المبالغة في نزاهة رجالات العهود السابقة؟!

علاء كرم الله

من الطبيعي أن نختلف في تقييمنا للحكومات التي قادت العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 من ملكية الى جمهورية ، ولحين أحتلال العراق الغاشم من قبل أمريكا وبريطانيا ، فقد أختلف معك وتختلف معي على شخصية الملك أو رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية أو ذاك الوزير وتلك الوزيرة وهذا الحزب وذاك وما الى ذلك ، من ناحية أدائهم السياسي وكيفية تعامله مع هذه القضية وتلك ، وأختلافنا يصل في أحايين كثيرة الى الحدة والمشاجرة والخصام والقطيعة! ، لأننا كشعوب عربية معروفين بأننا لا نحترم ولانسمع الرأي الآخر! ، وكل رأي آخر يخالفنا، يعتبر خصما وعدوا لنا!!؟ . ولكن مع كل خلافاتنا العميقة تلك ، نتفق جميعا وبيقين تام وبلا أية مناقشة!! ، بأن كل تلك الحكومات التي آشرنا أليها ، كانت حكومات وطنية بكل قادتها وزعاماتها ورجالاتها المعروفين بنزاهتهم وأخلاصهم للعراق ، رغم صراعاتهم وأختلافاتهم ورغم كل ماقاموا به من ثورات وأنقلابات ضد بعضهم البعض ألا أنهم كانوا يحبون العراق ويعتبرونه قدسهم! وقبلتهم وحبهم وتاجهم الكبيرالذي يضعونه على رؤوسهم ويخافون عليه. ولا يمكن مقارنة تلك الحكومات وبأي حال من الأحوال ، بحكومات ما بعد الأحتلال الأمريكي!! وأترك التقييم للقاريء! ، وفي الحقيقة أنا لا ألقي باللوم والسبب بذلك على الطبقة السياسية وعلى الحكومات!!؟ ، بقدر ما ألقي باللوم على المحتل الأمريكي وكل من تعاون معه سرا وعلانية ، لأن الأمريكان الأوغاد ، هم من قصوا شريط الفساد منذ الأيام الأولى للأحتلال!! عندما سرقوا ونهبوا الكثير من الأموال العراقية وسبائك الذهب والمقتنيات والأثار المهمة التي لا تقدر بثمن والتي كانت موجودة في خزائن وقاصات البنك المركزي العراقي! ، وتم نقلها الى الخارج ، قسم الى أمريكا وقسم الى أسرائيل وبريطانيا! . لقد عمل الأمريكان خلال 20 سنة التي مرت بسياسة ممنهجة ومدروسة ، على أفساد الطبقة السياسية والمجتمع بشكل عام وعلى السواء بشتى الأساليب والطرق! وهذه معروفة كسياسة لأي محتل وهو نشر الفساد وتشجيعه وغض النظر عنه بدأ من الطبقة السياسية ونزولا الى باقي مفاصل الدولة والمجتمع . وبسبب أجواء الفساد هذه أصبح المواطن في العراق تجذبه وتستهويه عبارة وكلمة نزاهة ! ، عندما تمر عليه أو يسمع عنها أوعندما يسمع عن قصة أو حادثة تتكلم عن النزاهة فيأخذه العجب ويتوقف عندها طويلا! ، لأن النزاهة بعد الأحتلال الأمريكي للعراق لم يعد لها وجود لدى الطبقة السياسية الحاكمة ألا ما رحم ربي! ، فقد ضاعت وغابت ، بل وأنمحت من ضمير الكثير الكثير من العراقيين سياسيين أو حتى غير سياسيين وصار البحث عنها ومع الأسف كأنك تبحث عن أبرة في كومة بل في أكوام من القش! . أن أكثر وأغلب قصص النزاهة التي تتناولها مواقع التواصل الأجتماعي أو التي قرأنا عنها وسمعناها هي عن نزاهة رجالات العهد الملكي بكل مناصبهم من الملك الى رئيس الوزراء والوزراء والموظفين و و و ، وأحيانا وأنا هنا أتكلم عن نفسي!! ، فمن كثرة ما كتب عن نزاهتهم في الكثير من المواقف والمواضيع ، جعلني أتحفظ على تلك النزاهة!! ، ليس من باب التشكيك بها لا سامح الله ، بقدر ما أرى فيها شيء من المبالغة التي لا يتقبلها العقل!؟ مع كل الأحترام والتقدير لكل تلك القصص ورجالاتها ، فهم محل تقدير وثناء مني ومن قبل غالبية العراقيين . وسأنقل هنا وبتصرف مني! ، قصص عن النزاهة لدى مسؤولين من تلك العهود التي مرت وحكمت العراق ، وبالتالي نعلق عليها!؟. تقول الحكاية الأولى وهي من بداية العهد الجمهوري : ((( أنه وبعد أنبثاق ثورة 14 /تموز المجيدة عام 1958 ، وفي أول تشكيل حكومي لحكومة الثورة ، تم تعيين الدكتور (عبد الجبار الجومرد وزيرا للخارجية)، وكان الى جانب كونه رجل سياسة ، كان رياضي وشاعر وفنان وكاتب ! هكذا تنقل الحكاية! وللمعلومة؛؛ أن عبد الجبار الجومرد ، حاصل على شهادة الدكتوراه في القانون ، وكذلك شهادة الدكتوراه في الأدب من جامعة باريس! ، وكان عضوا في المجلس النيابي في العهد الملكي ، وكذلك عمل في الجامعة العربية ممثلا عن العراق؛؛ ، كما تم تعيين السيد (محمد حديد ، والد المهندسة المعمارية الشهيرة زها حديد! وزيرا للمالية) ، والذي كان قد أكمل دراسته في بريطانيا في الأقتصاد والعلوم السياسية ، وهو يعد من أبرز الأقتصاديين العراقيين وخبيرا بارزا في شؤون الصناعة والتنمية أنذاك ، وكلا الرجلين من أهالي مدينة الموصل ومن عوائلها الكريمة والمعروفة ( يعني مو ولد فكروكاتلهم الجوع ومزورين شهاداتهم!)، المهم أن الحكاية تقول ، بأنهم عندما وصلا الى بغداد ، واجهوا مشكلة عويصة! وهي السكن؟ (وين راح يسكنون وهم وزراء؟ والثورة هستوها صايرة)، فأضطروا الى تأجيرغرفة في فندق متواضع أسمه ( فندق جبهة النهر) بالقرب من جسر الأحرار!! ، وتقول الحكاية ، أنهم وفي يوم من الأيام زارهم أحد أصدقائهم من أيام الدراسة الثانوية ، وشافهم مخبوصين ديسوون ريوك! وريوكهم ، جان (جاي وكرصة خبز وماعون لبن!!؟) ، فصديقهم والذي يدعى فاروق ، اتعجب من شافهم هيج! وكاللهم معقولة يمعودين أنتوا صرتوا وزراء ، شنو هنا كاعدين بهاية الغرفة التعبانة ، يمعودين متاخذولكم فد قصر على نهر دجلة!! ، تقول الحكاية بأنهم نظروا أليه بأبتسامة وكلوله أحنا أجينا نخدم مو نحكم!!))) . الى هنا أنتهت الحكاية. وللتعليق على الحكاية نقول : وأرجو أن يتسع صدر القاريء وكل محبي رجالات العهد الملكي ولكل محبي النزاهة والأخلاص ، ونسأل : لماذا أستاجروا هذه الغرفة المتواضعة بهذا الفندق البسيط؟ ولماذا هذا الفطور الفقير؟ وأنا متأكد بأن بيوتهم كانت أكبر من الفندق وأحلى وأجمل وأكلهم وشربهم مال أهل خير ودلال!؟ ، ولماذا لم يقيموا في فندق بغداد مثلا! الذي كان يعد من أحسن وأجمل الفنادق على مستوى الشرق الوسط والمطل على نهر دجلة ، بنفس مكانه الحالي؟ أليس من المناسب واللائق أن يقيموا بهذا الفندق بدلا من ذاك؟ ، لأنه يليق بهم وبمقامهم؟ ، وبأمكانهم أن يدفعوا أجور الأقامة مال الفندق من فلوسهم الشخصية! ( طبعا هم من عوائل ثرية! ومعروفة) ، بأعتبار أنهم لا يريدون يكلفون خزينة الدولة لنزاهتهم!؟ أليس كذلك؟ واذا كان الموضوع علمود القرب من مكان عملهم ! ، فأعتقد العراق بذاك الوكت ، جانت بي تكسيات ومن أحدث الموديلات! وكذلك فيه مكاتب لتأجير السيارات الحديثة! ، وبأمكانهم تأجير سيارة تنقلهم من محل أقامتهم الى أماكن عملهم!؟ الى ان تستقر أوضاع البلاد والثورة ويتم ترتيب أوضاعهم! . أكرر أنا لا أشكك في أصل الحكاية وأقول وأكرر وأؤكد على مهنيتهم ونزاهتهم كحال بقية الوزراء ولكن ( أكو فرق بين النزاهة والبخل!!!) ، وأنا لا أقصدهم بذلك ، لأن صورة الحكاية ومشاهدها تدفع بنا للتعليق عليها!؟. وحكاية أخرى عن النزاهة وهذه المرة في العهد الملكي ، وعن الباشا نوري السعيد الزعيم السياسي ورئيس الوزراء الأكثر شهرة بتاريخ العراق الحديث ، وسأنقلها بتصرف مني أيضا ، تقول الحكاية : ((( أنه وفي أحد الأيام رجع الباشا نوري السعيد بعد أنتهاء دوامه الى البيت ، ورأسا زوجته (وهي السيدة نعيمة العسكري أخت الفريق جعفر العسكري وزير الدفاع!) ، تلكته من الباب ، كلتله شلون نوري دبرني ، شسووي اليوم عزمت بيت فلان يجون يمنه يشربون الجاي وأفتح الثلاجة كلشي مابيها ، أي شنو مو عيب شيكولون علينا ؟! ، روح تسوكلنه فدشي حلويات أي شي عيب من الناس! تقول الحكاية ، بأن الباشا نوري السعيد رحمه الله ، كللها بنت الأوادم منين أجيب هذا راتبي وهذا المصروف دبريها ما عندي!!؟)) ، وأعود بالقول والرجاء أن يتسع صدر القاريء وتحديدا محبي العهد الملكي الى تعليقنا : أن الباشا نوري السعيد لم يكن فقيرا فهو من أوائل الضباط وكبارها في العهد الملكي وخريج االكلية العسكرية في الأستانة في تركيا وكذلك حاصل على درجة الأركان من هناك ، وتقلد مناصب عسكرية كثيرة وكبيرة ، وأستلم رئاسة الوزراء في العهد الملكي (14) مرة! ، هذا كله وهيج صار فكر!، وما عدهم شي بالثلاجة!!؟ معقولة؟؟ شنو جان يشتغلون بلاش؟ بعدين هي زوجته أخوها وزير الدفاع وبنت خير ودلال وعز هيج ولا فلس أكو بالبيت؟؟. بعدين الراتب بذاك الوكت كان بي حوبة! حيث الدينار العراقي كان قويا ومغطى بالذهب ، لا سيما أذا علمنا بأن الدينار العراقي حتى وأثناء حرب الخليج الأولى التي دامت ثمان سنوات ، كان الدينار العراقي يساوي 3 دولارات! ، فما بالك بالعهد الملكي والدنيا كانت أرخص والموظف اللي راتبه 15 دينار أو 20 يعني فوك النخل وكلش كشخة! ، لأن الحياة أصلا بسيطة ورخيصة ، فكيف والباشا نوري السعيد وهو رئيس وزراء وعسكري كبيرسابق!!؟ ، ألا ترون معي أن هناك مبالغة في موضوع نزاهتهم!!؟. وحكاية أخرى ، عن النزاهة وهذه المرة مع الملك فيصل الأول ، ملك العراق نفسه! وأروي الحكاية وبتصرف مني أيضا حيث تقول الحكاية : ((( أن الملك فيصل الأول أراد أن يشتري سيارة فأراد سلفة لأنه لم يكن يمتلك المال الكافي! ، فقدم طلبا أصوليا بذلك الى وزير المالية المرحوم ساسون حسقيل ، فتم رفض طلبه! بذريعة عدم وجود مخصصات أضافية او ماشابه ذلك!؟))) الى هنا أنتهت الحكاية. وللتعليق على الحكاية نقول: أن الملك فيصل الأول رحمه الله هو ملك ، وأبوه زعيم وقائد الثورة العربية في الحجاز ( الحسين أبن علي) وهو من وجهاء العرب ومن أسرهم العريقة والمعروفة في الحجاز، فهل يعقل أن أبنه الملك ما عنده فلوس يشتري سيارة ، بحيث يحتاج الى سلفة!؟ ألا ترون في ذلك شيء من المبالغة؟! ، وهناك حكايات كثيرة عن نزاهة رجالات تلك العهود التي حكمت العراق من ملكية الى جمهورية . أعود بالقول أنا لا أشكك في كل الروايات التي تحدثت عن نزاهة اؤلائك الرجال الشرفاء الكبار ، ولكن أرى أن من نقل عنهم تلك الروايات قد بالغ في ذلك!! (والعراقيين أحنه معروفين بالمبالغة كطبيعة شعب!!). أخيرا نقول : رحم الله كل من خدم ويخدم العراق بشرف ونزاهة وأخلاص وتفاني وحب وبكل روح وطنية ، وبغض النظر عن منصبه ودينه ومذهبه وقوميته.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here