هنا يقبلون الإعتذار ويحسنون الضيافة. إنهم يزرعون بذورالصداقة أينما يذهبون. أنا أطلب منك ان تبقوا في الصحارى ولا تقتربوا من المدن الحضارية لأنّ معتقداتك رهيبة و همجية”.
وقال نظام الملك” يرْوى أَن الْملك يزدجرد أرسل إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ رَسُولا يَقُول: لَيْسَ فِي الْعَالم الْيَوْم مملكة أَكثر سكانا من مملكتنا وخزانة أعمر من خزانتنا وجيش اكثر من جيشنا، وَلَيْسَ لأحد من الة وعدة عندنا.
فَأَجَابَهُ عمر أجل إِن مملكتك مكتظة لَكِن بالمتظلمين وَإِن خزانتك مترعة لَكِن بِالْمَالِ الْحَرَام وَأَن جيشك كثير لكنه شاق عَصا الطَّاعَة وَإِذا مَا دالت الدولة فَإِن الالة وَالْعدة لَا يغنيان فتيلا ان فِي هَذَا كُله لدليلا على انحطاط دولتكم وَقرب زَوَال ملككم وَهَكَذَا كَانَ”. (سياست نامة/295).
قال ابو حنيفة الدينوري” ان يزدجرد الملك كتب الى رستم يأمره بمناجزه العرب، فزحف رستم بجنوده وعساكره حتى وافى القادسية، فعسكر على ميل من معسكر المسلمين، وجرت الرسل فيما بينه وبين سعد شهرا، ثم ارسل الى سعد: ان ابعث إلي من أصحابك رجلا، له فهم وعقل وعلم، لأكلمه، فبعث اليه بالمغيره بن شعبه، فلما دخل عليه قال له رستم: ان الله قد اعظم لنا السلطان، وأظهرنا على الأمم، واخضع لنا الأقاليم، وذلل لنا اهل الارضين، ولم يكن في الارض أمه اصغر قدرا عندنا منكم، لأنكم اهل قله وذله وارض جدبه، ومعيشة ضنك، فما حملكم على تخطيكم الى بلادنا؟ فان كان ذلك من قحط نزل بكم، فانا نوسعكم ونفضل عليكم، فارجعوا الى بلادكم.
فقال له المغيره: اما ما ذكرت من عظيم سلطانكم، ورفاهه عيشكم، وظهوركم على الأمم، وما أوتيتم من رفيع الشان، فنحن كل ذلك عارفون، وساخبرك عن حالنا: ان الله وله الحمد، أنزلنا بقفار من الارض، مع الماء النزر، والعيش القشف يأكل قوينا ضعيفنا، ونقطع أرحامنا، ونقتل أولادنا خشيه الاملاق، ونعبد الأوثان، فبينا نحن كذلك بعث الله فينا نبيا، من صميمنا واكرم ارومه فينا، وامره ان يدعو الناس الى شهاده ان لا اله الا الله، وان نعمل بكتاب انزله إلينا، فآمنا به، وصدقناه، فأمرنا ان ندعو الناس الى ما امره الله به، فمن أجابنا كان له ما لنا، وعليه ما علينا، ومن ابى ذلك سالناه الجزية عن يد، فمن ابى جاهدناه، وانا ادعوك الى مثل ذلك، فان أبيت فالسيف. وضرب يده مشيرا بها الى قائم سيفه. فلما سمع ذلك رستم تعاظمه ما استقبله به، واغتاظ منه، فقال: والشمس، لا يرتفع الضحى غدا حتى اقتلكم اجمعين فانصرف المغيره الى سعد، فاخبره بما جرى بينهما، وقال لسعد استعد للحرب، فامر الناس بالتهيؤ والاستعداد”. (الاخبار الطوال/121).
الحقيقة انه لا فرق مطلقا! نفس النظرة الإستعلائية الموجهة فقط للعرب منذ اكثر من 14 قرنا! الفرس يعتبروا الحروب حضارة! وان كانوا يعتقدون ان حدودهم السابقة مصدر فخر لهم وعنوان حضارتهم، فأن الأسكندر المقدوني والدولة العثمانية كان لهما ما يضاهي حدود الدولة الفارسية. ولا أحد يذكر امبراطورية عثمانية ولا امبراطورية مقدونية، ولم يتسم الأسكندر المقدوني ولا آل عثمان بلقب امبراطور ولا شاهنشاه (ملك الملوك).
كما أمطر الشاعر الإيراني (مصطفى بادكوبه ئي) العرب بوابل من الشتائم والعبارات المسيئة في مقطوعة شعرية تحت عنوان (اترك الحج) نشرها موقع (مشكين سلام)، زعم فيها أن الله ليس في كعبة العرب، وأنه إذا كنت إنساناً، فلا تذهب إلى الحج، وطالب الشعب الإيراني أن يترك الحج ويحول قلبه إلى بيت الله الطاهر، في إشارة غير مباشرة إلى عدم طهارة الكعبة على حد زعمه. (تحقق أمله على يد الخامنئي عام 2016). وأضاف بادكوبة ئي، اترك هذا الجهل والكسل، ولا تدعم الشيخ السعودي، أن الله ليس في كعبة العرب. أن طلب الرّب ليس اللعب مع الله، طَهِّر قلبك لترى الحق، وانضم إلى الحق بكل وجودك، هل سلب الشيخ (السعودي) عزتك؟ هل اقتادك إلى قصر جهله؟ أصبح الشعب الإيراني أسير الفقر والجهل. ويعتز العرب بدولاراتهم، ويتحرشون باولادكم. وإذا كنت إنساناً ومن الأصل (العرق) الإيراني، يجب عليك أن تترك الحج! الله ليس سجين العرب، ولا يُحصر الله بالجمل والرطب (التمر الطازج). وأنت من الأصل (العرق) الإيراني، عار علي! هل ليس لديك شيء من عزة النفس؟ عار علي. خذني يا اللهي إلى أسفل السافلين !أيها الاله العربي شريطة ألا أجد عربيا هناك. أنا لست بحاجة لجنة الفردوس لأنني وليد الحب فجنة حور العين والغلمان هدية للعرب،ألم تقل أنت إن الأعراب أشد كفرا ونفاقا؟ فلماذا يثني السفهاء على العرب؟”. وبعدها أنتشرت الأغنية الإيرانية (كش عرب/ قاتل العرب) وهي أغنية مرخصة قانونا، حاولت وزارة الثقافة الإيرانية في البداية إنكارها والتنصل منها، لكن شيوعها وإنتشارها أفشل محاولتها. أتخذ المغني إسما مستعارا (بهزاد بكس) وهاجم العرب بشدة، ودعوا إلى فرض حظر عليهم، والحج إلى إيران بدلا من الكعبة في مكة المكرمة. وللأغنية مدلولات مجوسية واضحة، مجد فيها الملك الفارسي قوروش. تقول الأغنبية إن “لقوروش جيش في كل مكان، هذه هي إيران يا أيها الحمقى، هذا هو جيش قوروش”.
في كتابهم المقدس الشاهنامة توجد الكثير من مثالب العرب يقابلها الإشادة بملوك المجوسية والزرادشتية، وهم يصفون العرب بآكلي الضب والجرذان ويسبون أعراضهم. قال ابن خلدون عن كتبهم ” قال علماء الفرس: إن زرادشت جاء بكتاب ادّعاه وحيا، كتب في اثني عشر ألف بعده نقشا بالذهب، وأن كيستاسب وضع ذلك في هيكل بإصطخر ووكّل به الهرابذة ومنع من تعليمه العامّة. قال المسعودي: ويسمى ذلك الكتاب نسناه وهو كتاب الزمزمة، ويدور على ستين حرفا من حروف المعجم. وفسّره زرادشت وسمّى تفسيره زند، ثم فسّر التفسير ثانيا وسمّاه زنديّه، وهذه اللفظة هي التي عربتها العرب زنديق. وأقسام هذا الكتاب عندهم ثلاثة: قسم في أخبار الأمم الماضية، وقسم في حدثان المستقبل، وقسم في نواميسهم وشرائعهم مثل أنّ المشرق قبلة وأن الصلوات في الطلوع والزوال والغروب وأنها ذات سجدات ودعوات. وجدّد لهم زرادشت بيوت النيران التي كان منوشهر أخمدها، ورتب لهم عيدين: النيروز في الاعتدال الربيعيّ والمهرجان في الاعتدال الخريفي، وأمثال ذلك من نواميسهم”. (تأريخ ابن خلدون2/190). قال ابو هلال العسكري” عاب بعض الشعوبية العرب باتخاذ الثريد وقال: لابد أن يفضل من العرب اذا أكلوا فضلة مرق تجعل لمسكين قال: فأرادت العرب ألا يبطل عليهم ذلك فثردوا فيه قال: وليس من طعام العجم. واحتج بما أخبرنا به أبو أحمد بن الحسين بن عبد الله ابن سعيد عن الجلودى عن محمد بن زكريا عن محمد بن عبيد الله بن محمد بن على قال: قال حصين لفيروز أحب أن أتغذى عندك، قال: فما تشتهى؟ قال: ثريدا: قال: انى أكره أن أضع على مائدتى طعام الكلاب ولكنى أتحمل ذلك لك. وعلق ابو هلال على المسألة بقوله ” قال أبو هلال:- أيده الله تعالى-: لو كان الثريد طعاما خبيثا مكروها لكان ما يقال فيه شائعا، فأما وهو طعام مشتهى طيب فلا اعتراض على العرب فى اتخاذ طعام طيب، وليس ترك العجم اياه قدحا فيه فكم من شىء مختار قد تركته العجم غفلة عنه أو جهلا به، وليس ثردهم فى المرق يدل على أنهم أرادوا منع ما يفضل منه”. (الأوائل/25). لاحظ كيف أطلق على العجم لفظة الشعوبية!
وقد ردُ التوحيدي على مثالبهم للعرب بطريقة مثيرة.
قال ابو حيان التوحيدي” إنّي لأعجب كثيرا ممّن يرجع إلى فضل واسع، وعلم جامع، وعقل سديد، وأدب كثير، إذا أبى هذا الذي وصفته، وأنكر ما ذكرته، وأعجب أيضا فضل عجب من الجيهانيّ في كتابه وهو يسبّ العرب، ويتناول أعراضها ويحطّ من أقدارها، ويقول: يأكلون اليرابيع والضّباب والجرذان والحيّات ويتغاورون ويتساورون، ويتهاجون ويتفاحشون، وكأنّهم قد سلخوا من فضائل البشر، ولبسوا أهب الخنازير وقال: ولهذا كان كسرى يسمّي ملك العرب: (سكان شاه)، أي ملك الكلاب. قال: وهذا لشدّة شبههم بالكلاب وجرائها، والذئاب وأطلائه”. (الإمتاع والمؤانسة/74).
وأضاف التوحيدي” أعجب من الجيهانيّ في كتابه وهو يسبّ العرب، ويتناول أعراضها ويحطّ من أقدارها، ويقول: يأكلون اليرابيع والضّباب والجرذان والحيّات ويتغاورون ويتساورون، ويتهاجون ويتفاحشون، وكأنّهم قد سلخوا من فضائل البشر، ولبسوا أهب الخنازير. ولهذا كان كسرى يسمّي ملك العرب:سكان شاه أي ملك الكلاب لشدّة شبههم بالكلاب وجرائها، والذئاب وأطلائها. أترى أنوشروان إذا وقع إلى فيافي بني أسد وبرّوسفوح طيبة، ورمل يبرين وساحة هبير، وجاع وعطش وعري، أما كان يأكل اليربوع والجرذان، وما كان يشرب بول الجمل وماء البئر، وما أسن في تلك الوهدات؟ أو ما كان يلبس البرجد والخميصة والسّمل من الثياب وما هو دونه وأخشن؟ بلى والله، ويأكل حشرات الأرض ونبات الجبال، وكلّ ما حمض ومرّ، وخبث وضرّ، هذا جهل من قائله، وحيف من منتحله، على أن العرب أحسن الناس حالا وعيشا إذا جادتهم السماء، وصدقتهم الأنواء، وازدانت الأرض، فهدّلت الثمار، واطّردت الأودية، وكثر اللّبن والأقط والجبن واللّحم والرّطب والتّمر والقمح، وقامت لهم الأسواق، وطابت المرابع وفشا الخصب، وتوالى النّتاج، واتّصلت الميرة، وصدق المصاب وأرفغ المنتجع، وتلاقت القبائل على المحاضر، وتقاولوا وتضايفوا، وتعاقدوا وتعاهدوا، وتزاوروا وتناشدوا، وعقدوا الذّمم، ونطقوا بالحكم، وقروا الطّرّاق، ووصلوا العفاة، وزوّدوا السابلة، وأرشدوا الضّلّال، وقاموا بالحمالات، وفكّوا الأسرى، وتداعوا الجفلى، وتعافوا النّقرى، وتنافسوا في أفعال المعروف”. (الإمتاع والمؤانسة1/75).
وإنتهى بالقول” فليستحي الجيهاني بعد هذا البيان والكشف والإيضاح، بالإنصاف من القذع والسّفه اللّذين حشا بهما كتابه، وليرفع نفسه عما يشين العقل، ولا تقبله حكّام العدل، وصاحب العلم الرصين، والأدب المكين، لا يسلّط خصمه على عرضه بلسانه، ولا يستدعي مرّ الجواب بتعرضه ويرضى بالميسور في غالب أمره، فإنّ العصبيّة في الحق ربّما خذلت صاحبها وأسلمته، وأبدت عورته، واجتلبت مساءته، فكيف إذا كانت في الباطل”. (الإمتاع والمؤانسة1/77).
كما قال الجيهانيّ” ممّا يدل على شرفنا وتقدّمنا وعزّنا وعلوّ مكاننا، أنّ الله أفاض علينا النّعم، ووسّع لدينا القسم وبوّأنا الجنان والأرياف، ونعّمنا وأترفنا. ولم يفعل هذا بالعرب، بل أشقاهم وعذّبهم، وضيّق عليهم وحرمهم، وجمعهم في جزيرة حرجة، ورقعة صغيرة، وسقاهم بأرنق ضاح، وبهذا يعلم أنّ المخصوص بالنعمة والمقصود بالكرامة فوق المقصود بالإهانة”. (الإمتاع والمؤانسة1/78).
قال الجيهانيّ أيضا: ليس للعرب كتاب إقليدس ولا المجسطيّ ولا الموسيقي ولا كتاب الفلاحة، ولا الطّبّ ولا العلاج، ولا ما يجري في مصالح الأبدان، ويدخل في خواصّ الأنفس”. (الإمتاع والمؤانسة1/79). الطريف ان يعير العرب ليس بعلومه الفارسية، وانما علوم اليونان! لذا رد عليه التوحيدي ” قال الجيهانيّ أيضا: ليس للعرب كتاب إقليدس ولا المجسطيّ ولا الموسيقي ولا كتاب الفلاحة، ولا الطّبّ ولا العلاج، ولا ما يجري في مصالح الأبدان، ويدخل في خواصّ الأنفس. فليعلم الجيهانيّ أنّ هذا كلّه لهم بنوع إلهيّ لا بنوع بشريّ، كما أنّ هذا كلّه لغيرهم بنوع بشريّ لا بنوع إلهيّ، وأعنى بالإلهيّ والبشريّ الطّباعيّ والصناعيّ، على أن إلهيّ هؤلاء قد مازجه بشريّ هؤلاء، وبشريّ هؤلاء قد شابه إلهيّ هؤلاء، ولو علم هذا الزاري لعلم أن المجسطي وما ذكره ليس للفرس أيضا، وما عندي أنّه مكابر فيدّعي هذا لهم. فإن قال: هو لليونان، ويونان من العجم، والفرس من العجم، فأنا أخرج هذه الفضيلة من العجم إلى العجم فهذا منه حيف على نفسه، وشهادة على نقصه، لأنّه لو فاخر يونان لم يستطع أن يدّعي هذا للفرس، ولا يمكنه أن يقول: نحن أيضا عجم، وفضيلتكم في هذه الكتب والصناعة متّصلة بنا، وراجعة إلينا. ومتى قال جبه بالمكروه وقوبل بالقذع”. (الإمتاع والمؤانسة/79).
وذكرالقزويني”حكي أن الشيخ قطب الدين أستاذ الغزالي اجتاز على قبر الفردوسي مع أصحابه، فقال بعضهم: نزور الفردوسي!
فقال الشيخ: دعه فإنه صرف عمره في مدح المجوس، فرأى ذلك القائل الفردوسي في نومه يقول له: قل للشيخ لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق، وكان الانسان قتوراً “. (آثار البلاد وأخبار العباد1/417).
قال ابن الجوزي” وصف لشاعر طيب خُرَاسَان فَلَمَّا سَافر إِلَيْهَا لم تعجبه فَقَالَ:
تمينا خراسانا زَمَانا فَلم نعط المنى وَالصَّبْر عَنْهَا
فَلَمَّا أَن أتيناها سرَاعًا وجدناها بِحَذْف النّصْف مِنْهَا (الأذكياء/157).

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/5
علي الكاش

أ. مسألة الثلج والماء البارد
من جملة ما تضمنه كتاب الشاهنامة في الإساءة إلى العرب” من شرب لبن الإبل وأكل الضب بلغ الأمر بالعرب مبلغا. أن يطمحوا في تاج الملك فتبا لك أيها الزمان وسحقا”. وأيضا” الكلب في أصفهان يشرب ماء الثلج، والعربي يأكل الجراد في الصحراء”. كما قال ناصر خسرو” هذِه الصَّحرَاء من مصر إِلَى الْحَبَشَة وَذَلِكَ من الشمَال إِلَى الْجنُوب وعرضها من بِلَاد النّوبَة حَتَّى بَحر القلزم وَذَلِكَ من الغرب إِلَى الشرق وَيُقِيم بهَا البجة وهم لَيْسُوا أشرار فهم لَا يسرقون وَلَا يغيرون بل يشتغلون بتربية ماشيتهم وَيسْرق الْمُسلمُونَ وَغَيرهم أَبْنَاءَهُم ويحملونهم إِلَى المدن الإسلامية ليبيعوهم فِيهَا”. (السفرنامة/118). ويضيف ناصر خسرو” في الحسا (الاحساء) تبَاع لُحُوم الْحَيَوَانَات كلهَا من قطط وكلاب وحمير وبقر وخراف وَغَيرهَا وتوضع رَأس الْحَيَوَان وَجلده بِقرب لَحْمه ليعرف المُشْتَرِي مَاذَا يَشْتَرِي وهم يسمنون الْكلاب هُنَاكَ كَمَا تعلف الخراف حَتَّى لَا تَسْتَطِيع الْحَرَكَة من سمنها ثمَّ يذبحونها ويبيعون لَحمهَا”. (السفرنامة/144). وبهذا المعنى أنشد الموبذ:
أنا ابن المكارم من آل جـم وطالب إرث ملوك العجــم
لنا علم الكابيان الــــــــذي به نرتجي أن نسود الأمـــم
فقل لبني هاشـــم أجمعيـن هلمّوا إلى الخلع قبل النّــدم
وعودوا إلى أرضكم بالحجاز وأكل الضّباع ورعي الغنم
فإنّي لأعلو سرير الملوك بحدّ الحسام ورأس القلـــــم (محاضرات الأدباء1/424).
لنقرأ أولا ما يقوله ناصر خسرو في رحلته عن مصر وموضوع الثلج والماء المثلج الذي يتفاخرون بشربه، ذكر خسرو” مطبخ السُّلْطَان خَارج الْقصر وَيعْمل فِيهِ دَائِما خَمْسُونَ غُلَاما ويصل الْقصر بالمطبخ طَرِيق تَحت الأَرْض وَجَرت الْعَادة فِي مصر أَن يحمل إِلَى دَار الشَّرَاب السُّلْطَانِيَّة (شرابخانة) كل يَوْم أَرْبَعَة عشر حملا من الثَّلج وَكَانَ لمعظم الْأُمَرَاء والخواص راتب من هَذَا الثَّلج وَيصرف مِنْهُ لمن يَطْلُبهُ من مرضى الْمَدِينَة وَكَذَلِكَ كل من يطْلب من أَهلهَا مشروبا أَو دَوَاء من الْحرم السلطاني فَإِنَّهُ يعطاه”. (السفرنامة/108). وقال الحصري” كان خالد يستبرد، فبعث بعض الظرفاء غلامه يشترى له خمسة أرطال ثلج، فأتاه بخالد وقال: يا مولاى، طلبت خمسة أرطال، وهذا حمل! وتغنّى بحضرة محموم، فقال: ويحك! دعنا نعرق”. ( زهر الآداب2/487).
ذكر الغزولي” كان أبو جعفر مسلم وأبو الفضل جعفر بن الفضل الوزير عند كافور عشية صيف ولم يكن عنده غيرهما فقال لهما قد اشتد الحر وللثلج أيام ما جاءنا من الشام وما كان كافور يذوق الثلج وغنما كانت الكيزان توضع عليه فيشرب منها وبهذا سلم من ضرر الثلج فبينما هم كذلك إذا خبر بمجيء الثلج فقال هاتوا ثلاث كيزان فجاءوا بها فأخذ كافور كوزاً فشربه واخذ أبو الفضل كوزاً وشربه وأخذ أبو جعفر كوزاً وقام فخرج من المجلس وشربه ثم عاد وأكب على يد كافور ثم قعد أبو جعفر ساعة وانصرف وأراد أبو الفضل أن ينصرف فشاغله كافور ثم قال هاتوا أبا اليمن فجاء فقال زد في جزاءة الشريف أبي جعفر ألف دينار في كل عام وإنما اجلس أبا الفضل ليريه مكافأته لأبي جعفر عن حسن أدبه معه في شرب الماء”.(مطالع البدور ومنازل السرور/177).
كما قال الصولي” اشتدت علة إبراهيم بن المهدي في شهر رمضان من سنة أربع وعشرين ومائتين، وجعل يشرب الماء فلا يروى، ووجه إلى المعتصم يطلب ثلجاً، وكان قد عز وجوده في ذلك الوقت، فأمر أن تصرف وظائف الثلج كلها إليه، فلما مات ركب المعتصم وصلى عليه، وكبر خمسا، وانصرف قبل أن يدلى في قبره، وتقدم إلى هارون الواثق أن يتولى ذلك، ويقف إلى أن يجن، ففعل كارها وانصرف.”. (أشعار اولاد الخلفاء/49).
وذكر التنوخي” حدّثنا أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ الكاتب، قال: حدّثني ابن سليمان الثلّاج قال: قال لي أبي:كان أصل نعمتي من ثمن خمسة أرطال ثلجا، وذلك أنّه عزّ الثلج في بعض السنين ببغداد، وقلّ، وكان عندي منه شيء بعته، وبقي منه خمسة أرطال. فاعتلّت شاجي جارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وهو إذ ذاك أمير بغداد، فطلبت منه ثلجا، فلم يوجد إلّا عندي. فجاؤوني، فقلت: ما عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلّا بخمسة آلاف درهم، وكنت قد عرفت الصورة.
فلم يجسر الوكيل على شراء ذلك، ورجع يستأذن عبيد الله، وكانت شاجي بمنزلة روحه، وهي تتضوّر على الثلج، وتلحّ في طلبه. فشتمه عبيد الله، وقال: امض واشتره بأيّ ثمن كان ولا تراجعني. فجاءني، فقال: خذ خمسة آلاف درهم، وهات الرطل.
فقلت: لا أبيعك إيّاه إلّا بعشرة آلاف درهم، فلم يجسر على الرجوع للاستئذان، فأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ الرطل”. (نشوار المحاضرة 1/125).
وذكر الخطيب البغدادي ” أخبرني الحسين بن علي الصيمري حدثنا محمد بن عمران المرزباني أخبرني محمد بن يحيى حدثنا أبو العيناء قال سمعت أحمد بن أبي داود يقول يعجبني قول المأمون إذا رفع الطعام من بين يديه الحمد لله الذي جعل أرزاقنا أكثر من أقواتنا، وقوله عند شرب الماء البارد شرب الماء بالثلج إلى اخلاص الحمد”. (تأريخ بغداد10/188).
كما قال ابن الجوزي” حدّثني التنوخي، قال: قال لنا ابن الثلّاج: ما باع أحمد من سلفنا ثلجا قط، وإنما كانوا بحلوان، وكان جدي مترفا، فكان يجمع له في كل سنة ثلج كثير لنفسه. فاجتاز الموفّق، أو غيره من الخلفاء، فطلب ثلجا، فلم يوجد إلّا عند جدي، وأهدى إليه منه، فوقع منه موقعا لطيفا، وطلبه منه أياما كثيرة، طول مقامه، وكان يحمله إليه. فقال: اطلبوا عبد الله الثلاج، واطلبوا ثلجا من عند عبد الله الثلّاج، فعرف بالثلاج، وغلب عليه”. (المنتظم 7/192).
الأطرف منه توجد في بلاد العرب أسواق للثلج، فقد لقِي الْمبرد برد الْخِيَار فِي سوق الثَّلج، فِي كانون الثَّانِي فَسَأَلَهُ عَن قَوْلهم: ثلج صَدره، أَو ثلج”. (نثر الدر في المحاضرات7/105). قال الآبي” اجتاز بِابْن خلف الهمذاني رجل يَبِيع الثَّلج فَقَالَ: أرنا مَا مَعَك؟ فَكسر لَهُ قِطْعَة ثلج وناوله.
فَقَالَ أُرِيد أبرد من هَذَا.
فَكسر لَهُ من الْجَانِب الآخر.
فَقَالَ: نعم، هَذَا أبرد، فَكيف سعر هَذَا وسعر ذَاك؟
فَقَالَ: هَذَا رَطْل بدرهم، وَمن الأول رَطْل وَنصف بدرهم. فَقَالَ: أحسن حَتَّى نَأْخُذ من هَذَا لنا، وَمن ذَاك للحاشية”. (نثر الدر في المحاضرات7/196). وذكر الزمخشري” قال المأمون: في الماء البارد ثلاث: يلذ، ويهضم، ويخلص الحمد. وكان يقول:شرب الماء بالثلج أدعى إلى إخلاص الحمد. وكان الصاحب يقول عند شرب الماء الجمد:
قعقعة الثلج بماء عذب تستخرج الحمد من أقصى القلب
( ربيع الأبرار1/187).
ـ قال أبُو طَالب عبد السَّلَام بن الْحُسَيْن المأموني في الحمام ومحتوياته فِي مَاء مثلج:
ورائق مثل الْهَوَاء صافي بَات بِثَوْب القر ذِي التحاف
حَتَّى نفى عَنهُ القذاة نافي فرق حَتَّى صَار كالسلاف
أسْرع فِي الْجِسْم من العوافي فِيهِ الجليد راسب وطافي
كَأَنَّهُ ودائع الأصداف
وَله فِي كأس جلاب:
وكأس جلاب بهَا يطفي اللهب يقْضِي بهَا عِنْد الْخمار مَا وَجب
كَأَنَّهَا الْفضة شيبت بِالذَّهَب تشابه الجليد فِيهَا والحبب
حسبته درا من الْمسك انسرب فبعضه طَاف وَبَعض قد رسب
كَأَنَّمَا المخوض فِيهَا يضطرب حوت يغوص تَارَة ثمَّ يشب
وفيهَا ايضا:
وكأس من الْجلاب أطفأ بردهَا سعير خمار الكأس عِنْد التهابه
وَكَانَت كبرد الْعدْل عِنْد طلابه وعود وصال الْحبّ بعد ذَهَابه
(يتيمة الدهر4/200). فهل هناك شعر فارسي بهذه الروعة عن الثلج؟
إن مسألة الثلج ذات علاقة بالطبيعة، فكلاب العرب في الشتاء أيضا تشرب الماء البارد، وما تجود به الطبيعة لا فخر للإنسان فيه ولا عار على غيره. اليوم مثلا في دول أوربا الشمالية يستمر نزول الثلج عدة أشهر في السنة، في حين تعاني الدول الحارة من صيف لاهب، فهل يتفاخر ألأوربيون على سكان الدول الحارة بأنهم يشربون الماء البارد؟
قال القاضي نكري هو فارسي” الثَّلج: بِالْفَارِسِيَّةِ (برف) . وَسبب حُدُوثه أَن الْبرد الْقوي إِذا يصل إِلَى أَجزَاء قبل اجتماعها ينزل السَّحَاب حَال كَونه ثلجا وَإِن وصل بعد اجتماعها ينزل السَّحَاب حَال كَونه بردا بِفَتْح الرَّاء الْمُهْملَة. وَسبب وُصُول الْبُرُودَة بالسحاب أَن السَّحَاب هُوَ البخار الصاعد إِذا يصل إِلَى الطَّبَقَة الثَّالِثَة من الْهَوَاء الَّتِي يُسمى طبقَة زمهريرية يتكاثف بكسب الْبُرُودَة من تِلْكَ الطَّبَقَة فَإِن لم يكن الْبرد قَوِيا اجْتمع ذَلِك البخار وتقاطر للثقل الْحَاصِل من التكاثف والإنجماد. وَإِنَّمَا قُلْنَا للثقل لِأَنَّهُ إِذا صَار ثقيلا يكون متحركا وَفِي الْحَرَكَة حرارة فبسبب الْحَرَارَة يكون متقاطرا وَإِن كَانَ الْبرد قَوِيا فقد علمت تَفْصِيله الْآن. وَإِذا لم يصل البخار إِلَى الطَّبَقَة الزمهريرية لقلَّة حرارته الْمُوجبَة للصعود فَإِن كَانَ البخار كثيرا فقد ينْعَقد سحابا ماطرا أَيْضا إِذا أَصَابَهُ برد”. (دستور العلماء1/257).
وذكر ابو الفداء” وفيه في العشر الأوسط من آذار746 هـ جرية وقع بحلب وبلادها ثلج عظيم، وتكرر، أغاث الله به البلاد، واطمأنت به قلوب العباد، وجاء عقيب غلاء أسعار، وقلة أمطار. قلت:
ثلج بآذار أم الكافور في مزاجه ولونه والمطعم
لولاه سالت بالغلاء دماؤنا من عادة الكافور إمساك الدم (المختصر في أخبار البشر4/151)
الأروع منه ما ذكره الثعالبي” يضربون الْمثل فى زَمَاننَا هَذَا بعام جميلَة وهى الموصلية بنت نَاصِر الدولة أَبى مُحَمَّد بن حمدَان أُخْت أَبى تغلب فَإِنَّهَا حجت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلثمائة وأبانت من الْمُرُوءَة وَفرقت من الْأَمْوَال وأظهرت من المحاسن ونشرت من المكارم مَالا يُوصف بعضه عَن زبيدة وَعَن غَيرهَا مِمَّن حجت من بَنَات الْخُلَفَاء والملوك. وأخبرنى الثِّقَات أَنَّهَا سقت جَمِيع أهل الْمَوْسِم السويق بالسكر الطبرزد والثلح وَكَانَت استصحبت الْبُقُول المزروعة فى مراكن الخزف على الْجمال وأعدت خَمْسمِائَة رَاحِلَة للمنقطعين من رجالة الْحَج وَنَثَرت على الْكَعْبَة عشرَة آلَاف دِينَار وَلم تستصبح فِيهَا إِلَّا بشموع العنبر وأعتقت ثلثمِائة عبد ومائتى جَارِيَة وأغنت الْفُقَرَاء والمجاورين بالصلات الجزيلة فَصَارَت حجتها تَارِيخا مَذْكُورا وَصَارَت مثلا مَشْهُورا”. (ثمار القلوب/205).
ذكر ابن تغري عن حوادث سنة 361هـ ” فيها وزر ببغداد أبو طاهر بن بقيّة ولقّب بالناصح، وكان سمحا كريما، له راتب كلّ يوم من الثلج ألف رطل، وراتبه من الشّمع في كلّ شهر ألف منّ؛ وكان أبو طاهر من صغار الكتّاب يكتب على المطبخ لمعزّ الدولة؛ فآل الأمر إلى الوزارة. فقال الناس: من الغضارة إلى الوزارة! وكان كريما فغطّى كرمه عيوبه”. (النجوم الزاهرة4/66). وتحدث عن حوادث سنة 366هـ ” فيها حجّ بالناس أبو عبد الله أحمد بن أبى الحسين العلوىّ. وحجّت في السنة جميلة بنت ناصر الدولة بن حمدان، ومعها أخواها إبراهيم وهبة الله حجّة ضرب بها المثل، وفرّقت أموالا عظيمة؛ منها أنّها لمّا رأت الكعبة نثرت عليها عشرة آلاف دينار، وسقت جميع أهل الموسم السّويق بالسكر والثّلج”. (النجوم الزاهرة4/126).
كما ذكر الطبري” حمل محمد بن سليمان الثلج للمهدي، حتى وافى مكة، فكان المهدي أول من حمل له الثلج من الخلفاء إلى مكة”. (تأريخ الطبري8/124). (المنتظم8/239).
ذكر ابن الجوزي” عن أبي سليمان بن الثلاج، قال: قال أبي: كان أصل نعمتي من ثمن خمسة أرطال ثلج، و ذلك أنه عز الثلج في بعض السنين ببغداد، وكان عندي منه شي‌ء فبعته وبقي‌ عندي منه خمسة أرطال، فاعتلت جارية لعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر كانت روحه من الدنيا، وهو إذ ذاك أمير بغداد فطلبت ثلجا، فنفذ إلي فقلت: ما عندي إلا رطل واحد فلا أبيعه إلا بخمسة آلاف درهم، وكنت قد عرفت الحال فلم يجسر الوكيل على شراء ذلك ورجع يستأذن عبيد اللَّه، فشتمه عبيد اللَّه وقال: اشتره بأي ثمن كان ولا تراجعني، فجاءني وقال: خذ خمسة آلاف درهم وهات الرطل، فقلت: لا أبيعك إلا بعشرة آلاف درهم! فلم يتجاسر على المراجعة وأعطاني عشرة آلاف درهم‌ وأخذ الرطل فسقيت به المريضة و قويت نفسها، وقالت: أريد رطلا آخر، فجاءني الوكيل بعشرة آلاف درهم، وقال: هات‌ رطلا آخر، فبعته، فلما شربته العليلة تماثلت وطلبت الزيادة، فجاءوا يلتمسون ذلك، فقلت: ما بقي عندي إلا رطل، ولا أبيعه إلا بزيادة فداراني‌ وأعطاني عشرة آلاف درهم، ثم أحببت لأشرب أنا منه لأقول اني شربت ثلجا يساوي الرطل منه عشرة آلاف درهم، فشربت منه رطلا وجاءني الوكيل قرب السحر، فقال: اللَّه اللَّه‌ قد واللَّه صلحت الجارية فإن كان عندك منه شي‌ء فاحتكم في بيعه، فقلت: واللَّه ما عندي إلا رطل واحد ولا أبيعه إلا بثلاثين ألفا، فقال: خذ، فاستحييت من اللَّه أن أبيع رطل ثلج بثلاثين ألفا فقلت: هات عشرين، وأعلم أنك إن جئتني بعدها بمل‌ء الأرض ذهبا لا تجد عندي شيئا فأعطاني، فلما شربته أفاقت‌ فأكلت الطعام، و تصدق عبيد اللَّه بمال عظيم، قال ودعاني من الغد، وقال: أنت بعد اللَّه عز وجل‌ رددت حياتي‌ بحياة جاريتي فاحتكم، فقلت: أنا خادم الأمير وعبده فاستخدمني في شرابه و ثلجه و كثير من أمر داره، فكانت تلك الدراهم أصل نعمتي، وتوفي عبيد اللَّه في شوال هذه السنة”. (المنتظم13/138).

ب. مسألة أكل الجراد والضب
اولا : أكل الجراد
ذكر ابن منظور وَفِي الْحَدِيثِ:أَن النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّ مَرْيم ابْنَةَ عِمْرانَ سأَلت رَبَّهَا أَنْ يُطْعِمَها لَحْمًا لَا دَمَ فِيهِ فأَطْعَمها الْجَرَادَ”. (لسان العرب6/190).
قال ابو حيان:
يا سائلي عن أصفهان وأهلها حكم الزمان بنحسهم وخرابها
شبانها ككهولها، وكهولهـــا كشيوخها، وشيوخها ككلابها
هي بلدتي ولكني فارقته،ـــا طفلا، فلن أعبق بلؤم ترابها (الرسالة البغدادية/90).
لماذا يهزأ الفرس من قول النبي (ص)؟
ـ ذكر الدميري” قوله صلى الله عليه وسلم: أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال “. (حياة الحيوان الكبرى1/304). وقال الخطيب البغدادي” حدثنا عبيدة حدثنا واقد بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم سمن وأقط وضب فاكل من السمن والاقط ثم قال للضب ان هذا الشئ ما اكلته قط فمن شاء ان يأكله فليأكل فاكل على خوانه “. (تأريخ بغداد5/149).
كما ذكر الدميري” في التمهيد لابن عبد البر، عن جماعة من أهل الأخبار أن مدنيا سأل أعرابيا فقال: أتأكلون الضب؟ قال:نعم. قال: فاليربوع؟ قال: نعم. قال: فالقنفذ؟ قال: نعم. قال: فالورل؟ قال: نعم. قال: أفتأكلون أم حبين؟ قال: لا. قال: فليهنىء أم حبين العافية انتهى.
والجواب أن هذا راجع لما اعتادوا أكله وترك أكله، خاصة لا أنها حرام على أنه لم يثبت ذلك”. (حياة الحيوان الكبرى1/405).
الطريف في الأمرانه الجراد كان طعاما للفرس أيضا يأكلونه مملحا، قال الحميري” السوس وهي بالفارسية شوش أي جيد. وعلى أهلها الجفاء وغلظ الطبع، وهم أخلاط من البرابر والمصامدة، وزيهم لباس أكسية الصوف التفافاً، ولهم بشعورهم اهتمام يغسلونها بالحناء في كل جمعة مرتين برقيق البيض والطين الأندلسي، ولا يمشي الرجل منهم أبداً إلا وفي يده رمحان قصار العصي طوال الأسنان رقاقها، ويأكلون الجراد أكلاً لما مقلواً ومملوحا”. (الروض المعطار/330). وعن العرب انحصر اكل الجراد على البدو، قال دوسر المديني: لنا الهرائس والقلايا، ولأهل البدو اللبأ والسّلاء والجراد والكمأة والخبزة في الرائب والتمر بالزبد”. (البخلاء/235).

ثانيا: أكل الضب
قال الجاحظ” انّ النبي- صلّى الله عليه وسلم- أتوا خوانه بضبّ فقال: ليس من طعام قومي، لأنّهم لم يكونوا يحرشون الضّباب”. (الرسائل السياسية/104). قال ابو بكر الأزرق” قال ابن عباس ان خالد بن الوليد دخل على ميمونة، فقدمت للنبي (ص) لحم ضب، فتركه. فقال خالد، سألت رسول الله (ص): أحرام؟ قال: لا! ولكنه لم يكن في أرض قومي، فأجدني أعافه، وهذا الحديث متفق عليه”. (تسهيل المنافع/44). كما قال الجاحظ” من خصال قريش أنهم لم يشاركوا العرب والأعراب في شيء من جفائهم، وغلظ شهواتهم؛ وكانوا لا يأكلون الضباب، ولا شيئاً من الحشرات؛ ألا ترى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أتوا خوانه بضب فقال: ليس من طعام قومي”. (رسائل الجاحظ4/117). أما عن موضوع أكل العرب للضب، الحقيقة انه ليس كل العرب يأكلون الضب، كما يدعي الفرس، قال الجاحظ” في القول فيمن استطاب لحم الضب ومن عافه، روى أنّه أتي به على خوان النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم يأكله، وقال: ليس من طعام قومي”. (صحيح البخاري/ حديث 5076).
قال الجاحظ” حرّم الضب قوم، ورووا أنّ أمّتين مسختا، أخذت إحداهما في البر، فهي الضّباب، وأخذت الأخرى في طريق البحر، فهي الجرّيّ. ورووا عن بعض الفقهاء أنه رأى رجلا أكل لحم ضبّ، فقال: اعلم أنّك قد أكلت شيخا من مشيخة بني إسرائيل. وقال بعض من يعافه: الذي يدلّ على أنّه مسخ شبه كفّه بكفّ الإنسان”. (كتاب الحيوان6/256)
قال العدار قوله:
له كفّ إنسان وخلق عظاية وكالقرد والخنزير في المسخ والغضب
وأضاف الجاحظ” ذهب جران العود، حين أطعم ضيفه ضبّا، فهجاه ابن عمّ له كان يغمز في نسبه، فلما قال في كلمة له:
وتطعم ضيفك الجوعان ضبّا وتأكل دونه تمرا بزبد
وقال في كلمة له أخرى:
وتطعم ضيفك الجوعان ضبّا كأنّ الضّبّ عندهم عيب
قال جران العود:
فلولا أنّ أصلـــــــــــك فارسيّ لما عبت الضّباب ومن قراها
قريت الضيف من حبّي كشاها وأيّ لويّة إلّا كشاها
(كتاب الحيوان6/362). الكشية هي شحمة في ظهر الضب.
لذا يمكن القول بأنه انحصر أكل الضب على بني تميم وقلة من الأعراب. قال الأصبهاني” كان بنو تميم يعيّرون بأكل الضب”. قال الشاعر:
فكل الضب وأقرض الحنظل اليا بس وأشرب ما شئت بول الظليم
وقال أبو نواس:
إذا ما تميميّ أتاك مفاخرا فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّب
(محاضرات الأدباء1/723)
قال الجاحظ” قد يتقزّز الرّجل من أكل الضّبّ والورل والأرنب، فما هو إلّا أن يأكله مرّة لبعض التّجربة، أو لبعض الحاجة، حتى صار ذلك سببا إلى أكلها، حتى يصير بهم الحال إلى أن يصيروا أرغب فيها من أهلها”. (كتاب الحيوان4/281).
وقال التميمي:
لكسرى كان أعقل من تميم ليالي فرّ من أرض الضّباب
فأنزل أهلــــه ببلاد ريف وأشجار وأنهار عذاب
وصار بنو بنيه بها ملوكا وصرنا نحن أمثال الكلاب
فلا رحم الإله صدى تميم فقد أزرى بنا في كلّ باب
(كتاب الحيوان6/368)
قال أعرابيّ من بني تميم:
تسخر منّي أن رأتني أحترش ولو حرشت لكشفت عن حرش
الاحتراش: صيد الضباب هي لغة بني تميم” . (كتاب الحيوان6/372)
لكن من أين إستمد بنو تميم هذه العادة وعلى أي دين كانوا عندما أكلوا الضب؟
هذا ما سيجيب عنه واحد من أهم رواة الشيعة؟ جاء في كتاب المثالب لهيثم بن عدي الكوفي
” كانت المجوسية في بني تميم، وكان هلال التميمي مجوسيا، وكان الأقرع بن حابس مجوسيا، وكان سنجيت بن عبد الله مجوسيا، وكان ابو سَود جد وكيع بن أبي أسود مجوسيا، وكان زرارة بن عدس ابو حاجب مجوسيا”. (المثالب/54). أي مارسوا أكلها كمجوس قبل الإسلام.
لابد من توضيح نقطة مهمة جدا وهي ان حالات أكل بعض الحيوانات والحشرات هي حالات قد تكون فردية او مقصورة على جماعات معينة، لذا لا يجوز إعمامها على مصر ما بكل أقوامه.
قال الجاحظ” أخبرني ابن أبي نجيح وكان حجّ مع المسيّب بن شريك عام حجّ المهديّ مع سلسبيل، قال: زاملت المسيّب في حجّته تلك، فبينا نحن نسير إذ نظرنا إلى يربوع يتخلل الإبل، فصاح بغلمانه: دونكم اليربوع! فأحضروا في إثره فأخذوه. فلمّا حططنا قال: اذبحوه. ثمّ قال: اسلخوه واشووه وائتوني به في غدائي. قال: فأتي به في آخر الغداء، على رغيف قد رعّبوه فهو أشدّ حمرة من الزّهوة،- يريد البسرة- فعطف عليه فثنى الرّغيف ثم غمزه بين راحتيه ثم فرج الرغيف، فإذا هو قد أخذ من دسمه، فوضعه بين يديه، ثمّ تناول اليربوع فنزع فخذا منه، فتناولها ثم قال: كل يا أبا محمد! فقلت: ما لي به حاجة! فضحك ثم جعل يأتي عليه عضوا عضوا”. (كتاب الحيوان6/521). وأضاف
” زعم أبو زيد النحويّ سعيد بن أوس الأنصاريّ، قال: دخلت على رؤبة وإذا قدّامه كانون، وهو يملّ على جمره جرذا من جرذان البيت، يخرج الواحد بعد الواحد فيأكله، ويقول: هذا أطيب من اليربوع! يأكل التّمر والجبن، ويحسو الزّيت والسّمن.

أكل الحيات
قالَ الصاحب فِي رجل يتعصب للعجم على الْعَرَب ويعيب الْعَرَب بِأَكْل الْحَيَّات:
يَا عائب الْأَعْرَاب من جَهله لأكلها الْحَيَّات فِي الطّعْم
فالعجم طول اللَّيْل حياتهم تنساب فِي الْأُخْت وَفِي الْأُم (يتيمة الدهر3/316).

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/6
علي الكاش

مآكل العرب الحقيقية
باديء ي بدء، هناك سوء نوايا واضح في عدم التفريق ما بين العرب والأعراب، وهذا ما وضحه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فالعرب غير الأعراب، مع ان الأعراب لهم مزايا جيدة كما قال عمر بن عبد العزيز” ما قوم اشبه بالسلف من الأعراب، لولا جفاء فيهم”. (البيان والتبيين). وقول الثعالبي” فطنة الْأَعْرَاب: يضْرب بهَا الْمثل وَذَلِكَ لصفاء أذهانهم وجودة قرائحهم”. (ثمار القلوب).
بين الأَزهري هذا الفرق لغويا بقوله” رَجُلٌ أَعْرَابيٌّ، بالأَلف، إِذا كَانَ بَدَوِياً، صاحبَ نَجْعَةٍ وانْتواءٍ وارْتيادٍ للكلإِ، وتَتَبُّعٍ لمَساقِطِ الغَيْث، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنَ العَرَب أَو مِنَ مَواليهم. ويُجْمَعُ الأَعرابيُّ عَلَى الأَعْراب والأَعارِيب. والأَعْرابيُّ إِذا قِيلَ لَهُ: يَا عَرَبيُّ! فَرِحَ بِذَلِكَ وهَشَّ لَهُ. والعَرَبيُّ إِذا قِيلَ لَهُ: يَا أَعْرابيُّ! غَضِبَ لَهُ. فَمَن نَزَل الْبَادِيَةَ، أَو جاوَرَ البَادِينَ وظعَنَ بظَعْنِهم، وانْتَوَى بانْتِوائهِم: فَهُمْ أَعْرابٌ، ومَن نَزَلَ بلادَ الرِّيفِ واسْتَوْطَنَ المُدُنَ والقُرى العَربيةَ وَغَيْرَهَا مِمَّنْ يَنْتمِي إِلى العَرَب: فَهُمْ عَرَب، وإِن لَمْ يَكُونُوا فُصَحاءَ. وَقَوْلُ اللَّه، عَزَّ وَجَلَّ في سورة الحجرات/14(( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم))، فَهؤُلاء قَوْمٌ مِنْ بَوادي العَرَب قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ، المدينةَ، طَمَعاً فِي الصَّدَقات، لَا رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، فَسَمَّاهُمُ اللَّه تَعَالَى الأَعْرابَ، وَمِثْلُهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّه فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ/97 (( الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله)). وقال القرطبي في تفسيره لهذه الآية ما ملخص” إن العرب جيل من الناس، والنسبة إليهم عربيّ، وهم أهل الأمصار، والأعراب منهم سكان البادية خاصة، وجاء في الشعر الفصيح “أعاريب” والنسبة إلى الأعراب أعرابي؛ لأنه لا واحد له، وليس الأعراب جمعًا للعرب، كما كان الأنباط جمعا لنبط، وإنما العرب اسم جنس، والعرب العاربة هم الخُلَّص منهم، والمستعربة هم الذين ليسوا بخُلَّص، وكذلك المتعرِّبة”. (تفسير القرطبي).
ووضع الأَزهري اصبعه على الجرح من خلال بيان سبب الخلط بين المفهومين” َالَّذِي لَا يَفْرِقُ بَيْنَ العَرَبِ والأَعْراب والعَرَبيِّ والأَعْرابيِّ، رُبَّمَا تَحامَلَ عَلَى العَرَب بِمَا يتأَوّله فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ العَرَبِ والأَعْراب، وَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ للمهاجرين والأَنصار أَعرابٌ، إِنما هُمْ عَرَبٌ”. (لسان العرب). لذا العاقل لا يمكن أن يعقل ان تكون خير أمة أخرجت للناس هي أمة من لم يؤمنوا وكانوا أشد كفرا ونفاقا، لكن للشعوبيين أهدافهم الخبيثة والتي صارت مكشوفة.
لذا كان الأعراب وليس العرب هم الذين يأكلون الجراد والسحالي عند الفاقة، وهذه ظاهرة لا تقتصر على الأعراب فحسب، الكثير من الشعوب إضطرت في أحوال المجاعات والحروب والفقر الى أكل الجرذان والقطط وغيرها بما في ذلك الفرس أنفسهم كما سنبين لاحقا. لذا ليس من العدل أن يقتصر وصف هذه الظاهرة على الأعراب دون بقية الأقوام. بل حتى الآن هناك شعوبا في آسيا تأكل الكلاب والقطط والعقارب والخنافس والسحالي والضفادع وغيرها مما تقرف النفس منه.
إهتم العرب إهتماما كبير بالطعام ووضعوا مراسما خاصة لتناوله، وتفننوا في أعداده وتنوعه، ولكن للأسف الشديد الكثير من العرب لا يعرفون هذه الحقيقة، فما بالك بالفرس؟ وهناك المئات من أصناف الطعام والحلوى العربية المميزة والقديمة مع ان البعض يظن إنها مستحدثة، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقا. قال ابن عبد ربه” الوليمة: طعام العرس. والنّقيعة: طعام الإملاك. والإعذار: طعام الختان والخرس: طعام الولادة. والعقيقة: طعام سابع الولادة. والنقيعة: طعام يصنع عند قدوم الرجل من سفره، ويقال: أنقعت إنقاعا. والوكيرة: طعام يصنع عند البناء يبنيه الرجل في داره. والمأدبة: كل طعام يصنع لدعوة، يقال: آدبت أودب إيدابا، وأدبت أدبا. والجفلى: دعوة العامة. والنّقرى: دعوة الخاصة. والسّلفة: طعام يعلل به قبل الغداء. والقفيّ: الطعام الذي يكرم به الرجل يقال منه: قفوته فأنا أقفوه قفوا؛ والقفاوة”. (العقد الفريد).
بعتبر الثريد من أهم وأشهر المأكولات العربية، وقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: سيّد الطعام الثريد. ومثل عائشة في النساء، مثل الثريد في الطعام. ولعظم صفة الثريد في أعين قريش، سمّوا عمرو بن عبد مناف بهاشم، حين هشم الخبز، واتخذ منه الثريد، حتى غلب عليه الاسم المشتق له من ذلك”. (البخلاء/106). وذكر ابو هلال العسكري” عاب بعض الشعوبية العرب باتخاذ الثريد وقال: لابد أن يفضل من العرب اذا أكلوا فضلة مرق تجعل لمسكين قال: فأرادت العرب ألا يبطل عليهم ذلك فثردوا فيه قال: وليس من طعام العجم. واحتج بما أخبرنا به أبو أحمد بن الحسين بن عبد الله ابن سعيد عن الجلودى عن محمد بن زكريا عن محمد بن عبيد الله بن محمد بن على قال: قال حصين لفيروز أحب أن أتغذى عندك، قال: فما تشتهى؟ قال: ثريدا: قال: انى أكره أن أضع على مائدتى طعام الكلاب ولكنى أتحمل ذلك لك. وعلق ابو هلال على المسألة بقوله” قال أبو هلال:- أيده الله تعالى-: لو كان الثريد طعاما خبيثا مكروها لكان ما يقال فيه شائعا، فأما وهو طعام مشتهى طيب فلا اعتراض على العرب فى اتخاذ طعام طيب، وليس ترك العجم اياه قدحا فيه فكم من شىء مختار قد تركته العجم غفلة عنه أو جهلا به، وليس ثردهم فى المرق يدل على أنهم أرادوا منع ما يفضل منه”. (الأوائل). ولأن الحديث يطول سنكتفي في هذا المبحث الإشارة الى الخبز فقط لأنه سيد المائدة قديما وحديثا. قال الثعالبي” أم الطَّعَام: هى الْحِنْطَة لِأَن لَهَا فضلا على سَائِر الْحُبُوب، وَمن أَبْيَات كتاب الحماسة:
ربيته وَهُوَ مثل الفرخ أطْعمهُ أم الطَّعَام ترى فى جلده زغبا
(ثمار القلوب).
سنتحدث عن بعض من أنواع الخبز العربي:
اولا: خبز العليث
قال ابن منظور” أَي الخُبْزِ المَخْبوز مِنَ الشَّعير والسُّلْتِ. والعَلْثُ والعُلاثَةُ: الخَلْطُ. والعَلَثُ والعَلِيثة: الطعامُ الْمَخْلُوطُ بِالشَّعِيرِ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَا شَبِعَ أَهلُه مِنَ الخَمير العَلِيثِ”. (لسان العرب)
ثانيا: خبز الغليث
قال ابن منظور” فلانٌ يأْكل الغَلِيثَ. والغَلِيثُ: الخُبْز المخلوطُ مِنَ الحِنْطة وَالشَّعِيرِ . وعن عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا كَانَ يأْكُلُ السَّمْنَ مَغْلُوثاً إِلّا بإِهالَةٍ، وَلَا البُرَّ إِلَّا مَغْلوثاً بِالشَّعِيرِ”. (لسان العرب)
ثالثا: خبز الارز بالسمسم والزعفران
قال ابن خلّاد في خبز الأرز والملح:
إذا الطابقُ المنصوبُ ألقى ثيابهُ وقدت جيوبُ الخبز شبرين في شبرِ
رغيف بملح طيّبِ النشر خلطة خوارجه تغنيك عن أرج العطر
عليهِ من الشونيزِ آثارُ كاتب وجلبابُ وَرَاق ينقطُ بالحبر
ومن سمسم قد زعفروهُ كأنهُ قراضةُ تبرٍ في لجينية غر
(ديوان المعاني)
رابعا: خبز البزماورد: نوع من الخبز يحشى بالشواء. قال الشاعر:
فتفضّل على العميد بيــــوم جد بوصل يكبت به أعدائي
وتفضّل على الكئيب ببز ما ورد وصل يشفي من الأدواء
(الرسائل الأدبية للجاحظ)
خامسا: خبز الرقائق (الركاك)
قال أبو هلال العسكري” الرُّقَاقُ ما رقِّقَ منَ الخبزِ، الواحدةُ رقاقةٌ. ولا يُقالُ رقاقٌ، إنَّما الرَّقاقُ جمعُ رقيقٍ منَ الثَّيابِ وغيرها. وتقولُ: فلانٌ يخبزُ الرَّقيقَ والغليظَ. فإذا قلتَ: يخبزُ الجرادقَ، قلتَ: والرُّقاقُ، هكَذَا كلامُ العرب”.(التلخيص في معرفة الاشياء). وقال اليغموري” أول من خبز الرُقاق نمرود بن كنعان”.(نور القبس) وأحسن ما قيل في الرقاق قول ابن الرومي:
ما أنسَ لا أنسَ خبازاً مررتُ بهِ يدحو الرقاقةَ وشك للمح البصر
ما بينَ رؤيتها في كفهِ كــــــــرَةً وبينَ رؤيتها قوراء كالقمرِ
(ديوان المعاني)
سادسا: خبز المليل
قال أبو هلال العسكري” المليلُ الخبزُ الَّذِي يخبزُ فِي الملَّةِ، وهوَ أنْ توقدَ النَّارُ فِي حفيرةٍ منَ الأرضِ، ويجعلَ العجينُ فيها، فيصيرَ خبزاً. فموضعُ النَّارِ والرَّمادِ الملَّةُ، والخبزُ مليلٌ ومملولٌ”.(التلخيص في معرفة الاشياء).
سابعا: خبز البلوط
قال المقدسي ورأيت تقوّتهم بالبلّوط ثمرة على مقدار التمر مرّ يفلق ويحلى ثم يطحن وثمّ شعير برىّ يخلط به”. (هامش أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم). وجاء في نسخة أخرى” اما الجبل الشريفة فجبل لبنان وجبل الجولان فيهم عبّاد عند عيون ضعيفة قد بنوا ثم اخصاصا من القصب والحلفاء يتقوّتون بشيء يقال له البلّوط على مقدار التمر عليه قشر وهو مرّ الّا انهم يلقونه في الماء حتّى يحلو ثم إذا جفّ طحنوه وخبزوه واخلطوا عليه شيئا من الشعير”.
ثامنا: الفطير
قال أبو هلال العسكري” الفطيرُ معروفٌ. وأظنُّ اشتقاقَهُ منْ قولهمْ: انفطرَ الشَّيءُ إِذَا انشقَّ، لأنَّ منْ عادةِ الفطيرِ منَ العجينِ أنْ يتشقَّقَ. أوْ قيلَ لهُ: فطيرٌ، لأنَّهُ بقيَ على حالتِهِ الأولى، منْ قولكَ: فطرتُ الشَّيءَ، إِذَا ابتدأتُهُ. وهذا أجودُ الوجهيِنْ. قالَ أبُو بكرِ ابن دريدٍ: المحلاجُ الَّذِي يوسعُ بهِ الخبزُ. والَّذي بينَ الفطيرِ والخميرِ خبيزٌ”.(التلخيص في معرفة الاشياء). هذا بما يتعلق بالخبز فقط! وسنتحدث عن المأكولات والحلوى العربية القديمة التي يفتقر اليها الفرس وبقية الشعوب.
عندما سمعت من أحد العراقيين بأن المطبخ العراقي مأخوذ من المطبخين الإيراني والتركي عجبت وفزعت من مقولته التي تعني محدودية علمه في هذا الجانب على أقل تقدير، ولكن عندما علمت ان القائل يعيش في إيران وزوجته فارسية وولائه للخامنئي زال فزعي وعجبي. لكن البعض ممن أيد وجه نظر هذا الرجل كما يبدو ليس لهم معرفة بالمطبخ العربي عموما والعراقي خصوصا، وهذا جانب من جوانب النقص في الثقافة العامة، كنا نطالع أحد الصحف النرويجية، وفيها مقال قصير عن نوع من الكعكة المشهورة في النرويج وتسمى (Pepper Kake) وهي تعني الكعكة الحارة، وليست هناك علاقة للفلفل بالكعكة ولكن المقصود به الدارسين (القرفة) لأن فيها شيء من الحرارة، المقال يقول ان أصل هذا الكعك والبسكويت هم العراقيين فقد كان يصنعه السومريون قبل آلاف السنين، العجيب ان الكثير من العراقيين لا يعرفون هذه المعلومة بل يعتقدوا إنها أجنبية.
المهم سنتناول في هذا الجزء ما يثبت ان العراقيين والعرب عموما هم أصحاب أفخم واقدم مطبخ عرفه العالم، والكثير من الأطعمة والحلوى التي نتناولها اليوم عرفها أجدادنا قبل أكثر من ألف سنة، وانه لا المطبخ الفارسي ولا الرومي (التركي سابقا) كانا يضاهيا المطبخ العربي، صحيح ان هناك مأكولات أخذها العرب عن الروم والفرس وبقية الشعوب بحكم العلاقات الثقافية والإجتماعية، لكن ما أخذه الفرس والروم وغيرهم من المطبخ العربي يكاد لا يقارن بما أخذه العرب منهم، وهنا ستبطل مقولة الفرس بأن طعام العرب كان السحالي والجراد وغيرها، وفي الجزء القادم سنقلب السحر على الساحر ونبين ان الفرس هم من كانوا يتناولوا مثل هذه الأطعمة التي يعيبون الأعراب عليها.
من المعروف أن أقدم كتاب في الطبيخ هو (كتاب الطبيخ) لمحمد بن الحسن البغدادي، توجد مخطوطة منه في متحف (اياصوفيا)، وأخرى في المكتبة الوطنية بفنلندا. يتضمن الكتاب طرق صنع الطعام والحلوى، وآداب المائدة، وأنواع القدور والأواني المستخدمة، وتنظيم الموائد، وطرق تقديمها، ووصايا للطباخين منها” ينبغي للطباخ أن يكون حاذقاً عارفاً بقوانين الطبيخ، بصيراً بصنعته، وليتعاهد قص أظافره بحيث لا يحيف عليها، ولا يتركها تطول، لئلا تجتمع الأوساخ تحتها، وليختر من القدور: البرم ثم من بعده الفخار، وعند الضرورة النحاس المبيض، وأردأ ما طبخ في قدر نحاس قد نصل بياضها”. (كتاب الطبيخ/ 23).
سنتحدث في هذا الجزء عن بعض المأكولات والحلوى العربية القديمة التي يفتقر اليها الفرس وبقية الشعوب. وسنعتمد المصادر العربية القديمة بعد الفتح الإسلامي للجزيرة العربية أي منذ القرن الهجري الأول وما بعده.

اولا: اصابع زَيْنَب
قال الابشيهي” أصابع زينب ضرب من الحلوى يعمل ببغداد، يشبه أصابع النساء المنقوشة”. (المستطرف/188). قال المأمون:
فما حملت كف امريء متطعما ألذ وأشهى من أصابع زينب
وقال العاملي” هي ضرب من حلواء تعمل في بغداد تشبه أصابع الناس المنقوشة”. (المخلاة). وقال الثعالبي” اصابع زَيْنَب: ضرب من الْحَلْوَاء بِبَغْدَاد يدعى أَصَابِع زَيْنَب وَفِيه يَقُول أَبُو طَالب المأمونى:
أحب من الْحَلْوَاء مَا كَانَ مشبها بنان عروس فى حبير معصب
فَمَا حملت كف الْفَتى متطعمــا ألذ وأشهى من أَصَابِع زَيْنَب ( ربيع الأبرار).
وَكَانَ ابْن الْمُطَرز شَاعِر الْعَصْر بِبَغْدَاد عِنْد صديق فأحضر لَهُ أَصَابِع زَيْنَب فَأَهوى إِلَى وَاحِدَة مِنْهَا ليأخذها، فَقبض الصّديق على يَده وغمزها غمزة آلمته فَقَالَ:
يَا مسكرى بمدامــــة وَمن الْحَلَاوَة مَا نعى
حاولت إِصْبَع زَيْنَب فَكسرت خمس أَصَابِع
(ثمار القلوب).

ثانيا: القطايف بماء الورد
قال أبو هلال العسكري” القطائفُ والواحدةُ قطيفةٌ، شبِّهتْ بالقطيفةِ الَّتِي تلبسُ، للعيونِ الَّتِي فيه”.(التلخيص في معرفة الاشياء). وأنشد :
كثيفةُ الحشو ولكنهـــــــــا رقيقةُ الجلدِ هوانيه
رشتْ بماء الوردِ أعطافُها منشورة الطيَ ومطويه
جاءَتْ من السكر فضـية وهي من الأدهان تبريه
قد وَهَبَ الليلُ لهــا بُردهُ وَوَهَبَ الخصبُ لها زيه (ديوان المعاني)
قال إبن سيرين” تأويل رؤية القطائف المحشوة هو مال ولذاذة وسرور”. (منتخب الكلام).
ومن مليح ما قيل في القطائف، قول علىّ بن يحيى بن أبى منصور المنجم:
قطائف قد حشيت باللّــــوز والسكر الماذىّ حشــو الموز
يسبح في آذىّ دهن الجوز سررت لما وقعت في حوزى
سرور عبّاس بقرب فوز ( زهر الآداب).

ثالثا: الكنافة
ويطلق احيانا عليها إختصارا (الكنا). قال الناظر المراكشي” بين صحراء لمتونة وبلاد السودان، مدينة أودغست ويجلب منها سودانيات طباخات محسنات، تباع الواحدة منهن بمائة دينار وأزيد، يحسنٌ عمل الأطعمة، ولا سيما أصناف الحلاوات مثل الجوزينقات، والوزينجات، والقاهريات، والكنافات والقطائف والمشهوات، وأصناف الحلاوات”. (الإستبصار).
قال جمال الدين بن نباتة:
قول وقد جاء الغـــــــلام بصحنه عقيب طعام الفطر يا غاية المنى
بعيشك قل لي جاء صحن قطائف وبح باسم من تهوى ودعني من الكنا (خزانة الأدب).
وكتب النصير الحمامي إلى الوراق ملغزاً في كنافة:
يا واحداً في عصره بمصره ومن له حسن السناء والسنا
تعرف لي اسماً فيه ذوق وذكا حلو المحيا والجنان والجنى
والحلّ والعقد له فـــــي دسته ومجلس الصدر وفي الصدر المنى
إن قيل يوماً هل لذاك كنية فقل لهم لم يخل يوماً من كنا

رابعا: الزلابية
قال إبن سيرين” تأويل رؤية الزلابية نجاة من هم ومال وسرور بلهو وطرب”. (منتخب الكلام). قال أبو هلال العسكري” وقدْ جاءَ فِي بعضِ الأرَاجيزِ: كأنَ فِي داخلِهِ زلابيهْ”. (التلخيص في معرفة الاشياء). كما قال الأشجعي الأندلسي” رأى احدهم الزَّلابِية، فقال: ويلٌ لأمها الزانية، أبأحشائي نُسِجَتْ، أم من صِفاقِ قلبي أُلفت؟ فإني أجدُ مكانها من نفسي مكيناً، وحبل هواها على كبدي متيناً، فمن أين وصلت كفُّ طابخها إلى باطني، فاقتطعتها من دواجني”. (رسالة التوابع والزوابع). وكانت تُعمل على شكل شبابيك أيضا، كما يتبين من قول إبن الرومي.
رأيته سحرا يقلـــي زلابية في رقّة القشر والتجويف كالقصب
كأنما زيته المغليّ حين بدا كالكيمياء التي قالوا ولم تصب
يلقى العجين لجينا من أنامله فيستحيل شبابيكا من الذهب
(ديوان ابن الرومي). (كتاب المحاضرات والمحاورات)
وقال المقدسي عن أهل الشام” يسمّون من السكّر ناطقا ويصنعون زلابية في الشتاء من العجين غير مشبّكة”. (هامش أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم). ذكر الأبشيهي المثل” هانت الزلابية حتى أكلها بنو وائل”. (المستطرف)

خامسا: حلوى الخبيص
تصنع من التمر والسمن.، قال شمس الدين المرداوي” َقَالَ السُّيُوطِيّ: أَوَّلُ مَنْ خَبَّصَ الْخَبِيصَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – خَلَطَ الْعَسَلَ وَالنَّقِيَّ مِنْ الدَّقِيقِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مَنْ بَعَثَ بِهَذَا؟ قَالُوا: عُثْمَانُ قَالَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ إنَّ عُثْمَانَ يَسْتَرْضِيك فَارْضَ عَنْهُ”.( غذاء الألباب).

سادسا: حلاوة ومعجنات السنبوسج ( السنبوسة).
قال التيفاشي” سنبوسق محشو معطر وحلاوة ناشفة جعله في خريطة”. (نزهة الألباب). ملاحظة: السنبوسق هي فطائر مثلثة الشكل من رقائق العجين بالسمن وتحشى بالجوز والعسل (او اللحم) ،وربما منها اخذت كلمة السنبوسة او السمبوسة. والخريطة- وعاء من الجلد او نحوه يشد على ما فيه.
هذا جزء يسير من عشرات الأصناف من الحلوى، قال البغدادي” السنبوسج: يؤخذ اللحم الموصوف في عمل المقلوبة (اكلة المقلوبة)، ويقطع الخبز الرقيق المتخذ لذلك، ويُحشى باللحم المذكور بعد أن يقطع سيورا ويعمل مثلثا، ثم يلصق بيسير عجين، ويلقى في الشيرج (الزيت) ثم يرفع”. (كتاب الطبيخ). وكذلك ” يُحشى بالسكر واللوز المدقوقين ناعما، والمعجونين بماء الورد”. (المصدر السابق).
هناك الكثير من الأطعمة التي لها جذور تأريخية مثل الكباب قال الغزولي” الكباب: بفتح الكاف وهو اللحم المشروح وأجوده ما شرح اللحم شريحاً خفيفاً ونثر عليه الملح ونصب له مقلى على النار بلا دسم وطرح عليه وقلب من جنب إلى جنب حتى ينضج ويحمر هذا هو الكباب الخالص بعينه وهو الذي كان يعمل ليحيى بن خالد ولولده وفيه يقول أبو الفتح البستى:
عليك إذا أنجاب الدجى بكباب وعقبه مرتاحاً بكأس شراب
فلم يفتح الأقوام بابا إلى المنى كباب شراب أو كباب كباب (مطالع البدور ومنازل السرور).

سابعا: لقمة القاضي
قال البغدادي” هذا اللون يكون في عجينه قوة، وإذا أختمر، يؤخذ منه قدر البندقة، وتقلى بالضيرج، ثم تغمس في الجلاب (الشيرة)، ويُذر عليها السكر المدقوق (المطحون).
ومن المأكولات (الدجاج المحشي بالسكر والفستق)، قال محمد بن شاكر” كان يذبح في مطبخ الملك الناصر صاحب الشام كل يوم أربعمائة راس غنم سوى الدجاج والطيور والأجدية. وكان يبيع الغلمان من سماطه شي كثير عند باب القلعة بدمشق بأرخص الأثمان من المآكل الفاخرة. حكى علاء الدين بان نصر الله أن الناصر جاء إلى داره بغتة؛ قال: فمددت له شيئاً كثيراً في الوقت بالدجاج المحشي بالسكر والفستق وغيره، فقال: كيف تهيأ لك هذا؟ فقلت: هو من نعمتك، اشترتيه من باب القلعة”. ( فوات الوفيات). ومنها (المهلبية) قال الغزولي” المهلبية: أول من اتخذها بنو المهلب فنسبت إليهم وهي من الألوان المستحسنة المستلذة تنفع لحفظ الصحة واحمدها منفعة السلسلة والانعقاد بالدجاج الحديث السمان والعسل الخالص الذهبي والسكر النقي وهي معتدلة الحرارة والرطوبة تغدو غداء صالحاً إلا أنها مضرة بالصفراء وتدفع مضرتها بالحصرمية منه قبلها”.(مطالع البدور ومنازل السرور). و(تشريب الباقلاء بالزيت والنعناع)، قال ابن خلّاد في الباقلاء:
فلا تنسَ فضلَ الباقلاءِ فإنه من المنى قدوافي به الفضل في الزبر
إذا جعلوا فيه سذاباً ونعنعاً وجزءاً من الزَّيت المقدّس في الذَّك
(ديوان المعاني)
و(الهريسة بلحم الدجاج والبط)، قال ابن الرومي:
أيا هنتاهُ هل لك في هَريس بلحمانِ الفراخِ أو البطوطِ
أملّ الليلَ صانعها بضربٍ فجاء بها تمددُ كالخيوطِ
(ديوان المعاني)
ومن أغذية الفطور (الزيتون والجبن مع اللوز والجوز). قال جحظة:
ودنّر بالجوزِ أجوازه ودَرهمَ باللوز ما دَرهمه
وقابل زيتونها والجبن صفائح من بيضةٍ مدغمه
و(الأرز باللبن)، قال الغزولي” الأرز باللبن: قال محمد بن خرد كان كثير من رؤساء العراق يقدمون في أول الطعام الأرز باللبن والسكر المنخول ثم يتبعونه ما شاءوا إيثارا له على غيره وكان الحسن ابن سهل يفضله على كثير من المطعم ميلا إلى رأى المأمون فيه وقال له أنه يزيد في العمر يا أمير المؤمنين قال من أين قلت هذا قلت لأن الأطباء زعموا أن الأرز يولد أحلاماً صحيحة فإذا صحت الأحلام فهي من زيادة النوم على اليقظة لن النوم موت واليقظة حياة”.(مطالع البدور ومنازل السرور). و(الملوخيا)، قال الغزولي” الملوخيا: غليظة لزجة باردة كثيراً، الإكثار منها يضر بالمرطوبين والمبلغمين وإصلاح ضررها أن تطبخ بلحوم الغزلان لخفته وحرارته أو مع الحجل أو مع الفراخ النواهض أو الفراريج السرخسية فإن لم يتفق فتلقى فيها الشرايح الجافة المدخنة أو التنورية عند خروجها من التنور وكذلك الباذنجان المقلى يلقى عليها ويكمر ساعة ثم تؤكل وماء الليمون يلطف غلظها ويقطع بلزوجتها ولا يصلحها إصلاحاً تاماً”.(مطالع البدور ومنازل السرور). علاوة على ( الباجة والفصيد والصميد والكشكشية والمجدرة والترمس والنكوع) والعشرات غيرها، علما ان هذه المأكولات ترجع الى أكثر من ألف سنة، كما عرف العرب أنواع العصائر والتوابل وكانوا يستخدمونها كنكهة مع الطعام.
إذن! هل كان العرب يأكلون السحالي والجراد كما إدعى الفرس؟
لنضع كل هذا جانبا، ونسأل السؤال التالي: لماذا يغض الفرس النظر عن كل هذه المأكولات وفنون الطبخ العربي وتنوعه، ويركزون على أكل الضب والجراد؟
نترك الجواب للقاريء اللبيب.

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/7
علي الكاش

حقيقة الفرس
أما موضوع كلاب أصبهان ومقارنتهم بالعرب، فإنه موضوع سخيف، لذا سنضعه جانبا ولا ننزل الى هذا المستوى المتدني، ونتحدث عن البشر.
ذكر ياقوت الحموي عن أصبهان” قال منصور بن باذان عن اصبهان: إنك لو فتّشت نسب أجلّ من فيهم من الثناء والتجار لم يكن بدّ من أن تجد في أصل نسبه حائكا أو يهوديّا، وقال بعض من جال البلدان: إنه لم ير مدينة أكثر زان وزانية من أهل أصبهان، قالوا: ومن كيموس. هواؤها وخاصيتها أنها تبخل فلا ترى بها كريما، وحكي عن الصاحب أبي القاسم بن عبّاد أنه كان إذا أراد الدخول إلى أصبهان، قال: من له حاجة فليسألنيها قبل دخولي إلى أصبهان، فإنني إذا دخلتها وجدت بها في نفسي شحّا لا أجده في غيرها”. (معجم البلدان1/209).
ـ قال اليغموري” قال أبو محكم: كانت بالبصرة امرأة زانية يقال لها الفارسيَّة، مشهورة بالزنا، فكان أهل البصرة إذا أرادوا أن يزنُّوا إنساناً قالوا: يا ابن الفارسية! وإلى هذا ذهب بشار بن برد في وصف سيبويه بإبن الفارسية:
اسيبويه يا ابن الفارسية ما الذي تحدثت من شتمي وما كنت تنبذُ
أطلت تغنى ســـــادراً بمساءتي وأُمك بالمصرين تعطي وتأخذ (نور القبس/35)
ـ أدخل رجل علوي بيته قحبة، فلما أرادها قالت: اين الدراهم! فقال: دعي عنك هذا ويحك مع قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم!
قالت: دع هذا وعليك بقحاب قم، فهذا لا ينفق على قحاب بغداد؟”. (البصائر والذخائر3/87).

ماذا يأكل الفرس؟
ان كان الفرس يعيبوا على العرب أكل الضب، فهم يأكلوا بما فيهم ملوكهم لحوم الحمير!
1. لحوم الحمير
ذكر الغزولي” قال الجاحظ كان كسرى ينصب في كل يوم ألف مائدة على كل مائدة فخذ حمار وحش وبيضة نعامة ومن سائر الأصناف التي توجد في البر والبحر والسهل والجبل حتى لا تخلو الموائد من سائر الأطعمة”. وأضاف” حدث عمر بن شيبة قال كان الحجاج يطعم في كل يوم على ألف مائدة على كل مائدة سمكة مشوية سمينة وجنب مشوي وساقيان يسقى أحدهما اللبن والآخر العسل وكان يطاف به على كرسي فيقول يا أهل الشام مزقوا الخبز الرقيق كيلا يعاد عليكم”.(مطالع البدور ومنازل السرور/164). لاحظ الفرق بين السمك والحمير!

2. الفأر والضفادع
قال الجاحظ” قد كان ناس من أهل سيف البحر (شاطيء) من شقّ فارس يأكلون الفأر والضفادع، مقورة( منقعة بالماء) ومملوحة، وكانوا يسمونها( جنك جنك) و(وال وال)”. (كتاب الحيوان5/139)
جنك جنك: اي الجميل والمليح. ( معجم استينجاس/ 1100)
وال وال: هي السمك الكبير. ( معجم استينجاس/ 1453)

3. الزنابير
والأنكى منه إنهم يأكلون الزنابير، قال ابن الجهم: من أهل السّفالة ناس يأكلون الذّبّان، وهم لا يرمدون. وليس لذلك أكلوه وإنما هم كأهل خراسان الذي يأكلون فراخ الزّنابير، والزّنابير ذبان”. (كتاب الحيوان3/155). وأضاف الجاحظ” كان الفضل بن يحيى يوجّه خدمه في طلب فراخ الزّنابير ليأكلها. وفراخها ضرب من الذّبان”. (كتاب الحيوان4/284).

4, الصراصير
تحت عنوان (فصل الصراصير) كتبت مراسل الدورية الأسبوعية الإيرانية (باسارجاد) السيدة (لاله خواجويي) موضوع تناول الفرس صراصير الليل في مدينة سيرجان الإيرانية وهي تعود إلى عقود قديمة، حين ضربت المدينة المجاعة والقحط، اُجبر الناس على أكل الجراد والصراصير.
في تمام العاشرة صباحاً من أحد الأيام وفي ممر بجوار السوق يقف شاب يبيع (صراصر الليل) يضع أمامه مجموعة من الأكياس البلاستيك المملؤة بالصراصير التي تصدر أصواتاً رغم غلق الأكياس بإحكام. تقف إلى جواره سيدة في منتصف العمر وتسأل: بكم ؟.. فيجيبها: 5 آلاف طومان!
فتشتري السيدة شنطة، وتقول: صرصار الليل غالي الثمن لكنه مفيد لأوجاع الأيدي والأقدام. سألتها كيف تأكلونها؟ فأجابت: نضعها بداية في الماء المغلي حتى تموت ونقوم بقطع أيديها وأرجلها ثم نقليها ونأكلها مثل المكسرات.
يقول بائع في حديثه مع الدورية الإيرانية: نعمل منذ سنوات في بيع هذه النوعية من الصراصير، وهي تطير في الصباح وتقضي الليل على نباتات( Zygophyllum eurypterum)، والبعض يقوم باقتلاع النبتة للحصول على الصراصير، لكننا نقوم باصطيادها وبالتالي نقوم بوضع فراش تحت النبات ونهزها فتتساقط الصراصير، ولا تتحرك وتقوم فقط بإصدار الأصوات ونقوم بوضعها داخل أجوال زنة الواحد منها 16 كيلو. وتباع في شوارع (شهربابک، وتل ساربونی، وجمبیل). فسألت الوكالة: متى يبدأ الموسوم؟ فقال: يبدأ مع شهر حزيران/يونيو. ولأننا بدو ولدينا 1500 خروف فنحن دائماً في الصحراء ونعرف جيداً أين نجد الصراصير.
كما نشرت (وكالة أنباء الميزان الإيرانية) تقريراً مصوراً عن تناول الصراصير في مدينة كرمان ووصفت الأمر بالعجيب. وكتبت الوكالة: حشرات عجيبة ونادرة وعمرها قصير ولها بحسب السكان المحليين فوائد كثيرة. تظهر هذه الحشرات في مدن محافظة كرمان مثل (شهربابک، وزیدآباد، وسیرجان). وهذه الحشرات هي نوع مخصوص من صراصير الليل تظهر كل عام في فصل الربيع وتموت بنهاية الفصل. وتنتشر هذه الحشرات في الصحاري والقفار وتضع بيوضها على أوراق النباتات، ثم يؤدي هطول الأمطار إلى تساقط البيوض على الأرض، ثم تنمو الحشرات مجدداً من الأرض، ويكثر عدد الحشرات بزيادة الأمطار. وبحسب السكان المحليين خبرة البدو بالصحراء تساعدهم على صيد وبيع الصراصير لما لها من فوائد علاجية كبيرة. كما تناولت (صحيفة شمس يزد) الإصلاحية الإيرانية، الموضوع من زاوية الحل والحرمة وقالت: “أفتى كل مراجع التقليد بحرمة بيع وتداول وأكل الحشرات. وفي معرض إجابته على سؤال حول الحكم الشرعي لأكل الحشرات المفيدة في علاج بعض الأمراض، أفتى المرشد علي خامنئي بحرمة أكل الحشرات تماماً لكن يجوز التداوي بهذه الأشياء إذا تم القطع بفائدتها وعدم وجود علاج بديل”.

6. أكل الميتة وغسل الوجه ببول الثيران
قال نشوان الحميري” ما فعلت الفرس في عبادة النيران، وغسل الوجوه بأبوال الثيران، وأكل الميتة ووطء الأمهات، بصريح الحدود لا الشبهات، واحتجوا بأن الذبح مؤلم ضار، والنكاح لأهله سار”. (الحور العين/239). وأضاف نشوان الحميري” كانت المجوس يغسلون وجوههم بأبوال البقر، تخشعاً وتقرباً إلى الله تعالى، قال الشاعر فيهم، وفي غيرهم من أهل المذاهب:
عجبت لكسرى وأشياعــه وغسل الوجوه ببول البقر
وقول النصارى إلهٌ يضام ويظلم حقاً ولا ينتصر
وقول اليهـــــود إلهٌ يحب كسيس لدماء وريح الفتر
وقوم أتوا من أقاصي البلاد لرمي الجمار ولثم الحجر
فوا عجباً من مقالاتهـــم أيعمى عن الحق كل البشر (الحور العين/239).
في حين ذكر الغزولي” سأل الوزير أبو نصر بن أبي زيد أبا منصور بن سعيد بن أحمد البريدي وكان من أبناء الأمراء والسادة بالبصرة عما يحبه ويشتهيه ويختاره من أطايب الأطعمة الملوكية فقال قشور الدجج الفتية المسمنة المشوية والكباجة التمامة التي يجمع فيها بين لحم البقر والغنم ثم ينفي عنها لحم البقر وتحلى بالطبرزد وتطيب بالعنبر والهريسة بلحوم الحملان التي رضعت شهرين وربعت شهريت ومن اللحم المجذع والمبلقة بالأرز المدقوق والدهن بالسكر المسحوق المخبر بالند المشرب بالجلاب وماء الورد فقال يا أبا المنصور قد تجلب فمي من هذا الوصف أشهد انك من أبناء النعم والمروءات وأمر أن يلقيه على طباخه”. (مطالع البدور ومنازل السرور/170).

التمسك بشرب العرب بول الأبل
(يعير الفرس العرب بالجمال والدواب التي يسرها تعالى لخدمتهم، فهل كان اجدادهم يركبون الروزرايس مثلا؟)
بول البعير عند العرب يشغل بال الفرس أكثر من علوم العرب كافة، مع أنهم يغسلون وجوههم ببول الثيران! لكن ماذا قال أطباء العرب وغيرهم عن هذا الأمر؟
ـ قال ابن البيطار” بول الإبل: عن الزهراوي وغيره هي أقراص يؤتى بها من اليمن وتباع بالموسم بمكة وتعالج بها الجراحات الطربة بدمها إذا سحق منها قرص وذر على جرح طري بدمه لصق به ولم ينقلع حتى يبرأ الجرح وهو معروف عندهم مشهور ، ويذكر أهل اليمن أن إبلهم ترتعي في فصل من السنة حشيشاً يكون هناك خاصة في ذلك الوقت ، فيأخذون أبوالها عند ذلك فيجففونها ويقرّصونها وإنما يكن هذا باليمن فقط”. (الجامع لمفردات الأدوية1/119).
قال جالينوس في العاشرة” قوة البول حادة وفيه جلاء كثير ولذلك يستعمله القصارون ويغسلون به الثياب الدرنة من أوساخها ، وما كان منه من الحيوان أشد حرارة فحرارة بوله أشد وأقوى منه ، وما كان منه بارداً فبوله أقل حرارة ، وبول الإنسان أضعف من بول سائر الحيوان ما خلا بول الخنزير الذي قد خصي فإنه في ضعفه مثل بول الإنسان ، وأما بول فحول الخنازير فهو أقوى من بول الإنسان وبسبب ما رأى الأطباء من جلاء البول عالجوا به القروح العميقة والجرب والوسخ والقروح الوسخة الكثيرة الرطوبة ، ويستعملونه في الآذان ، ويغسلون به الرأس أيضاً فتنقيه من النموشة اللزجة ويذهب بالحزاز المتولد فيه ، ويشفي من السعفة إن كانت فيه ، وإذا استعمل فبالضرورة لعدم دواء آخر. غيره : في مثل العلوج والأكرة شفيت به من قروحهم بأن تأخذ مشاقة تلف على الجرح والقرحة التي تحدث في أصبع القدم من عثرة وتربط ربطاً وثيقاً ويؤمر المريض أن يبول عليها كلما أراد أن يبول ويتقدّم إليه أن لا يحل الرباط حتى يبرأ برءاً تاماً فينتفع بذلك. وأما الدواء الذي يتخذ من بول الصبيان والغلمان وهو المعروف بلزاق الذهب لأن الصاغة يستعملونه فيه ويلحمون به الذهب فهو دواء قوي المنفعة جداً في القروح الخبيثة البطيئة البرء ، وإذا أرادوا صنعة هذا عمدوا إلى مهراس متخذ من النحاس ، وكذا دستجة فتصير في بعض المواضع ويؤمر الصبيان الذين لم يراهقوا بأن يبولوا فيه ويسحق بذلك الدستج أياماً كثيرة عند الشمس أو في بيت دفىء لينماع من جرم النحاس في ذلك البول بحرارة الشمس شيء كثير ويكون أبلغ في المنفعة ، ولهذا الدواء في هذه القروح التي وصفناها منفعة عجيبة ، وأما السحابة التي تكون في جوف البول قائمة غليظة بيضاء فقيل إنها نافعة من الحمرة المنتشرة ، وأما أبوال الأطفال وأبوال الرجال فقد شربها قوم ممن كان بهم مرض من فساد الهواء وتغيره وهو الوباء وظنوا أنهم نجوا من تلك الأمراض عند شربهم هذه الأبوال ، وأما أبوال الدواب فإنها تخلط بالأدوية التي تتخذ لأوجاع المفاصل فتنتفع من ذلك”. (الجامع لمفردات الأدوية1/128).
قال ديسقوريدوس في الثانية ” ان بول الإنسان إذا شربه صاحبه وافق نهش الأفعى والأدوية القتالة وابتداء الحين ، وإذا صب على نهشة أفعى البحر وتنين البحر نفع منها ، والبول ممن كان من الناس قد يخلط بنطرون ويصب على عضة الكلب الكلب والجرب المتقرّح والحكة فيجلوها ، والبول العتيق هو أشد جلاء من البول الجديد للقروح الرطبة العارضة في الرأس والنحالة وهي الحزاز والجرب والقروح التي تسمى أبريا وهي الجدجري ويمنع القروح الخبيثة من أن تسعى في البدن ، وإذا حقنت القروح به منع القروح العارضة فيها من السعي ويقطع سيلان القيح من الآذان “. (الجامع لمفردات الأدوية1/128). وذكر نشوان الحميري” العنية : بول البعير يجعل في الشمس مع أخلاط تخلط به أياماً حتى يعقد ، ثم يطلى به الأجرب. يقال في المثل” عَنِيَّةُ تشفي الجرب”. (شمس العلوم7/754). (مجمع الامثال2/18). (المقاييس4/184).
صحيح ان الجمال لعبت دورا في حياة العرب، سيما البدو، ولكن هذا كات حال الشعوب كلها وليس العرب، فهل كان الفرس يركبوا الطائرات مثلا، والعرب تركب الجمال في الأزمنة القديمة، وسائط النقل القديمة كانت الخيول والجمال والبغال والحمير، وتطورت الى عربات تجرها الخيول بعد اختراع الدولاب، واستخدمت الفيلة في الحروب.
من الغرائب التي وجدتها بعد انتشار سيارات السايبة الايرانية الصنع في العراق، مما يؤكد ان الفارسي لئيم وحقود، ويكره العرب بشكل لا يصدق، ويحاول ان يهينه بشتى الطرق، وغالبا ما يسخر منه ويسميه بالإعرابي البدوي، يعيش مع الجمال حياة البراري، ويشرب بول البعير، عندما سمعت بالسيارت الايرانية (السايبة) التي أغرقت العراق، قلت مع نفسي هذه الكلمة عربية فهل العراقيوان هم من أطلق عليها هذه التسمية أم الفرس؟ وتبين انهم الفرس، فقلت كما توقعت!
هل تعرفون ما معنى السايبة في اللغة العربية؟ ذكر نشوان الحميري” السايبة هي الناقة كانت تسيّب في الجاهلية لنذر ونحوه فلا تحلب ولا تركب ولا ينتفع منها بشيء ، يتقربون بذلك إِلى الله تعالى، قال عزوجلٌ في سورة المائدة/103(( ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ ))”
قال الشاعر:
عقرتم ناقةً كانت لربي وسايبةً فقوموا للعقابِ
قال ابن إِسحاق : السايبة : الناقة إِذا تابعت بين عشر إِناث ليس فيهنّ ذكر سُيِّبت فلم يركبْ ظهرها ولم يَشربْ لبنها إِلا ضيفٌ وما نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها وسميت بحيرة وخُليت مع أمها. ويقال : السايبة : العبد يعتق ولا يكون ولاؤه لِمُعْتِقِه ويضع ماله حيث يشاء”. (شمس العلوم5/569).
ايها الطَّغَام : اتقوا الله في شعبكم
الطغام هم أوغاد الناس، قال تعالى في سورة الشممس/11((كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها )).

ملاحظة مهمة
مما لا شك فيه انه في ظروف الحرب والحصار وانتشار الامراض والفقر والمجاعات يتوجه الناس لأكل ما تعاف عنه النفس ولكن الضرورات تبيح الممنوعات، وفي تأريخ الكثير من الشعوب أكل الناس الميتة والكلاب، بل وصل الأمر الى أكل الأطفال. ان التمسك بالحياة يجعل المرء لا يفكر في نوع طعامه بل أي شيء يسد به رمقه، وهكذا كان حال العرب وغيرهم من الشعوب، وهذه الحالة الإستثنائية لا يمكن اعتبارها حالة طبيعية ومستديمة تختص بها الشعوب، وانما طرف ما أباحها، لكن مع الأسف تمسك الفرس بسبغ هذه الصفة على العرب الغرض منه إهانتهم، مع ان التأريخ يحدثنا عن ممارستهم نفس الحال في حالات معينة، مثلا، ذكر ابن الجوزي عن احداث 16هـ” تحصنت العجم بيهرسير، و نصب عليهم سعد بن أبي وقاص عشرين منجنيقا. وحصروهم شهرين حتى أكلوا الكلاب و السنانير، وربما خرج الأعاجم يمشون على المسنّيات المشرفة على دجلة لقتال المسلمين فلا يقومون لهم، ثم تجردوا يوما للحرب، فقاتلهم المسلمون فلم يثبتوا لهم‌، فنزلوا، و وقع سهم في زهير بن الحياة، فقال زهرة: أخرجوه، فقال: دعوني فإن نفسي معي ما دام فيّ لعلي أصيب منهم بطعنة أو ضربة أو خطوة، فمضى نحو العدو، فضرب بسيفه شهربراز فقتله، ثم أحيط به فقتل”. (المنتظم4/204). ونحن لا نعيب الفرس على أكل الكلاب والسنانير، لأن الظرف أجبرهم على ذلك، ولا نعيرهم بحالة استثنائية، كما يفعلوا معنا

من هم قطاع الطرق؟
أما بشأن وصف العرب بأنهم قطاع طرق، فقد تناسوا معنى فارسي! فقد ذكر هيرودتس في تأريخه بأن معنى فارسي هو قاطع طريق! كما ذكر ابن حوقل وهو من الموالين للشيعة ” ليس يستدرك من مفازة فارس وخراسان غير علم الطريق وما يعرض فى أضعاف طرقها من المنازل والرباطات الموقوفة على سابلة الطريق ليستجار بها فى شدّة البرد من الثلوج وفى شدّة القيظ من الحرّ وليس فيما عدا أطرافها كثير عمارة ولا سكّان، وهذه المفازة من أكثر المفاوز لصوصا وفسّادا وذلك أنّها ليست فى حيّز إقليم بعينه فيرعاها أهل ذلك الإقليم بالحفظ وتحيط بها أيد كثيرة من سلاطين شتّى فبعض هذه المفازة من عمل خراسان وقومس وبعضها من عمل سجستان وبعضها من عمل كرمان وفارس واصبهان وقمّ وقاسان والرىّ فإذا أفسد القاطع فى عمل دخل عملا آخر، ومع ذلك فهى مفازة يصعب سلوكها بالخيل وإنّما تقطع بالإبل فأمّا دوابّ عليها أحمال فلا تسلكها إلّا على طرق معروفة ومياه معلومة إن تجاوزها فى أعراض هذه المفازة متجاوز هلك، وقد سلكتها على الوجهين جميعا فمّرة مع المفردة وأخرى مع الجمال المحمّلة، ولللصوص فى هذه المفازة ملجأ يعتصمون به ويأوون اليه ويخفون فيه الأموال والذخائر يعرف بجبل كركس كويه وكركس اسم المفازة التى تتاخم الرىّ وقمّ الى مسيرة أيّام عنه”. ( صورة الأرض2/402).
كما ذكر المقدسي” القفص يسكنون جبالا بكرمان يتاخم نيسابور، قوم لا خلاق لهم وجوه وحشة وقلوب قاسية وبأس وجلادة لا يبقون على أحد ولا يقنعون بالمال حتّى لا يقتلوا من ظفروا به بسلاح، بل بالأحجار كما تقتل الحيّات تراهم يضعون راس الرجلعلى بلاطة ثم يضربونه بالحجر،حتّى ينصدع وسألتهم عن ذلك قالوا: لا تفسد سيوفنا ولا يفلت منهم أحد الّا ندر، ولهم مكامن وجبال يمتنعون بها وكلّما قطعوا في عمل هربوا الى آخر”.(أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم/489). وقال المؤرخ الشيعي اليعقوبي “بغداد ليس مثل ولا كأرض خراسان، الطاعنة في مشرق الشمس، التي يحيط بها من جميع أطرافها عدوّ كلب، ومحارب حرب”. (البلدان/20).
وقال الهمداني عن بعض الظرفاء” مجالسة أهل فارس تورث الزندقة. ومجالسة أهل الأهواز تورث الغدر. ومجالسة أهل البصرة تورث صغر الهمة. ومجالسة أهل واسط تورث البذالة. ومجالسة أهل الكوفة تورث المروءة والتجمل. ومجالسة أهل بغداد تورث الفتك والظرف واللباقة والنظافة”. (كتاب البلدان للهمداني/316). كما كتب العتّابي إلى المأمون: إن للعرب البديهة، وللعجم الرّويّة، فخذ من العرب آدابها ومباني كلامها، وخذ من العجم مكايدها ونتائج فكرها، تجتمع لك فصاحة العرب ورجاحة العجم”. (البصائر والذخائر7/78). وقال عبد الرحمان بن أخي الاصمعىّ دخلت على الجاحظ فقلت افدنى في البلدان فائدة قال نعم الأمصار عشرة المروّة ببغداد والفصاحة بالكوفة والصنعة بالبصرة والتجارة بمصر والغدر بالريّ والجفاء بنيسابور والبخل بمرو والصّلف ببلخ والحرفة بسمرقند، وقد صدق لعمري”. (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم/33).

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/8
علي الكاش

6. من اين استقى الفرس مثالب العرب؟
قاله الثعالبي” يحكى أن رجلا يتهم بالدعوة قال لأبي عبيدة لما أتهم بكتاب المثالب: أتسب العرب جميعا؟ قال: ما يضرك أنت من ذلك؟ ـ يعني أنه ليس منهم ـ فإذا إدعى النسب في هاشم وهو دعي قالوا: هو إبن عم النبي من الدلدل وهي بغلته، قرابة ما بينهما كقرابة ما بين النبي وبين البغلة، وفي ذلك يقول أبو سعد دوست:
فديتك ما أنت من هاشــــم وما أنت من أحمد المرسل
فإن قلت إني إبن عم النبي فأنت إبن عم من الدلدل (النهاية في الكناية/115).
تُستمد المثالب غالبا من فن الهجاء في الشعر والنثر والخطب وبعض النوادر الواردة في التأريخ العربي والأسلامي، وهي رغم إستهجانها من قبل العلماء المسلمين، لكنها تعد فن قائم بحد ذاته ولا يمكن إنكار هذا الجزء من تأريخ الأمة بغض النظر عن ماهيته وسلبياته، وقد أسهب الكثير من الرواة في ذكر مثالب العرب المسلمين، والكثير منها تجاوز الحقيقة، وكان الغرض منه التجريح بالمقابل بعض النظر عن شخصية القالب والمثلوب. قال الجاحظ” أن ثمة مخبرين كذا بين يصنعون الأخبار أو يولدونها أو يحرفونها لأسباب مذهبية أو دينية أو سياسية أو عنصرية من هؤلاء أبو مخنف والشرقي بن القطامي، والكلبي، وابن الكلبي، ولقيط المحاربي، وشوكر وعطاء الملط، وابن دأب، وأبو الحسن المدائني، وحماد الذي قال عنه يونس بن حبيب: يا عجبا للناس كيف يكتبون عن حماد وهو يصحف ويكذب ويلحن ويكسر”. (البغال/11).
غالبا ما لا تعبر المثالب عن جوهر الذي تعرض اليها، قال الجاحظ” بكى عبد الله بن جدعان من بيت لخداش بن زهير. وما زال يهجوه من غير أن يكون رآه، ولو كان رآه ورأى جماله وبهاءه ونبله والذي يقع في النفوس من تفضيله ومحبته ومن إجلاله والرقة عليه أمسك”. (كتاب الحيوان1/243). قال ابو حيان التوحيدي” بكت العرب من وقع الهِجاء كما تبكي الثَّكْلى من النساء، وذلك لشرف نفوسها ونزاهتها عن كل ما يتخوَّن جمالها ويعيب فعالها”.( أخلاق الوزيرين/90). وأضاف” قيل لعقيل بن عُلَّفة: لم تهجِ قومك؟ فقال: إن الشاة إذا وردت الماء فلم يُصفر لها لم تشرب، أي إذا لم يُحرِّضوا على المكارم لم يفعلوها”. (أخلاق الوزيرين/265).
كما قال الجاحظ” أسباب عداوات النّاس ضروب: منها المشاكلة في الصناعة، ومنها التقارب في الجوار، ومنها التقارب في النّسب، والكثرة من أسباب التّقاطع في العشيرة والقبيلة، والسّاكن عدو للمسكن، والفقير عدوّ للغني وكذلك الماشي والراكب، وكذلك الفحل والخصيّ، و بغضاء السّوق موصولة بالملوك، وكذلك والموصى له بالمال الرغيب، وكذلك الوارث والموروث، ولجميع هذا تفسير”. (كتاب الحيوان7/59). لذا هناك عدة دوافع تقف وراء المثالب منها سنفصلها بدقة:
بكل أسف في الوقت الذي قام الفردوسي وغيره من المؤرخين والشعراء الفرس بتجاوز سلبيات ملوكهم ورجالهم أوإغفالها أوتجاهلها أو طمسها، حيث إنهم ركزوا على إيجابياتهم وبالغوا بها بشكل أقرب منه للأساطير والمعاجز، على سبيل المثال، قال الحميري” تزعم الفرس أن فيلاً من فيلة كسرى اغتلم فأقبل نحو الناس، فلم يقم له شيء حتى دنا من مجلس كسرى، فأقشع عنه جنوده وأسلمه صنائعه، وقصد إلى كسرى ولم يبق معه إلا رجل واحد من فرسانه، كان أخصهم به حالاً، فلما رأى قربه من الملك شد عليه بطبرزين كان في يده فضرب جبهته به ضربة غاب جميع حديده بها في جبهته، فصدف عنه وارتدع، وأبى كسرى أن يزول من مكانه، فلما أيقن بالسلامة قال لذلك الرجل: ما أنا بما وهب الله تعالى لي من الحياة على يديك بأشد سروراً مني بما رأيت من هذا الجلد والوفاء والظفر (3) في رجل من صنائعي وحين لم تخطئ فراستي، فهل رأيت أحداً قط أشد منك؟
قال: نعم! قال: فحدثني عنه! قال: على أن تؤمنني، فأمنه، فحدثه عن بهرام جوبين بحديث شق على الملك إذ كان عدوه بتلك الصفة”. (الروض المعطار/550).
وقال ابن حوقل” اجتزت بعبّادان سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة وهى جزيرة فى وسط الدجلة وماء الفرات عند مصبّهما فى البحر واختلاط ماء البحر بهما وفيها رباط يسكنه جماعة الصوفيّة والزهّاد وليس بينهم المرأة البتّة وفى هذه الجزيرة مسجد من جانب الشرق وفيه ودائع وأمانات غير مسلّمة الى أحد من الناس وقد قرّر الجماعة بتلك البقعة أنّ كلّ من أخذ من عبّادان شيئا على سبيل الجناية والسرقة فإنّ السفينة تغرق لا محالة بزعمهم حتّى أنّهم قد رسخوا فى قلوب الناس أنّ تراب عبّادان إن حمله أحد بغير أمر أولئك الجماعة فإنّ تلك السفينة التى فيها من ذلك التراب تغرق وليس كما زعموا”. ( صورة الأرض/48).
وذكر ياقوت الحموي عن تعظم الفرس للنار” قرأت في كتاب الابستاق، وهو كتاب ملّة المجوس: أن سعدى بنت تبّع زوجة كيكاووس، عشقت ابنه كيخسرو وراودته عن نفسه، فامتنع عليها، فأخبرت أباه أنه راودها عن نفسها، كذبا عليه، فأجّج كيخسرو لنفسه نارا عظيمة بأبرقوه، وقال: إن كنت بريئا فإن النار لا تعمل في شيئا، وإن كنت خنت كما زعمت، فإن النار تأكلني. ثم أولج نفسه في تلك النار وخرج منها سالما ولم تؤثر فيه شيئا، فانتفى عنه ما اتّهم به. قال: ورماد تلك النار بأبرقوه شبه تلّ عظيم، ويسمّى ذلك التلّ اليوم، جبل إبراهيم، ولم يشاهد إبراهيم، عليه السلام، أرض فارس ولا دخلها، وإنما كان ذلك بكوثاربّا من أرض بابل”. (معجم البلدان1/70).
وذكر فريد الدهر شمس الدين الأصفهاني” أن بمازندران، وهي المسماة طبرستان عين ماء، من حمل من مائها، تبعته دودة طول أنملة الإنسان، فلو مل الماء تسعة، وكان معهم عاشر لم يحمل الماء، تبع كل واحد ممن حمل دودة، ولم يتبع العاشر الذي لم يحمل شيئا، فإن قتل واحد منهم تلك الدودة استحال الماء مرا لوقته، واستحال ماء كل من هو وراءه مرا، وأما من هو على جانبه فلا يستحيل ماؤه” ( مسالك الابصار3 /213).
على العكس من ذلك نجد ان المؤرخين العرب أسهبوا في الحديث عن مثالب العرب المعارضين لهم، مؤرخوا الدولة العباسية مثلا بالغوا في ذكر مثالب بني أمية، وإختلقوا الكثير من القصص والأكاذيب للطعن بهم، وهكذا بالنسبة لبقية الحقب التأريخية اللاحقة، وقد شكلت هذه المثالب العربية العربية، والإسلامية مادة دسمة للفرس أولا، ومن بعدهم للمستشرقين، إستثمروها في الطعن بالعرب والإسلام. على سبيل المثال هذه النصوص. قال المقدسي عن سكان الجزيرة العربية” يكثرون اكل لحم اليربوع والحيّات ويقطعون الطريق ويؤون الغريب ويهدون الضالّ ويخفرون القوافل وعلى الجملة لا يمكن ان يعبر أحد هذا الطريق الّا بخفير أو قوّة وترى الحاجّ مع قوّتهم يهتكون وتؤخذ اباعرهم وخزائنهم”. (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم/252).
قال الكاتب المجهول وهو فارسي كما يظن اكثر من كتب وحقق له” باورد: تقع بين الجبل والمفازة. ذات مزارع وحقول كثيرة. هواؤها حسن، وأهلها سفلة”. ( حدود العالم/115). و ايضا” ساروان: بلدة في الجبال، أهلها ذوو جرأة ومقاتلون يمتهنون اللصوصية، عنيدون عديمو الوفاء مصاصو دماء. والعصبيات بينهم دائمة”. ( حدود العالم/119). وعن الغور” وهي بلاد بين الصخور والجبال، لها ملك يسمونه غورشاه، يستمد سلطته من أمير الجوزجان. وكانت الغور هذه قديما دار كفر بأسرها، أهلها سيئو الطباع وغلاظ وجهلة”. ( حدود العالم/123).
ذكر ابن بطوطة عن الهند” كان للسطان صهر يسمى بمغيث بن ملك الملوك وكانت أخت السلطان تشكوه لأخيها إلى أن ماتت فذكر جواريها أنها ماتت بسبب قهره لها وكان في نسبه مغمز فكتب السلطان بخطه يجلى اللقيط يعينه ثم كتب ويجلى موش خوار معنا آكل الفئران، يعني بذلك الأمير غدا لأن عرب البادية يأكلون اليربوع وهو شبه الفأر”. (رحلة ابن بطوطة2/364). قال ياقوت الحموي عن دور الراسبي” بين الطيب وجنديسابور من أرض خوزستان. كأنه منسوب إلى بني راسب ابن ميدعان بن ماك بن نصر بن الأزد بن الغوث. يُنسب إلى دور الراسبي أبو الحسين علي بن أحمد الراسبي. وهو من عظماء العمال وأفذاذ الرجال. مات ليلة الأربعاء لليلة بقيت من ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين ثلاثمائة، في أيام المقتدر بالله، ووزارة وزيره علي بن عيسى. ودُفن الراسبي بداره. وخلف بنتاً وأخاً، وكان يتقلد من واسط إلى شهرزور، وكورتين من كور الأهواز. ومبلغ ضمانه ألف ألف وأربعمائة ألف دينار في كل عام ولم يكن للسلطان معه غير صاحب البريد، لأن الحراج والضياع والحرث والشجر وما سواه داخل في ضمانه. وقد استطاع ضبط جميع أعماله، وحمى ما تحت يديه من الأعراب واللصوص والكرد، ومات عن أموالٍ عظيمةٍ”.(الخزل والدأل/10). وهناك الآلاف من النصوص التي تتضمن مثالب للعرب والمسلمين رواها المؤرخون العرب يمكن الرجوع اليها في كتابنا (إغتيال العقل الشيعي).
معنى المثالب
لا بد من أخذ فكرة مبسطة عن مثالب العرب ومصادرها وكيفية إستفادة الشعوبيين منها.
قال ابو الضلع السندي:
لنْ ترىَ بيتَ هِجاءٍ أبــــــداً يأتيكَ منىِّ
الهجاء أكبرُ مِمــن قدورُه يَصْغُرُ عنيِّ (كتاب الورقة/23)
المثالب جمع مثلب ومثلة ومثلبة، وتعني العيوب، ويقال بانت مثالبه أي ظهرت عيوبه أو نواقصه، وعكسها منقبة أي محاسن المرء. ويقال أمر ثلب بمعنى أمر معيب، والفاعل منه ثالب، والمفعول به مثلوب. وثلب عرضه بمعنى طعن في عرضه. ذكر الفيروزآبادي ” ثلبه يثلبه ثلبا من باب لامه وعابه وصرح بالعيب، قال الراجز(لا يحسبن التعريض إلا ثلبا)، وقيل الثلب شدة اللوم والأخذ باللسان”. (تاج العروس). أما إبن منظور فقد ذكر” ثلبه يثلبه ثلبا بمعنى لامه وعابه وصرح بالعيب، وقال فيه وتنقصه”. (لسان العرب). وذكر الجوهري” ثلبه ثلبا إذ صرح بالعيب وتنقصه، وذكر نفس ما جاء في تاج العروس ولسان العرب. (الصحاح في اللغة). وهناك معاني أخرى للكلمة لا يعنينا أمرها بقدر تعلق الأمر بموضوع البحث.
يفسر(أمجد حسن سيد أحمد) وهو أول من حقق كتاب المثالب في رسالة دكتوراة ” المثالب هي عملية تنفيس ضد الحكم القائم على حد التعبير، وقد إشتد أمر المثالب حين أمر معاوية (رض) بسب العلويين على منابر المساجد، مما أثار غضب المسلمين عامة والعرب خاصة، وحثهم في مثالب الأمويين وأعوانهم من العرب”. (أطروحة المثالب/21). الحقيقة أن هذا الكلام غير علمي مطلقا، فالهجاء كأحد أهم واجهات المثالب هو أحد أغراض الشعر في العصر الجاهلي شأنه شأن بقية الأغراض، والمثالب معروفة منذ نشأة الإنسان وحتى الوقت الحاضر، ولكنها تطورت وإتسعت في العصر الجاهلي، وليس الإسلامي كما زعم سيد أحمد، لأن الشعر كما هو معروف قد خفت بريقه مع فجر الإسلام، ولكنه عاد الى نشاطه مع العهد الأموي، ولكن وصل أوجه في العهد العباسي الأول وليس العصر الأموي كما ذكر الكاتب ، حيث إشتدت النزعات الشعوبية المعادية للعرب والإسلام على حد سواء. ويمكن القول بأنه إشتد امر المثالب في عهد الدولة العباسية أي حكم آل البيت الذين بالغوا في التأليب على ذكر مثالب بني أمية، وأشتروا ذمم الكتاب والشعراء، ويمكن إجراء مقارنة ما بين توجهات الشعراء خلال العهدين الأموي والعباسي لمعرفة الفارق.
قال الشاعر:
لا تهتكن من مساوي النّاس ما ستروا فيهتك الله سترا من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكـــــــروا ولا تعـب أحدا منهم بما فيكا
من جهة ثانية لم يثبت ان معاوية أمر أمر بسب العلويين على منابر المساجد كما إدعى محقق المثالب، فهذه الروايات كان مصدرها الشيعة أو أخذت عن مراجعهم على علتها، وقد شاعت في العصر العباسي كما بينا، ومن المعروف أن هناك حالات تزاوج بين العلويين وبني أمية، فكيف يُسب العلويون عموما! كما كان أئمة الشيعة يستلمون المنح والجوائز من خلفاء بني أمية سيما الحسن والحسين، فكيف يتسلموا عطايا ممن يشتمهم! في هذه التهمة طعن بالأئمة وليس ببني أمية فحسب. قال ابن عبد ربه” اجتمع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعين، وهو عام الجماعة؛ فبايعه أهل الأمصار كلها، وكتب بينه وبين الحسن كتابا وشروطا، ووصله بأربعين ألفا. وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة، أنه قال له: والله لأجيزنّك بجائزة ما أجزت بها أحدا قبلك، ولا أجيز بها أحدا بعدك! فأمر له بأربعمائة ألف”. (العقد الفريد5/111)
المثالب تُستمد غالبا من فن الهجاء في الشعر والنثر والخطب وبعض النوادر الواردة في التأريخ العربي والأسلامي، وهي رغم إستهجانها من قبل العلماء المسلمين لكنها تعد فنا قائما بحد ذاته ولا يمكن إنكار هذا الجزء من تأريخ الأمة بغض النظر عن ماهيته وسلبياته، وقد أسهب الكثير من الرواة في ذكر مثال العرب المسلمين، والكثير منها تجاوزت الحقيقة، وكان الغرض منه التجريح بالمقابل بعض النظر عن شخصية الثالب والمثلوب، وهناك عدة أسباب تقف وراء المثالب منها.

عقيل بن أبي طالب أكثرهم ذكرا لمثالب الناس!
قال الأفطسي” أربعة من قريش كانوا رواة الناس للأشعار، وعلماءهم بالأنساب والأخبار؛ مخرمة بن نوفل بن وهيب بن مناف بن زهرة، وأبو الجهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب. وحويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي. وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وكان عقيل أكثرهم ذكرا لمثالب الناس، فعادوه لذلك، وقالوا فيه وحمّقوه، وسمعت ذلك العامة منهم”. (المجموع اللفيف/425). علما أن عليّ وعقيل أمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم. ذكر التوحيدي” قال المدائنيّ: مرّ عقيل بن أبي طالب على أخيه عليّ بن أبي طالب (ع) ومعه تيس، فقال له عليّ: إنّ أحد ثلاثتنا أحمق. فقال عقيل: أمّا أنا وتيسي فلا”. ( الامتاع والمؤانسه1/390).

حالة السب واللعن بين علي ومعاوية
قال الشاعر:
إذا مَا ذكرت الناس فاترك عيوبهم فلا عيب إلا دون ما منك يذكر
فإن عبت قوما بالذي ليس فيهــــم فذلك عند اللَّه والناس أكبر
وإن عبت قوما بالذي فيك مثلــــه فكيف يعيب العور من هو أعور
وكيف يعيب الناس من عيب نفسه أشد إذا عد العيوب وأنكر
متى تلتمس للناس عيبا تجد لهـــم عيوبا ولكن الذي فيك أكثر (روضة العقلاء/125)
من المعروف أن هناك حالات تزاوج بين العلويين وبني أمية، فكيف يُسب العلويين عموما! وكان أئمة الشيعة يستلمون المنح والجوائز من خلفاء بني أمية سيما الحسن والحسين، فكيف يتسلموا عطايا ممن يشتمهم! في هذه التهمة طعن بالأئمة وليس ببني أمية فحسب. قال ابن عبد ربه” اجتمع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعين، وهو عام الجماعة؛ فبايعه أهل الأمصار كلها، وكتب بينه وبين الحسن كتابا وشروطا، ووصله بأربعين ألفا. وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة، أنه قال له: والله لأجيزنّك بجائزة ما أجزت بها أحدا قبلك، ولا أجيز بها أحدا بعدك! فأمر له بأربعمائة ألف”. (العقد الفريد5/111).

1. أسباب عنصرية
يتمثل التعصب العنصري بالمنافسة بين الشعراء والخطباء ومحاولة كل فريق أن يُعلي من شأن قومه ويسيء للفريق الذي يعاديه عن حق أو باطل. وهذا ما تجده في المفاخرة بين العرب والفرس والروم وغيرهم. حيث يحاول كل قوم ان يظهر محاسنه من جهة وعيوب غيره من جهة أخرى.
قال الثعالبي” يحكى ان رجلاً يتهم بالدعوة قال لابي عبيدة لما اتهم بكتاب المثالب أتسب العرب جميعاً؟ قال: وما يضرك أنت من ذلك يعني انه ليس منهم ” فاذا ” ادعى النسب في هاشم وهو دعى قالوا هو ابن عم النبي من الدلدل وهي بغلته اي قرابة ما بينهما كقرابة ما بين النبي وبين البغل وفي ذلك يقول ابو سعد دوست:
فديتك ما أنت من هاشـــم وما أنت من احمد المرسل
فان قلت أني ابن عم النبي فانت ابن عم من الدلدل (رسائل الثعالبي/74).
قال الحصري” قبيلة منسوبة إلى الضعف، وقد ضربت العرب بها المثل. قال الفرزدق لجرير:
وما استعهد الأقوام من زوج حرة من الناس إلا منك أو من محارب
أى يأخذون العهد عليه أنه ليس من كليب ولا من محارب”. ( زهر الآداب3/709).
قال أبو نواس فى قصيدته التى فخر فيها باليمانية وهجا قبائل معدّ:
وقيس عيلان لا أريد لها من المخازى سوى محاربها ( زهر الآداب3/709).
قال الفرزدق يهجو بني كليب:
ولو يرمى بلؤم بنى كليب نجوم الليل ما وضحت لسارى
ولو لبس النهار بنو كليب لدنّس لؤمهم وضح النهـــــــار ( زهر الآداب4/913).
قال أبو صاعد: كان الشنآن بن مالك رجلاً من بنى معاوية بن حزن بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، يتغنى بأبيات له، وقد كان يزور نساء من بنى المنتفق ابن عم له يقال له المضرحى، فقال بنو المنتفق: لئن لقينا المضرحى لنعقرن به! فتغنى الشنآن بن مالك – وكان صارماً، وكان إنساناً تطلعه العين صورة – فقال:
لقد غضب العرام في أن أزورهـا ولم أر كالعرام حراً ولا عبداً
ولا مثل مكحول ولا مـثل مـــالك ولا مثل غيلان إذا ما ارتدى البردا
أتوعد نضو المضرحى وقد ترى بعينك رب النضو يغشاكم فردا
فما ذنبنا إذ علقتنا نساؤكــــــــــم ولم تر فيكم ذا جمال ولا جلدا (مجالس ثعلب1/56).
قال يحيي بن مبارك اليزيدي يهجو الأصمعي في شعرٍ له:
ومن أنت هلْ أنتَ إلا امرؤٌ إذا صحَّ أصلكَ من باهلهْ
وحسبكَ لؤمُ قبيلٍ بهـــــا لمنْ هيَ في كفه حاصلهْ
فكيفَ لمن كان ذا دعوةٍ وكفــــــــــه نسبته شائلهْ (الورقة/7)
أنشد دعبل لرزين بن زندورد العروضي يهجو خُزاعة:
أخُزاعَ إن ذُكرِ الفخارُ فأمسكوا وضَعوا أكُفكمُ على الأفواهِ
لا تفخروا بسوى اللواطِ فإنمــا عندَ المفاخرِ فخركـمْ بستاهِ (الورقة/8)
قال فضل بن هاشم الملقب ابن جُدير البصري:
أنا فضلُ بنُ هاشمِ بن جُديرِ لمْ أقل مُذْ خُلقتُ كِلمةَ خيرْ (الورقة/30)
قال الطِرِمَّاح:
تَميمٌ بطُرْقِ اللؤمِ أهدَى من القَطَا ولو سلكتْ طُرْقَ المكارمِ ضلَّتِ
أَرَى اللَّيلَ يَجلوه النهار ولا أَرَى رجالَ المخازي عن تميمٍ تجلَّتِ
ذبحنا فَسَمَّينا فَحَلَّ ذبيحُــــــــــنا وما ذبحتْ يوماً تميمٌ فسمَّتِ
ولو أنَّ برغوثاً علَى ظهرِ قملةٍ يكُرُّ علَى ضيفيْ تَميمٍ لولَّتِ (الزهرة/188)
النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/9
علي الكاش

2. أسباب دينية
حيث تحاول كل جهة أن تظهر بأن دينها هو الحق والصواب، وبقية الأديان يلوكها التحريف والتشويه سواء كانت الأديان سماوية أو وضعية، والحروب الصليبية والتبشيرية من أبرز الشواهد التأريخية التي يمكن الإستشهاد بها.
قالَ الشَّاعِرُ:
وَلَقَدْ رأَيتُ مكانَهم فكرِهْتُهمْ كَكَراهَةِ الخِنزيرِ للإِيغار
قال ابن منظور” الإِيغارُ: أَن تُسخن الْحِجَارَةَ وتُحْرِقَها ثُمَّ تُلْقِيَهَا فِي الْمَاءِ لِتُسَخِّنَهُ. وَقَدْ أَوغَرَ الماءَ إِيغاراً إِذا أَحرقه حَتَّى غَلَى؛ وَمِنْهُ الْمَثَلُ: كَرِهَتِ الخنازِيرُ الحَمِيمَ المُوغَرَ، وَذَلِكَ لأَن قَوْمًا مِنَ النَّصَارَى كَانُوا يَسْمُطون الْخِنْزِيرَ حَيًّا ثُمَّ يَشْوُونه”. (لسان العرب5/286)
ـ قال البحترى في هجائه قوماً من النصارى وذلك حيث يقول:
دارٌ بها جهل السماح وأنكــــر المعروف بين شماسمس وقسوس
لم يسمعوا بالمكرمات ولم ينخ في دراهم ضيف سوى إبليس
أسيافهم خشب وحلف نسائهم إمّا حلفن بفيشة القسّييس
آذانهم وقرٌ عن الداعي إلى الهيجاء مصغيةٌ إلى الناقوس ( العقد المفصل/81).
ـ قال مهيار الديلمي:
فخالف أمرك فيما أمرت ثقيل إذا خفّ رضوى ثقل
كأنّي أنا قلت في مريـــم وحاشا لها من بغيّ الحبل
وهدّمت قبلة ماسرجــس وأطفأت قنديلها المشتعل
وشاركت في دم عيسى اليهود كما عنده أنّ عيسى قتل (العقد المفصل/81).
ـ قال ابو طاهر” كان لباديس بن حبوس الحميري صاحب غرناطة وزير يهودي فهلك واستوز بعده نصرانياً، فقال أبو القاسم خلف بن فرج اللبيري الشاعر المنبوز بالسميسير ثلاثة أبيات وكتب بها نسخاً عدة ورماها في شوارع البلد والطرقات، وسار من ساعته إلى المرية معتصماً بالمعتصم بن صمادح، وطارت الأبيات في أقطار الأندلس ولما وقف باديس أرسل وراءه أصحاب الخيل، ففاتهم ولم يلحقوهن والأبيات فهي:
كل يوم إلى ورا بدل البول بالخرا
فزماناً تهـــــودا وزماناً تنصرا
وسيصبو إلى المجوس إن الشيخ عمرا (أخبار وتراجم اندلسية/83).
ـ كما قال الجاحظ” ليس الخصاء إلا في دين الصابئين، فإن العابد ربما خصى نفسه، ولا يستحل خصاء ابنه. فلو تمت إرادتهم في خصاء أولادهم في ترك النكاح وطلب النسل كما حكيت لك قبل هذا لانقطع النسل، وذهب الدين، وفتن الخلق. والنصراني وإن كان أنظف ثوباً، وأحسن صناعة، وأقل مساخة، فإن باطنه ألأم وأقذر وأسمج، لأنه أقلف، ولا يغتسل من الجنابة، ويأكل لحم الخنزير، وامرأته جنب لا تطهر من الحيض، ولا من النفاس، ويغشاها في الطمث، وهي مع ذلك غير مختونة. وهم مع شرارة طبائعهم، وغلبة شهواتهم ليس في دينهم مزاجر كنار الأبد في الآخرة، وكالحدود والقود والقصاص في الدنيا، فكيف يجانب ما يفسده، ويؤثر ما يصلحه من كانت حاله كذلك. وهل يصلح الدنيا من هو كما قلنا؟ وهل يهيج على الفساد إلا من وصفنا؟وزعموا أن كل من اعتقد خلاف النصرانية من المجوس والصابئين والزنادقة فهو معذور، ما لم يتعمد الباطل، ويعاند الحق. فإذا صاروا إلى اليهود قضوا عليهم بالمعاندة، وأخرجوهم من طريق الغلط والشبهة”. (رسائل الجاحظ3/323).
ـ قال الشاعر:
سموك عيسى ولم تأتِ بمكرمة ولم تشابهه في فضل ولا أدب
وما أتيت بشيء مــــن فضائله إلا بأنك من أم بغير أب (كشكول البحراني3/1480)
ـ قال ابو نواس:
لا تمكنني من العربيد يشربني ولا اللئيم الذي ان شمني قطبا
ولا المجوس فإن النار ربهم ولا اليهود ولا من يعبد الصلبا
ولا السفال الذي لا يستفيق ولا غر الشباب ولا من يجهل الأدبا ( ديوان ابي نواس/248)
ـ قال ابن الخطيب:
وعصبة شر من يهــــــود لقيتها بجانبها داعي الهدى ويخليها
اذا آمنوا واستوثقوا الباب أعلنوا خبائث ما كان اللسلن يشفيها هامش (أمثال العوام1/217).
ـ قال الحسين بن الضحاك:
آذنك الناقوس بالفجــــــــــر وغرّد الراهب في العمر
واطّردت عيناك في روضة تضحك عن حمر وعن صفر
وحنّ مخمور إلى خمــــــرة وجاءت الكأس على قدر
فارغب عن النوم إلى شربها ترغب عن الموت إلى النّشر
(المجموع اللفيف/474). (الديوان/61)

3. أسباب مذهبية
وهذه ناجمة عن تعدد الفرق المذهبية لأصحاب الدين الواحد، ومحاولة معظمها الإساءة لبقية الفرق والطعن فيها بهدف دعم افكارها من وإظهار محاسنها من جهة وإستمالة الناس اليها، والحد من ظاهرة إنجذاب الناس لبقية الفرق المعارضة لها أيضا. وغالبا ما ينجم عن هذا التطاحن حروبا بين أبناء الدين الواحد، كما هو الحال بين الكاثوليك والبروتستانت، وحروب الخوارج والقرامطة والزنج وغيرها في الإسلام. وعلى الرغم من أن ظاهر الحروب هو مذهبي، لكن باطنه صراع من أجل المصالح والسلطة والنفوذ.
حدَّثنا عبد الله بن زكريا البصريُّ، قال: شهد السَّيدُ الشاعر عند سوَّار بن عبد الله القاضي بشهادة، فَرَدَّةَ، وقال: أنت رافضيُّ. فقال السيِّدُ أبياتاً كتب بها إلى المنصور، أوَّلها ” من الرمل “:
قفْ بنا يا صاحِ وارْبع بالمغاني الموحشاتِ
يا أَمينَ اللهِ يا من صورُ يا خيرَ الولاةِ
إِنَّ سوَّارَ بن عبد الله مِن شرِّ القضاةِ
نعثليُّ جَمليُّ لكم غيرُ مُواتِ
جدُّهُ سارقُ عنزِ فَجْرَةٌ من فَجَرات
لرسولِ اللهِ والقا ذِفهِ بالمنكراتِ
والذي نادى رسول الله خلفَ الحجراتِ
يا هناهُ اخرجْ إِلينا إِنَّنا أَهلُ هِناتِ
فاكفنيهِ لأكفاهُ الله شَرَّ الطَّارقاتِ
فكتب إليه المنصور بإقطاعه أرضاً من أرض الحجاج بن يوسف، وكتب إلى سوَّار: لا يد لك عليه.
فقيل له: لو اعتذرت إلى الرجل، فقد أسأت القول فيه، ففعل، فلم منه سوَّار، فأنشأ يقول ” من المتقارب:
أَتيتُ دَعيَّ بني العَنبر أَرومُ اعتذاراً فلم يَعذُرِ
فقلتُ لنفسي وأَلزمتُها السْلامة من لومنا أَقصري
أَيعتذرُ الحُرُّ ممَّا أَتى إِلى رَجلٍ من بني العنبر
أَبوكَ ابنُ سارقُ عَنزِ النَّبيِّ وأُمُّك بنتُ أَبي حَجدرِ
” ونحن على رغمكَ الرَّافضون لأَهل الضلالةِ والمنكرِ (أمالي المزرع العبدي/2)

4. اسباب مادية وإقتصادية
وهذا الأمر يتجلى بوضح في الشعر العربي حيث يحاول الشعراء والخطباء التكسب من أشعارهم بمدح الخلفاء والسلاطين والزعماء من جهة والقدح بمن يعاديهم من جهة أخرى، فينالوا الجوائز ويحظوا بالمناصب والنفوذ. وفي التأريخ الإسلامي نشط هذا النوع من الشعر والخطب في العهد العباسي الأول للقدح والإساءة لبني أمية. وظاهرة التكسب والتزلف للقادة والزعماء ما تزال قوية لحد الآن سيما عند الشعوب المتخلفة عن ركب الحضارة.
قال الفضل بن العباس اللهبي في بني امية:
مهلا بني عمنا عن نحــت أثلتنا سيروا قليلاً كما كنتم تسيرونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا
مهلا بني عمنا مهـــــلاً موالينا لاتنشروا بيننا ما كـــان مدفونا
الله يعلم أنّا لا نحبكم ولا نلومكم ألا تحبونا (بهجة المجالس/165).
قال ابن الجراح” يروى أن أبا جعفرٍ المنصورَ طلب المستهل بن الكميت حتى ظفر به، فقال له: أبوك الذي يقول:
الآن صرتُ إلى أميّـَة والأمورُ لها مصائر؟
فقال: يا أمير المؤمنين وأبي الذي يقول:
فما لي إلا آل أحمدَ شيعةٌ ومالي إلا مشعب الحقِّ مشعبُ
(الورقة/20). وقال ابو هفان” دخل على محمد الأمين فقال: قد قلت فيك أبياتا يا أمير المؤمنين ولست بمنشدكها حتى تنزل عن السرير وأجلس أنا عليه فقال له: قد تجاسرت، فوالله لئن أحسنت لأحسنن إليك، ولئن أسأت لأمثلن بك. فنزل عن السرير وأجلسه فأنشأ يقول:
ضياء الشمس والقمر المنير إذا طلعا كأنهما الأمير
فإن يك أشبها شيئا قليلا فقد أخطاهما منه كثير
لان الشمس تغرب حين تمسي وأن البدر ينقص إذ يسير
ونور محمد أبدا تمام على وضح المحجة مستنير
فقال الأمين: علي بسفط فيه در فجيء به. فلم يزل يحشو فاه حتى صاح: القتيل القتيل يا أميرالمؤمنين”. (أخبار ابي نواس/13)
سأل أبو النواس أبي الشمقمق عن حاله فأنشده:
كنتُ فيما مضى فتى أمدحُ الناس وأهجوُ وذاكَ ذلٌ ذليلْ
فأنا اليومُ ليسَ قولـــــــــــــي إلا حسبنا الله وهو نعمَ الوكيلْ
قال له أبو النواس: يا ابن الزانية، قل لهذا يطعمك الخبز فبلغت الرشيد، فقال ليعلمن الزنديق أذاك سينفعه، فيعث إلة أبي الشمقمق بعشرة آلاف درهم، وأمر أن يجري عليه في كل شهر ألف درهم. (سقط الملح/27).

5. أسباب شخصية
وهي ناجمة عن الحسد والعداوة والنهب والسلب والحقد والثأر والتنافس على التكريم والحظوة والنفوذ والامتيازات وغيرها من العوامل. قال ابن المقفع” الحاسد لا يزال زاريا على نعمة الله ولا يجد لها مزالا، ومكدّرا على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما، ولا يزال ساخطا على من لا يترضّاه، ومتسخّطا لما لا ينال، فهو كظوم هلوع جزوع، ظالم أشبه شىء بمظلوم، محروم الطّلبة، منغّص العيشة، دائم التسخّط، لا بما قسم له يقنع، ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلّب في فضل نعم الله مباشرا للسرور”. ( زهر الآداب1/246).
كان بين مسلمة بن عبد الملك وبين العباس بن الوليد تباعد، فبلغ العباس أن مسلمة ينتقصه، فكتب إليه يقول:
ألا تقنى الحياء أبا سعيــــــــد وتقصر عن ملاحاتى وعذلى
فلولا أنّ فرعك حيــــــن تنمى وأصلك منتهى فرعى وأصلى
وأنى إن رميتك هضت عظمى ونالتنى إذا نالتك نبلــــــــــى
( زهر الآداب3/717).
قال ثعلب” اخبرنا أبو العباس قال: حدثني أبو العالية قال: نزل الكروس الهجيمي بشيخ من بني الهجيم، يقال له عرف، فأكرمه وأحسن قراه، فغدا يهجوه فقال:
لو كــــــان عوف مجرباً لعذرته ولكــــــن عوفاً ذو حليب ورائب
لدى روضة قرحاء برقاء جادها من الدلو والوسمى طل وهاضب
تحوز منى أمهم أن أضيفها كما انحازت الأفعى مخافة ضارب
أناس يبيت الضيف قدام أهلهم مكباً تخطله عظام المحالب (مجالس ثعلب1/17).
قال ابن الجراح” ان سبب اتصال إسماعيل القسري بطاهر أنه اعترضه في بعض طرقاته، فقال: إني قد امتدحت أمير المؤمنين، فهل يسمع؟ قال: لا قال: فإني مدحتك، فهل تسمع؟ قال: لا.قال: فقد هجوت نفسي فهل تسمع؟ قال: هات. فأنشده:
ليس منْ بخلك أنىِّ لمْ أجدْ عندكَ رزقاً
إنما ذاكَ لشؤْمي حيثما أذهبُ أشقى
فجزاني الله شراً ثمَّ بُعداً لي وسُحقاً (الورقة/20)

6. أسباب عشائرية وأقليمية
لو إستعرضنا تأريخ العشائر العربية سنجد، سيما قبل الإسلام، كان هناك تناحر وحروب ما أنزل الله بها من سلطان ولأسباب بعضها تافهة، وكان شاعر العشيرة هو لسان حال العشيرة والواجهة الإعلامية لها، فيشيد بمآثر عشيرته وأبطالها وإنتصارتها، ويطعن في العشيرة أو العشائر المعادية لها، وغالبا ما تفيض مخيلته عن عيوب هي غير موجودة أصلا في العشيرة المثلوبة، ولكن الحاجة والضرورة تضطره لمثل هذا النهج، وهذا ما يقال عن العشيرة المقابلة، ويعتبر فن الهجاء ونقيضه المفاخرة من أبرز فنون الشعر العربي وأغراض الشعر. لذلك كان هناك شعراء تميزوا بالفخر وآخرون بالحماسة وآخرون بالرثاء وغيرهم بالمديح وغيرهم بالخمريات وهكذا. ولا تخلو عشيرة عربية من الطعن بها من قبل غيرها من العشائر سواء عن حق أو باطل. قال الابشيهي” القصد من الهجاء الوقوف على ملحه وما فيه من ألفاظ فصيحة ومعان بديعة، لا التشفي بالأعراض والوقوع فيها. وليس الهجاء دليلا على إساءة المهجو ولا صدق الشاعر فيما رماه به، فما كل مذموم بذميم، وقد يهجى الإنسان بهتانا وظلما أو عبثا أو ارهابا”. (المستطرف/251).
قال الفراهيدي” فسو: الفَسوُ: معروف، الواحدة: فَسْوة، والجميع: الفُساء، والفعْل: فسا يفسو فسواً. والفَسو: اسم لزم حيّاً من العرب معروفين، يقال لهم: الفُساة، وهم: عبد القيس، وقيل لهم: بنو فسوة”. (العين7/309).
ـ قال الفرزدق:
إِذَا أَسَدِيٌ جَاعَ يَوْمًا بِبَلْدَةٍ … وَكانَ سَمِيْنًا كَلْبُهُ فَهُوَ آكلُه
قال الجاحظ” هذا قول الفرزدق هذا يهجو به بني أسد لأنهم كانوا يأكلون الكلاب”. (البخلاء/300).
ـ قال الفرزدق:
إِذَا أَسَدِيٌ جَاعَ يَوْمًا بِبَلْدَةٍ … وَكانَ سَمِيْنًا كَلْبُهُ فَهُوَ آكلُه
قال الجاحظ” هذا قول الفرزدق هذا يهجو به بني أسد لأنهم كانوا يأكلون الكلاب”. (البخلاء/300).
حكى أبو عبيدة قال: كان عجل بن لجيم من محمقي العرب، فقيل يوماً إن لكل فرس اسماً، فما اسم فرسك فإنه جواد؟ قال: لم اسمه، قالوا: فسمه، ففقأ إحدى عينيه وقال قد سميته الأعور! وفيه يقول الشاعر:
رمتني بنوُ عجلٍ بداءِ أبيهــــمُ وهلْ أحدٌ في النَّاسِ أحمقُ منْ عجلِ
أليسَ أبوهم عاب عينَ جوادهِ فسارت به الأمثالُ في النَّاسِ بالجهلِ (الهفوات النادرة/17).
وقول جرير:
لو أن تغلب جمعت أحسابها يوم التفاخر لم تزن مثقالا
وكقوله فيها:
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى حك أسته وتمثّل الأمثالا
( المحاضرات في اللغة والأدب/107)
وقول الطرماح:
لو كان يخفى على الرحمان من أحد من خلقه خفيت عنه بنو أسد
( المحاضرات في اللغة والأدب/107)
قال اليوسي” كانوا بنو نميرمن جمرات العرب المستغنين بقوتهم وعددهم عن طلب حلف، وكانوا يفتخرون بهذا الاسم ويمدون به أصواتهم إذا سئلوا، إلى أن هجا جرير عبيد بن حصين الراعي منهم بقصيدته التي يقول فيها مخاطباً له:
فغضَّ الطرف إنك من نمــير فلا كعباً بلغـــــت ولا كلابا
ولو وضعت شيوخ بني نمير على الميزان ما عدلت ذبابا
فسقطوا ولم يرفعوا بعد ذلك رأساً، حتى كانوا لا يتسمون بهذا الاسم، فإذا قيل للواحد منهم من أنت؟ قال: عامريّ”.( المحاضرات في اللغة والأدب/16)
قال اليوسي” كانوا بنو العجلان يتفاخرون بهذا الاسم لأن جدهم إنما قيل له العجلان لتعجيله القرى للضيفان حتى هجاهم النجاشي فقلب الاسم ذماً، وفي ذلك يقول:
قُبَيِّلَة لا يخفرون بذمــــــة ولا يظلمون الناس حَبّة خردل
ولا يردون الماء إلاّ عشية إذا صدر الوُرَّاد عن كلِّ منهل
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم وتأكل من كعب بن عوف ونهشل
وما سمي العجلانَ إلاّ لقولهم خذ القَعْبَ واحلب أيها العبــــد واعجل
فتنكروا من هذا الاسم، وجعل الواحد منهم إذا سئل يقول: كعبي مخافة أن يسخر منه”.( المحاضرات في اللغة والأدب/16).
قال إبن المعتز” كان ابو نواس شديد التعصب لقحطان علي عدنان، وله فيهم أشعار كثيرة، يمدحهم ويهجو أعداءهم، وكان يُتهم برأي الخوارج، فمما يروى له في تفضيل اليمن والافتخار بهم قوله:
واهج نزاراً وأفر جلدتها وهتك الستر عن مثالبها
واحبب قريشاً لحب أحمدها واشكر لها الجزل من مواهبها
إن قريشاً إذا هي انتسبت كان لنا الشطر من مناسبها
فأم مهدي هاشم أم مو سى الخير منا فافخر وسامِ بها
بل مل إلى الصيد من أشاعثها والسادة الغر من مهالبها
أما تميم فغير راحضة ما شلشل العبد في شواربها
أول مجد لها وآخرهإن ذكر المجدُ قوس حاجيها
وقيس عيلان لا أريد لها من المخازي سوى مُحاربها
وإن أكل الأيور موبقها ومطلق من لسان عائبها
وما لبكر بن وائل عصم إلا بحمقائها وكاذبها
ولم تعف كلبها بنو أسد عبيدُ عيرانة وراكبها
وتغلب تندب الطلول ولم تثأر قتيلاً على ائبها
نيكتْ بأدنى المهور أختُهُمُ قسراً ولم يدم أنف خاطبها
وأصبحت قاسط وإخوتها تدّخر الفَسْوَ في حقائبها (طبقات الشعراء).
قال ابن المعتز في تفسير بعض الأبيات” يعني بأم مهدي هاشم هي أم موسى بنت منصور الحميرية، وهي أم المهدي بن وأما قوله الأشاعث فإنه من كندة وهم ولد الأشعث بن قيس ومنزلهم الكوفة. والمهالبة من العتيك ومحلهم البصرة أما قوله: أما تميم فغير راحضة ما شلشل العبد في شواربها، فإنه أراد أبا سُواج، وخبره مشهور مع صرد بن جمرة، وهو الذي يهجو به عمر بن لجا والأخطل جريراً وقومه. وقال ابن لجا:
تُمسح يربوع سبالاً لئيمة بها من مني العبد رطب ويابسُ
فما ألبس الله امرأ فوق جلده من اللؤم إلا ما الكليبي لابسُ
عليهم ثياب اللوم لا يخلعونها سرابيل في أعناقهم وبرانسُ
وقال الأخطل حين عيره جرير بشرب الخمر:
تعيب الخمر وهي شراب كسرى ويشرب قومك العجب العجيبا
مني العبد عبـــــــــــد أبي سواجٍ أحق من المدامة أن تعيبا
وقوله: قوس حاجبها يعني. حاجب بن زرارة بن عُدس بن زيد، وكان دفع قوسه تذكرة بذمته إلى حشّ، وهو عامل كسرى على السواد وأطراف بوادي العبر، حين رعت بنو تميم ولفهم السواد، وضمن حاجبٌ لكسرى ألا يعيثوا ففي ذلك يقول حاجب:
ربينا ابن ماء المزن وابني مُحرق إلى أن بدت منهم لحى وشواربُ
ثلاثة أملاك رُبُوا في حجورنا على مضر صلنا بهم لا التكاذُبُ
وأقسّم حش لا يسالم واحداً من الناس حتى يرهم القوس حاجب
وأما قوله: سوى محاربها، فإنه محارب بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر، وفيهم ضعة، والعرب تضرب بهم المثل، قال القطامي:
فلما تنازعنا الحديث سألتها من الحي قالت معشرٌ من محاربِ
من المشتوين القِد مما تراهم جياعاً وعيش الناس ليس بناضب
وأما قوله: وإن أكل الأيور مُوبقها، فهذا شيء يعاب به بنو فزارة، وذلك أن نفراً منهم كانوا في سفر، فجاعوا، وأخذوا غرمول حمارٍ فاشتووه وأكلوه. وأما قوله: لم تعف كلبها بنو أسد. فإن للكلب أيضاً حديثاً مع بني أسد نحو حديث الأير مع بني فزارة، وأما قوله: وما لبكر بن وائل عصم إلا بحمقائها وكاذبها، فإنه يريد بالكاذب مسيلمة، وكان من بني حنيفة، والحمقاء هبنقة القيسي من بني قيس بن ثعلبة، وهو رجل منهم، كان يضرب المثل بحمقه، وإنما أراد بأحمقها لأن فعلاء لا يكون إلا للمؤنث. فمنعه الوزن فلحن وله مثل هذا التهجم كثير. وأما قوله:
وأصبحت قاسط وإخوتها تدخر الفَسْوَ في حقائبها
فإن إخوتها عبد القيس، وهي تُسَبُّ بالفساء، قال الشاعر: وعبد القيس مصفر لحاها كأن فُسَاءَها قِطع الضبابِ، ولهذا الخبر أيضاً حديث يطول، وهذا آخر تفسير هذه القصيدة”. (طبقات الشعراء).
وقال الجاحظ” هل أهلك عنزة، وجرما، وعكلا، وسلول، وباهلة، وغنيا، إلا الهجاء؟! وهذه قبائل فيها فضل كثير وبعض النقص، فمحق ذلك الفضل كله هجاء الشعراء في نمير شرف كثير. وهل أهلك عنزة، وجرما، وعكلا، وسلول، وباهلة، وغنيا، إلا الهجاء؟! وهذه قبائل فيها فضل كثير وبعض النقص، فمحق ذلك الفضل كله هجاء الشعراء. وهل فضح الحبطات، مع شرف حسكة بن عتّاب، وعبّاد بن الحصين وولده، إلا قول الشاعر:
رأيت الحمر من شرّ المطايا كما الحبطات شرّ بني تميم
وهل أهلك ظليم البراجم إلا قول الشاعر:
إن أبانا فقحة لدارم كما الظليم فقحة البراجم
وهل أهلك بني العجلان إلا قول الشاعر:
إذا الله عادى أهل لؤم ودقّة فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبّة خردل
ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
وقد هجيت فزارة بأكل أير الحمار، وبكثرة شعر القفا، لقول الحارث بن ظالم:
فما قومي بثعلبة بن سعد ولا بفزارة الشّعر الرّقابا
وعلق الجاحظ على القصىة: أما قصة أير الحمار فإنما اللوم على المطعم لرفيقه ما لا يعرفه. فهل كان على حذف الفزاري في حق الأنفة أكثر من قتل من أطعمه الجوفان من حيث لا يدري”. (البيان والتبيين3/269)

7. إسباب سياسية
وغالبا ما تتمثل في حالات الحروب والغزوات، حيث تعتبر من الحروب النفسية حيث يحاول الشعراء والخطباء أن يثيروا حماس مقاتليهم وإظهار عجز الأعداء وجبنهم وخسارتهم المؤكدة في الحرب، علاوة على التباهي بفرسانهم وبطولاتهم من جهة أخرى. ويمكن ملاحظة ذلك في أشعار حسان بن ثابت ولبيد بعد إعتناقه الإسلام وغيرهم.
قال ابو الفرج ” أخبرني الحسن بن علي ومحمد بن يحيى قالا حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم عن الهيثم بن بشر مولى محمد بن علي قال : أنشد سديف أبا العباس وعنده رجال من بني أمية قوله:
يابنَ عمّ النبيّ أنت ضِيَاءٌ اسْتَبنَّا بك اليقينَ الجَلِيّا
فلما بلغ قوله:
جَرِّد السَّيْف وارْفَعِ العفـْو حتَّى لا ترى فوق ظهرها أُمَويا
لا يَغُرَّنْكَ ما ترى من رجــــالٍ إنّ تحت الضُّلوع داء دَويّا
بَطن البُغضُ في القديم فأضحَى ثاوياً في قلوبهم مَطْويّا
وهي طويلة قال يا سديف خلق، الإنسان من عجل ثم قال:
أحيا الضغائن آبــــاءٌ لنا سَلَفـُوا فلنْ تَبِيدَ وللآباءِ أبناءُ
ثم أمر بمن عنده منهم فقتلوا”. (الاغاني4/343).

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/10
علي الكاش

كتب المثالب الأربعة
تعتبر كتب المثالب الأربعة للهيثم بن عدي الكوفي(المتوفي سنة 209 هـ) وهي كتاب (المثالب) و(كتاب المثالب الكبير)، و(كتاب المثالب الصغير)، و(مثالب ربيعة). من أشهر ماكتب في هذا الموضوع، علاوة على بقية كتب المثالب لأبي اليقظان بن سحيم بن حفص، وأبي عبيدة معمر بن المثنى والسائب الكلبي (المتوفي سنة 204 هـ). (للمزيد راجع فهرست بن النديم/99). وقد دأب الكثير من الكتاب الفرس والمستشرقين والشعوبين في الطعن بالعرب والمسلمين بالإستفادة من كتب المثالب، إضافة الى ما جادت به الذاكرة التأريخية العربية من فن الهجاء، فأستثمروه شر إستثمار، بطريقة مبيتة للطعن في الإسلام والعرب. كما كتب المؤرخون العرب كتبا عن الطفيليين والبخلاء والعوران والحمقى كنوادر وملح طريفة لإمتاع القاريء، ولكن هذا النوع من الأدب أعتبره البعض نوعا من المثالب، مع انه يتضمن حكايات طريفة خاصة لا يصح أن يوصف بها القوم جميعا، لايوجد شعب يخلوا من هذه الأصناف من الناس، ولكنهم لا يشكلون مثالبا على القوم كلهم. صحيح ان بعض الشعراء عمٌ بعض الظواهر على قوم ما لكن هذا لا يصح بالطبع، وكلام الشعراء في هذا المجال لا يؤخذ به لأن أسبابه معروفة، مثلا، قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا له في حلبة فجاء سابقا، فقال لأبيه: يا أبت، بأيّ شيء أسمّيه؟ فقال: إفقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور. وقال الشاعر:
رمتني بنو عجل بداء أبيهــم وأيّ عباد الله أنوك مـــن عجل!
أليس أبوهم عار عين جواده فأضحت به الأمثال تضرب في الجهل
( عيون الأخبار2/51).
قال ابن قتيبة” ومن القبائل المشهور فيها الحمق الأزد. قال رجل منهم في المهلّب بن أبي صفرة:
نعم أمير الرّفقة المهلّب أبيض وضّاح كتيس الحلّب
ينقضّ بالقوم انقضاض الكوكب
فلما أنشده المهلّب قال: حسبك رحمك الله”.( عيون الأخبار2/52).
قال ابن قتيبة” وبنو أسد تعيّر بأكل الكلاب؛ قال الفرزدق:
إذا أسديّ جاع يوما ببلدة وكان سمينا كلبه فهو آكله (عيون الأخبار3/234)
وقال جرير:
والتغلبي إذا تنحنح للقرى حك استه، وتمثل الأمثالا
تلقاهم حلماء تلقهم عن أعدائهم وعلى الصديق تراهم جهالا (حلية المحاضرة/52)
وهذا يفسر لنا سبب خشية الأقوم من لسان الشعراء، لأنهم ألسنهم حادة كالسيف وتمثل مثلمة على القوم من الصعب محوها. نبغ في بني حزام شاعر، فهجا الفرزدق فأخذوه وكتّفوه وجاءوا به إلى الفرزدق فقالوا: إنَّ هذا قد هجاك فخذ منه حكمك ولا تطلق فينا لسانك فقد مكّناك منه، فأطلقه الفرزدق وخلاَّه، ثمَّ أنشأ يقول:
فمن يكن خائفاً لبنات شعري فقد أمن الهجاء بنو حزام
هم قادوا سفيههم وخافوا قلائد مثل أطواق الحمام (حماسة الظرفاء/33).
وهناك الكثير من الشعراء الذين تخصصوا بالهجاء، وآخرين عزفوا عنه لعدة أسباب.
اولا. التعفف
كما قال ابو العباس السفاح أول ملوك بني العباس، من ظريف كلامه: التغافل عن ذنوب الناس وعيوبهم من أخلاق الكرام، والتهاون بمفاضحتهم من أخلاق اللئام. (اللطف واللطائف/3).
ثانيا. جهل المقابل
مثلا عبد الرحمن صاحب أندلس، كتب إليه بسبة فوقع: أما بعد فإنك عرفتنا فسببتنا ولو عرفناك لأجبناك والسلام. . (اللطف واللطائف/5).
ثالثا. مخافة الظلم.
أي خشية من أن يترتب على القدح ظلم للآخر، قيل للعجّاج: إنك لا تحسن الهجاء، فقال: إن لنا أحلاما تمنعنا من أن نظلم، وأحسابا تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم”.( عيون الأخبار2/200).
رابعا. خشية من نتائجه.
وربما قد ييترتب عليه نتائج وخيمة لم يقدرها المرء، قال الشاعر:
يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرّجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه وعثرته بالرّجل تبرا على مهل
( عيون الأخبار2/196).

هيثم الكوفي
يعتبر هيثم بن عدي الكوفي من أبرز كتاب المثالب، قال عنه البخاري” ليس بثقة، كان يكذب”. وقال عنه المدائني” لا أرضاه في الحديث ولا في الأنساب ولا في شيء”. (الشذرات2/19). وقال عنه صالح بن أحمد العجلي عن أبيه” كذاب! وقد رأيته”. أما الجوزجاني فقد وصفه ” ساقط! كُشف قناعه”.
الأطرف من هذا كله أن جارية هيثم الكوفي تقول عن مولاها” كان يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب”. (معجم الأدباء19/304). وقد تضمنت كتبه الكثير من الأخطاء والتدليس والدجل. جاء في كتاب المثالب عن رواية للهيثم بن عدي” كانت درة بنت أبي سفيان عند إبن زريا الأزدي”. (كتاب المثالب/173). ولا يعرف لأبي سفيان بنت بهذا الإسم، كما ان زوجها إبن زربا مجهول، ولا ذكر له في كتب الرجال! وقال عن (عثمان بن عمرو بن عثمان) كان ضعيفا وكان يلقب (خراء الزنج) (كتاب المثالب/177). مع انه لا يعرف لعمرو بن عثمان إبنا بهذا الإسم! بل وجاء في نسب القريش أن اللقب (خرز الزنج) وليس كما ورد في كتاب المثالب (راجع نسب قريش/112). قال جحظة ” كان ابن الكلبي الإخباري نهاية في التخلف والركاكة والنوك والبلادة؛ وكان عبيد الله بن يحيى بن خاقان يعنى به؛ فقلده الخبر بسر من رأى فكتب إلى المتوكل في بعض الأيام: اعلم، أمير المؤمنين، أطال الله بقاه أن امرأتي أم ولدي حسن – فديته – خرجت ومعها حبتها فلانة ابنة فلان إلى البستان الفلاني، وأن حبتها عربدت عليها، فضربت صدغها بقنينة نبيذ ففتحته فتحا عظيما. فصحف القارئ على المتوكل، فقال: صدعها (بالعين)، فضحك المتوكل، وقال: ما بقى هذا غاية في الفضيحة. ثم قال جحظة: ولما مات خلف ابنه “حسنا”، وكان يفضله في التخلف، ويوفى عليه في البلادة ويتقدمه في الحمارية”.(التحف والهدايا/22).
غالبا ما يستعين الرواة الشيعة بأحاديث الكوفي والكلبي في الطعن بالصحابة سيما أبا بكر وعمر، لكن الذي فاتهم ان الكوفي قد قدح أيضا في الشيعة!

هشام السائب الكلبي (الكلب السائب)
قال هشام السائب الكلبي في حديثه عن أبناء الحبشيات من قريش” نضلة بن هاشم بن عبد مناف لا عقب له، أمه صهاك نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، أمه صهاك. عمرو بن ربيعة ابن الحارث بن حبيب بن جذيمة من بني عامر بن لوى وأمهم صهاك حبشية، كانت لهاشم بن عبد مناف. والخطاب ابن نفيل أمه حية كانت لجابر ابن أبي حبيب الفهمي”. (كتاب المثالب/87). وأضاف ذكروا” ان ثابت بن قيش بن شياس الأنصاري عير عمر بن الخطاب فقال يا ابن السوداء، فأنزل الله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم)).
لاحظ ان الأسم الذي أورده الكلبي، ذكره محمد بن حبيب في المنمق (صهال) وليس (صهاك). (المنمق/503). في حين ان المصادر التأريخية أجمعت بأن نضلة بن هاشم ونفيل بن عبد العزى وعمرو بن ربيعة هي أميمة بنت أدٌ بن علي(نسب قريش/16). يمكن الرجوع الى كتابنا (إغتيال العقل الشيعي للمزيد). لكن ابن الكلبي ذكر أيضا أن من ابناء الحبشيات” محمد بن علي بن موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي وابناؤه موسى وعلي ومحمد عبد الله بن اسحق المهدي. وكذلك جعفر ابن اسماعيل بن موسى تبن جعفر بن محمد بن علي، وعبد الله بن حمزة بن موسى بن جعفر، ومحمد وجعفر ابنا إبراهيم بن حسن بن حسن، وسلمان بن حسن”. (كتاب المثالب/89). راجع أيضا للزيادة (المنمق/504. المحبر/308. جمهرة انساب العرب/61).
كما ورد في كتاب كتاب المثالب للهيثم بن عدي الكوفي” عن هشام عن أبيه من أشهر زناة العرب من العرب امرؤ القيس بن حجر الكندي وعامر بن الطفيل الجعفري، ومغيرة بن شعبة الثقفي”. (المثالب/47). وقد قال الحصري أن” سكينة هي ابنة الحسين، والرباب: أمّها، وهي بنت امرىء القيس الكلبية”. (زهر الآداب1/102).
هذا يعني أن جد سكينة وأبو الرباب من أشهر زناة العرب! ونفس الشيء يقال عن هشام بن السائب الكلبي نفسه، فقد ذكر” يقال ان عباس بن عبد المطلب كان أحد اللاطة”. (كتاب المثالب/36). وأضاف” كان ممن يلعب به ويتخنث ابو غليظ بن عتبة بن أبي لهب”. (كتاب المثالب/37). وكان عتبة زوج رقية بنت الرسول (ص). كما قال السائب الكلبي” عن ابن عباس كان ابو بكر بن ابي قحافة وعقيل بن ابي طالب أعلم الناس بقريش، فكان ابو بكر يعرف محاسنها، وكان عقيل يعرف مساويها، وكان عقيل ابغض الناس من بين القوم”. (كتاب المثالب/3). وقال أيضا” من كان يأكل منهم بالربا الوليد بن المغيرة والعباس بن عبد المطلب”. (المصدر السابق/28). وقد اعتبر ابن حنبل” أن رِبا ابن عباس موضوع كله”. (المسند5/73). وذكر الكلبي أن من أبناء السنديات (محمد بن علي بن أبي طالب و علي بن حسين بن علي، وزيد بن علي بن الحسين”. (كتاب المثالب/95). ومن أبناء النبطيات من قريش ” مسلم ابن عقيل بن أبي طالب وأمه يقال لها خلية”. (كتاب المثالب/96).
على الرغم من أن الكلبي كان أحيانا في كتبه يمدح العرب لكنه هذا المديح لا يقارن بذكره لمثالبهم، فقد ذكر ابن عبد ربه” قال الكلبي كانت في العرب خاصة عشر خصال لم تكن في أمة من الأمم: خمس منها في الرأس، وخمس في الجسد؛ فأما التي في الرأس: فالفرق، والسواك، والمضمضة، والاستنثار، وقص الشارب؛ وأما التي في الجسد: فتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء؛ وكان في العرب خاصة، القيافة؛ لم يكن في جميع الأمم أحد ينظر إلى رجلين أحدهما قصير والآخر طويل، أو أحدهما أسود والآخر أبيض، فيقول: هذا القصير ابن هذا الطويل، وهذا الأسود ابن هذا الأبيض، إلا في العرب”.(العقد الفريد3/278). لكن صاحب العقد غض النظر عن مثالب الكلبي لغاية في نفس يعقوب! ومن خزعبلات الكلبي، عن ابن دريد” ذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَنه وجد بِالْيمن حفيراً فَدخل فِيهِ فَإِذا سَرِير من ذهب عَلَيْهِ امْرَأَة طولهَا عشرَة أذرُع وَعند رَأسهَا لوح من ذهب مَكْتُوب عَلَيْهِ: أَنا حُبَّى بنت تُبَّع متُّ فِي زمَان هَيْدٍ، وَمَا هَيْدٌ، مَاتَ فِيهِ اثْنَا عشر ألف قَيْل، ومتّ وَلَا أُشرك باللهّ شَيْئا”. (جمهرة اللغة2/1063). ولحد اليوم لم يكشف علماء الآثار والحفريات عن هيكل عظمي لإمرأة او رجل بطول (14) ذراعا!
الغريب أن معظم ما أورده الكوفي والكلبي من أحداث وأحاديث كانت بلا سند. وإن وجِد سند فهو كاذب أو مجهول لا أصل له في كتب الرواة والرجال والأنساب مثلا قوله” حدثني غير واحد عن علي بن ابي طالب عليه السلام فقال أما سامة فحق وأما العقب فليس له”. (المثالب/14). وفي كتابه أخطاء كثيرة منها على سبيل المثال إنه اعتبر (الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي) من أبناء الروميات النصرانيات. مع أن ابن المغيرة المعروف هو أبو ربيعة الملقب بذي الرمحين ولم تك أمه نصرانية، فقد خلط بينه وبين الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وكانت امه سجا إبنة إبرهة وقد نكحها عبد الله وهي نصرانية، ولم تكن رومية (للمزيد راجع نسب قريش/318).
كما ذكر بأن معاوية بن أبي سفيان إستمتع من معوية مولاة الحضرمي فولدت له أرنب”. وهذا كذب فلم يعرف لمعاوية بنت إسمها أرنب، وإنما بناته (هند، رملة، عائشة وعاتكة) كما ورد في جمهرة أنساب العرب (الجمهرة/112) وبقية كتب السير والتأريخ. ولا يوجد من يلقب الحضرمي في مكة سوى عبد الله بن عماد الحضرمي، وهو لا علاقة له بالأمر لا عن قريب ولا عن بعيد بما ذكره الكلبي.
وذكر أيضا “ان معاوية إستمتع من إبنة زنبور عبد ثقيف فولدت له عبد الرحمن”. (المثالب/110). ولا يعرف لمعاوية ولد سوى يزيد، كما ورد في كتب الأنساب (نسب قريش/177). وقال الكلبي” ان خولة بنت منظور بن زيان بت سيار الفزاري كانت امها مليكة بنت خارجة بن سنان، أخوهم هرم بن سنان عند زيان بن سيار فهلك عنها زبان، فخلف عليها منظور بن زيان نكاح مقت بعد أبيه فولدت له هاشما وخولة، فزوج خولة محمد بن طلحة بن عبيد الله وهو السجاد، فقتل عنها يوم الجمل مع أبيه وهي حبلى بإبراهيم بن محمد ابن طلحة، وكان لإبراهيم قدر وكان أعرج، ثم خلف عليها حسن بن علي فولدت له الحسن بن الحسين”. (المثالب/123). في حين ذكر أبن قتيبة غير ذالك” ان الحسن بن علي تزوج خولة ثم خلف عليها محمد بن عبيد الله بن طلحة”. (المعارف/112).
جاء في نسب قريش بأن” الزبير إبن صفية بنت عبد المطلب تزوجها عوام بن خويلد بن أسد إبن عبد العزى فولدت له الزبير”. (نسب قريش/20). وذكر الكلبي في حديثه عن الفخر” قال عثمان أنا إبن البيضاء، وقال الزبير أنا إبن الصفية”. (كتاب المثالب/144). ويقصد عثمان بالبيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب. قال البلاذري” فقد تزوجها كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس فولدت له أروى بنت كريز أم عثمان بن عفان”. (أنساب الأشراف/88).
قال ابن الجوزي” أخبرنا هشام بن محمد الكلبي، عن أبي الغيّاض الخثعميّ قال: مرّ عبد اللَّه بن عبد المطلب بامرأة من خثعم يقال لها: فاطمة بنت مرة وكانت أجمل الناس وأعفّهم وكانت قد قرأت الكتب، و كان شباب قريش‌ يتحدثون إليها رأت نور النبوّة في وجه عبد اللَّه بن عبد المطلب، فقالت: يا فتى، من أنت؟ فأخبرها. فقالت: هل لك أن تقع عليّ و أعطيك مائة من الإبل؟
فنظر إليها وقال:
أمّا الحرام فالممات دونه‌ والحلّ لا حلّ فأستبينه‌
فكيف بالأمر الّذي تبغينه يحمي الكريم عرضه و دينه‌
مّ مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب، فكان معها، ثمّ ذكر الخثعميّة و جمالها و ما عرضت عليه، فأقبل عليها فلم ير منها من الاقبال عليه كما رآه منها أوّلا، فقال: هل لك فيما قلت لي فقالت: قد كان ذلك مرّة فاليوم لا، فذهبت مثلا. ثم قالت: أيّ شي‌ء صنعت بعدي؟
قال: وقعت على زوجتي آمنة بنت وهب. فقالت: إنّي و اللَّه لست بصاحبة ريبة، و لكني رأيت نور النبوّة في وجهك، فأردت أن يكون ذلك فيّ، و أبى اللَّه إلّا إن يجعله حيث جعله.
وبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد اللَّه بن عبد المطلب و تأبيه عليها
فذكروا ذلك لها، فأنشأت تقول:
إني رأيت مخيلة عرضت فتلألأت بحناتم القطر
فلمائها نور يضي‌ء له‌ ما حوله كإضاءة الفجر
و رأيته شرفا أبوء به‌ ما كلّ قادح زيح زنده يوري‌
للَّه ما زهريّة سلبت‌ ثوبيك ما استلبت و ما تدري‌
وقالت أيضا:
بني هاشم قد غادرت من أخيكم‌ أمينة إذ للباه يعتلجان‌
كما غادر المصباح بعد خبوّه‌ فتائل قد ميثت له بدهان‌
و ما كلّ ما يحوي الفتى من تلاده‌ بحزم و لا ما فاته لتوان‌
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنّه‌ سيكفيكه جدّان يصطرعان‌
[سيكفيكه إمّا يد مقفعلّة وإمّا يد مبسوطة ببنان‌
ولمّا قضت منه أمينة ما قضت‌ نبا بصري عنه و كلّ لساني‌
1. الشعر ركيك ويبدو ان صادر من شاعر مبتدأ او ليس بشاعر أصلا. ذكرها الطبري وابن هشام وقالوا يزعممون فسندها ضعيف، راجع (تأريخ الطبري1/243).(السيرة النبوية1/155). (الروض الآنف1/104).
2. الحكاية تتعارض مع قول النبي (ص): إن اللَّه عز وجل اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم”. فليس من المنطق رجوع عبد الله بن عبد المطلب بعد جماعه آمنة بنت وهب، فيطلب منها الجماع وسبق أن رفضه.
3. اختلاف الروايات حول شخصية هذه المرأة المزعومة. قيل هي فاكمة بنت مر الخثعمية، وقيل بل هي ليلى العلوية، وقيل بل هي أم قتال أخت ورقة بن نوفل، وقيل هي كاهنة من أهل تبالة. راجع “. (المنتظم2/171) . (طبقات ابن سعد1/95). (لائل النبوة للبهقي1/102). (سيرة ابن هشام1/156).

ابو عبيدة
أبو عبيدة (110 ـ 209 هـ) هو معمر بن المثنى التيمي بالولاء، ومن المعروف ان بني تميم له من بقايا من المجوس، وليس من المستبعد أن يبغضهم أبو عبيدة. قال عنه ابو هلال العسكري” أول من صنف فى غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى صنف كتاب المجاز، وأخذ ذلك من ابن عباس حين سأله نافع بن الازرق عن أشياء من غريب القرآن، ففسرها له واستشهد عليها بأبيات من شعر العرب، وهو أول ما روى فى ذلك، وهو خبر معروف. وكان من عدم معرفته وتقدمه فى العربية ربما لم يتم البيت من الشعر حتى يكسره، ويخطىء اذا قرأ فى المصحف، وكان يبغض العرب ويؤلف فى مثالبها الكتب، ويرى رأى الخوارج، ويرمى باللواط، فبعث به أبو نواس فقال:
صلّى الإله على لوط وشيعته أبى عبيدة قل بالله آمينا (الأوائل/381)
قال ابن حمدون” قال رجل مطعون النسب لأبي عبيدة لما عمل كتاب المثالب: سببت العرب جميعا. قال: وما يضرّك أنت من ذلك؟”. (التذكرة الحمدونية9/393).

لا يحسن التّعريض إلّا ثلبا
نود الإشارة بأن هناك الكثير من أدباء العرب ممن كانوا يتعففون عن ذكر المثالب، قال زيد بن رفاعة” أي إنّه سفيه يصرّح بالسّبّ ولا يعرّض. الثّلب:الطّعن في الأنساب، ومنه المثالب”. (الأمثال للهاشمي/275). (أمثال أبي عبيد/79). (المستقصى2/2687). (جمهرة الأمثال2/379). (مجمع الأمثال2/235). وقال ابو الضلع السندي:
لنْ ترىَ بيتَ هِجاءٍ أبــــــداً يأتيكَ منىِّ
الهجاء أكبرُ مِمــن قدورُه يَصْغُرُ عنيِّ (الورقة/23)
قال ابو الفرج عن البحتري ونسبه” هو الوليد بن عبيد الله بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم بن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عثمة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طيىء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، هجاؤه جيد على ندرته ، ويكنى أبا عبادة شاعر فاضل فصيح حسن المذهب نقي الكلام مطبوع كان مشايخنا رحمة الله عليهم يختمون به الشعراء وله تصرف حسن فاضل نقي في ضروب الشعر سوى الهجاء فإن بضاعته فيه نزرة وجيده منه قليل وكان ابنه أبو الغوث يزعم أن السبب في قلة بضاعته في هذا الفن أنه لما حضره الموت دعا به وقال له اجمع كل شيء قلته في الهجاء ، ففعل فأمره بإحراقه ثم قال له يا بني هذا شيء قلته في وقت فشفيت به غيظي وكأفات به قبيحا فعل بي وقد انقضى أربي في ذلك وإن بقي روي وللناس أعقاب يورثونهم العداء والمودة وأخشى أن يعود عليك من هذا شيء في نفسك أو معاشك لا فائدة لك ولي فيه قال فعلمت أنه قد نصحني وأشفق علي فأحرقته”. (الاغاني10/43). (الاغاني21/42).
قال ابو حيان التوحيدي” قلت لأبي سليمان شيخنا ببغداد، وكان يُتهادى كلامه، ويُتشاحُّ على ما يُسمع منه: لم صار السبّ والهجاء وذكر كل عورة وفحشاء أخفّ على من حُرم مأموله، ومُنع مُلتمسه، من الوصف الحسن والثّناء الجميل، والمدح الأغرّ المحجّل، والتّقريظ البليغ المتقبّل على من صدقه ظنّه، وتحقّق رجاؤه، وحضرته أُمنيته؟ فقال: لأن الذي يمدح يعلم من نفسه ما عندها كالعتيد، والذي يثلب يأخذ لنفسه ما ليس عندها كالمستقبِل؛ فالفصل بينهما كالفصل بين الغارم وما يملكه، وبين الغانم ما يطلبه” .( أخلاق الوزيرين/530).

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/11
علي الكاش

ج. مفهوم الأعراب
إن تسمية العرب بالإعراب من قبل الفرس كما يرد في أشعار وتعابير بعضهم، الغرض منه إهانة العرب مع أن هناك فارق شاسعا بين الوصفين.
سُمِّي العرب بهذا الاسم لأنه مُشتَّقٌ مِن الإبانة ، لقولهم : أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه. وقد حصر ابن خلدون أجيال العرب مِن مبدأ الخليقة إلى عهده في أربع طبقات متعاقبة : العرب العاربة (وتُسمى البائدة لأنه لم يبق منهم أحد ) وهم الراسخون في العروبية ، والعرب المستعربة الذين انتقلت إليهم السمات والشعائر العربية ، والعرب التابعة لعربٍ مِن قضاعة وقحطان وعدنان، والعرب المستعجمة الذين استعجمت لغتهم اللسان المضري ومَن له مُلك بدوي بالمغرب والمشرق .
قال الجرجاني” الأعرابي: هو الجاهل من العرب”. (كتاب التعريفات/31). وقال التوحيدي” فلان أعرابي إذا كان بدوياً، وهو عربي أيضاً”. (البصائر والذخائر9/64).
كما اورد الطبري أن” الاعراب هم غير العرب، فالاعرابي هو البدوي وجمعه أعراب وأعاريب وعربان. ويرفض العربي ان تطلق عليه تسمية اعرابي ويعدها اهانة لأن الاعرابي لايتصل بالحضر الا لحاجة ثم يعود لحياته في البادية متنقلا وراء الكلأ والماء والعشب. وما جاء في الذكر الحكيم” قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا” وكذلك” الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله”. جاءت عن قوم في بادية العرب قدموا للنبي في المدينة ليس حبا بالاسلام وإنما طمعا في الصدقات. لذلك اطلق عليهم في القرآن لفظ الاعراب. لذلك ورد في حديث نبوي بان التعرب بعد الهجرة يعد من الكبائر اي العودة الى حياة البادية والاقامة مع الاعراب. راجع لسان العرب مادة عرب. وقد طلبوا من النبي إعفائهم من الزكاة فرفض طلبهم وبعد وفاته رفضوا دفعها لأبي بكر مبررين رفضهم بأنها كانت تخص النبي وبوفاته انتهى غرضها فحاربهم ابو بكر ثم عادوا لدفعها على مضض، ومنهم نشأت جماعة الصعاليك وكانوا يمتهنون الغزو والنهب”. (تأريخ الطبري4/207). وقال التوحيدي” الأمم عند العلماء أربع: الروم، والعرب، وفارس، والهند، وثلاث من هؤلاء عجم، وصعب أن يقال: العرب وحدها أفضل من هؤلاء الثلاثة، مع جوامع ما لها، وتفاريق ما عندها”. (الإمتاع والمؤانسة1/70). و قال ابن دريد” الْعرب العاربة: سبع قبائل: عَاد وَثَمُود وعمليق وطسم وجديس وأميم وجاسم وَقد انقرضوا كلهم إِلَّا بقايا مُتَفَرّقين فِي الْقَبَائِل”. (جمهرة اللغة1/318).
كما ذكر مرتضى الزبيدي” قال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه: قيل إِن جميع العرب ينتسبون إِلى إِسماعيل (ع) والصحيح المشهور أَن العرب العاربة قبل إِسماعيل وهم: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وأَميم، وجرهم، والعماليق. وأُمم آخرون كانوا قبل الخليل (ع)، وفي زمانه أَيضاً، فأَما العرب المستعربة وهم عرب الحِجاز فمن ذرية إِسماعيل (ع)، وأَما عَرب اليمن، وهم حمير، فالمشهور أَنهم من قَحطان، واسمه مِهْزَم. قال ابنُ ماكُولا، وذكروا أَنهم كانوا أَربعة إِخوةٍ، وقيل: من ذريته، و قيل: إِن قحطانَ ابنُ هودٍ، وقيل: أَخوه، وقيل: من ذُريته، وقيل: إِن قحطان من سُلالة إِسماعيل (ع)، حكاه ابن إِسحاق وغيره، والجمهور أَن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إِسماعيل (ع)”. (تاج العروس1/54).
لذا فان الأعراب هم جزء من العرب وهذا أمر مفروغ منه، ولكن ليس من الأنصاف ان يُلحَق الجزء الأكبر او الجمع بالجزء الأصغر، فهذا يخالف المنطق لأن الجزء هو من يُلحق بالجمع. والمراد من التسمية الفارسية هو إهانة العرب ومحو مظاهر الحضارة عنهم، وإبقاء صفة البداوة عليهم، مع ان البداوة لا تشكل إهانة للقوم مطلقا. على العكس إن قيم البداوة وتقاليدهم واعرافهم وآدابهم محط إحترام الجميع، لكن هذا ديدن الفرس مع العرب.

العرب البائدة
قال شهاب الدين العمري” العرب البائدة: طسم وجديس، وكانت مساكن هاتين القبيلتين باليمامة من جزيرة العرب، وكان الملك عليهم في طسم، واستمروا على ذلك برهة من الزمان حتى انتهى الملك إلى رجل ظلوم غشوم قد جعل سنّته أن لا تهدى بكر من جديس إلى بعلها حتى تدخل عليه فيفترعها. ولما استمرّ ذلك على جديس أنفوا منه، واتفقوا على أن دفنوا سيوفهم في الرمل، وعملوا طعاما للملك ودعوه إليه، فلما حضر في خواصّه من طسم عمدت جديس إلى سيوفهم فانتزعوها من الرّمل وقتلوا الملك وغالب طسم، فهرب رجل من طسم وشكا إلى تبّع بن حسّان ملك اليمن، فسار ملك اليمن إلى جديس وأوقع بهم وأفناهم، فلم يبق لطسم وجديس ذكر بعد ذلك” (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار4/247).

تصنيف العرب
1. العرب العاربة
قال شهاب الدين العمري” العرب العاربة: العرب العاربة: بنو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، فمنهم بنو جرهم ابن قحطان، وكانت منازلهم بالحجاز، ولما أسكن إبراهيم الخليل ابنه إسماعيل عليهما السلام مكة، كانت جرهم نازلين بالقرب من مكّة واتصلوا بإسماعيل وزوّجوه منهم، وصار من ولد إسماعيل العرب المستعربة لأنّ أصل إسماعيل ولسانه كان عبرانيا، فلذلك قيل له ولولده العرب المستعربة” (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار4/248).

2. العرب المستعربة
قال شهاب الدين العمري” وأما العرب المستعربة فهم ولد إسماعيل، وقيل لهم المستعربة لأنّ إسماعيل لم يكن لغته عربية بل عبرانية ودخل في العربية فلذلك سمّي ولده المستعربة. سبب سكنى إسماعيل وأمّه مكة أنّ ذلك كان بسبب سارة رضي الله عنها، وأنّ الله تعالى أمر إبراهيم أن يطيع سارة، وأن يخرج إسماعيل عنها، فخرج إبراهيم من الشام ومعه إسماعيل، وقدم بهما مكة، وقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ عشرة سنة، وذلك لمضيّ مئة سنة من عمر إبراهيم، فمن سكنى إسماعيل عليه السلام مكة إلى الهجرة ألفان وسبع مئة وثلاث وتسعون سنة، وكان هناك قبائل جرهم، فتزوج إسماعيل منهم امرأة، وولدت له اثني عشر ولدا ذكرا فمنهم قيدار، وماتت هاجر ودفنت بالحجر، ومات إسماعيل ودفن معها” (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار4/267).

د. لماذا لا يكره الفرس بقية الشعوب؟
يقول الميرزا حسن الحائري الإحقاقي” إن الصدمات التي واجهها كل من شعبي إيران و الروم الكبيرين نتيجة لحملات المسلمين و المعاملة التي تلقوها من الأعراب، البدائيين الذين لا علم لهم بروح الإسلام العظيمة، أورثت في نفوسهم نزعة صدود عن العرب، وشريعة العرب، فطبيعة سكان البادية الأوباش الخشنة، وذلك الخراب والدمار اللذين ألحقوهما بالمدن الجميلة، والأراضي العامرة، في الشرق والغرب، وغارات عباد الشهوات العطاشى إلى عفة وناموس الدولتين الملكية والامبراطورية”. (رسالة الإيمان/24).
الأمر الذي يثير حفيظة العرب هو ان الفرس لهم عداوات تأريخية كبيرة مع الاغريق والرومان والعثمانيين وغيرهم من الأقوام، لكنهم لا يتجرأون على إهانتهم او الإستعلاء عليهم، كما يفعلوا مع العرب! وهذا مرده ضعف العرب وتخاذلهم، وعدم وقوفهم بقوة أمام الفرس، او الردٌ على إفتراءاتهم على أقل تقدير. لاحظ الكتب العربية التي تحدثت عن شعوبية الفرس، إنها لا تزيد عن عدد أصابع الإنسان، وهذا خطر جسيم تبينت آثاره لاحقا. خذ هذا المثل، الفرس يعيرون العرب بما يسمى بشرب بول البعير، وهي حالة شاذة لا يمكن إعمامها!
لنقرأ هذه الرواية: ذكر ابن بطوطة” لما ملك خسرو خان آثر الهنود وأظهر أموراً منكرة منها النهي عن ذبح البقر على قاعدة كفار الهنود فإنهم لا يجيزون ذبحها وجزاء من ذبحها عندهم أن يخاط في جلدها ويحرق. وهم يعظمون البقر ويشريون أبوالها للبركة وللاستشفاء إذا مرضُوا ويلطخون بيوتهم وحيطانهم بأرواثها”. (رحلة ابن بطوطة2/341).
السؤال: لماذا لا يعير الفرس الهنود عن شرب بول البعير؟
الجواب لأن حقدهم منصب على العرب فقط، ولأنهم العرب غير موحدين، بل الأمر منه ان الكثير من العرب يوالون الفرس، وهذه حالة نادرة في تأريخ الأمم.
لنستعرض بعض النماذج المحيرة حول علاقة الفرس بغيرهم من الشعوب ونسيان إساءاتهم مع شدة خسائرهم، وإستذكارهم الفتح الإسلامي بإعتباره مثلبة بحقهم.
قال الحميري” كان في مرو سرير سلطنة خراسان من قديم الزمان، وفيها معظم العسكر، فأرسل الططر(أي التتر) في الخفية إلى البلد: إن أنتم قاتلتمونا مثل أهل بلخ ونيسابور وهراة لم يبق منكم أحد، وفعلنا بكم كما فعلنا بهم ولا يغركم الجند فإنهم يفرون على خيولهم ويتركونكم في أيدينا، وأرسلوا إلى الجند: خلوا بيننا وبين الرعية والأموال وسيروا حيث تحبون، فتجادل الصنفان، وركن أهل البلد إلى تأمينهم، فلما ملكوا المدينة لم يبقوا على بلدي ولا جندي، ومن أفلت من الجند أدركته خيل الططر، وخرجت عليهم من كمائنهم التي وضعوها في البساتين والرساتيق، وجاءوا من كل حدب ينسلون، وانجلت الحال عن سبعمائة ألف قتيل من المسلمين وإنما عرف عددهم بأن وضعت عليهم قطع القصب، وكان القتلى بنيسابور وبلخ وهراة أكثر مما كانوا بمرو، وهذه أمهات مدن خراسان التي كان المثل يضرب بعمارتها وعظمها، خربوها وقتلوا أهلها في بعض سنة، وفعلوا في مدارس هذه المدن وربضها ما تنبو عنه الأسماع، فسبحان من أرسلهم لطي الدنيا”. (الروض المعطار/533). وأضاف الحميري” وفي سنة ثمان عشرة وستمائة نزل الططر(التتر) على نيسابور وهي حينئذ عروس خراسان، ومحط التجار من سائر البلدان، وبها الطراز الأعظم، وفيها من الأئمة والعلماء والسادة والكبراء خلق لم يجتمع في سواها وقد طابت غلاتها فراموا فيها مكراً بتأمين أو خديعة، فقال أهلها: الكلب خير من صاحب أمرهم فإنه يحفظ العهد وهو ما له عهد ولا يفي بقول قد غدر بأهل بخارى وأهل سمرقند وغيرهما، فكيف ننخدع بعدما سمعنا، وفينا من يرغب في الشهادة وما برحوا يقاتلون حتى دخل الططر عليهما محلة فمحلة، ولم يبقوا على أحد حتى انهم قتلوا الأطفال وكثيراً من النساء، إذ كان فيهن من يرمي عليهم الحجارة من السطوح، وخربوا المدينة وتركوها موحشة وساروا إلى أختها مرو”.( الروض المعطار/589).
ذكر ابن خلدون” والفرس يومئذ قد ملكوا مصر والإسكندرية. وأمّا هرقل فسار من بيت المقدس إلى مصر وملكها وقتل الفرس، وولّى على الإسكندرية فوس وكان أمانيّا وجمع له بين البطركة والولاية”. (تأريخ ابن خلدون2/265). وأضاف ابن خلدون” خرج هرقل بنفسه في ثلاثمائة ألف من الروم وأربعين ألفا من الخزر الذين هم التركمان، وسار إلى بلاد الشام والجزيرة وافتتح مدائنهم التي كان ملكها كسرى من قبل وفيما افتتح أرمينية، ثم سار إلى الموصل فلقيه جموع الفرس وقائدهم المرزبان فانهزموا وقتل”. (المصدر السابق2/266). وقال” كانت بين واليطينوس قيصر وبين سابور كسرى فتنة وحروب وهلك في بعض حروبه معهم”. (المصدر السابق2/255). كما ذكر ” لما تملّك هرقل بعث أبرويز بالصلح بوسيلة قتلهم موريكش فأجابهم على تقرير الضريبة عليهم فامتنعوا فحاصرهم ست سنين أخرى إلى الثمان التي تقدّمت، وجهدهم الجوع فخادعهم هرقل بتقرير الضريبة على أن يفرج عنهم حتى يجمعوا له الأموال. وضربوا الموعد معه ستة أشهر، ونقض هرقل فخالف كسرى إلى بلاده، واستخلف أخاه قسطنطين على قسطنطينية، وسار في خمسة آلاف من عساكر الروم إلى بلاد فارس فخرّب وقتل وسبى وأخذا بني أبرويز كسرى من مريم بنت موريكش وهما قبّاد وشيرويه. ومرّ بحلوان وشهرزور إلى المدائن ودجلة ورجع إلى أرمينية، ولما قرب من القسطنطينية، وارتحل أبرويز كسرى إلى بلاده فوجدها خرابا وكان ذلك مما أضعف من مملكة الفرس وأوهنها”. (المصدر السابق2/264). وأضاف” أجفل أبرويز عن المدائن واستولى هرقل على ذخائر ملكهم، وكان شيرويه بن كسرى محبوسا فأخرجه شهريار وأصحابه وملكوه وعقدوا مع هرقل الصلح”. (المصدر السابق 2/266).
لماذا لا يكره الفرس سليمان القانوني الذي كان يتسمى بإسم (كاسر رقاب الأكاسرة) و (كاسر الأكاسرة) وأكاسرة جمع كسرى وتقابل بالفارسية (خسرو). كانت أول حرب له ضد الفرس عام 940 هـ بقيادة إبراهيم باشا الصدر الأعظم، ودخل تبريز عام 942 هـ. والحرب الثانية عام 954 حيث دخل السلكان سليمان القانوني شيروان وتبريز. والحرب الثالثة عام 960 هـ استولى فيها السلكان على تخجوان مقر حكم الشاه وخربها. (تأريخ الدول وآثار الأول للقرماني1/46).

7. مثالب الفرس
ذكر ابن ظافر الأزدي” قال بديع الزمان الهمذاني: كنت عند الصاحب كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد يوماً، وقد دخل عليه شاعر من شعراء العجم، فأنشده قصيدةً يفضل فيها قومه على العرب، وهي:
غنينا بالطبول عن الطـلول وعن عنسٍ عذافرةٍ ذمول
وأذهلني عقار عن عقــــارٍ ففي است أم القضاة مع العذول
فلست بتاركٍ إيوان كسرى لتوضح أو لحومل فالدخول
وضبٍ بالفأأألا ساعٍ وذئبٍ بها يعوي وليث وسط غيل
يسلون السيوف لرأس ضب حراشاً بالغداة والأصيل
إذا ذبحوا فذلك يـــــوم عيدٍ وإن نحروا ففي عرسٍ جليل
أما لو لم يكــــن للفرس إلا نجار الصاحب القرم النبيل
لكان لهم بذلك خير فخــرٍ وجيلهم بذلك خير جيل
فلما وصل إلى هذا الموضع من إنشاده، قال له الصاحب: قدك. ثم اشرأب ينظر إلى الزوايا وأهل المجلس – وكنت جالساً في زاوية من البهو فلم يرني – فقال أين أبو الفضل؟ فقمت وقبلت الأرض وقلت: أمرك! قال: أجب عن ثلاثتك! قلت: وما هي؟ قال: أدبك، ونسبك، ومذهبك.
فأقبلت على الشاعر فقلت: لا فسحة للقول ولا راحة للطبع إلا السرد كما تسمع. ثم أنشأت أقول:
أراك على شفا خطرٍ مهول بما أودعت لفظك من فضول
تريد على مكارمنا دليـــلا متى احتاج النهار إلى دليل!
ألسنا الضاربين الجزى عليكم وإن الجزي أولى بالذليل
متى قرع المنابــــــر فارسي متى عرف الأغر من الحجول!
متى عرفت وأنت بها زعيمأ كف الفرس أعراف الخيول!
فخرت بملء ما ضغتيك هجراً على قحطان والبيت الأصيل:
وتفخر أن مأكولا ولبساً وذلك فخر ربات الحجول
ففاخرهن في خذ أسيلٍ وفرعٍ في مفارقها رسيل
وأمجد من أبيك إذا تزيا عراة كالليوث على الخيول
قال: فلما أتممت إنشادي التفت إليه الصاحب، وقال له: كيف رأيت؟
قال: لو سمعت به ما صدقت.
قال: فإذن جائزتك جوازك؛ إن رأيتك بعدها ضربت عنقك. ثم قال: لا أرى أحداً يفضل العجم على العرب إلا وفيه عرق من المجوسية ينزع إليها.”. (بدائع البدائة/33).
يشيد الفرس بمعاجيز ملوكهم وهي ليست سوى أساطير ومعاجيز من وحي خيالهم، قال ابو الطيب الحسيني القنوجي” نقل المؤرخون أن زركش كاويان وهي راية كسرى كان فيه الوفق المئيني العددي منسوجا بالذهب في أوضاع فلكية رصدت لذلك الوفق ووجدت الراية يوم قتل رستم بالقادسية واقعة على الأرض بعد انهزام أهل فارس وشتاتهم وهو الطلسمات والأوفاق مخصوص بالغلب في الحروب وإن الراية التي يكون فيها أو معها لا تنهزم أصلا إلا أن هذه عارضها المدد الإلهي من إيمان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتمسكهم بكلمة الله فانحل معها كل عقد سحري ولم يثبت وبطل ما كانوا يعملون”. (أبجد العلوم1/418).
ومن تواريخهم المبالغ فيها:
قال الجاحظ” عن الكسروي كان أول من أبدع النيروز، وأسس منازل الملوك، وشيد معالم السلطان، واستخرج الفضة والذهب والمعدن، واتخذ من الحديد آلات، وذلل الخيل وسائر الدواب، واستخرج الدر وجلب المسك والعنبر وسائر الطيب، وبنى القصور واتخذ المصانع، وأجرى الأنهار (كيا خسرو بن أبرويز جهان) وتفسيره: حافظ الدنيا بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام. وكان الأصل فيه أنه، في النيروز، ملك الدنيا، وعمر أقاليم إيران شهر، وهي أرض بابل، فيكون النيروز في أول ما اجتمع ملكه، واستوت أسبابه، فصارت سنة، وكان في ملكه ألف سنة وخمسين سنة، ثم قتله البيوراسف، وملك بعده ألف سنة إلى أفريدون بن أثفيان، وفيه يقول حبيب:
وكأنه الضحاك في فتكاته بالعالمين وأنت أفريدون
فطلب البيوراسف، وملك بعده ألف سنة وخمسين سنة، وأسره بأرض المغرب، وكبله وسجنه بحبل دنياوند، واستوفى عدة ما كتب الله له من عمره، واتفق لأفريدون سجن البيوراسف يوم النصف من مهر ماه ومهر روز، فسمى ذلك اليوم المهرجان”. (المحاسن والأضداد/313). الحقيقة ان العرب كانوا يسخرون من النوروز، قال ابن حمدون” فر أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد من أبي فديك الخارجي، فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فجلس يوما بالبصرة فقال: سرت على فرسي المهرجان من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فقال له بعض جلسائه: أصلح الله الأمير فلو ركبت النيروز لسرت إليهم في يوم واحد”. (التذكرة الحمدونية2/496).
قال الجاحظ ايضا بهذا الصدد” حكي عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن الحسن (ع)، أنه قال في ذلك: إن أناساً من بني إسرائيل أصابهم الطاعون، فخرجوا من مدينتهم هاربين إلى أرض العراق، فبلغ كسرى خبرهم، فأمر أن تبنى لهم حظيرة يجعلون فيها، لترجع أنفسهم إليهم؛ فلما صاروا في الحظيرة ماتوا، وكانوا أربعة آلاف نفس. ثم أن الله تعالى أوحى إلى نبي ذلك الزمان: إن رأيت محاربة بلاد كذا، فحاربهم ببني فلان. فقال: يا رب، كيف أحاربهم، وقد ماتوا؟ فأوحى الله إليه: إني أحييهم لتحارب بهم، وتظفر بعدوك، فأمطر الله عز وجل ليلة صب الماء، فأصبحوا أحياء، فهم الذين قال الله تعالى فيهم ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ)) قال: هؤلاء قوم أصابتهم محنة من الأزل، قحطوا زماناً فهزلوا، وأجدب بلدهم، فغيثوا في هذا اليوم برشة من مطر، فعاشوا وأخصبت بلادهم، فجعله الفرس سنّة”. (المحاسن والأضداد/316).
كما ذكر الجاحظ” زعم زرادشت أن الفأرة من خلق الله. وأن السنّور من خلق الشيطان. فقيل للمجوس: ينبغي على أصل قولكم أن يكون الشيء الذي خلق الله خيرا كله ونفعا كلّه، ومرفقا كله، ويكون ما خلق الشيطان على خلاف ذلك. ونحن نجد عيانا أن الذي قلتم به خطأ. رأينا الناس كلهم يرون أن الفأر بلاء ابتلوا به، فلم يجدوا بدّا من الاحتيال لصرف مضرّته، كالداء النازل الذي يلتمس له الشفاء. ثم وجدناهم قد أقاموا السنانير مقام التداوي والتعالج، وأقاموا الفأر مقام الداء الذي أنزله الله، وأمر بالتداوي منه، فاجتلبوا لذلك السنانير وبنات عرس، ثم نصبوا لها ألوان الصيّادات، وصنعوا لها ألوان السّموم والمعجونات التي إذا أكلت منها ماتت. واستفرهوا السنانير واختاروا الصيّادات.
” زعم زرادشت أن السّنّور لو بال في البحر، لقتل عشرة آلاف سمكة. فإن كان إنما استبصر في ذمّه في قتل السمك فالسمك أحقّ بأن يكون من خلق الشيطان؛ لأن السمك يأكل بعضه بعضا، والذكر يتبع الأنثى في زمان طرح البيض، فكلما قذفت به التهمه. وإن غرق إنسان في الماء، بحرا كان أو واديا، أو بعض ذوات الأربع- فالسمك أسرع إلى أكله من الضّباع والسنور إلى الجيف. وعلى أنّ اعتلاله على السنور، وقوله: لو بال في البحر قتل عشرة آلاف سمكة. فما يقول فيمن زعم أن الجرذ لو بال في البحر قتل مائة ألف سمكة؟ وبأي شيء يبين منه؟ وهل ينبغي لمن كسر هذا القول الظاهر الكسر، المكشوف الموق أن يفرح؟! وهل تقرّ الجماعة والأمم بأنّ في الفأر شيئا من المرافق؟! وهل يمازج مضرّتها شيء من الخير وإن قلّ؟ أو ليست الفأر والجرذان هي التي تأكل كتب الله تعالى، وكتب العلم، وكتب الحساب؛ وتقرض الثّياب الثمينة، وتطلب سرّ نوى القطن، وتفسد بذلك اللّحف والدّواويج والجباب، والأقبية والخفاتين، وتحسو الأدهان، فإن عجزت أفواهها أخرجتها بأذنابها؟! أو ليست التي تنقب السّلال وتقرض الأوكية وتأكل الجرب حتى يعلّق المتاع في الهواء إذا أمكن تعليقه !وتجلب إلى البيوت الحيّات؛ للعداوة التي بينها وبين الحيّات، ولحرص الحيّات على أكلها، فتكون سببا في اجتماعها في منازلهم، وإذا كثرن قتلن النفوس. وقال ابن أبي العجوز: لولا مكان الفأر لما أقامت الحيّات في بيوت الناس، إلا ما لا بال به من الإقامة”. (كتاب الحيوان5/172).
أضاف الجاحظ” وزرادشت بهذا العقل دعا الناس إلى نكاح الأمهات، وإلى التوضؤ بالبول، وإلى التوكيل في نيك المغيبات، وإلى إقامة سور للسّنب ( عيد للخفض، ونساء المجوس يحتفلون يوم تطهير المرأة )، وصاحب الحائض والنفساء (من عادة المجوس تكريم صاحب الحائض في أول يوم يحدث الطمث فيه لابنته البالغ، لأنه أصبح أبا مستعدّا لزيادة البشر ). ولولا أنّه صادف دهرا في غاية الفساد، وأمّة في غاية البعد من الحرية ومن الغيرة والألفة، ومن التقزّز والتنظف، لما تمّ له هذا الأمر”. (كتاب الحيوان5/174).
قال البكري” في زمان يستاسف صاحب بابل ظهر زرادشت بن اسبيتمان الذي تدّعي المجوس أنه نبيّهم. كان من علماء أهل فلسطين خادما لإرميا، فخانه فدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد آذربيجان وشرع فيها دين المجوسية، وقصد الناس على الدخول فيه وقتل في ذلك وعذّب حتّى دانوا به. وأتى زرادشت بالمعجزة الباهرة وأخبر عن الكائنات من الكليّات والجزئيات، وأتى بكتاب يدور على ستّين حرفا من المعجم، وهي لغة يعجز عن إيرادها ولا يدرك كنه مرادها. وكتب هذا الكتاب في اثني عشر ألف مجلّد بالذهب فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من العبادات، واسم هذا الكتاب بستاه، وأوّل سورة منه سورة حيرفت فيها ذكر مبتدأ الخليقة وأصول الطبائع وأمزاجها. وعمل له زرادشت تفسيرا سمّاه بازند وهو كتاب يعجز عن حفظه، وأكثر ما يحفظونه أسباعا إذا انتهى الحافظ للسبع ابتدأ الحافظ للسبع الثاني. وكانت نبوّة زرادشت فيهم خمسا وثلاثين سنة، وهلك وهو ابن سبع وسبعين سنة. وممّا تحمل الفرس عنه أن القديم تعالى طالت وحدته فطالت فكرته، فلمّا طالت فكرته اشتدّت وحشته، فلمّا اشتدّت وحشته تولّد الهرمند فصار مضادّا للنّور الأكبر- والهرمند هو الشيطان. وأن الله عزّ وجلّ لو كان قادرا على إفناء الهرمند لما ضرب له أجلا ولا أخّره أمدا يغوي عباده ويفسد بلاده. وهذا هو المحال عينه والناقص نفسه، تعالى الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا» . ولم تزل الفرس تتدارس نواميس هذا الكتاب جيلا فجيلا حتّى ظهر فيهم خاهشت الغلام، فشرح لهم تأويلا وأحدث لهم قرابين في مذاهبهم اعتمدوا عليها واتّخذوا بيوت النيران وقرّبوا لها القرابين ورتّبوا لها السدنة ووضعوا لها أيضا الهرابذة- أحدهم هربذ- وتأويله فقيه الدّين”. (المسالك والممالك للبكري/137)
غالبا ما تتضمن المؤلفات الفارسية القديمة والحديثة الإشارة الى مثالب العرب، وينعوتهم بصفات غريبة غالبها كذب وإفتراء، مع هذا لا يوجد قوم قديما وحديثا لا توجد عندهم مثالب ومحاسن، والفرس تأريخهم أسود حالك من هذه الناحية. وعليهم ان يحمدوا الله أولا، والإسلام ثانيا، والخليفة الفاروق ثالثا الذي بدد عنهم ظلام المجوسية والزرادشتية.
من المعروف ان المجوس أضافوا لعبدة النار ثلاث مستجدات للزرادشتية وهي:
1. رمي الجثث في العراء كطعام للحيوانات.
2. الزواج من المحارم (الأسري). قال الفراهيدي” قال الشاعر:
يا قوم لا تأمنوا إن كُنْتُم غُيُراً … على نسائكم كِسرَى وما جَمَعا
(العين4/422). وقَالَ الشَّاعِر:
والفارسيةُ فيهم غيرُ مُنْكَرَةٍ … وَكلهمْ لِأَبِيهِ ضَيْزَنٌ سَلِف (جمهرة اللغة2/812).
3. توسيع نطاق الثنوية ودمجها بالحياة المادية.
4. تأليه الملوك. ذكر ابن حمدون” قال الجاحظ: المذكورون بالكبر من قريش: بنو مخزوم وبنو أمية، ومن العرب بنو جعفر بن كلاب وبنو زرارة بن عدس. وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدّون الناس إلّا عبيدا، وأنفسهم إلّا أربابا”. (التذكرة الحمدونية3/108).
ورد النص التالي” أمجد صلاة الإيمان بمازادان نازع السلاح، ومقوم الزواج الأسري”. (هايتي 12/9 من الأفيستا). “الخطيئة الرابعة هي أن يقيم الرجل علاقة مع امرأة وهي في حالة السيلان الأبيض، أوحائض تُدمي”. (فاركارد15/ 349). ” إذا زنى رجل بفتاة عند أهلها كانت أو لم تكن عند أهلها، وسواء سلمن إلى زوج أم لم تسلم وأحبلها، يجب عليها ان لا تدع الطمث يحدث خلافا للطبيعة (أي الإسقاط) وذلك بواسطة الماء والنباتات خجلا من الناس”. (فاركارد15/ 350). وكذلك” إذا أتلفت جنينها خجلا من الناس يكون الوالدان مذنبين، الأب والأم يكونان مشتركين في القتل ويعاقبان بالقصاص العادل جراء القتل المتعمد”.(فاركارد15/ 350). قال الراغب الأصبهاني” لما قتل شيرويه بن كسرى أباه أبرويز، وقف له رجل من الرعية يوما وقد رجع من الميدان فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يديك، وملّكك ما كنت أحقّ به منه، وأراح آل ساسان قتل من جبروته وعتوّه وبخله ونكده، فإنه كان ممن يأخذ بالحبة ويقتل بالظنّ، ويخيف البريء ويعمل بالهوى؛ فقال للحاجب: احمله إليّ، فقال: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز؟ قال: في كفاية من العيش. قال: فكم رزقك اليوم؟ قال: ما زيد في رزقي شيء، فقال: هل وترك أبرويز فأبصرت منه مما سمعت من كلامك؟ قال: لا، قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يقطع عنك رزقا، ولا وترك في نفسك؟ وما للعامة وهم رعية والوقوع بالملوك؟ وأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: بحقّ ما يقال: ان الخرس خير من البيان بما لا يجب”. (محاضرات الأدباء1/387). (شعب البيهقي/383). (تاج الملوك للجاحظ/109). الإبن قتل أباه الملك، والملك الجديد نزع لسان فلاح من قفاه!

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/12
علي الكاش

حقيقة نبي الفرس زرادشت
كان العرب يسخرون من التقاليد والعادات المجوسية. سيما عندما يشيد الفرس بنبيهم زرادشت أكثر مما يشيدون بالنبي المصطفى (ص) الذي هداهم إلى نور الإسلام والطريق المستقيم. فقد روى الأزهري عن مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه: لما كانت الليلة التي ولد فيها النبي(ص) إرتجس ديوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك مائة عام، وغاصت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها. فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى، فلبس تاجه وأخبر مرازبته بما رأى، فورد عليه كتاب بخمود النار، فقال الموبذان” وأنا رأيت في هذه الليلة، وقص عليه رؤياه في الإبل. فقال له وأي شيء هذا؟ قال حادث من ناحية العرب. فبعث كسرى الى النعمان بن المنذر ليرسل له برجل عالم ليسأله، فأرسل اليه عبد المسيح بن عمر الغساني.
كما قال التوحيدي عن الفرس” كذب القوم، لم يكن زرادشت نبيّا، ولو كان نبيّا لذكره الله تعالى في عرض الأنبياء الّذين نوّه بأسمائهم وردّد ذكرهم في كتابه، ولذلك قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» لأنّه لا كتاب لهم من عند الله منزّل على مبلّغ عنه. وإنّما هو خرافة خدعهم بها زرادشت بقوّة الملك الّذي قبل ذلك منه وحمل الناس عليه طوعا وكرها، وترغيبا وترهيبا، وكيف يبعث الله نبيا يدعو إلى إلهين اثنين؟ وهذا مستحيل بالعقل، وما خلق الله العقل إلّا ليشهد بالحق للمحقّ والباطل للمبطل، ولو كان شرعا لكان ذلك شائعا عند أهل الكتابين، أعني اليهود والنصارى، وكذلك عند الصابئين، وهم كانوا أكثر الناس عناية بالأديان والبحث عنها، والتوصّل إلى معرفة حقائقها، ليكونوا من دينهم على ثقة، فكيف صارت النصارى تعرف عيسى، واليهود تعرف موسى، ومحمّد- صلّى الله عليه وسلّم- يذكرهما ويذكر غيرهما، كداود وسليمان ويحيى وزكريّا، وغير هؤلاء، ولا يذكر زرادشت بالنبوّة وأنّه جاء من عند الله تعالى بالصدق والحق كما جاء موسى وعيسى، لكنّي بعثت ناسخا لكلّ شريعة، ومجدّدا لشريعة خصّني الله بها من بين العرب. قال: وهذا بيان نافع في كذبهم، وإنما جاءوا إلى وهي فرقعوه، وإلى حرام بالعقل فأباحوه، وإلى خبيث بالطبع فارتكبوه وإلى قبيح في العادة فاستحسنوه. وقد وجدنا في البهائم ما إذا أنزي الفحل منها على أمّه لم يطاوع، وإذا أكره وخدع وعرف غضب على أهله وندّ عنهم، وشرر عليهم، فما تقول في خلق لا ترضاه البهيمة، ولا تطاوعه فيه الطبيعة، بل يأباه حسّه مع كلوله وتبرد شهوته مع اشتعالها، ويرضاه هؤلاء القوم مع عجبهم بعقولهم، وكبرهم في أنفسهم. ولو كان زرادشت أقام لهم على هذه الخصلة اللّئيمة والفعلة الذميمة كلّ آية وكلّ برهان، ونثر عليهم نجوم السماء، وأطلع لهم الشمس من المغرب، وفتّت لهم الجبال، وغيّض لهم البحار، وأراهم الثريّا تمشي على الأرض تخترق السّكك وتشهد له بالصدق، لكان من الواجب بالعقل وبالغيرة وبالحميّة وبالأنفة وبالتقزّز وبالتعزّز ألّا يجيبوه إلى ذلك، ويشكّوا في كل آية يرون منه، ويقتلوه، وينكّلوا به. ولكن بمثل هذا العقل قبلوا من مزدك ما قبلوه مرّة، ولو عاملوا زرادشت بما عاملوا به مزدك ما كان الأمر إلا واحدا، ولا كان الحقّ إلا منصورا، ولا كان الباطل إلا مقهورا، ولكن اتّفق على مزدك ملك عاقل فوضع باطله، واتفق لزرادشت ملك ركيك فرفع باطله، وما نزع الله عنهم الملك إلّا بالحق، كما قال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ”. (الإمتاع والمؤانسة1/80).

ماذا تعني كراهية العرب؟
قال ابن حجر” إن كثيرين من الفرق الأعجمية، والطوائف العنادية جبلوا على بغض العرب، فوقعوا في مهاوى العطب جهلا بما اختصهم الله به من المزايا التي لا يؤتوها غيرهم، والعطايا المحققة لعلوا قدرهم، وعظيم خيرهم، حتى بلغنا عن بعض أولياء الله أنه قال: جاهدت نفسي ستين سنة حتى خرج منها بغض العرب”. (مبلغ الأرب في فخر العرب/1). وقال النبي (ص): من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم”. (مبلغ الأرب في فخر العرب/1). وقال النبي (ص): إذا ذلت العرب ذل الإسلام”. (مبلغ الأرب في فخر العرب/2). وعن على بن أبي طالب قال: أسندت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى صدري فقال: يا على أوصيك بالعرب خيرا”. (مبلغ الأرب في فخر العرب/2).
روى عبدُ الله بنُ أحمد في مسند أبيه من طريقِ إسماعيل بنَ عَيَّاش عن يزيد بنُ جبير بإسناده، عن علي بن أبي طالب قال: قالَ رسوَلُ الله لا يبغض العَرَبَ إلا منافقٌ”. (مسبوك الذهب في فضل العرب/47). روى ابنُ عساكِرِ والسِّلَفِيُ عن جابرِ بنِ عبد الله: قَالَ رسوَلُ الله ” حُبُّ أبي بكر وعمرَ مِنَ الإِيمانَّ وبغَضهما كُفْرٌ، وحُبُ الأنصارِ مِنَ الإِيمانَّ وبُغْضُهُمْ كُفْر، وحبُ العَرَبِ منَ الإِيمانِ وبُغْضُهمْ كُفْرٌ”. وروى التِّرمذيُّ وغيرُهُ عن سلمانَّ – رض الله عنه – قالَ: قالَ رسولُ الله ” يا سلمانُ لا تُبْغِضْني فَتُفَارِقَ دِينَكَ”! قلتُ يا رسوَل الله، كيف أبْغِضُكَ وبكَ هَدَاني الله؟ قالَ: تُبْغِضُ العَرَبَ فَتُبْغِضُنِي”. (أخرجه الترمذي)
روى السَلَفِيًّ بإسناده عن نافع عن ابن عِمر قال: قال رسوَل الله : مَنْ يحسن أنِ يتكلمَ بالعربيةِ فلا يتكلم بالعجمية فإنَّه يُورثُ النِّفاق . ورواه أيضا بإسناد آخر عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال رسوَل الله : مَنْ كان يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنَها تورث النِّفاق”. حديث صحيح على شرط الشيخين، ورجاله كلهم ثقات. هذان الحديثان يقتضيان ِتحريم الكلام بالعجمية لقادر على العربية إلا لحاجةٍ. والمختارُ أن ذلكَ مكروه”. (مسبوك الذهب في فضل العرب/65). وهنا لابد من إستذكار ان الخميني منذ أن تسلم السلطة في ايران لم يتكلم العربية البته، حتى في لقائه مع محمد حسنين هيكل، رفض التكلم بالعربية، وحضر مترجم ينقل كلامه الى العربية.
قال الكرمي المقدسي” في الحديث: إنَّ الله اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إبراهيمَ إسماعيل، واصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إسماعيل بني كِنَانَةَ.. إلى آخره. قال الترمذي: هذا حَدِيث صَحِيحٌ. وهذا الحديث يقتضي أنَ إسماعيل وَذريتَهُ صَفْوَةِ وَلَدِ إبراهيمَ، وأنًهُمْ أفْضَلُ من وَلَدِ إسْحَاقَ، ومعلوَمً أنَّ ولد إسحاق الذين هم بنو إسرائيل افضلُ مِنَ العَجَمِ لما فيهم مِنَ النُّبوة والكِتَاب حَيْثُ ثَبَتَ فَضْلُ وَلَدِ إسماعيلَ على بني إسرائيل، فعلى غيرهم بطريقِ الأولى”. (مسبوك الذهب في فضل العرب/39)
لكن اقرأ كيف يتعامل العرب مع العجم عموما، قال الكرمي المقدسي” يوَجد من العجم ما هوَ أفضلُ من ألوفٍ من العرب كصهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي وغيرهم فإنَ كل واحدٍ منهم أفضلُ من ألوَفٍ من العرب بل أفضلُ من ألوفٍ من قريشٍ وبني العبًاس والأشرافْ ويصحُ أن نقوَل: إنَ كل واحدٍ من مثل سلمان وبلال وصهيب لصحبة رسول الله أفضلُ من جعفر الصادق وموسى الكاظم، وأفضلُ من أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد”. (مسبوك الذهب في فضل العرب/35). ويوضحَ شيخُ الإِسلام الحافظ تقي الدين بن تيمية ” أنً اسم العرب والعجم قد صار فيه اشتباه، فإن اسم العجم يعّم – في اللغة – كل من ليس مِنَ العرب، لكن لما كان العلم والإيمان في أبناء فارس اكثر منه في غيرهم من العجم كانوَا هم أفضل الأعاجم فغَلب لفظ العجم في عرف العامة المتأخرين عليهم فصار حقيقة عُرفية عامية فيهم”. (مسبوك الذهب في فضل العرب/60)

موقف العرب من الفرس المجوس
ذكر الثعالبي” قال الصاحب بن عباد فِي رجل يتعصب للعجم على الْعَرَب ويعيب الْعَرَب بِأَكْل الْحَيَّات.
يَا عائب الْأَعْرَاب من جَهله لأكلها الْحَيَّات فِي الطّعْم
فالعجم طول اللَّيْل حياتهم تنساب فِي الْأُخْت وَفِي الْأُم (يتيمة الدهر3/316).
الحقيقة أن العرب كانوا بدورهم يحتقرون الفرس المجوس، وهذا ما تجده عند كبار الرموز الإسلامية وبعضم من أصول فارسية. لما عرف عنهم من نكاح الأمهات والخوات، علاوة على الحقد واللؤم الفارسي، والغطرسة الفارغة. عندما نزل سعد بن ابي وقاص القادسية كان معه ما بين 7000ـ8000 مقاتل وكان الفرس عشرة أضعافهم، معهم الأفيال والسلاح واخذوا يسخرون من نبال المسلمين ويشبهونها بالمغازل. وطلبوا مفاوضا من المسلمين فأرسل لهم سعد المغيرة. وعندما جلس على سرير رستم، اغتاظ هو وحاشيته من جلوسه فقال لهم” والله ما زادني مجلسي هذا رفعة، ولا نقص صاحبكم”. (كتاب الخراج لأبي يوسف).
كما عد يحيى بن خالد رجلاً مراراً ولم يف، فرفع إليه رقعة فيها: البسيط
البرمكّيون لا يوفون ما وعدوا والبرمكيّات لا يخلفن ميعاداً
فلما قرأها اغتمّ وقال: وددت أني افتديت هذا البيت ما أملك”. (البصائر والذخائر7/109). كما حضر أبو نواس مجلساً فيه قيان، فقلن له: أبا نواس، ليتنا بناتك، قال: نعم، ونحن على دين المجوسية؛ وذلك لأن المجوس ينكحون بناتهم”. (حدائق الأزهار/22).. وقال شاعر آخر:
إنّي نشأت بأرض لا تشبّ بـــها نار المجوس ولا تبنى بها البيــــع
ولا يطا القرد والخنزير ساحتها لكنها بها الهيق والسّيدان والصدع
ما كلّ قولي معروف لكم فخذوا ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعـــوا
(الإمتاع والمؤانسة2/254).
ذكر التوحيدي” زعم صاحب المنطق أنّ الجمل لا ينزو على أمّه، وإن اضطرّ كرهه، قال: وقد كان رجل في الدّهر السّالف ستر الأمّ بثوب ثم أرسل بكرا عليها، فلما عرف ذلك لم يتمّ وقطع، وحقد على الجمّال فقتله”. (الإمتاع والمؤانسة2/179). ونقل عن علي بن أبي طالب قوله” كان لملك فرس أنثى، وكان لها أفلاء، فأراد أن تحمل من أكرمها، فصدّ عنها وكرها، فلمّا سترت وثب فركبها، فلمّا رفع الثّوب ورآها هرب ومرّ حضرا حتى ألقى نفسه في بعض الأودية فهلك، هذا كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه”. (الإمتاع والمؤانسة2/179).
قال ابن الحجّاج:
لا تغترر أنّك مـــن فارس في معدن الملك وديوانه
لو حدّثت كسرى بذا نفسه صفّعته في جوف إيوانه (محاضرات الأدباء1/425).
بل من الطرائف أنه سمع أعرابي يقول لآخر أترى هذه العجم تنكح نساءنا في الجنة، فقال الآخر: نعم أرى ذلك بأعمالهم الصالحة، فقال: توطأ رقابنا والله قبل ذلك”. (محاضرات الأدباء1/425).
كما قال أحمد بن يحيى:
بني يثربي حصنوا أيقاتكــــــم وأفراسكم من ضرب أحمر مسهم
ولا أعرفن ذا الشق يطلب شقه يداويه منكم بالأديم المسلم
غلق المظفر الحاتمي” يعني نساءكم وبناتكم. يقول: لا تنكحوا نساءكم العجم من الفرس. ومسهم، ضربه مثلاً. يقول: إذا كان هجيناً من السهام دون سهام العتيق”. (حلية المحاضرة/131)
اليوم تعيد الحكومة الشيعية في العراق بتوجيه من الولي الفقيه في طهران إعادة ترميم إيوان كسرى لإستعادة أمجاد فارس المزعومة، وهم يعلمون ما آل اليه الإيوان!
قال الزمخشري” تذاكر حذيفة وسلمان رضي الله عنهما أمر الدنيا، فكان من أعجب ما ذكرا أن أعرابيا من غامد كان يرعى حوله شويهات له، فإذا كان الليل آواها إلى سرير رخام في الإيوان كان يجلس عليه أبرويز.
قال البحتري:
حضرت رحلي الهموم فوجّهت إلى أبيض المدائن عنسي
وكأن الإيوان من عجب الصّنعة جون في جنب أرعن مرسي
لما بنى المنصور بغداد أحب أن ينقضه، ويبني بنقضه؛ فاستشار خالد بن برمك فنهاه، وقال: هو آية الإسلام، من رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبي، وهو مصلى علي بن أبي طالب، والمؤونة في نقضه أكثر من الإرتفاق به. فقال: أبيت إلا ميلا إلى العجم؛ فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كبيرا، فأمسك؛ فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدث بعجزك عنه، فلم يفعل”.( ربيع الأبرار1/268).
ـ قال ابن حمدون” لما قال إسماعيل بن يسار قصيدته التي يفخر فيها بالفرس على العرب، ومنها:
إذ نربّي بناتنا وتدسّون سفاها بناتكم في التراب
قال له العربي: لأن حاجتنا إلى البنات غير حاجتكم، يعني أنهم ينكحون بناتهم”. (التذكرة الحمدونية3/442).

العرب لا تصاهر الفرس
كان العرب لا يتصاهرون مع الفرس للحفاظ على أنسابهم وما عرف من الفرس من تقاليد لا تنسجم مع القيم العربية، مهما كانت مكانتهم، وهذا مثال مهم، ذكره الزمخشري وهو من فارس” جاء سلمان رضي الله يخطب قرشية ومعه أبو الدرداء، فدخل وذكر سابقة سلمان وفضله، فقالوا: لا نزوجه، ولكن إن أردت أنت زوجناك. فتزوجها ثم خرج، فقال: يا أخي قد صنعت شيئاً وأنا أستحي منك، وأخبره، فقال سلمان: أنا أحق أن أستحي منك، أخطب امرأة كتبها الله لك”. (ربيع الأبرار1/461).
قال الكرمي المقدسي” رُويَ عن سلمانَ الفَارِسيَ – رضي الله عنه – أنّهُ قَالَ: فضلتموَنا يا معشرَ العَرَبَ باثنتين: لا نؤمكم، ولا ننكح نساءَكم. ورواهُ سعيد في (سننه) وغيرُهُ. وهذا الحديث ممَا احتجً بهِ أكثرُ الفقهاء الذين جعلوَا العربيةَ منَ الكفَاءةِ بالنسبة إلى العجمي قائلين: ولا تزوج عربية بعجمي. قالَ الفقهاءُ في تعليلِ ذلكَ -: لأن الله – تعالى – اصطفى العربَ على غيرهم وَمَيَّزَهُم عنهم بفضائل جمة”. (مسبوك الذهب في فضل العرب/49)
قال الكرمي المقدسي” لما وَضَعَ الإِمامُ عمرُ بنُ الخَطَّاب – رضي الله عنه – الديوَانَ للعطاء كَتَبَ النَاسَ على قدرِ أنْسَابهِمْ، فبدأ بأقربهم نَسَباً إلى رسوَل الله فَلَمَّا انقضَتْ العَرَبُ ذَكَرَ العَجَمَ، هكذَا كان الديوانُ على عهدِ الخُلَفَاءِ الراشدينَ، وسائرِ الخلفاءِ من بني أمَيةَ، والخلفاءِ من بني العَباسِ إلى أنْ تغير الأمرُ بعدَ ذلك”. (مسبوك الذهب في فضل العرب/49)
قال ابو الفرج” كانت لملوك العجم صفة من النساء مكتوبة عندهم فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة فإذا وجدت حملت إلى الملك غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب ولا يظنونها عندهم ثم إنه بدا للملك في طلب الصفة وأمر فكتب بها إلى النواحي ودخل إليه زيد بن عدي وهو في ذلك القول فخاطبه فيما دخل إليه فيه ثم قال إني رأيت الملك قد كتب في نسوة يطلبن له وقرأت الصفة وقد كنت بآل المنذر عارفا وعند عبدك النعمان من بناته وأخواته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة قال فاكتب فيهن قال أيها الملك إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون زعموا في أنفسهم عن العجم فأنا أكره أن يغيبهن عمن تبعث إليه أو يعرض عليه غيرهن وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك فابعثني وابعث معي رجلا من ثقاتك يفهم العربية حتى أبلغ ما تحبه فبعث معه رجلا جلدا فهما فخرج به زيد فجعل يكرم الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة فلما دخل عليه أعظم الملك وقال إنه قد احتاج إلى نساء لنفسه وولده وأهل بيته وأراد كرامتك بصهره فبعث إليك فقال ما هؤلاء النسوة فقال هذه صفتهن قد جئنا بها وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني فكتب إلى أنوشروان بصفتها وقال إني قد وجهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق نقية اللون والثغر بيضاء قمراء وطفاء كحلاء دعجاء حوراء عيناء قنواء شماء برجاء زجاء أسيلة الخد شهية المقبل جثلة الشعر عظيمة الهامة بعيدة مهوى القرط عيطاء عريضة الصدر كاعب الثدي ضخمة مشاش المنكب والعضد حسنة المعصم لطيفة الكف سبطة البنان ضامرة البطن خميصة الخصر غرثى الوشاح رداح الأقبال رابية الكفل لفاء الفخذين ريا الروادف ضخمة المأكمتين مفعمة الساق مشبعة الخلخال لطيفة الكعب والقدم قطوف المشي مكسال الضحى بضة المتجرد سموعا للسيد ليست بخنساء ولا سفعاء رقيقة الأنف عزيزة النفس لم تغذ في ؤس حيية رزينة حليمة ركينة كريمة الخال تقتصر على نسب أبيها دون فصيلتها وتستغني بفصيلتها دون جماع قبيلتها قد أحكمتها الأمور في الأدب فرأيها أهل الشرف وعملها عمل أهل الحاجة صناع الكفين قطيعة اللسان رهوة الصوت ساكنته تزين الولي وتشين العدو إن أردتها اشتهت وإن تركتها انتهت تحملق عيناها وتحمر وجنتاها وتذبذب شفتاها وتبادرك الوثبة إذا قمت ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست، قال فقبلها أنوشروان وأمر بإثبات هذه الصفة في دواوينه فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى ابن هرمز، فقرأ زيد هذه الصفة على النعمان فشقت عليه وقال لزيد والرسول يسمع أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته فقال الرسول لزيد بالفارسية ما المها والعين فقال له بالفارسية كاوان أي البقر فأمسك الرسول وقال زيد للنعمان إنما أراد الملك كرامتك ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به، فأنزلهما يومين عنده ثم كتب إلى كسرى إن الذي طلب الملك ليس عندي وقال لزيد اعذرني عند الملك ، فلما رجعا إلى كسرى قال زيد للرسول الذي قدم معه أصدق الملك عما سمعت فإني سأحدثه بمثل حديثك ولا أخالفك فيه ،فلما دخلا على كسرى قال زيد هذا كتابه إليك فقرأه عليه، فقال له كسرى وأين الذي كنت خبرتني به قال قد كنت خبرتك بضنتهم بنسائهم على غيرهم وإن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش وإيثارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه حتى إنهم ليسمونها السجن فسل هذا الرسول الذي كان معي عما قال فإني أكرم الملك عن مشافهته بما قال وأجاب به قال للرسول وما قال فقال له الرسول أيها الملك إنه قال أما كان في بقر السواد وفارس ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا فعرف الغضب في وجهه ووقع في قلبه منه ما وقع لكنه لم يزد على أن قال رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا ثم صار أمره إلى التباب وشاع هذا الكلام حتى بلغ النعمان وسكت كسرى أشهرا على ذلك”. (الاغاني2/113).

عدم قيول شهادة من يتجر مع الفرس
ذكر وكيع” عَن مُحَمَّد بْن عَبْد الرحمن القرشي؛ قال: قلت لإياس بْن معاوية؛ أخبرت أنك كنت لا تجيز شهادة الأشراف بالعراق، ولا التجار، ولا الذين يركبون البحر.
فقال: أجل أما الذين يركبون البحر، فإنهم يركبون إِلَى الهند حتى يغرر بدينهم، ويمكنوا عدوهم منهم، من أجل طمع الدنيا، فعرفت أن هؤلاء إن أعطي أحدهم درهمين في شهادتهم لم يتحرج بعد تغريره بدينه، وأما الذين يتجرون في قرى فارس فإن المجوس يطعمونهم الربا، وهم يعلمون؛ فأبيت أجيز شهاتهم لأجل الربا؛ وأما الأشراف فإن الشريف بالعراق إِذَا نابت أحداً منهم نائبة أتى سيد قومه، شهد له وشفع، فقد كنت أرسلت عَبْد الأهلي بْن عَبْد اللهِ بْن عامر ألا يأتيني بشهادة”. (أخبار القضاة2/359).

ابن الفارسية
ذكر المرزباني” هجى بشار سيبويه بقصيدة يقول فيها:
أسبويه يابن الفارسيّة ما الذى تحدثت من شيمتى وما كنت تنبذ
أظلـــت تغنى سادرا بمساءتى وأمّك بالمصرين تعطى وتأخذ
فقيل لبشار: تنسبه إلى الفارسية؟ قال: نسبته إلى أن أعرف أبويه. قيل: فلم جعلتها فارسية؟
قال: إنّ بفارس الشريف والوضيع.
قال ابن مهدى: وحدثنى أبو هفّان، قال: حدثنى أبو محلّم، قال: كان بالبصرة امرأة زانية يقال لها الفارسية مشهورة بالزنا؛ فكان أهل البصرة إذا أرادوا أن يزنّوا إنسانا قالوا له: يابن الفارسية، فإلى هذا ذهب بشار؛ وكان أشدّ عصبية للفرس من أن يقول هذا”. (الموشح في مآخذ العلماء/314).
العرب يستنكفون من الفرس
ـ ذكر النهشلي القيرواني” حدث يموت بن المزرع أن امرأة من العرب كانت أمها فارسية، وكان بنو عمها كثيراً ما يعيرونها بأمها، فلما كثر ذلك عليها أنشأت تقول:
من آل فارس أخوالي أساورة هم الملوك وقومي سادة العرب
وجدتي تلبس الديباج ملحفة من الفرير ولم تقعد على قتب
ولم تكب على الأبراد تنسجها معاذ ربي، ولم تشرب من العلب
فقلن لها أوصيت قومك؟ فقالت: هم والله أشد إيجاعا وما قصدت إلا دفع شرهم”. (الممتع في صنعة الشعر/334).
وأنشد أحمد بن يحيى:
بني يثربي حصنوا أيقاتكم وأفراسكم من ضرب أحمر مسهم
ولا أعرفن ذا الشق يطلب شقه يداويه منكم بالأديم المسلم
قال اين المظفر الحاتمي” يعني نساءكم وبناتكم. يقول: لا تنكحوا نساءكم العجم من الفرس. ومسهم، ضربه مثلاً. يقول: إذا كان هجيناً من السهام دون سهام العتيق”. (حلية المحاضرة1/131).

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/13
علي الكاش

8. تجذر الحقد الفارسي وفشل الإسلام من إجتثاثه.
قال عمر الفاروق: ما تكلم أحد بالفارسية إلا خب، ولا خب إلا ذهبت مروءته”. (البصائر والذخائر9/87). وقال أيضا” هلاك العرب أبناء بنات فارس”. (البصائر والذخائر6/137).
كما ذكر ابن خلدون ” كتب به عمر إلى أبي عبيدة بن المثنى حين وجهه الى حرب فارس: انك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والحيرة، تقدم على أقوام قد جرءوا على الشرّ فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه فانظر كيف تكون”. (تأريخ ابن خلدون2/406). وقال أبو حامد عن الفرس” فما ظنّك بقوم يجهلون آثار الطبيعة، وأسرار الشريعة؟ ما أذلّهم الله باطلا، ولا سلبهم ملكهم ظالما، ولا ضربهم بالخزي والمهانة إلّا جزاء على سيرتهم القبيحة، وكذبهم على الله بالجرأة والمكابرة، وما الله بظلام للعبيد”. (الإمتاع والمؤانسة1/82).
وقال ابن خلدون ” قال السهيليّ: عند ذكر سابور بن هرمز إنّه كان يخلع أكتاف العرب ولذلك لقّبه العرب ذو الأكتاف، وأنه أخذ عمرو بن تميم بأرضهم بالبحرين وله يومئذ ثلاثمائة سنة وإنه قال: إنما أقتلكم معاشر العرب لأنكم تزعمون أنّ لكم دولة”. (تأريخ ابن خلدون2/205). قال التوحيدي” قيل لرجل منهم في يوم شات وهو يمشي في سمل: أما تجد البرد يا أخا العرب؟ فقال: أمشي الخيزلي ويدفئني حسبي. والفارسيّ لا يحسن هذا النّمط، ولا يذوق هذا المعنى ولا يحلم بهذه اللّطيفة، وكذلك الروميّ والهنديّ وغيرهما من جميع العجم”. (الإمتاع والمؤانسة1/76). قال محمد بن حبان “كان عمرو بن معد يكرب مع المسلمين في القادسية فجعل يحرض الناس على القتال ويقول: يا معشر المسلمين! كونوا أسودا، إن الفارسي تيس”.( السيرة النبوية2/ 469).
ويصف المسعودي الشيعي بلاد فارس بقوله ” أما بلد فارس، فخضب الفضاء، رقيق الهواء، مُتراكم المياه، معتم بالأشجار، كثير الثمار، وفي أهلهِ شحٌّ، ولهُم خبّ، وغرائزهم سيئة، وهممهُم دنيئة، وفيهم مكر وخداع”. (مروج الذهب2/50).
كما قال أبو القاسم:
ياسائلي عن أصفهان وأهلها حكم الزمان بنحسهم وخرابها
شبانها ككهولها وكهولـــــها كشيوخها وشيوخـــها ككلابها
هي بلدتي لكنني فارقتــــها طفلا فلم أعبق بلؤم ترابـــــها (الرسالة البغدادية/92).
ويكمل قوله عن اصفهان” مدينة يابسة الهواء، جوها غبار، وأرضها خبار، ماؤها طين، وترابها سرجين، أهلها ذياب عليهم ثياب، كلامهم سباب، ومزحهم ضراب، طرقها كزابل، لا يوجد فيها ذو كرم ولا نايل” ويقارنها ببغداد فيقول” والله ما انسى بلدتي وتربتي ولا ارضي ببغداد جنة الخلد،هي بلدة الأمل والمنى والغاية القصوى، معشوقى السكنى، كوكبها يقظان، حصباؤها جوهر، نسيمها عنبر، ترابها مسك أذفر، يومها غداة وليلها سحر، وطعامها هنيً، وشرابها مريً، وجوها مضيً، كأن محاسن الدنيا مفروشة، وصورة الجنة بها منقوشة. السرجين هو روث الدواب، خبار الارض الراخية.
ومن تأريخ الفرس الدموي” قال ابن العميد وفي الثانية من الهجرة بعث أبرويز عساكره إلى الشام والجزيرة فملكها، وأثخن في بلاد الروم، وهدم كنائس النصارى واحتمل ما فيها من الذهب والفضة والآنية، حتى نقل الرخام الّذي كان بالمباني”. (تأريخ ابن خلدون2/265). وقال التوحيدي” قيل لرجل منهم في يوم شات وهو يمشي في سمل: أما تجد البرد يا أخا العرب؟ فقال: أمشي الخيزلي ويدفئني حسبي. والفارسيّ لا يحسن هذا النّمط، ولا يذوق هذا المعنى ولا يحلم بهذه اللّطيفة، وكذلك الروميّ والهنديّ وغيرهما من جميع العجم”. (الإمتاع والمؤانسة1/76). وقال الغرناطي” بعث المنصور سليمان بن راشد، إلى الموصل، وضم إليه ألف فارس من العجم، وقال له: قد ضممت لك ألف شيطان تذل بهم أهل الأرض، فلما أتى الموصل عاشوا في نواحيها، وقطعوا الطريق، وانتهبوا الأموال، وانتهى خبرهم إلى المنصور، فكتب إليه: كفرت النعمة يا سليمان، فكتب إليه في الجواب (وما كفر سليمن ولكن الشيطين كفروا) فضحك المنصور، وعرف عذره، وأنذر له بجيش غيرهم”. (حدائق الأزهار/61). قال التوحيدي” كتب العتّابي إلى المأمون: إن للعرب البديهة، وللعجم الرّويّة، فخذ من العرب آدابها ومباني كلامها، وخذ من العجم مكايدها ونتائج فكرها، تجتمع لك فصاحة العرب ورجاحة العجم”. (البصائر والذخائر7/78). وأضاف” سمعت أبا سليمان يقول: كنا نحفظ ونحن صغار: احذروا حقد أهل سجستان، وحسد أهل هراة، وبخل أهل مرو، وشعث أهل نيسابور، ورعونة أهل بلخ، وحماقة أهل بخارى”.(البصائر والذخائر3/71).
أضاف التوحيدي” كتب سعد بن أبي وقّاص إلى رستم صاحب الأعاجم: إسلامكم أحبّ إلينا من غنائمكم، وقتالكم أحبّ إلينا من صلحكم. فبعث إليه رستم: أنتم كالذّباب إذ نظر إلى العسل فقال: من يوصلني إليه بدرهمين، فإذ نشب فيه قال: من يخرجني منه بأربعة، وأنت طامع، والطمع سيرديك. فأجابه سعد: أنتم قوم تحادّون الله وتعاندون أنفسكم، لأنّكم قد علمتم أنّ الله يريد أن يحوّل الملك عنكم إلى غيركم، وقد أخبركم بذلك حكماؤكم وعلماؤكم، وتقرّر ذلك عندكم، وأنتم دائما تدفعون القضاء بنحوركم، وتتلّقون عقابه بصدوركم، هذه جرأة منكم وجهل فيكم، ولو نظرتم لأبصرتم، ولو أبصرتم لسلمتم، فإنّ الله غالب على أمره، ولمّا كان الله معكم كانت علينا ريحكم، والآن لمّا صار الله معنا صارت ريحنا عليكم، فانجوا بأنفسكم، واغتنموا أرواحكم، وإلا فاصبروا لحرّ السلاح وألم الجراح، وخزي الافتضاح، والسلام”.(الإمتاع والمؤانسة3/346).
بل كان العرب يأنفون من تزويج بناتهم للفرس، مهما علت منزلتهم، وهاك هذا المثل الصارخ: جاء سلمان الفارسي يخطب امرأة من قريش ومعه أبو الدرداء، فذكر سلمان وسابقته في الإسلام وفضله، فقالوا: أما سلمان فما نزوجه ولكن إن أردت أنت زوجناك، فتزوجها أبو الدرداء، فلما خرج قال: يا أخي قد صنعت شيئاً، وأنا أستحي منك، وأخبره، فقال له سلمان: أنا أحق أن أستحي منك، أخطب امرأة كتبها الله لك”.(البصائر والذخائر3/145). مع ان سلمان من كبار الصحابة، واعتبره النبي (ص) من آل بيته كما ورد في الحديث رغم ضعفه، لكنهم رفضوا تزويجه من بناتهم لانه فارسي الأصل!
قال ابن المزرع العبدي” أن امرأة من العرب كانت أمها فارسية، وكان بنو عمها كثيراً ما يعيبونها بأمِّها، فلمَّا كثُر ذلك عليها، أنشأت تقول ” من البسيط
من آل فارسَ أخوالي أساورةٌ هم الملوكُ وقومي سادةُ العربِ
وجدَّتي تلبسُ الدِّيباجَ مِلحفــةً من الفِرنِد ولم تقعد على قَتَبِ
ولم تكبَّ على الأبرادِ تنسجها معذَ ربي ولم تشرب من العُلَبِ
فقيل لها: أوجعك قومك! فقالت: هم والله اشدُّ إيجاعاً، وما قصدتُ إلاَّ دفع شرِّهم”. (أمالي ابن المزرع/10). كما ذكرالقزويني”كان كسرى مشغوفاً بالنساء، أي امرأة حسناء ذكرت عنده يرسل إلى تحصيلها، فكان يجري في مجلسه ذكر النساء. قال زيد بن عدي: ان لعبدك النعمان بنات في غاية الحسن والجمال، إن اقتضى رأي الملك يبعثني إليه أخطب بناته للملك! فبعثه كسرى مع بعض خواصه من العجم، فقال النعمان: إن للملك في مها العجم لمندوحة عن سودان العرب! فقال زيد للعجمي: احفظ ما يقوله حتى تقول لكسرى! فلما عاد إلى كسرى قال: ما معنى هذا الكلام؟ قال زيد: يقول الملك له بقر العجم، ما له ولكحلاوات العرب؟ فتأذى كسرى من هذا وبعث إليه يطلبه، فهرب النعمان في البرية”.(آثار البلاد وأخبار العباد1/470).
وقال الثعالبي” تعرض الى معن بن زائدة رجل فقال: احملني أيها الأمير فقال: أعطوه جملاً وفرساً وبغلاً وحماراً وجارية وقال: لو علمت أن الله تعالى خلق مركوباً سوى ما ذكرناه لأمرنا لك به. فحكي هذا الحديث للمعلى بن أيوب فقال: رحم الله معناً، لو كان يعلم أن الغلام يركب لأمر له به، ولكنه كان عربياً محضاً لم يتدنس بقاذورات العجم”. (اللطف واللطائف/3).
الفرس يعيبون العرب وينسون أنفسهم! لكن أقرأ هذا الخبر لتعرف سر حقدهم وكراهيتهم للعرب.
قال الهيثم بن عدي، عن رجاله، بينا حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي يتذاكران أعاجيب الزمان، وتغير الأيام، وهما في عرصة أيوان كسرى، وكان أعرابي من غامد يرعى شويهات له نهارا، فإذا كان الليل صيرهن إلى داخل العرصة، وفي العرصة سرير رخام كان كسرى ربما جلس عليه، فصعدت غنيمات الغامدي على سرير كسرى، فقال سلمان: ومن أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامدي على سرير كسرى(البيان والتبيين3/192).

9. شهادات فارسية بحق العرب
سنبدأ بأول إعتراف بحضارة العرب من كبار قومهم أي الفرس.
دخل الحارث بن كلدة على كسرى أنوشروان، وهو طبيب العرب، فقال له كسرى: ما أصل الطب؟ قال: ضبط الشفتين والرفق باليدين، قال: أصبت، فما الداء الدوي؟ قال: إدخال الطعام على الطعام هو الذي أفنى البرية، وقتل السباع في البرية، قال: أصبت، فما الجمرة التي تلتهب منها الأدواء؟ قال: التخمة التي إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت، قال: فما تقول في الحجامة؟ قال: في نقصان الهلال في يوم صحو لا غيم فيه والنفس طيبة والسرور حاضر، قال: فما تقول في الحمام؟ قال: لا تدخل الحمام وأنت شبعان، ولا تغش أهلك وأنت سكران، ولا تقم بالليل وأنت عريان، وارتفق بيمينك يكن أرخى لمقيلك؛ قال: فما تقول في شرب الدواء؟ قال: اجتنب الدواء ما لزمتك الصحة، فإذا أحسست من الداء بحركة فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه، فإن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت، وإن أفسدتها خربت، قال: فما تقول في الشراب؟ قال: أطيبه أهنوه، وأرقه أمرؤه، وأعذبه أشهاه، ولا تشربه صرفاً فيورثك صداعاً. ويثير عليك من الأدواء أنواعاً، قال: فأي اللحمان أحمد؟ قال: الضأن الفتي، واجتنبت أكل القديد والمالح والجزور والبقر، قال: فما تقول في الفاكهة؟ قال: كلها في إقبال دولتها، وخير أوانها، واتركها إذا أدبرت وانقضى زمانها، وأفضل الفاكهة الرمان والأترج، وأفضل البقول الهندبا والخس، قال: فما تقول في شرب الماء؟ قال: هو حياة البدن وبه قوامه، وشربه بعد النوم ضرر، وأقوى المياه مياه الأنهار، وأبرده أصفاه، قال: فما طعمه؟ قال: شيء لا يوصف، مشتق من الحياة، قال: فما لونه؟ قال: اشتبه على الأبصار لونه، لأنه على لون كل شيء، قال: فأخبرني عن اصل الإنسان، قال: أصله من حيث يشرب الماء، يعني رأسه، قال: فما هذا النور الذي تبصر به الأشياء؟ قال: العيون مركبة، فالبياض شحمه، والسواد ماؤه، والناظر ريح، قال: فعلى كم طبائع هذا البدن؟ قال: على أربع: على المرة السوداء وهي باردة شديدة يابسة، والمرة الصفراء وهي حارة يابسة، والدم وهو حار رطب، والبلغم وهو بارد رطب، قال: فلم لم يكن من طبيعة واحدة؟ قال: لو كان من طبيعة واحدة لم يأكل ولم يشرب ولم يمرض ولم يمت، قال: فمن طبيعتين؟ قال: كانتا تقتتلان، وكذلك لو كان من ثلاث، قال: فاذكر لي أفعال الطبائع في كلمة جامعة، قال: كل حلو حار، وكل حامض بارد، وكل حريف حار، وكل مر معتدل، وفي المر حار وبارد، قال: فما أفضل ما عولجت به المرة الصفراء؟ قال: البارد اللين، قال: فالسوداء؟ قال: الحار اللين، قال: فالرياح؟ قال: الحقن اللينة والأدهان الحارة، قال: أتأمر بالحقنة؟ قال: نعم، قرأت في بعض كتب الحكماء أن الحقنة تنقي الجوف وتكسح الأدواء، وعجبت لمن احتقن كيف يهرم أو يعدم الولد، والجهل كل الجهل أكل ما عرفت مضرته، قال: فما الحمية؟ قال: الاقتصاد في كل شيء، فإن تجاوز المقدار يضيق على الروح ساحتها، قال: فما تقول في إتيان النساء؟ قال: الإكثار مضر، وإياك والمولية منهن فإنها كالشن البالي، تسقم بدنك وتجدب قواك، ريقها سم قاتل، ونفسها موت عاجل، تأخذ منك ولا تعطيك، عليك بالشابة، ريقها عذب زلال، وعناقها غنج ودلال، تزيدك قوة ونشاطاً، قال: فأي النساء القلب إليها أنشط، والنفس بمباشرتها أغبط؟ قال: إذا أصبتها فلتكن مديدة القامة، عظيمة الهامة، واسعة الجبين، قنواء العرنين، كحلاء برجاء، صافية الخدين، عريضة الصدر، مليحة النحر، ناهدة الثديين، لطيفة الخصر والقدمين، بيضاء فرعاء، جعدة غضة بضة، تخالها في الظلماء بدراً، قد جمعت لك طيباً وعطراً، تبسم عن أقحوان زاهر، وإن تكشف عنها تكشف عن بيضة مكنونة، وإن تعانق تعانق ألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأبرد من الفرودس والخلد، وأذكى من الياسمين والورد، قال: فأي الأوقات الجماع أفضل؟ قال: عند إدبار الليل وقد غور، وعند إقبال الصبح وقد نور، فالبطن أخلى، والمتن أقوى، والنفس أشهى، والرحم أحلى، قال كسرى: لله درك من أعرابي أعطيت علماً”. (البصائر والذخائر5/49ـ 51).)
كما قال التوحيدي” أقبل علينا ابن المقفّع، فقال: أيّ الأمم أعقل؟ فظننا أنه يريد الفرس، فقلنا: فارس أعقل الأمم، نقصد مقاربته، ونتوخّى مصانعته. فقال: كلّا، ليس ذلك لها ولا فيها، هم قوم علّموا فتعلّموا، ومثّل لهم فامتثلوا واقتدوا وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتّباعه، ليس لهم استنباط ولا استخراج. فقلنا له: الرّوم. فقال: ليس ذلك عندها، بل لهم أبدان وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة، لا يعرفون سواهما، ولا يحسنون غيرهما. قلنا: فالصّين. قال: أصحاب أثاث وصنعة، لا فكر لها ولا رويّة.
قلنا: فالتّرك. قال: سباع للهراش. قلنا: فالهند. قال: أصحاب وهم ومخرقة وشعبذة وحيلة. قلنا: فالزّنج. قال: بهائم هاملة. فرددنا الأمر إليه. قال: العرب. فتلاحظنا وهمس بعضنا إلى بعض، فغاظه ذلك منّا، وامتقع لونه، ثم قال: كأنّكم تظنّون فيّ مقاربتكم، فو الله لوددت أنّ الأمر ليس لكم ولا فيكم ولكن كرهت إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب، ولكن لا أدعكم حتى أبيّن لكم لم قلت ذلك، لأخرج من ظنّة المداراة، وتوهّم المصانعة، إن العرب ليس لها أول تؤمّه ولا كتاب يدلّها، أهل بلد قفر، ووحشة من الإنس، احتاج كلّ واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله، وعلموا أنّ معاشهم من نبات الأرض فوسموا كلّ شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه وعرفوا مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في الشاة والبعير، ثم نظروا إلى الزمان واختلافه فجعلوه ربيعيا وصيفيا، وقيظيا وشتويا، ثم علموا أنّ شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنواء، وعرفوا تغيّر الزمان فجعلوا له منازله من السنة، واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلّة على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد، وجعلوا بينهم شيئا ينتهون به عن المنكر، ويرغّبهم في الجميل، ويتجنّبون به الدناءة ويحضّهم على المكارم، حتى إنّ الرجل منهم وهو في فجّ من الأرض يصف المكارم فما يبقي من نعتها شيئا، ويسرف في ذمّ المساوئ فلا يقصّر، ليس لهم كلام إلّا وهم يتحاضّون به على اصطناع المعروف ثم حفظ الجار وبذل المال وابتناء المحامد، كلّ واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته فلا يتعلّمون ولا يتأدّبون، بل نحائز مؤدّبة، وعقول عارفة، فلذلك قلت لكم: إنهم أعقل الأمم، لصحّة الفطرة واعتدال البنية وصواب الفكر وذكاء الفهم”. (الإمتاع والمؤانسة1/71).
قدم المرزوقي الاصفهاني العرب على غيرهم بقوله” اعلم أنّ رؤساء الأمم أربعة بالاتفاق: العرب، وفارس، والهند، والروم وهم على طبقاتهم في الذكاء والكيس، والدّهاء، والكيد، والجمال، والعناد وتملك الممالك والبلاد، والسّياسة والإيالة، واستنباط العلوم وإثارة الحكم في جوامع الأمور”. (الأزمنة والأمكنة/11).
ذكر ابن شداد” كان ملك الروم برومية الكبرى – وهي دار ملكه – وكان بينه وبين سابوربن أردشير، العاشر من ملوك الفرس عداوة عظيمة. فكانت الفرس تشن الغارات من أرزن على هذه الديار إلى آمد. وما وراءها، وتسبي أهلها وتقتل الرهبان فاتفق أنه كانت لملك الفرس ابنة فائقة الجمال، وكانت عنده بمنزلة عظيمة، فعرض لها مرض من الجنون، فجمع الأطباء والكهنة فعالجوها فلم تبرأ من ذلك المرض، فضاق صدره لذلك، فاستشار أهل مملكته ووزراءه في أمرها فأشاروا عليه بالإنفاذ إلى قسطنطين – ملك الروم – بأن يتقدم إلى مروثا بالحضور إليك ومعالجتها. فنفذ إلى ملك الروم رسولا، ومعه هدايا وتحف عظيمة، فنفذ الملك إلى مروثا، وأمره بالمسير إليه. فسار مع الرسول إلى أن وصل إلى الملك سابور، ودخل على ابنته وعالجها أياما فبرئت مما كانت فيه. ففرح الملك فرحا عظيما، وقال لمروثا: تمن علي! فقال: أريد الصلح والهدنة بينك وبين الملك قسطنطين، وتكون المودة بينكما دائمة، فأجابه إلى ذلك، وكتب بينهما عهدا لا ينقض مدة حياتهما. فلما عزم على المسير، سأله الملك: هل لك حاجة؟ فقال: مالي حاجة. ولكني أسألك جمع عظام الرهبان والشهداء الذين قتلوهم أصحابك في بلادنا، وحملها معي إلى موضعي. فأمر له بذلك. وطيف بتلك الديار وجمع ما بها من عظام من قتله الفرس، وحملها معه إلى مقرة، ودفنها في موضعه”. (الأعلاق الخطيرة/155).

10. الحالة المعكوسة
إتسم الإسلام بنظرة موضوعية الى جميع القوميات، فلم يفاضل بين الجنس واللون والعصبية والنسب والقرابة من النبي (ص)، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا من حيث درجة أو مرتبة الإيمان والتقوى، فالأعجمي المسلم الشديد التقوى أفضل عند الله تعالى من العربي المسلم الأقل تقوى، وهناك الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي يمكن الإستشهاد بها، وكان من كبار الصحابة صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي، والأزرق بن عقبة وغيرهم. الأصل في هذه النظرة الموضوعية السليمة هي أن البشر جميعهم من أصل واحد، فهم من نسل آدم، وآدم من تراب. عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ : ( أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي يَعْنِي فُلَانًا لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ”. (صحيح البخاري/5990). وعَنْ أَبِي نَضْرَةَ قال ” حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى ، أَبَلَّغْتُ) قَالُوا : بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”. (مسند أحمد/22978).
مع أن العرب هم الذين رفعوا راية الإسلام ونشروه تعاليمه السمحاء بين الأمم، لكنهم لم يتفاخروا بهذه المكرمة التي اسبغها الله تعالى عليهم حصرا. ولو تفاخروا على سبيل الفرض، فأن الحق في جانبهم، لأنهم هم الذين تحملوا العبْ الأكبر من الجهاد في سبيل الله، وقدموا التضحيات البشرية والمادية لنشر الإسلام. جميع الشعوب غير العربية هي مدينة للعرب في هذا الجانب سواء إعترفوا أو أنكروا إحسان العرب اليهم.
أما أن يتفاخر شعب أعجمي كان غارقا في الوثنية والضلال على العرب المسلمين الذين أنقذوه من حبائل الشيطان وقادوه الى مرفأ الإيمان، فهذا بربٌي أمر مشين لايقبله لبيب. عندما يقدم لك إنسان ما خدمة ما، فإنك مدين له عما قدمه لك وشاكرا لفضله، أما إذا تنكرت له وخدمته فهذا خزي وعار. فكيف والأمر يتعدى الخدمة الشخصية، بل ويتعدى حياة الدنيا بأكملها؟
قال ابو هلال العسكري” ذكر فى مفاخرات العرب والعجم عربيا وفارسيا تفاخرا، فغلب العربى الفارسى فى كل خصلة ذكراها، حتى ذكر القرى والضيافة فقال الفارسى: لنا فى ذلك ما ليس للعرب، نحن نسمى الضيف مهمان أى عظيمنا أو كبيرنا، فنجعل أنفسنا نضافة إليه، وانتم تسمونه الضيف، فتجعلونه مضافا اليكم، فغلب الفارسى العربى فى هذه الخصلة”. (الأوائل /417).

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/14

علي الكاش
كيف تعامل العرب المسلمون مع الفرس؟
كان الفرس قبل الفتح الإسلامي المبارك يعيشون في ظل المجوسية والزرادشتية، وهي فترة مظلمة كما يفترض في تأريخهم لما إحتوته من مظالم ومفاسد وحروب ونهب وسلب وجهل، فإن ضمروا للعرب المسلمين الفاتحين الشر والإزدراء، ونظروا لهم نظرة دونية، وحملوهم تدمير حضارتهم كما يزعمون، فهذا له معنى واحد، وهو الحنين الى المجوسية والضلال ونكاح المحارم، بمعنى الإرتداد عن الإسلام.
إقرأ وصية عمر في كيفية التعامل مع الفرس وستفهم حقيقتهم: لما بعث سعد بن أبى وقاص لحرب الفرس قال له: أوصيك بعشر خصال: لا تقتل امرأة ولا وليدا ولا فانيا، ولا تقطع شجرة بثمرة. ولا تعقر شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا ما أكلتهم؛ لا تحرق نخلا ولا كرما، ولا تخرب عامرا، ولا تتهور ولا تجبن. وإذا دخلت أرض العدو فإنك ستجد قوما حبسوا أنفسهم لله، فدعهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجد قوما فحصوا عن أوساط رءوسهم، فاضرب ما فحصوا بالسيف، وإياك ومعاصى الله فى الجيش، فإنها مفسدة للحرب ومبغضة للرب”. (المقتطف من أزاهر الطرف/76).
لما أتي بالهرمزان أسيرا إلى عمر بن الخطاب قيل له: يا أمير المؤمنين، هذا زعيم العجم وصاحب رستم فقال له عمر: أعرض عليك الإسلام نصحا لك في عاجلك وآجلك. قال: يا أمير المؤمنين، إنما أعتقد ما أنا عليه ولا أرغب في الإسلام. فدعا له عمر بالسيف. فلما همّ بقتله قال: يا أمير المؤمنين، شربة من ماء أفضل من قتلي على ظمأ. فأمر له بشربة من ماء. فلما أخذها قال: أنا آمن حتى أشربها؟ قال: نعم. فرمى بها وقال: الوفاء يا أمير المؤمنين نور أبلج. قال: صدقت، لك التوقف عنك والنظر في أمرك؛ ارفعا عنه السيف. فلما رفع عنه. قال: الآن يا أمير المؤمنين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وما جاء به حق من عنده. قال عمر: أسلمت خير إسلام، فما أخّرك؟ قال كرهت أن تظن أني أسلمت جزعا من السيف وإيثارا لدينه بالرهبة. فقال عمر: إن لأهل فارس عقولا بها استحقوا ما كانوا فيه من الملك. ثم أمر به أن يبرّ ويكرم، فكان عمر يشاوره في توجيه العساكر والجيوش لأهل فارس”. (العقد الفريد1/113).

الخلاصة
الحقيقة ان التصريحات التي تصدر من الزعمات الدينية والسياسية تصب جميعها في هذا الإتجاه. كثير ما نسمع منهم الإشادة بالعصور الساسانية وتمجيدها دون أي تمجيد للعصر الإسلامي، الأنكى منه انه حتى كبار العلماء المسلمين الفرس لا ذكر لهم في تصريحاتهم، خذ مثلا البخاري والترمذي والغزالي والمئات غيرهم. من سمع من الفرس الإشادة والتفاخر بهؤلاء العلماء الأفذاذ؟ الجواب: لا أحد.
لاحظ الإصدرات الفارسية والكتب التي تباع في معارض الكتب العربية، هناك عشرات الطبعات من الشاهنامة ورباعيات الخيام والكتب التأريخية المعنية بالعصور الساسانية المزورقة بشكل مدهش وبطبعات ورسوم رائعة، لكن هل لاحظت كتب إسلامية لكتاب مسلمين فرس من غير الشعوبيين كالبخاري وأبو حنيفة والبيهقي والجرجاني وابن سينا وغيرهم؟ الجواب: كلا!
من المؤسف ان القراء العرب يتسابقون للحصول على النسخ المزروقة من الشاهنامة مثلا، مع أن الكتاب فيه إحتقار شديد للعرب، حالة غريبة!
ولا نفهم كيف تسمح وزارات الثقافة والإعلام في الدول العربية لمثل هذه الكتب الشعوبية ان تباع في معارض الكتب الإيرانية على أرضها!
أنه لأمر محير فعلا! لو فرضنا جدلا أن وجود كتاب عربي يتحدث عن مثالب الفرس! هل كان النظام الإيراني يسمح ببيعه في معارض الكتب العربية التي تقام على أرضه؟ نترك الجواب للقاريء اللبيب.

المصادر

القرآن الكريم
ـ موسوعة الحضارات الإسلامية. د. احمد شلبي. الطبعة السادسة. 1986.
ـ التذكرة الحمدونية. ابن حمدون محمد بن الحسن بن محمد بن علي (المتوفي:562هـ). تحقيق: إحسان عباس. دار صادر. بيروت. 1417هـ (10) أجزاء
ـ رسالة يزجرد (يزدكرد) الثالث الى: عمر بن الخطاب خليفة المسلمين10997 بإسم (آهورا مزدا) خالق الحياة و الحكمة. ترجمة (نبز گوران) من الفارسية الى الكوردية وترجمة (هاوڕێ كمال) من الكوردية الى العربية.
ـ تاريخ بغداد أو مدينة السلام. الامام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي( المتوفى: 463) ، وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية. بيروت 1997 (14 جزءا).
ـ ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر. عبد الرحمن ابن خلدون. دار الفكر. بيروت. بلا
ـ يتيمة الدهر. عبد الملك بن محمد بن اسماعيل ابو منصور الثعالبي. تتحقيق: د. مفيد محمد قمحية. دار الكتب العلمية. بيروت 1983. (4 أجزاء).
ـ الروض النضر في ترجمة أدباء العصر. عصام الدين عثمان بن مراد العمري (المتوفي:1184هـ). تحقيق: د. سليم النعيمي. المجمع العلمي العراقي. بغداد 1975. (3 أجزاء).
ـ التذكرة الحمدونية. ابن حمدون محمد بن الحسن بن محمد بن علي (المتوفي:562هـ). تحقيق: إحسان عباس. دار صادر. بيروت. 1417هـ (10) أجزاء
ـ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. يوسف بن تغري بردي جمال الدين ابو المحاسن. وزارة الثقافة. مصر 1963 (16) مجلد.
ـ حسن التنبيه لما ورد في التشبيه. نجم الدين الغزي (المتوفي:1061هـ). تحقيق: لجنة مختصة بإشراف نور الدين طالب. دار النوادر. سوريا 2011 (12 جزءا).
ـ المختصر في أخبار البشر. ابو الفداء عماد اسماعيل بن شاهنشاه بن أيوب الملك المؤيد (المتوفى: 732هـ). المطبعة الحسينية المصرية. القاهرة (4) أجزاء.
ـ المنتظم في تأريخ الأمم والملوك. ابن الجوزي. دار الكتب العلمية. بيروت 1992. (19) جزءا.
ـ دستور العلماء او جامع العلوم في اصطلاحات الفنون. القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (المتوفى: القرن 12هـ). عرب عباراته الفارسية: حسن هاني فحص. دار الكتب العلمية . بيروت الطبعة: الأولى. 2000 عدد الأجزاء (4).
ـ دستور العلماء او جامع العلوم في اصطلاحات الفنون. القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (المتوفى: القرن 12هـ). عرب عباراته الفارسية: حسن هاني فحص. دار الكتب العلمية . بيروت الطبعة: الأولى. 2000 عدد الأجزاء (4).
ـ مرزبان نامة. اسبهبد مرزبان. ترجمة شهب الدين عرب شاه. مطبعة احمد افندي. القاهرة/ 1858
ـ أحسن ما سمعت. أبو منصور الثعالبي. تحقيق. خليل عمران. دار الكتب العلمية. بيروت 2000
ـ الفاخر. المفضل بن سلمة بن عاصم. نحقيق. عبد العليم الطحاوي. دار أحياء الكتب العربية. البابي الحلبي. مصر. 1380 هـ.
ـ الإمتاع والمؤانسة. ابوحيان التوحيدي. تحقيق / وداد القاضي. دار صادر. بيروت. 1408 هـ
ـ الصائر والذخائر. ابوحيان التوحيدي. تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين. المكتبة العصرية
ـ المصون في الأدب. ابو احمد الحسين العسكري. تحقيق عبد السلام محمد هارون. مطبعة الحكومة. الكويت.
ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر. أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي. نحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. دار الفكر. بيروت 1973
ـ كتاب الخراج للقاضي ابي يوسف يعقوب بن إبراهيم. دار المعرفة/ بيروت/ 1979
ـ الافيستا الكتاب المقدس للدراسة الزرادشتية. إعداد. د. خليل عبد الرحمن. دار روافد للثقافة. دمشق 2008 ط/2
ـ بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب. محمود شكري الآلوسي. تحقيق مهمد بهجت الأثري. دار الكتاب المصري.
ـ الصوفية والصفوية، خصائص وأهداف مشتركة. علي الكاش. موقع البرهان. دليل الباحثين عن الحقيقة. 2014
ـ إغتيال العقل الشيعي/ مجلدين/ . علي الكاش. دار أي ـ كتب/ لندن. 2016
ـ رحلة السيرافي. ابو زيد حسن بن يزيد السيرافي (توفي 330 هـ) . المجمع الثقافي. أبو ظبي. 1999
ـ الروض المعطار في خبر الأقطار. أبو عبد الله محمد الحميري (متوفي 900 هـ). تحقيق. احسان عباس. مؤسسة ناصر للثقافة. بيروت 1980. الطبعة الثانية.
ـ كتاب البلدان. محمد بن اسحق الهمداني الملقب ابن الفقيه. تحقيق يوسف الهادي. عالم الكتب. بيروت 1996.
ـ المسالك والممالك. أبو اسحق إبراهيم الفارسي الملقب الأصطخري. دار صادر. بيروت 2004.
ـ المسالك والممالك. ابوعبيد عبد الله البكري. دار الغرب الاسلامي. 1992
ـ الخزل والدأل بين الدور والدارات والديرة. ياقوت الحموي (المنوفي 626 هـ). المكتبة الشاملة.
ـ الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة. إبن شداد الأنصاري الحلبي).
ـ حدائق الأزهار في مستحسن الأجوبة والمضحكات. لأبي عاصم الغرناطي.
ـ معجم البلدان. شهاب الدين ابو عبد الله ياقوت الحموي. دار صادر بيروت. 1995
ـ تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الأسفار. محمد بن عبد الله الطنجي (ابن بطوطة المتوفي 779 هـ).
ـ الرسالة البغدادية. ابو حيان التوحيدي. تحقيق عبود الشالجي. دار الجمل. بيروت 1977.
ـ آثار البلاد وأخبار العباد. زكريا بن محمد القزويني (متوفي 682 هـ ). دار صادر. بيروت.
ـ العقد الفريد. ابو عمر شهاب الدين المعروف بابن عبد ربه. دار الكتب العلمية. بيروت 1404 هـ
ـ محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء. أبو القاسم الحسين الملقب بالراغب الأصفهاني (المتوفي 502 هـ). شركة دار الأرقم. بيروت 1420 هـ.
ـ المستطرف في كل فن مستظرف. شهاب الدين محمد أحمد الأبشيهي. تحقيق سعيد محمد اللحام. عالم الكتب. بيروت 1419 هـ.
ـ المقتطف من أزاهر الطرف. ابن سعيد المغربي الأندلسي (توفي685 هـ). منشورات شركة أمل. القاهرة. 1425 هـ.
ـ زهر الآداب وثمر الألباب. إبراهيم بن علي ابو اسحق الحصري (المتوفي453هـ). تحقيق محمد زكي مبارك. دار الجيل . بيروت 1929.
ـ أمالي ابن المزرع. أبو بكر يموت بن المزرع العبدي أبو هفان(المتوفي 304 هـ). المكتبة الشاملة.
ـ مختارات أحمد تيمور. أحمد تيمور. دار الكتاب العربي ـ مصر 1956
ـ حلية المحاضرة. محمد بن الحسين بن المظفر الحاتمي (المتوفي 388 هـ). المكتبة الشاملة.ـ
ـ اللطف واللطائف. عبد الملك بن محمد ابو منصور الثعالبي (المتوفي 429 هـ). المكتبة الشاملة
ـ مطالع البدور ومنازل السرور. علي بن عبد الله الغزولي البهائي الدمشقي. (المتوفي815 هـ). المكتبة الشاملة
ـ كتاب المثالب (مثالب العرب) . ابومنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي (المتوفي 204 هـ). تحقيق رانا محمد. لاهور 1977
ـ رسائل الثعالبي. عبد الملك بن محمد أبو منصور الثعالبي النيسابوري. (توفي 429 هـ). مكبعة الجوائب. القسطنطينية. 1301 هـ.
ـ جمهرة انساب العرب . إبن حزم. تحقيق عبد السلام محمد هارون. دار المعارف. مصر 1962
ـ بهجة المجالس وأنس المجالس. لإبن عبد البر النمري القرطبي (المتوفي 463هـ)
ـ زهر الآداب وثمر الألباب. إبراهيم بن علي ابو اسحق الحصري (المتوفي453هـ). تحقيق محمد زكي مبارك. دار الجيل . بيروت 1929.
ـ شذرات الذهب. ابن العماد الحنبلي. بيروت.
ـ أنساب الأشراف. البلاذري. دار المعارف. مصر 1959
ـ نسب قريش. مصعب بن الزبير.دار المعارف. مصر 1953
ـ جمهرة النسب. هشام الكلبي. جامعة الدول العربية. مصر
ـ المنمق. محمد بن حبيب. حيدر آباد 1964
ـ المحبر . محمد بن حبيب. حيدر آباد 1942
ـ مجالس ثعلب. احمد بن يحي الشيباني المعروف بثعلب (المتوفي 291 هـ).
ـ كتاب الورقة. ابو عبد الله محمد بن داود بن الجراح (المتوفي 296 هـ).
ـ زهر الآداب وثمر الألباب. إبراهيم بن علي ابو اسحق الحصري (المتوفي453هـ). تحقيق محمد زكي مبارك. دار الجيل . بيروت 1929.
ـ مبلغ الأرب في فخر العرب. شهاب الدين احمد بن حجر الهيتي (المتوفي:974 هـ). المكتبة الشاملة.
ـ الهفوات النادرة. محمد بن هلال الصابي (متوفي 480 هـ). تحقيق صالح الأشتر. منشورات مجمع اللغة العربية. دمشق
ـ أخبار ابي نواس. عبد الله بن أحمد العبدي الملقب أبو هفان(المتوفي 257 هـ). المكتبة الشاملة.
ـ أخبار القضاة. محمد بن خلف بن حيان الملقب بوكيع (المتوفي: 306 هـ). تحقيق: عبد العزيز مصطفى المراغي. المكتبة التجارية الكبرى. مصر. 1947. (3 أجزاء).
ـ حلية المحاضرة. محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي (المتوفي:388هـ). المكتبة الشاملة.
ـ أمالي ابن المزرع. أبو بكر يموت بن المزرع العبدي أبو هفان(المتوفي 304 هـ). المكتبة الشاملة.
ـ التحف والهدايا. الخالديان. ابو بكر محمد بن خالد الهاشمي (المتوفي 380 هـ). وابو سعيد بن هاشم الخالدي (المتوفي 371 هـ). المكتبة الشاملة.
ـ العقد المفصل في قبيلة المجد المؤثل. حيدر بن سلمان الحلي الحسيني. (المتوفي1304 هـ). المكتبة الشاملة
ـ أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم. ابو بكر بن يحي الصولي (المتوفي 335هـ). مطبعة الصاوي. مصر. 1355 هـ
ـ نشوار المحاضرة. المحسن بن علي التنوخي البصري (المتوفي 384هـ). تحقيق عبود الشالجي. دار صادر. بيروت. 1971
ـ المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي- طبعة حيدر آباد الدكن 1357.
ـ نثر الدر في المحاضرات. منصور بن الحسين الرازي، أبو سعد الآبي (المتوفي 421هـ). تحقيق. خالد عبد الغني محفوظ. دار الكتب العلمية. بيروت 2004
ـ الأزمنة والأمكنة. أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي (المتوفي 421 هـ). دار الكتب العلمية. بيروت 1417
ـ الأوائل. ابو هلال الحسن بن عبد الله العسكري (المتوفي 395 هـ). تحقيق د. محمد السيد الوكيل. دار البشير. طنطا. 1408
ـ الصناعتين. ابو هلال الحسن بن عبد الله العسكري (المتوفي 395 هـ). تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد ابو الفضل إبراهيم. المكتبة العصرية. بيروت. 1419.
ـ البخلاء. عمرو بن بحر الكناني ابو عثمان الجاحظ (المتوفي 255 هـ). تقديم عباس عبد الساتر. مكتبة الهلال. مصر 1419.
ـ البيان والتنيين. عمرو بن بحر الكناني ابو عثمان الجاحظ (المتوفي 255 هـ). تحقيق علي بو ملحم. دارومكتبة الهلال. بيروت 1423.
ـ كتاب الحيوان. عمرو بن بحر الكناني ابو عثمان الجاحظ (148ـ 255 هـ). تقديم محمد باسل. دار الكتب العلمية. بيروت 1424
ـ الرسائل السياسية. عمرو بن بحر الكناني ابو عثمان الجاحظ (148ـ 255 هـ). تحقيق د. علي ابو ملحم. دار ومكتبة الهلال. بيروت. 1423
ـ كتاب الأذكياء. جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفي:597). مكتبة الغزالي.
ـ المدهش. جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفي:597). تحقيق د. مروان قباني. دار الكتب العلمية. بيروت
ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار. جار الله الزمخشري (توفي في 593 هـ). تقديم وشرح. عبد الأمير مهنا. مؤسسة الأعلمي. بيروت. 1412 هـ. 5 أجزاء.
ـ ثمار القلوب في المضاف والمنسوب. عبد الملك بن محمد ابو منصور الثعالبي (المتوفي 429 هـ). دار المعارف. القاهرة.
ـ العين. أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: 170هـ).تحقيق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي. دار ومكتبة الهلال عدد الأجزاء: 8
ـ التمثيل والمحاضرة. عبد الملك بن محمد ابو منصور الثعالبي (المتوفي 429 هـ) . تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو. الدار العربية للكتاب. 1981
ـ يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. عبد الملك بن محمد بن اسماعيل أبو منصور الثعالبي. تحقيق: د. مفيد محمد قمحية. دار الكتب العلمية. بيروت. 1983
ـ الكشكول. محمد بن حسين، بهاء الدين العاملي (المتوفي 1031هـ). تحقيق: محمد النمري. دار الكتب العلمية. بيروت 1998.
ـ نهاية الأرب في معرفة فنون العرب. أحمد بن عبد الوهاب، شهاب الدين النويري (المتوفي 733 هـ). دار الكتب والوثائق القومية. القاهرة 1423 هـ. 33 جزء
ـ ابجد العلوم. ابو الطيب محمد صديق خان الحسيني القنوجي (المتوفي 1307). دار ابن حزم. 2002
ـ المحاسن والأضداد. المنسوب الى عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى 255هـ). دار الهلال. بيروت. 1988
ـ جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة. أحمد زكي صفوت. المكتبة العلمية. بيروت 1933. 3 أجزاء
ـ مسبوك الذهب في فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب. مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي. تحقيق: نجم عبد الرحمن. مكتبة الرشيد. الرياض. 1990.
ـ رسائل ابن حزم. ابو محمد علي بن أحمد بن حزم الأندلسي (المتوفي:456 هـ). تحقيق: احسان عباس. المؤسسة العربية للدرسات والنشر. بيروت 1980
ـ لسان العرب. محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ). دار صادر. بيروت 1414 هـ.
ـ كتاب الأغاني. أبو الفرج الأصفهاني. تحقيق: سمير جابر. دار الفكر. بيروت. 24 جزء.
ـ الجامع لمفردات الأدوية. ضياء الدين عبد الله بن أحمد الأندلسي (ابن البيطار). دار الكتب العلمية. بيروت 2001
ـ المحاسن والمساوىء. ابراهيم البيهقي (المتوفي: 320 هـ). دار المعارف. مصر 1991.
ـ تسهيل المنافع في الطب والحكمة. ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق. منشورات مكتبة الشيخ محمد المليجي. مصر
ـ أمثال العوام في الأندلس. ابو يحي عبيد الله الزجالي القرطبي. نحقيق: د. محمد بن شريفة (المتوفي:694 هـ). منشورات وزارة الدولة للشؤون الثقافية. فاس. 1975
ـ المجموع اللفيف. القاضي أمين الدولة محمد بن محمد بن هبة الله الأفطسي (المتوفي:515هـ). تحقيق: د. يجي وهيب الجبوري. دار الغرب الإسلامي. بيروت 2005
ـ ديوان الحسين بن الضحاك الخليع، جمع وتحقيق عبد الستار أحمد فراج. دار الثقافة بيروت 1960
ـ ديوان ابي نواس. شرح محمود أفندي واصف. المطبعة العمومية. مصر 1898
ـ ذم الملاهي. أبو بكر عبد الله بن محمد البغدادي المعروف بإبن أبي الدنيا (المتوفى: 281هـ). تحقيق: عمرو عبد النعم سليم. مكتبة ابن تيمية. الرياض. 1416 هجرية.
ـ سياست نامة. سير الملوك. الحسين بن علي بن اسحق الطوسي المعروف بنظام الملك (المتوفى:485هـ). تحقيق: يوسف حسين بكار. دار الثقافة. قطر 1407 هجرية.
ـ المنمق في أخبار قريش. محمد بن حبيب بن أمية، ابو جعفر البغدادي. (المتوفي:245 هـ). تحقيق: خورشد أحمد فاروق. عالم الكتب. بيروت 1985
ـ نشوة الطرب في تأريخ جاهلية العرب. ابن سعيد الأندلسي (المتوفي:654 هـ). تحقيق: د. نصرت عبد الرحمن. مكتبة الأقصى.عمان. الأردن.
ـ الممتع في صنعة الشعر. عبد الكريم النهشلي القيرواني. تحقيق: د. محمد زغلول سلام. دار العارف. الاسكندرية.
ـ شمس العلوم. نشوان بن سعيد الحميري. تحقيق: حسين بن عبدالله العمري. دار الفكر ـ دمشق
المطبعة العلمية. 1999
ـ كتاب التعريفات. علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816هـ). المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر دار الكتب العلمية بيروت. الطبعة: الأولى 1403هـ -1983م
ـ دستور العلماء او جامع العلوم في اصطلاحات الفنون. القاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (المتوفى: القرن 12هـ). عرب عباراته الفارسية: حسن هاني فحص. دار الكتب العلمية . بيروت الطبعة: الأولى. 2000 عدد الأجزاء (4).
ـ جمهرة اللغة. أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (المتوفى: 321هـ). تحقيق: رمزي منير بعلبكي. دار العلم للملايين. بيروت الطبعة: الأولى، 1987م . عدد الأجزاء: 3
ـ تاج العروس من جواهر القاموس. محمد مرتضى الواسطي الزبيدي (المتوفي عام1205هـ). تحقيق: علي شيري. دار الفكر. بيروت 1994 (20) جزء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here